samedi 21 novembre 2015


تنظيم الدولة في فرنسا:
ليس الحل سحرياً*


بدرالدين عرودكي



لن يُنظر إلى ما حدث مساء يوم الجمعة 13 تشرين ثاني/نوفمبر 2015 بوصفه حدثاً عابراً. ولا يمكن أن يعامل على أنه كذلك. فمنذ أن قررت فرنسا المشاركة في ضرب داعش في سوريا بعد اقتصارها من قبل على العراق، بدأ ترقب رد الفعل يشغل دوائر الأمن الداخلي والخارجي فيها مثلما يشغل السياسيين.

في 11 كانون الثاني/يناير من العام الحالي وُجِّهت الضربة لصحيفة سياسية ساخرة (شارلي إيبدو) أريد أن لها أن تلعب دور الرمز من خلال قتل معظم صحفييها. واكتشف الفرