vendredi 29 juin 2018



المعرفة المحرّمة!


بدرالدين عرودكي 
حين أنهى عمر أميرالاي أول فيلم وثائقي طويل أخرجه وشاركه في تصميمه وكتابته سعد الله ونوس، الفيلم الذي حمل عنوان: الحياة اليومية في قرية سورية، لم يكن مع شريكه قد درسا علم الاجتماع، ولا اطلعا أو تدربا في مدرسة عليا أو في جامعة من قبلُ على ممارسة الدراسات الاجتماعية في ميادينها المختلفة. كان سينمائيًّا وكان شريكه كاتبًا مسرحيًّا، لكنهما، مع ذلك، أو ربما لأنهما كانا على وعي حادٍّ بإمكانات الأداة السينمائية وبخطورتها، أنجزا أول وأهم دراسة اجتماعية سياسية جديرة بهذه الصفة، عبر وثيقة سمعية/بصرية لا تزال تنطوي على شهادات ثمينة ندر أن انطوى عليها عمل سينمائي أو فني أو أدبي أو بحث في العلوم الاجتماعية في تاريخ سورية الحديث.
كانت النسخة الأولى التي أنجزاها من الفيلم بمثابة الطبعة الأولى التي كانا ينويان إجراء  التعديل عليها وإغناءها بالملاحظات التي سيبديها بعد رؤية الفيلم أبطاله أنفسهم، الذين لم يكونوا ممثلين محترفين في فيلم روائي تخييلي، بل كانوا يعيشون حياتهم التي كان هدف الفيلم الوثائقي نقلها صورًا يمكن لكل مواطنيهم في سورية أولًا، لا أن يروها فحسب، بل أن يعيشوها مكثفة خلال ما يقارب تسعين دقيقة. كان أبطال الفيلم الذين لم يسبق لهم أن عرفوا السينما من قبل يؤدون إذن دورهم الحقيقي، أي يستمرون في العيش أمام الكاميرا دون سيناريو مسبق. وكان عليهم أن يروا الفيلم قبل أن يراه الجمهور، وأن يقولوا، أمام من قاما بتشخيصهم وبتصويرهم وبتحديد مواقعهم في هذا القطاع من المجتمع السوري، وفي لحظة تاريخية محددة، ما كان يبدو لهم في الفيلم من واقعي، أو كاذب، أو مزيِّف، أو مفتقر إلى الدقة. ومن ثمَّ، كان من المأمول أن يضاف إلى الفيلم الأصلي ملحق يشمل والحالة هذه رأي أبطال الفيلم أنفسهم فيما رأوه. سوى أن صانعيْ الفيلم، ما إن انتهيا منه، وقدمته المؤسسة العامة للسينما (التي كان يديرها آنئذ حميد مرعي والذي أخذ على عاتقه بصفته هذه إنتاج هذا الفيلم) إلى الرقابة لإجازته، حتى صدر قرار الرفض القاطع لعرضه على الجمهور. وكان هذا القرار بمثابة حكم بالإعدام على هذه المبادرة الجريئة وغير المسبوقة في تاريخ السينما العربية؛ فقد اعتبرت السلطات المسؤولة هذا العمل الرائد ــ "كما نقل عن وزير الثقافة آنئذ ــ  "شتيمة للدولة التي موَّلت أنتاج هذا الفيلم".
والحقيقة أن أحدًا لم ينتبه، عند صدور هذا القرار، إلى المعنى الخفي الذي ينطوي عليه، والذي يمكن تلخيصه بجملة بسيطة يمكن أن تصاغ بطرق مختلفة: لا مجال للحديث عن المجتمع الراهن في سورية بأية طريقة كانت؛ أو: لا مكان للدراسات الاجتماعية في سورية، أيًا كانت وجهتها أو غاياتها؛ بل وقبل ذلك كله: لا مكان كذلك لتدريس العلوم الاجتماعية التطبيقية من أجل إعداد باحثين أكفاء في مختلف ميادين البحث الاجتماعي في بلد كسورية؛ هذا التدريس الذي كان من المفروض أن يكون الأولوية الأولى في مشروعات كل من تصدوا لحمل المسؤولية السياسية أو الحزبية أو الثقافية فيها.
كنا لا نزال يومئذ  في السنة الأولى من سبعينيات القرن الماضي. وكان ذلك يعني استمرارية "تقليد" سارت عليه الحكومات المتعاقبة في سورية، مدنية وعسكرية، طوال ما لا يقل عن نصف قرن. لكن هذا "التقليد" سيرقى طوال عهد الأسد، أبًا وابنًا، إلى مقام "المحرَّمَ"، أي ما يشبه التحريم المطلق، والصامت، لأي دراسة اجتماعية وصفية حقيقية تتناول مشكلة اجتماعية راهنة. ذلك ما يفسر في جانب جوهري تحريم عرض أفلام عمر أميرالاي التالية لفيلمه الطويل الأول "الحياة اليومية في قرية سورية": "الدجاج" و"طوفان في بلاد البعث"؛ هذا التحريم الذي كان أبلغ تعبير عن "السياسة الثقافية" للعهدين الأسديين، أي طوال ما يقارب نصف قرن.  
لا بد من الإشارة إلى أن أصول هذا "التحريم" الذي لم يكن يقول اسمه إن صحَّ التعبير، كانت تتواجد في "تراثنا الثقافي/السياسي منذ العقد الثاني من القرن العشرين. وقد استمر الوضع على هذا النحو حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي، لكنه تطور مع العهد الأسدي وصار بليغ التعبير منذ بداية السبعينيات ولا يزال كذلك حتى اليوم.  
في مقال سابق حول الثيمة ذاتها، جرى الحديث عن غياب علم الاجتماع ودراساته التطبيقية في التعليم الجامعي السوري، وأشير فيه إلى أن إعادة تعميد قسم الفلسفة والدراسات الاجتماعية من خلال قسمين مستقلين أحدهما للفلسفة والآخر لعلم الاجتماع لم، ولن يغير من الأمر شيئًا، مادام التحريم لا يزال يطال الدراسات التطبيقية لمختلف المظاهر والمشكلات الاجتماعية الراهنة، لكنه يسمح فيما وراء ذلك، أي دراسة كل ما ينتمي إلى الماضي.  
هكذا بقيت المكتبة العربية شديدة الفقر بالدراسات الاجتماعية التطبيقية حول المجتمع السوري المعاصر. وستبقى الدراسة الفريدة، التطبيقية والميدانية، في العلوم الاجتماعية التي أنجزت عن بلاد الشام، تلك التي قام بها رفيق التميمي ومحمد بهجت في بداية العقد الثاني من القرن الماضي، استثناء يؤكد القاعدة؛ فقد أجريا دراستهما الميدانية التي حملت عنوان ولاية بيروت، وتناولا فيها الساحل السوري واللبناني والقسم الشمالي من الساحل الفلسطيني عشية الحرب العالمية الأولى، وقدما دراسة تفصيلية ودقيقة باتت الآن وثيقة شديدة الأهمية لمختلف  جوانب الحياة الاقتصادية والحياة الاجتماعية في ساحل البلدان الثلاثة، ولاسيما التركيب السكاني فيها،  إثنيًا وطائفيًا وثقافيًا. 
لن نعثر على مثيل تلك الدراسة في الدراسات الأخرى في العلوم الاجتماعية عامة، وعلم الاجتماع خاصة، التي تناولت المجتمع السوري الحديث منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى اليوم. سوف نعثر على  دراسات قيمة ولا شك، لكنها لا يمكن أن تندرج في عداد الدراسات الاجتماعية التطبيقية بقدر ما يمكن أن تصنف ضمن أبحاث التاريخ الاجتماعي، الوصفي أو العام، لقطاعات محددة من المجتمع السوري، في مراحل زمنية تغطي، على سبيل المثال، فترات محددة خلال القرنين، الثامن عشر والتاسع عشر، ككتاب يوسف جميل نعيسة، مجتمع مدينة دمشق 1772 ـ 1840؛ أو كتاب عبد الله حنا، حركات العامة ـ الدمشقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكتابه الآخر العامية والانتفاضات الفلاحية في جبل حوران 1850 ـ 1918.
لا شك أن جهد عبد الله حنا البحثي في مجال التاريخ الاجتماعي هائل في هذا المجال، إلا أنه لم يكن يتجاوز هذا الإطار (وما كان عليه بالضرورة أن يتجاوزه بحكم اختصاصه الأساس كمؤرخ) إلى مجال الدراسات الاجتماعية التطبيقية التي نعنيها. على أن الدلالة الأشد بلاغة في هذا المجال، كان غياب مركز بحث وطني ينتج الأبحاث والدراسات. لم تبادر أية حكومة لإنشاء مثل هذا المركز، ولم تبادر أية صحيفة ــ وكلها رسمية كما نعلم ــ إلى إنشاء مركز دراسات خاص بها كما فعلت مؤسسات صحفية كبرى في العالم العربي وخصوصًا في مصر، كما فعلت مؤسسة الأهرام حين أنشأت مركز الدراسات الاستراتيجية مثلًا.
هكذا بقي المجتمع السوري المعاصر ذلك المجهول الذي لم يسمح لأحد بدراسته أو محاولة معرفته. وكما أن أفلام عمر أميرالاي التي حاولت اختراق هذه المحرمات قد منعت وحرِّم على السوريين رؤيتها، كذلك حيل بين كل من تسول له نفسه من الباحثين ــ إذا ما وجدوا داخل سورية أو خارجها ــ وبين مباشرة مثل هذه المحاولات.

** نشر على موقع جيرون، يوم الجمعة 29 حزيران 2018.


lundi 25 juin 2018



الجغرافيا السورية المجهولة: بشرًا ومجتمعًا 
بدرالدين عرودكي
كيف حدث أن أسماء قرى ومدن صغيرة سورية منتشرة على المساحة السورية برزت فجأة، وبدت مع انطلاق المظاهرات في آذار 2011 وهي تنادي بالحرية والكرامة ثم بسقوط النظام، جديدة كل الجدة على أسماع معظم السوريين الثائرين؟ وكيف حدث أن هذا الاكتشاف لم يقتصر على الشباب منهم، بل شمل مثقفيهم ومناضليهم بما فيهم المخضرمين منهم؟ وكيف اضطر معظمهم إلى التفكير بأنه كان عليهم البدء في تعيين مواقع هذه القرية أو تلك المدينة الصغيرة، التي لم تطرق مسامعهم من قبل، على الخريطة السورية؟ وكيف ظهر هذا الشبق شديد الخجل إلى معرفة جغرافية لم يكن في حسبان هؤلاء وأؤلئك ممن  كانوا، وهم يدعون إلى إدراك الواقع الاجتماعي والتاريخي للمجتمع السوري، يجهلون حتى مدى جهلهم بما كانوا يدعون إليه؟
كان ذلك من أوائل الوقائع الخفية التي أتاحت الثورة السورية الكشف عنها منذ يوم انطلاقها وانتشارها في كل أرجاء سورية. لقد بدا أن عمداء النظام الأسدي كانوا أكثر العارفين بجغرافية سورية، الطبيعية والبشرية، وإن كانت تقتصر على كل ما هو ضروري لإحكام قبضتهم ورقابتهم؛ إذ بدا أيضًا أن كل من كانوا يعارضونهم أو يزعمون معارضتهم، من هيئات أو أحزاب أو من أفراد الطليعة المثقفة، كانوا أكثر الجاهلين حتى بأقل القليل!
على أن هذا الجهل شبه المعمم لم يكن إلا تعبيرًا عن واقع خفيّ، أعمق وأشمل، يقول بعضًا من مشكلة بقيت، على أهميتها الجوهرية، بعيدة عن اهتمامات الغالبية العظمى من العاملين في الشأن العام، سياسيين أو مثقفين، ونعني بها ضرورة الإحاطة العميقة بمختلف جوانب المجتمع السوري ومشكلاته في تجلياتها العديدة وفي تفاصيلها، الديموغرافية والاقتصادية، والصحية، والتعليمية، والثقافية، أي بإيجاز: ضرورة استخدام العلوم الاجتماعية، ولاسيما التطبيقية منها، على نطاق واسع: في التعليم أولًا من أجل تكوين وتدريب الباحثين، ثم إنشاء مؤسسات ومراكز ضرورية تحتضنهم وتنظم عملهم في دراسة المجتمع الذي ينتمون إليه.   
من المعروف أن سورية حُكِمَت، بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، من قبل مجموعات سياسية شارك معظم أفرادها في النضال السياسي من أجل الاستقلال الذي تحقق على أيديها. لكن الانقلابات العسكرية المتوالية لم تتح لهذه المجموعات أن تنصرف إلى استكمال بناء الدولة الحديثة، التي كانت قمينة بتحقيقه اعتمادًا على خبرات متنوعة كانت عديدة وغنية بالمعارف وجادة ومتاحة، لو لم تستأثر العسكريتاريا بمسرح السلطة كي تحتكر مقاليدها من فوق خشبته مباشرة، أو من وراء ستار حزب "مدني"، طوال ما يقارب سبعين عامًا. لم يكن منهج هذه الهيمنة إلا الارتجال في كل شيء: سواء، على سبيل المثال، في وضع القوانين واعتمادها كما حدث عند إقرار القانون المدني في سورية (الذي كان ترجمة حرفية للقانون المدني الفرنسي) خلال إحدى جلسات مجلس الوزراء برئاسة الضابط الانقلابي حسني الزعيم، عام 1949، أو في المراسيم والقرارات التي تمس مختلف الشؤون الاجتماعية والمدنية، التي كانت تُحَرَّرُ، إما ارتجالاً  في غياب أية دراسات مسبقة في مجالاتها، وإما اعتمادًا على تجارب حكومات أخرى اطلع عليها أو سمع بها هذا الوزير أو ذاك.
لم يقتصر الأمر بالطبع على السلطة السياسية الممسكة بمقاليد الحكم، والتي كان بوسعها أن تخطط وتعمل من أجل ترشيد العمل السياسي والتنظيمي من خلال إنشاء مؤسسات بحثية ترفد الحكومة بكل ما يمكن أن يساعدها في اتخاذ قراراتها، بل شمل كذلك مختلف الأحزاب السياسية، يسارها ويمينها معًا، والتي كان كلٍّ منها يعتمد أيديولوجية خاصة به، مختصرة في عبارات وشعارات، من أجل التعبير عن رؤيته للواقع الاجتماعي، أو حين تريد ــ حين يتاح لها ذلك ــ نقد ما يصدر عن الحكومة من مراسيم أو قرارات. كما لو أن ثمة اتفاق غير معلن بين الجميع على إهمال العلوم الاجتماعية، إما جهلًا بإمكانات إسهاماتها المعرفية والتنظيمية في مختلف الحقول، ولاسيما خلال ربع القرن الأول الذي تلا الاستقلال، أو خوفًا من النتائج التي ستقود إليها دراسات حقيقية ومعمقة للمجتمع السوري تكون بمثابة ناقوس خطر يهدد سلطة الاستبداد في سورية التي استقرت مع الانقلاب العسكري البعثي في عام 1963، ثم تجذرت مع الانقلاب العسكري الثالث الذي تقدم باسم "حركة تصحيحية" يغطي بها سوآت ما ستشهده سورية خلال نيف وأربعين عامًا، قبل أن يخرج شبابها عام 2011 ليعلنوا مطلبهم في استعادة الحرية والكرامة.
كان تدريس العلوم الإنسانية (الآداب واللغات) في جامعة دمشق يحظى بالمقام الأول، في حين لم تكن العلوم الاجتماعية ومناهجها، وخصوصًا علم الاجتماع، تدرس فيها، ثم في الجامعات الأخرى التي أنشئت في المدن السورية الأخرى ولا سيما بحلب واللاذقية، إلا من خلال كتب نظرية وعامة بل شديدة العمومية. فأحد فروع كلية الآداب بجامعة دمشق مثلًا كان منذ عام 1947 وحتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي يحمل اسم "الدراسات الفلسفية والاجتماعية" الذي قُسِمَ، على غرار الأقسام الأخرى كالتاريخ والجغرافيا، ضمن التنظيم الجديد لكلية الآداب عام 1983، إلى قسمين مستقلين: الفلسفة وعلم الاجتماع.
بعبارة أخرى، كان لابد من انتظار ثمانين عامًا على تأسيس نواة الجامعة السورية التي صارت من بعد جامعة دمشق، أو، إن شئنا، ستين عامًا على الانتقال من النواة إلى الجامعة حين جمعت كلية الطب إلى كلية الحقوق عام 1923 تحت اسم الجامعة السورية، لكي يخصص قسم مستقل لعلم الاجتماع، وفي ظل نظام كان قد أوكل حرية الفكر إلى الضمير الذي كان بدوره مجسَّدًا في أكثر من ستة عشر فرعٍ أمني!  كان التعليم خلال الفترة كلها مقتصرًا على تاريخ علم الاجتماع ونظرياته العامة ضمن قسم الدراسات الفلسفية وا لاجتماعية، دون أن يتجاوز ذلك إلى أي ضرب من الدراسات التطبيقية أو إلى حلقات للبحث تسمح على أقل تقدير ببداية متواضعة من أجل إعداد جيل من الباحثين في هذا المجال.
كما لو أنه تقليد ورثه السوريون عن سلطات الانتداب الفرنسي. فالطلبة الذين أنجزوا دراساتهم العليا في علم الاجتماع حتى مستوى الدكتوراه بباريس خلال ثلاثينيات القرن الماضي، مثل خالد شاتيلا الذي نشرت رسالته لنيل الدكتوراه بباريس عام 1934 مع مقدمة لها كتبها أحد كبار علماءالأنثروبولوجيا الفرنسيين، مارسيل موس، لم تتح له فرصة تدريس المادة التي اختص بها، شأنه شأن معاصره، كاظم الداغستاني، الذي درس هو الآخر العلوم الاجتماعية بباريس ونشرت رسالته بالفرنسية عام 1932، ثم صفوح الأخرس، وكان قد درس العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد منها في نهاية ستينيات القرن الماضي، وسواهم كثير ممن لا يسمح المجال هنا لتعدادهم، من الذين لم تتح لأي منهم فرصة حقيقية من أجل الانصراف إلى إعداد جيل جديد في مجال العلوم الاجتماعية الذي اختاروه وصرفوا سنوات من أعمارهم للتعمق فيه دراسة وبحثًا. إذ سرعان ما ضمتهم السلطات الحكومية إلى وظائف لا علاقة لها باختصاصاتهم، أمينًا عامًا لرئاسة الجمهورية أو مديرًا لمكتب رئيس الوزراء أو مستشارًا في القصر الجمهوري!
لا يمكن بالطبع ختام حديث يطول حول هذا الموضوع هنا من دون الإشارة إلى ما كان المسؤولون السياسيون، بل وكذلك معظم المسؤولين الجامعيين، يفهمونه من دراسة علم الاجتماع أو تعليمه: علم الاجتماع النظري: مناهج علم الاجتماع ونظرياته المختلفة؛ على أن يقتصر استخدام هذه المناهج في دراسة المجتمع السوري خلال العهود الإسلامية أو العثمانية، دون مقاربة حاضر المجتمع السوري المعاصر. 
وليس الاستبداد على صعيد نظام الحكم من جهة، والتخبط في مواجهته على مختلف الصعد من جهة أخرى، إلا بعض علامات هذا الجهل المعمم بالجغرافيا السورية بشرًا ومجتمعًا.
ولا يبدو أن الأمور تغيرت، أو أنها ستتغير، حتى بعد إنشاء قسم مستقل يحمل اسم: علم الاجتماع!

** نشر على موقع جيرون يوم الإثنين 25 حزيران 2018.


jeudi 14 juin 2018




الترجمة قراءة وتأويلًا 
بدرالدين عرودكي 
للمَرَّة الأولى دومًا مذاق خاص: بكارة الاكتشاف، أيًا كان موضوعه. واكتشاف رواية فذٌّة خلال قراءتها للمرة الأولى، متعة تتلاشى ما إن تطوى الصفحة الأخيرة فيها. متعة لا تتكرر حتى مع العودة إلى قراءتها ثانية بعد سنوات. ثمة، مع ذلك، ضرب من الروايات التي تملك عنصرًا، لا يمكن تحديده على وجه الدقة، يجعلها قادرة على أن تنبعث جديدة، في كل مرة تقرأ فيها، وكأنها المرة الأولى. ويبدو أن من نوادر مثل هذه الروايات، تلك الرواية التي كتبها الصحافي البريطاني المولود في الهند جورج أورويل (1903ـ1950) ونشرها قبل تسعة وستين عامًا، في عام 1949، تحت عنوان 1984، والتي تملك على وجه التحديد هذا العنصر، إذا ما نظرنا إلى الرقم المتصاعد لمبيعات هذه الرواية حتى اليوم، ولاسيما في البلدان الناطقة بالإنكليزية، لغة كاتب الرواية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
فهذا النص الذي كتب قبل خمسة وثلاثين عامًا من الموعد الذي حدّده عنوانه للقارئ يبدو مع مرور الأيام وكأنه عرض نبؤة لاستمرارية نسق ونظام وجهاز مفهومي تشخصه الرواية، شهده النصف الأول من القرن العشرين في روسيا السوفياتية، وفي ألمانيا النازية، وفي إيطاليا الفاشية، وفي إسبانيا المزيج من كل ذلك بعد الحرب الأهلية فيها. لكن القارئ العربي الذي عاش نظم الاستبداد في مختلف بلدان العالم العربي التي يعيش فيها منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ نشر الرواية بالإنكليزية وقبل أن تنقل إلى العربية بزمن طويل، والقارئ السوري بوجه خاص، يكاد يرى في الرواية تجسيدًا لواقع تخييلي ينازعه على موقع الصدارة واقع حقيقي قائم، جسدته نظم كثيرة، ولاسيما منها النظام الأسدي، بوجه خاص، منذ عام 1970، ولا يزال مستمرًا في سورية وفي سواها من بلدان العالم العربي وسواه في آسيا وفي أفريقيا وإلى وقت قريب في أمريكا اللاتينية.
مناسبة هذا الحديث صدور ترجمة فرنسية جديدة مؤخرًا لهذه الرواية تطرح، ككل عمل جاد، عددًا من المسائل الإشكالية في مجالها، بما هي من حيث المبدأ قراءة "أخرى" للنص، تنطوي على تأويل جديد لا يمكن إلا أن يختلف عن القراءة السابقة عليه، تلك التي نشرت عبر ترجمتها في فرنسا على يد آميلي أوديبرتي، في السنة التالية لنشر الرواية، أي عام 1950.
ففي مقابلة جرت معها ونشرها ملحق الكتب بصحيفة اللوموند، تطرح صاحبة هذه الترجمة الجديدة، جوزيه كامون، التي أبدعت في ترجماتها التي عرفها القارئ الفرنسي لروايات الكاتب الأمريكي فيليب روث، إحدى أهم إشكاليات الترجمة عمومًا ــ وربما معضلتها الأساس ــ ولاسيما إعادة الترجمة: خيار المترجم أمام النص. فهي ترى أن هناك المترجم المتزمت، أي من يريد "العثور على حقيقة النص انطلاقًا من فكرة وجود حقيقة نهائية ووحيدة، شيء أشبه بالمطلق الإلهي"، وعلى هذا النحو تجري مقاربة ترجمة كل نص له صفة القدسية؛ وهناك المترجم اللاأدري، أي "ذلك الذي لا يملك، باعترافه، هذه الحقيقة لوحده، طالما أن كلَّ نصٍّ مصنوعٌ من إنتاجه ومن استقباله معًا؛ وفي هذا السياق، ينبني معنى النص مع كل قراءة متعاقبة، تشارك فيها بطبيعة الحال الترجمات" التي تجري له. ولكن ما الذي يبرر إعادة ترجمة مُبْدع أدبي اشتهر بسبب بعده السياسي الذي غطى على جوانبه الأدبية المحضة؟  هل كانت، أو هل باتت، الترجمة القديمة عاجزة عن أن تقول النص في كل أبعاده، الأدبية والسياسية؟ وما الحافز الذي يحمل مترجمًا على أن يستعيد نصّا بُذِلَ في سبيل ترجمته ما يكفي من الجهد؟ أم هي القراءة الجديدة التي يفرضها النص بفعل ما تراكم عليه وحوله خلال عشرات السنين من تأويلات وتعليقات وضروب مختلفة من سوء الفهم أو التفاهم؟ لعل الأقرب إلى الواقع هو كل ما سبق ذكره، وسواه أيضًا مما يمت بصلة إلى طبيعة وهدف القراءة التي يقوم بها من يقرر إعادة الترجمة.
في نقد الترجمة الأولى التي قامت بها آميلي أوديبرتي، تقول جوزيه كامون إنها لم تراع تباين ضروب مستويات اللغة المختلفة في تمثيلها للفوارق الطبقية القائمة بين مختلف الانتماءات الاجتماعية والسياسية لشخوص الرواية. فلغة الترجمة الأولى نموذجية لدى شخوص الرواية، متشابهة بينهم على اختلافهم، ومن ثمَّ فهي لا تقول ما قصد إليه أورويل في نصِّه. ذلك ما أدى في الحقيقة إلى طمس الجوانب الأدبية المحضة في الرواية على صعيد البناء وطريقة التأليف، بقدر ما أسهمت في إخفائها أيضًا الأبعاد السياسية. إذ مما يسترعي الانتباه هنا، أنه كان بوسع جورج أورويل، الصحافي والكاتب السياسي، لو أراد، أن يقول المضمون السياسي لروايته بطرق أخرى تتيحها له مهنته ككاتب. لكنه اختار الرواية شكلًا. ولم يكن خياره عبثًا. ذلك أنه طور، كما تقول جوزيه كامون بحق، استراتيجية أدبية محضة في مجال التأليف تجلت في "الصور، والجو، والقوة البصرية في وصف لندن المنكوبة، والمقصوفة، والمهدّمة.." ولأن ثمة، فضلًا عن ذلك، "عنصر رثاء نادرًا ما لوحظ في هذه الرواية" فقد حان الوقت كي يُعثر من جديد في هذا النص "ومن وجهة نظر أدبية، على كثافته،  وعلى غموضه".
لكن الخيار الأهم الذي يميِّز هذه الترجمة عن سابقتها يتمثل في اختيار زمن الفعل المستخدم في الرواية. فالترجمة السابقة لجأت إلى الزمن التقليدي المستخدم في الغالبية العظمى من القصص والروايات، أي الماضي البسيط في الفرنسية (رغم أن ألبير كامو كسر هذا التقليد في روايته "الغريب" (1942)  حين استخدم فيها زمن الماضي المركب ــ ومن المؤسف أن الترجمة العربية لهذه الرواية لم تتمكن من بيان ذلك ــ ). لكن جوزيه كامون قررت استخدام زمن الحاضر، مبررة خيارها بما تراه في كتابة أورويل من "كتابة عصبية، وأسلوب خال من الزخرفة، ومحدد المقاطع، وقاطع". وأنها لكي تقول هذا الجانب الزاهد في نثره وتعبر عن "الإلحاح" في أسلوب الرواية، اختارت الابتعاد عن الماضي البسيط بالفرنسية الذي يبدو بعيدًا عن العفوية، وعن الماضي المعروف بالإنكليزية "prétérit" المستخدم في كل أشكال القصص المألوفة والشفهية والملحمية.
من الممكن لهذه الحرية المشروطة بطبيعة القراءة التي يقوم بها المترجم أن تبعث من جديد مُبدعًا يبدو للبعض وكأن الزمن قد عفا عليه، أو أن تستجيب لإلحاح الواقع القائم في عالمنا المعاصر والذي سبق لمِثلِهِ أن أملى على الكاتب هذه الرواية التي لابد من أن تعاد قراءتها، لكنها، بخياراتها الجمالية، يمكن أن تعيد إلى الرواية رونقها، وتبعث في الوقت نفسه عناصرها المقومة في السخرية الباردة وفي الغرابة وفي الرعب. وكما يشير بيير دو كروزيه في مقاله عن الترجمة الجديدة، كانت رواية 1984 أشبه "بوجه صديق لم نعد نميز ملامحه؛ لم نعد نرى رواية 1984، معتبرين أنه لم يعد من الضروري قراءتها. لكن الترجمة الجديدة تقنعنا بالعكس تمامًا."
كم كان مأمولًا، في غياب ترجمة عربية انطوت على مثل هذه الحرية المشروطة، أن تقنعنا ترجمة جديدة أخرى لرواية 1984 بمثل هذه الضرورة في قراءة رواية سيرى فيها أي سوري عانى سلطة النظام الأسدي الاستبدادي، التشخيص الدقيق الأمثل لهذا الأخير في مقوماته كما في ممارساته.

** نشر على موقع جيرون، الخميس 14 حزيران/يونيو 2018



jeudi 7 juin 2018



هل تنسحب إيران من سورية؟ 
بدرالدين عرودكي 
ما إن أعلن ترامب، وهو ينسحب من الاتفاق النووي معها، عن ضرورة خروج إيران من سورية، حتى تكاثرت التوقعات حول بداية انحسار التمدد الإيراني في المنطقة العربية بدءًا بسورية، مادام إنهاء وجودها فيها بات أحد شروط الولايات المتحدة الأمريكية الرئيسة لتطبيع علاقاتها مع إيران. وتزامن مع هذا الإعلان  صدور نتائج الانتخابات العراقية من جهة، واللبنانية من جهة أخرى التي كانت مناسبة ظهور ضروب التناقض المختلفة في هذه التوقعات، لاسيما وأن الأولى بدت وكأنها تؤكد بداية العد العكسي للوجود الإيراني في العراق، في حين كانت الثانية تشير إلى تثبيت وتعزيز الهيمنة الإيرانية على لبنان دولة وسياسة.
لكن معظم هذه التوقعات تبدو أقرب إلى التفكير الرغبي منها إلى استخلاص النتائج من تحليل واقعي، سواء لتطور التواجد الإيراني في البلدان الثلاثة، أو لاستغلال إيران الوضع اليمني كي تؤسس لوجود دائم ومؤثر لها في جنوب الجزيرة العربية؛ هذا دون تجاهل محاولاتها التغلغل في البلدان العربية الأخرى بدءًا بمصر وانتهاء بالمغرب.
ذلك أن السبل التي تتبعها إيران، منذ استحواذ آيات الله على ثورة الشعب الإيراني عام 1979، في محاولاتها استعادة طموحاتها الإمبراطورية من أجل تحقيقها، تختلف جذريًا عن سابقاتها عبر التاريخ. لم يعد سبيلها إلى الهيمنة اليوم هو القوة العسكرية وحدها. كما أن الهدف الذي تعمل على تحقيقه لم يعد يقتصر على، أو يتطلب ضمان وجودها المادي في هذا البلد أو ذاك من خلال جنودها وضباطها، بل بات يتجسَّد في الهيمنة على مركز القرار السياسي والعسكري في البلدان التي سعت إليها والتي أعلنت بصفاقة أن عواصمها باتت تحت سيطرتها، وذلك من خلال قوة محلية خاضعة كليًا لمشيئتها، تؤسسها، وتسلحها، وتطور قوتها، وتدعم مساعيها لوضع يدها على مراكز القرار، سياسيًا وعسكريًا. وها هو حزب الله في لبنان يقدم المثل البليغ الذي صارت تعمل، انطلاقًا من نجاحه طوال السنوات الماضية وصولًا إلى نتائج الانتخابات الأخيرة، على إعادة إنتاجه في البلدان العربية الأخرى: العراق وسورية واليمن.
وعلى أن القوى الدولية والإقليمية لا تزال تعتبر أن إيران تحتل سورية عسكريًا، شأنها في ذلك شأن روسيا، وأن هذين الاحتلاليْن سينتهيان بطريقة أو بأخرى مع الوصول إلى "حلٍّ سياسي" لـ"الحرب السورية"، إلا أن أيًا منها لا يميز بين طبيعة هذين الاحتلاليْن، لا على صُعُدِ قوة وأهداف ومصالح كل منهما التي تبدو واضحة للجميع، بل على الصعيد الأهم هنا: صعيد الكيفية التي يسعى كل منهما بواسطتها إلى تحقيق تطلعاته منه. هكذا رأينا كيف أن "الوجود العسكري الإيراني" في سورية هو المستهدف بالدرجة الأولى سواء على لسان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أو عبر الضربات العسكرية شبه اليومية التي لا تتوقف إسرائيل عن توجيهها لكل ما تعتبره وجودًا عسكريًا إيرانيًا في سورية. إذ بقدر ما صار الوجود العسكري الروسي يعتبر مقبولًا، بوصفه تكليفًا دوليًا غير معلن لروسيا من أجل حلّ المسألة السورية، بقدر ما اعتبر الوجود العسكري الإيراني مرفوضًا مادام يمكن له أن يهدد أمن إسرائيل؛ وهو  ما حمل الجميع، إقليميًا ودوليًا، على الصمت عن، أو حتى الاعتراض على، قيام هذه الأخيرة، بما فيهم روسيا المتواجدة في سورية، عن تدمير المنشآت الإيرانية العسكرية في مختلف المناطق السورية. وإذا كان موقف الدول الأوربية، منفردة أو مجتمعة في الاتحاد الأوربي، معارضًا لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ويستهدف، حفظًا لمصالحه الاقتصادية، الإبقاء على هذا الأخير مع بعض التعديلات، إلا أنه كان على اتفاق معها في ضرورة إنهاء وجودها العسكري في سورية خصوصًا.
هكذا بدت مطالبة بوتين بخروج كافة القوات العسكرية الأجنبية من سورية ما إن يبدأ تفعيل الحل السياسي وكأنه يمس القوات الإيرانية بوجه خاص، بغض النظر عن طبيعة التواجد الآخر الذي يُبنى ويؤسس بلا صخب في مختلف المناطق السورية. سارعت إيران على طريقتها في الاستغباء، إلى نفي أي وجود عسكري لها، متجاهلة القواعد العسكرية في جنوب دمشق أو في القلمون، أو في سواهما من المناطق، باستثناء وجود "المستشارين" الذين صار يقتل منهم العشرات شهريًا، إما خلال المعارك مع ما تبقى من المعارضة المسلحة، أو بعد الضربات الإسرائيلية لقواعدها بالذات؛وكذلك سارع من يحاول إثبات استعادته أهليته في حكم سورية إلى مثل هذا النفي حرفيًا.
لم يكن للدول العربية في كل هذه المساومات والمفاوضات حول الوضع السوري عمومًا والاحتلال الإيراني والروسي خصوصًا، أي حضور حقيقي. وما كانت وسائل الإعلام تتناقله من تصريحات هذا الوزير العربي أو ذاك حول موقف بلاده من النظام السوري، لم تكن تعبيرًا عن إرادة الدولة التي يمثلها بقدر ما كانت تعبيرًا عن إرادة الدولة التي لا يمكن لبلده أن يخرج عن إرادتها. أما السوريون، وبعد أن سيقت المعارضة السياسية إلى الصمت، وأرغمت المعارضة العسكرية على قبول الاستسلام والنزوح، فهم غائبون أو مغيّبون عن كل هذه المساومات والأهداف، ولاسيما بعد أن بات اليوم قاتلهم ومدمِّرَ بلدهم، ومن سبق أن فرض عليهم بالتوريث وبالتزييف من قبل، ثم أعيد تأهيله بالقوة العسكرية والنفاق الدولي، هو الوحيد المعترف به من القوى الفاعلة على الأرض، ناطقًا باسمهم، و"معبرًا عن تطلعاتهم"!
 يعلم الروس قبل غيرهم أن وجود إيران في سورية ورم سرطاني، يتغلغل بثبات وعناد في الجسم السوري بمساعدة ودعم وتواطؤ النظام الأسدي. قد يقبل الإيرانيون، بعد مساومات لا نهاية لها، بسحب قواتهم العسكرية شكليًا من سورية، لكن ذلك لن يتحقق عيانًا على الأرض قبل أن يكون توأم حزب الله في سورية قد نشأ وترعرع وأمسك بمقاليد القرار السياسي الذي سيكون في سورية قرارًا إيرانيًا بامتياز. ومن هنا نفهم الأسباب التي حملت إيران، عبر ميليشياتها متعددة الجنسيات، اللبنانية والعراقية والأفغانية والإيرانية بطبيعة الحال، على تبرير تدخلها لدعم النظام الأسدي، بحماية العتبات المقدسة التي لم يمسها أحد طوال قرون من قبلُ في سورية. كانت تلك رسالة إلى قسم من الشعب السوري تتوسل بها تأييده ودعمه لوجودها.
لم تظهر آثار هذا التدخل على الأرض إلا عندما بدأ تهجير السكان بدءًا من قرى الغوطة الغربية وانتهاءًا بالغوطة الشرقية. نُسِب القيام بذلك إلى النظام الأسدي، لكن إيران هي التي كانت، ولا تزال، وراء هذه السياسة السكانية الجديدة بعد أن هُجِّر نصف سكان سورية وأرغم على النزوح داخلها ما لا يقل عن أربعة ملايين سوري.
ترغم هذه السياسة الإيرانية على التذكير بالسياسة الصهيونية  في اثنين من عناصرها المقومة: الخرافات التاريخية لتبرير احتلال فلسطين من شتات اليهود في العالم، ثم استملاك بيوت وأراضي الفلسطينيين الذين أرغموا على الهجرة، ما إن أعلن قيام الدولة الإسرائيلية قبل سبعين عامًا. هكذا، وبخلاف الاحتلال الروسي الأقرب إلى الاستعمار التقليدي في هيمنته بالقوة العسكرية المحضة، يتجلى الاحتلال الإيراني، في ظل استدعاء شعارات تاريخية وهمية ذات طابع ديني وطائفي، احتلالًا استيطانيًا تتم هندسته بالتغييرات الديموغرافية وبالتهجير أو بالنزوح القسري، ويتخذ من قسم من أبناء البلد قوامه الجوهري، بعد توطين وتجنيس العديد من الميليشيات متعددة الجنسيات وذات الانتماء الطائفي الواحد. فإذا ما تمكنت إيران ــ وهي الآن تعمل على ذلك فعليًا ــ من تحقيق مشروعها كاملًا، وأنشأت القوى الرديفة على غرار ما فعلته في لبنان من خلال حزب الله خصوصًا، ومن بعد في العراق من خلال الحشد الشعبي وسواه من الميليشيات المسلحة، فلن يضيرها والحالة هذه أن تعلن انسحابها العسكري الكامل، بما في ذلك من تسميهم "المستشارين"، مادام الطابور الخامس الممثل لها يمسك بمراكز القرار والحل والعقد في سورية.
أدرك السوريون وقد فاجأتهم ذات يوم مظاهرات اللطم تعبر سوق الحميدية بدمشق ما كان يعنيه ذلك. عرفوا أنها ليست مجرد ظاهرة فولكلورية مثيرة للفضول. مثلما فهموا دلالاتها ومعانيها بل ومآلاتها المنشودة.  
فهل ستنسحب إيران من سورية؟ عسكريًا، ربما. لكنها ستبقى مقيمة ومهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي. ولن يكون من سعى للبقاء بأي ثمن إلا دمية بيدها تحركها كيف تشاء.
أما الانسحاب النهائي، فلن يتحقق إلا على أيدي السوريين الذين ثاروا إذا ما تمكنوا من  تحقيق حلمهم باستعادة بلدهم .

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 7 حزيران 2018.



jeudi 24 mai 2018



المرأة التي كانت رصينة 


بدرالدين عرودكي 
أكان على سيمون دو بوفوار (1908 ـ 1986) أن تنتظر اثنين وثلاثين عامًا بعد وفاتها قبل أن تستقبلها، أعرق دار نشر فرنسية، دار غاليمار، في السلسلة المخصصة لمبدعات كبار الكتاب العالميين، مكتبة لابلياد، وتتلقى التكريس الذي حظي به فيها، من قبل، رفيق عمرها جان بول سارتر؟ ما مردّ هذا التأخير؟ ألأنها امرأة يصعب استقبالها في حرم يحفل بأكثر من مائتي رجل (مائتان وتسعة على وجه التدقيق!)، في حين لا يتجاوز عدد النساء فيه، بعد دخولها الآن، أربعة عشر امرأة؟ أم لأن مُبْدَعها كان لا يزال يحمل آثار الخلافات والخصومات التي أثارها يوم عرفها الجمهور في فرنسا ثم في باقي أنحاء العالم امرأة استثنائية، مثقفة وحرة، عبر هذا المُبدع بالذات، وفي ما جسّدته مع منتصف القرن الماضي من معايير وقيم جريئة وغير مسبوقة للمرأة قبل سبعين عامًا؟
ربما عثرنا على قدر من الإجابة في طبيعة الكتب التي ضمَّها جزءا هذه الطبعة النقدية والتي امتلأت بها ثلاثة آلاف ومائتي صفحة تحت عنوان: المذكرات. كما لو أن أهم عمل أنجزته في حياتها كان تفاصيل حياتها التي كانت في ذاتها روايتها الكبرى التي عاشتها حقيقة وكتابة، رواية المرأة الكاتبة والعاشقة والصديقة والمناضلة. لاسيما وأن شهرتها تدين في آن واحد إلى كتاباتها بقدر ما تدين إلى الأسطورة التي نسجتها من حولها خياراتها في حياتها كامرأة حرّة وكشريكة حياة أشهر فلاسفة القرن العشرين: سارتر.
لم يكونا قد خرجا بعد إلى الفضاء العام حين أبرمت مع زميلها في سنوات الدراسة، سارتر، وهي في الحادية والعشرين من عمرها، ميثاقًا غير مسبوق في العلاقات العاطفية قوامه ما أطلقا عليه "الحبٌّ الضروريٌّ" بينهما الذي لا يستبعد أو يمنع ضروب حب "محتملة" يمكن أن يعيشها كل واحدٍ منهما! ميثاقٌ أبرم لسنتيْن؛ لكنه دام حتى وفاة سارتر عام 1980. كان هذا الميثاق قيد التطبيق إذن حين بدأ الجمهور يتعرف إليهما مع بداية الحرب العالمية الثانية التي وضع سارتر خلالها كتبه الأساس في الفلسفة (الوجود والعدم) وفي الرواية (الغثيان، ثلاثية دروب الحرية)؛ والتي أصدرت من ناحيتها في الفترة نفسها أولى رواياتها: المدعوة. هكذا حين عرف الجمهور هذا الزوج الأسطوري الذي ستطبق شهرته العالم بوصفه ثورة غير مسبوقة في عالم العلاقات العاطفية، وفي ممارسة الحرية إزاء كل المواضعات الاجتماعية ومؤسساتها وقيمها، كانت سيمون دو بوفوار لا تزال في ظل سارتر. لكنها سرعان ما ستعثر على بداية الطريق خلال نقاش مع رفيقها ذات يوم من عام 1947. فمن فكرة كتاب اعترافات شخصية كانت قد بدأت في تسجيل عناصره، إلى مشروع كتاب يحاول، وهو يعالج الشرط النسائي بصورة عامة، أن يجيب عن سؤال أساس كان يؤرقها كما كتبت في الجزء الثالث من مذكراتها، قوة الأشياء، فيما بعد: "ما الذي كان قد عناه في نظري أن أكون امرأة؟"؛ وهو كتاب أنجزته خلال سنتيْن ونشرته في جزءيْن عام 1949 تحت عنوان: الجنس الثاني (Le Deuxième sexe) (وليس "الجنس الآخر" كما عنونته ترجماته السيئة العديدة إلى العربية!)، يعرض بصورة جريئة وغير مسبوقة القمع الذي كابدته، ولا تزال تكابده، المرأة على يد الرجل في كل مجال من مجالات الحياة، الخاصة والعامة، مسلحًا لا بتأملات صاغتها التجربة الشخصية فحسب، بل كذلك وخصوصًا باستخدام أدوات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة والتاريخ المنهجية، والذي باتت الصيغة التي أطلقتها فيه شعاره وموجزه البليغ: "لا تولد المرأة امرأة، بل تصيرها".
قبل أن يصدر الجزء الأول من الكتاب، نشرت سيمون دو بوفوار بين شهري أيار/مايو وتموز/يوليو 1948 في مجلة الأزمنة الحديثة التي كان يديرها جان بول سارتر ثلاثة أبحاث من الكتاب تحمل عنوان "المرأة والأساطير، مقتطفات من كتاب حول وضع المرأة، سيصدر قريبًا". لم تتأخر ردود الفعل العدوانية بالطبع. لكن هذه الأخيرة تجاوزت كل الحدود التقليدية عند صدور الكتاب في السنة التالية، الذي سبق صدوره، مرة أخرى، نشر مقتطف آخر منه في مقدمة عدد الأزمنة الحديثة في شهر أيار/مايو 1949 تحت عنوان "التلقين الجنسي للمرأة". كتب فرنسوا مورياك في صحيفة الفيجارو الصادرة يوم  30 أيار: "لقد بلغنا حرفيًا حدود النذالة (..)؛ هل يتواجد الموضوع الذي عالجته السيدة سيمون دو بوفوار (...) في مكانه على فهرس مجلة فلسفية وأدبية خطيرة؟". لا بل إنه يصر على المبالغة حين يكتب إلى أحد محرري مجلة الأزمنة الحديثة: "لقد صرنا نعرف كل شيء عن مهبل ربة عملك!". أما ألبير كامو فلم يتوانَ عن أن يكتب أن هذا الكتاب "يفضح الذكر الفرنسي"، وأنه "شتيمة للذكر اللاتيني". أما ضروب البذاءات التي صار من الممكن اليوم أن يعاقب عليها قانونًا والتي حفلت بها يومئذ صحف اليمين واليسار، فقد تجاوزت كل الحدود. لكن التي سبق أن كتبت: "سأبني لنفسي قوة ألجأ إليها إلى الأبد" واجهت بشجاعة منقطعة النظير هذه "الجحافل" التي أفلتت من عقالها وفقدت كل قدرة على التفكير!
سوى أن الكتاب سرعان ما وجد طريقه، عند صدوره،  إلى القراء فبيع منه في الأسبوع الأول 22000 نسخة كي يتجاوز العدد خلال سنوات قليلة إثر صدوره وبعد ترجمته إلى العديد من لغات العالم إلى مليون ومائتي ألف نسخة. كتاب فاصل في حياة المرأة والكاتبة سيمون دو بوفوار التي صارت تعيش إلى جانب ومع جان بول سارتر، لا في ظله، كما بدت قبل بلوغها الثلاثين من عمرها. وهو ما سيتيح لها أن تعيش الحياة التي سبق أن اختارتها وأن تكتبها.


ستكتب روايتها الكبرى، المثقفون،  بعد عشر سنوات من نشرها أول رواية لها، المدعوة، وستنال عليها جائزة الغونكور التي كرستها روائية، هي التي كانت تنظر إلى الرواية بوصفها أداة، أو على أنها، كما كتبت، "نوع من آلة نصنعها كي نضيء بها معنى وجودنا في العالم". سوى أن الكتاب الذي ستبدأ به سلسلة المذكرات الرئيسة التي تروي فيها حياتها منذ البداية، والذي كانت ستبدؤه، وإن بطريقة أخرى، قبل أن تنعطف نحو الجنس الثاني بإيحاء من سارتر: كان الثلاثية التي ضمت مذكراتها الرئيسة: مذكرات فتاة رصينة، قوة العمر، قوة الأشياء. لم يكن همّها فيها أن تنجز عملًا فنيًا، بل ولم تكن تزعم ذلك أصلًا بصريح العبارة: "لا أدّعي أنه أثر فني (...) وقليلًا ما يهمني إذا رفض منح مذكراتي تلك الصفة. لا، إنها ليست أثرًا فنيًا، ولكنها حياتي، في اندفاعاتها، في أحزانها، في اضطراباتها، حياتي التي تحاول أن تتحدث عن ذاتها.."
ذلك ما يؤكد على أن الكتابة في نظرها، أيًا كان الشكل الذي تندرج ضمنه، كانت هي الأساس فعالية وحياة. ومن هنا، لا يمكن أن يؤخذ على سيمون دو بوفوار أنها لم تقل كل شيء في ثلاثية مذكراتها.. فقد قالت الكثير أيضًا من قبل في كتابها الأيقونة: الجنس الثاني، مثلما قالته  في رواياتها، وفي كتبها الفلسفية أو الأيديولوجية الأخرى، بما في ذلك رسائلها التي نشرت (وكانت تعلم أنها ستنشر) بعد وفاتها إلى عشيقها الأمريكي والتي حملت البعض على أن يتسرع في أن يستخلص منها "بؤس" ما كانت وسارتر يطلقا عليه الحب الضروري. إلا أنه لابد من الاعتراف بأنها كانت بكتاباتها كما بسلوكها، لم تكن قد خلخلت الكثير من المعايير والأفكار الموروثة والسائدة فحسب، بل قدمت نموذج امرأة استطاعت بحريتها المنتزعة أن تصير المرأة التي تريد مادامت تمارس قدرًا من الحرية لا يمكن لأي رجل أن يضع له حدودًا يفرضها.
كان دخولها مكتبة البلياد سيسعدها، هي التي كانت الكتابة بالنسبة لها صنو حياتها التي تبقى، بعد كل شيء، حياة امرأة استثنائية لم يكن شيء في أصولها الاجتماعية أو في تربيتها يعد بها. تلك هي الصيرورة التي أرادتها جنبًا إلى جنب مع الحب الضروري!
صيرورة تليق بها.

** نشر على موقع جيرون، يوم الخميس 24 أيار/مايو 2018.


jeudi 17 mai 2018



مجلس الأمن أو مسرح التنفيس! 
بدرالدين عرودكي 
مثلما قدمت روسيا خلال السنوات السبع الماضية برهانًا بليغًا عن عجز مجلس الأمن وعبثية قراراته بصدد كل ما كان يعني ثورة الشعب السوري ضد حكم الاستبداد الجاثم على سورية منذ خمسين عامًا، من خلال تعطيل كل قرار يصدر عنه بتجريم النظام الأسدي وحلفائه، قدمت الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى ــ ولم تكن المرة الأولى بالطبع ــ البرهان الأبلغ على الأمر نفسه خلال الاجتماع الأخير لمجلس الأمن بمناسبة ارتكاب إسرائيل جريمة قتل أكثر من ستين فلسطينيًا كانوا يشاركون في المظاهرة السلمية، قرب حدودها مع قطاع غزة، بمناسبة مرور سبعين عامًا على النكبة، مؤكدة على صورة وظيفته التي باتت في السنوات الأخيرة بليغة في قولها طبيعة هذا المجلس، وفي مدى عجزه عن حلِّ المشكلات الدولية المناط به حلها، وفي تأكيدها وجود هذه الشراكة القائمة بين روسيا وأمريكا لتبديد كل أمل في تحقيق الحدِّ الأدنى من أهداف هذه المنظمة الدولية.
يعلم كل من يتابع أمور السياسة الدولية وتاريخها كيف أنشئت منظمة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم في نهاية الحرب العالمية الثانية، وكيف تولت أمرها الدول الكبرى الخمس المنتصرة فيها، باستحواذها على حقيْن رئيسيْن: العضوية الدائمة في هيئتها التنفيذية، ولنقل القيادية، التي تتمثل في مجلس الأمن المؤلف من خمسة عشر عضوًا، وحق النقض الذي تستطيع به إحدى هذه الدول تعطيل أي قرار يتخذه المجلس ولو بلغ عدد المصوتين بالموافقة عليه أربعة عشر عضوًا. فهي التي تستطيع من ثمَّ، منفردة أو مجتمعة، أن تسبغ الشرعية على هذه الدولة أو تلك أو تسحبها منها؛ وهي التي تقرر طبيعة ومستوى العقوبات التي يمكن أن تنزلها بهذه الدولة أو تلك، أو أن ترفض بكل بساطة إنزالها. سوى أن هاتيْن الميزتيْن اللتين اختصت هذه الدول الخمس نفسها بهما تتويجًا لكل الامتيازات الأخرى التي تتمتع بها، تخرج عن كل القواعد التي أرادت هذه الدول نفسها أن تتميز بها منظمة الأمم المتحدة ومختلف الهيئات التابعة لها.
لن نستغرب والحالة هذه، ولاسيما حين نعلم عدد المرات التي استخدمت بها كلُّ واحدة من الدول الخمس هذا الحق منذ البداية، أن تحتل القوتين الرئيستين في مجلس الأمن، روسيا اليوم بعد الاتحاد السوفياتي أمس (حوالي 120 مرة) والولايات المتحدة الأمريكية (حوالي 80 مرة) مكان الصدارة في استخدام هذا الحق. كان واضحًا على الدوام أن استخدامه يعني في كل مرة تقديم مصلحة الدولة التي تستخدمه على مصالح الدول الأخرى جميعًا، وفي مقدمتها تلك التي يفترض أن القرار المعطل كان لصالحها. لكن الاستخدام المتكرر الذي تميزت به الولايات المتحدة الأمريكية في كل مرة يمس القرار المقترح إسرائيل منذ قيامها حتى اليوم، والآخر الذي تميزت به روسيا الاتحادية خلال السنوات السبع الأخيرة، خصوصًا، في كل مرة كان القرار يمس نظام الأسد، كان يسجل واقعًا باتت اليوم صفاقته تفقأ العيون وتصمّ الآذان!
فإسرائيل، المدينة بوجودها كدولة إلى منظمة الأمم المتحدة، تكاد تكون الدولة الوحيدة التي صدرت بحقها عشرات القرارت التي عطلتها الولايات المتحدة باستخدامها حق النقض. أما قرارات الجمعية العامة غير القابلة للإبطال والتي صدرت أيضًا بحقها، فقد بقيت حبرًا على ورق في سجلات المنظمة الدولية، وشاهدًا تاريخيًا لا على "الديمقراطية" المزعومة في هذه المنظمة فحسب بل كذلك على شلِّ قدرتها على تحقيق الآمال التي عقدت عليها حين قيامها.
أما النظام الأسدي، الذي بقيت هذه المنظمة تمنحه شرعية لم يكن شعبه قد منحها له في الأصل، فإنه في الوقت الذي كان يفقد توازنه بالتدريج شعبيًا وعسكريًا وسياسيًا على الصعيد المحلي والعربي، هرعت روسيا لإنقاذه ولكي تقدم له منبره الوحيد في هذه الهيئة الدولية، يعرض فيها أكاذيبه وتلفيقاته تحت دعمها وحمايتها في الوقت الذي كان يمارس جرائمه يوميًا ضد شعب بأكمله، سجنًا وقتلًا وتهجيرًا.
هذا التناوب في استخدام حق النقض بين روسيا دفاعًا عن الطغمة الأسدية، والولايات المتحدة حماية لدولة الاحتلال والتمييز العنصري إسرائيل، يقول ما آل إليه مجلس الأمن بعد نيف وسبعين عامًا على تأسيس المنظمة التي يقوم بدور هيئتها التنفيذية: مسرحًا يتبادل فيه ممثلو الدول الأعضاء، الدائمة والمؤقتة، فضلًا عن الدول المعنية بموضوع النقاش والتي تدعى بصفة المدّعى عليه خصوصًا، ممثل الطغمة الأسدية أو ممثل الطغمة الإسرائيلية، عرض حججهم، وتبريراتهم، وتلفيقاتهم، وأكاذيبهم، كي ينتهي الأمر إلى التصويت على القرار بأكثرية تجيز اعتماده لولا رفع الممثل الروسي أو الأمريكي يده معترضًا وناقضًا.
من قريب، أو داخل أروقة مجلس الأمن أو قاعة الجمعية العمومية، يحول ما يراه المرء، من انهماك الدبلوماسيين والموظفين الأمميين وممثلي الدول الأعضاء في اجتماعاتهم ومشاوراتهم والرسائل المتبادلة فيما بينهم، دون أن يرى العبثية وراء كل ذلك أو خلاله. فالإجماع على ضرورة هذا العمل أو على نجوعه بهذا القدر أو ذاك، يكاد يعمي الأبصار عن الحقيقة المرة التي كان قلق الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كيمون، الذي حفلت تعبيرًا عنه تصريحاته، يقولها صراحة: ذلك هو أقصى ما يستطيع رأس المنظمة الأممية أن يفعله. وقد سبق لأحد أسلافه، بطرس بطرس غالي، أن دفع الثمن حين جرؤ، بمناسبة مجزرة قانا على حدود لبنان الجنوبية على ممارسة صلاحياته كاملة، مخالفًا ما طلبه منه المندوب الأمريكي آنذاك؛ وكان هذا الثمن رفض الولايات المتحدة التجديد له عند انتهاء ولايته الأولى.
أما من بعيد، فتبدو لنا العبثية طابع هذه النشاطات المحمومة والاجتماعات التي تتوالى عددًا من الأيام وتتخللها مناقشات أو مفاوضات جانبية وسرية لتعديل هذا القرار أو ذلك في محاولة للحمل على قبوله واعتماده، كي تنتهي، كلما تعلق الأمر بفلسطين والفلسطينيين، أو بإدانة الطغمة الأسدية، إلى الفشل ومن ثمَّ إلى استخدام حق النقض الذي يعدم القرار الذي أصرّ مقدموه على التصويت عليه. هكذا لا يبقى من كل هذه الجلسات سوى الخطابات بما انطوت عليه من استعراض للقوة لدى الدول الكبرى أو من تنفيس عبر محاولات في المحاججة لا تقنع أحدًا بما في ذلك من يقوم بها!
هكذا نتساءل اليوم: ما قيمة النصوص والقرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة  التي تعتبر الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل باطلًا كأنه لم يكن أمام تجاهل مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن لها حين كان الجميع يذكرها بها، والتي راحت بدلًا من تفنيدها أو تكذيبها، تتحدث عن "واقع تاريخي" يعود إلى ما قبل ثلاثة آلاف عام، ومصدره الوحيد كتاب العهد القديم؟ وما الذي يمكن انتظاره من هيئة باتت بفعل الصراع بين الكبار مشلولة كليًا وعاجزة عن القيام بمهماتها، وصارت أشبه بالمخدّر الذي تزرق به الشعوب التي لا تزال تناضل من أجل حريتها وكرامتها كالفلسطينيين والسوريين، بما أنها تسمح ــ أحيانًا ــ لممثلي حماتهم أو أنصارهم من الدول التي تدعمهم، أن يقولوا كلمتهم خلال نصف ساعة في مواجهة دفق خطابات العداء والعنصرية والتلفيق السياسي والتاريخي؟ لاشك أن مثل هذه الخطابات، كذلك الذي ألقاه مندوب بوليفيا في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن، والذي ذكر فيه أسماء عدد الفلسطينيين من المراهقين والشباب الذين قتلتهم الجيش الإسرائيلي قبل أيام، مسميًا الأشياء بأسمائها (إسرائيل دولة احتلال)، ومعترفًا في الوقت نفسه بالعجز الكامل عن تحقيق آمال الفلسطينيين، تبدو ذروة في التعبير عن المأساة الأخلاقية والإنسانية التي وقع فيها مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة على أيدي روسيا  بالنسبة للسوريين، وعلى أيدي والولايات المتحدة بالنسبة إلى الفلسطينيين والسوريين معًا،  خلال الأعوام الماضية.
هكذا تعيش دول العالم وشعوبها تحت هيمنة وسلطة وإرادة القوتيْن العظميين، روسيا والولايات المتحدة،  اللتين تمارسان أبشع صور الديكتاتورية على صعيد العالم كله. ذلك ما يفسر أن كلًا منهما باتت ملجأ النظم الاستبدادية في مختلف أرجاء العالم كي تبقى مستمرة في عنتها وجرائمها تحت حماية إحدى هاتيْن القوتين وفي خدمة مصالحهما معًا.

** نشر على موقع جيرون، يوم الخميس 17 أيار/مايو 2018.


jeudi 10 mai 2018



الذي كسر الجدار الرابع! 

بدرالدين عرودكي 
يبدو أن المفارقات لا تنتهي حين تتعلق بشخصيات اجتمعت من حولها وإزاءها مختلف التناقضات التي لا تكف عن الاستفحال مع مرور الزمن، شأنها شأن جهلنا بتاريخ شعب لا يزال باطن الأرض التي عاش عليها يخفي أسرار تفاصيل حياته ووجوه هويته.
وتلك هي حال أحد كبار مؤسسي المسرح العربي، إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق: السوري الذي أنجبته دمشق: أبو خليل القباني.
فقد بقيت منجزات هذا المبدع الرائد حبيسة ذاكرة الجمهور الذي رآها رأي العين بدمشق والقاهرة والإسكندرية  وبيروت، ثم تلاشت ذكراها مع حملوها، ولم تبق إلا النصوص التي كان كتبها والتي لم تكن تقول في ذاتها ولا في صنعتها إلا أقل القليل من هذه المنجزات. ولم يكن بوسع من كتبوا عنها أن ينصفوها ماداموا لا يعرفون منها إلا هذا الأقل من القليل، وكانوا، على عادة معظم من يكتبون التاريخ في عالمنا العربي، أقرب إلى القطع والجزم منهم إلى التنسيب والشك. فما كانوا يجهلونه كان أكثر وأوسع مما يعرفونه لكنهم كانوا حتى ذلك يجهلون.
وكان لابد من صدفة على غير ميعاد من أجل الاكتشاف، كما حدث ويحدث غالبًا في الكشوف الأثرية الهامة. كان لابد لباحث وروائي، لم يكن أبو خليل القباني ذات يوم غايته في البحث ولم يكن يستهدف التأريخ للمسرح أو لرواده، أن يجد نفسه فجأة أمام كنز من المعلومات والمعطيات تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن هو أو غيره يعلم بوجودها تتعلق بالمسرح السوري في بدايات وجوده الخلاقة والتأسيسية للمسرح العربي، وشهادات فيه وحوله وحول العاملين فيه لم تخطر لأحد ممن كتبوا عن هذا الرائد الكبير أو حتى في ذهن من حاولوا استعادته على طريقتهم بعد ما يقارب سبعين عامًا على رحيله، وهم يكادون يجهلون عن حقيقة مسرحه أهم عناصره. هكذا وجد الروائي والباحث السوري تيسير خلف نفسه فجأة، وهو يباشر كتابة روايته الأخيرة "عصافير داروين" والبحث عن وثائق تاريخية تتعلق بموضوعها، أمام اكتشاف كبير حمله على أن يكتب جنبًا إلى جنب، رواية أخرى حملت عنوان من دمشق إلى شيكاغو، رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا عام 1893، تتابع هذه الرحلة العجيبة في تفاصيلها المختلفة التي كانت حتى صدور الكتاب مجهولة في معظمها وكان العلم بها، في العالم العربي على الأقل، يقتصر على عنوانها حصرًا!
هي رواية تسجيلية إذن، لكنها لا تقوم على تحقيق نص محدد يروي وقائع الرحلة بل على مجموعة من النصوص والأخبار والشهادات كانت نتيجة بحث مضن في مظانه من الكتب والصحف التي كان لابد لتيسير خلف من العمل على العثور عليها في مكتبات جامعية أو وطنية أو خاصة، متناثرة في ما بين الخليج العربي مشرقًا والولايات المتحدة الأمريكية مغربًا. رواية رحلة يكتبها تيسير خلف من جديد، (أو يصنعها بالأحرى كما كتب على غلاف الكتاب)، اعتمادًا على الوقائع التي تابع دقائقها، منذ الإعداد لها خصوصًا في مختلف مدن سورية الطبيعية، ثم بعد ذلك عند تحقيق الغاية منها كما تمثلت في العروض المسرحية التي أشارت إليها أو علقت عليها أو نقدتها معظم الصحف الأمريكية على اختلافها، وكذلك الأخبار والشهادات التي كتبت حولها والمنشورة فيها.
قام أبو خليل القباني برحلته هذه من دمشق إلى شيكاغو على رأس فرقة مسرحية قوامها ثمانية وخمسين فردًا من النساء والرجال الممثلين والموسيقيين والمغنين والراقصين، جاؤوا من مدن سورية الطبيعية المختلفة، وكان بعضهم يقف على خشبة المسرح للمرة الأولى في حياته، لكنه خضعوا جميعًا لتدريب وإعداد دام شهورًا تحت إشراف القباني نفسه وأمكن أن يعطى نتائجه الباهرة في العروض التي قدِّمَت، طوال ستة أشهر، في تلك المدينة التي كانت تتعرف للمرة الأولى في تاريخها على نتاج ثقافي قادم إليها من تركيا، كما كانوا يسمّون في أمريكا  الإمبراطورية العثمانية ، لكنه كان في الحقيقة قادمًا بدءًا من دمشق، من أرجاء بلاد الشام  كلها التي كانت يومئذ ضمن الإمبراطورية العثمانية.  
يسجل تيسير خلف، باعث رحلة أبي خليل القباني، عنصرًا هامًا، على صعيد تنظيم المهام في عروض مسرحية بهذا الحجم، كان قد تجسَّد للمرة الأولى في تاريخ المسرح العربي، في الفصل، على مستوى المسؤولية، ما بين الوظائف الإدارية والمالية والوظائف الفنية، أو بين المدير الإداري والمالي، وبين مدير الممثلين أو المخرج المسرحي بلغة اليوم. وكان لهذا الفصل أثر هام على استمرار فرقة مؤلفة من هذا العدد في العمل أربعة شهور متواصلة بعد أن اضطر مخرج عروضها أن يغادر شيكاغو بعد شهرين من بدء العروض؛ وما كان بوسعه أن يغامر بالمغادرة لو كان يقوم في الوقت نفسه بالمهام الإدارية كما كان يفعل قبل ذلك.  لكن الأهم في هذا الكتاب/الكشّاف، هي الإضاءات التي أمكن لتيسير خلف الحصول في مظانها على كل ما يتعلق بمضمون وطبيعة وعناصر هذه العروض المسرحية، وتفاعل الجمهور الأمريكي معها، ومعظمها، كما يبدو، كانت مجهولة لكل من كتب من العرب من قبل عن أبي خليل القباني وعن مسرحه وعن إنجازاته.
بعد أن سجل تيسير خلف تفاصيل الإعداد للرحلة بدءًا من بيروت والكيفية التي استقبلت بها الصحف الأمريكية خبر العروض القادمة من الشرق، قدم عرضًا لمضمون المسرحيات أو العروض التي قدمتها الفرقة والتي بلغ عددها ثمانية عروض (الدراما الكردية، الدراما القلمونية، المروءة والوفاء، عرس دمشقي، عنتر بن شداد، هارون الرشيد،العروس التركية، الإبن الضال). وقد أضاف إلى عرضه تعليقات الصحف الأمريكية عليها وبعض تفاصيل ما أثاره بعضها من دهشة واستغراب حين كان النقاد أو المراسلون الصحفيون مثلًا يشيرون إلى امتلاء المسرح الذي يتسع لألفي شخص عن بكرة أبيه.
لكن الفضول لم يكن وحده ما كان يدفع هذا العدد الكبير إلى حضور مختلف العروض الثمانية طوال ستة أشهر. ذلك أن النقاد سجلوا، أيضًا، إعجابهم بالمستوى الفني الرفيع لهذه العروض وكذلك، كما كتب تيسير خلف، بامتلاك القائمين على هذه العروض "لأدواتهم الفنية" و"الاحترافية العالية" لهذه التجربة، و "الأداء الرفيع المتقن للممثلين". ويبدو أن الجمهور الذي حضر هذه العروض كان يضمُّ معظم الفئات الاجتماعية، بما فيها نخبة المثقفين والسياسيين الأمريكيين وكان منهم أعضاء الكونغرس الأمريكي الذين دفعهم حماسهم للعروض إلى أن شجعوا مراسل صحيفة "نيويورك تريبيون" على زيارة "المسرح التركي"!
لكن ما يمكن (أو يجب) أن يهم مؤرخ المسرح العربي من ذلك كله هو من ناحية، ما اعتمده أبو خليل القباني في عروضه المسرحية من تقنيات حديثة مستفيدًا من خبرة "مساعده وابن مدينته إسكندر فرح، والذي تخبرنا سيرته أنه  (...) كان ذا ثقافة فرنسية رفيعة تحدث عنها جميع من كتبوا عنه" والذي كان على ما يبدو "مطلًا بشكل وثيق على نظرية ديلسارت حول أداء الممثل" ما دام اختصاصه حين عمل مع أبي خليل القباني كان تدريب الممثلين؛ ومن ناحية أخرى، ما كرسه من عناصر "الفرجة" في عروضه اعتمادًا على الإبهار البصري والموسيقى والرقص والغناء والأزياء في انسجام مذهل جعل من النص المسرحي مجرد عنصر بين عناصر أخرى لا تقل أهمية في أي تقويم للعرض المسرحي؛ ومن ناحية ثالثة، ما ابتكره في العروض المسرحية والذي لم يكن معروفًا في نهاية القرن التاسع عشر في أوربا أو في أمريكا، ولاسيما التفاعل بين الممثلين على خشبة المسرح والجمهور في القاعة. وقد بدا ذلك لعدد من النقاد الأمريكيين مستهجنًا نظرًا لتمسكهم بالمسرح الإيطالي الذي كسر أبو خليل القباني كما هو واضح جداره الرابع، متقدِّمًا على خلفَه برتولد بريخت، بحوالي نصف قرن. سوى أن من الواضح أيضًا ــ وهو الأهم هنا ــ أن مؤرخي المسرح العربي عامة، والمسرحيين العرب بوجه خاص، لم ينتبهوا إلى هذا الابتكار الذي صار عنصرًا شديد الاستخدام منذ منتصف القرن الماضي في المسرح المعاصر، ولم يعملوا على تطويره نظرًا لجهلهم حقيقة واتساع منجزات أبي خليل القباني الذي يبدو أنه قدم ذروة إمكاناته الفنية والمسرحية في هذه العروض الثمانية التي شهدتها مدينة شيكاغو قبيل نهاية القرن التاسع عشر.
دفع أبو خليل القباني في حياته ثمن جرأته وعبقريته: ينتقل من بلد إلى آخر طريد الرقابة والوشاة وعملاء أجهزة "الخفية" العثمانية، ويضطر لهذا السبب بالذات إلى أن يغادر شيكاغو بعد شهرين من وصوله إليها بسبب الوشاة والتقارير المغرضة أو الكاذبة المرسلة إلى العاصمة العثمانية. ودفع ذلك بعد مماته وفي مدينته بوجه خاص: فلا وجود لشارع يحمل اسمه، ولا وجود لأدنى اهتمام بمسرحه الذي أسسه في مطلع الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
لاشك أن تيسير خلف قد صنع هذه الرحلة، لكنه كان، وهو يصنعها، يعيد بعث رائد المسرح العربي الحديث الذي انطلق في ومن مدينته دمشق التي أنجبته وأنكرته من خلال أبنائها أو الطارئين عليها!

** نشر على موقع جيرون، يوم الخميس 10 أيار/مايو 2018.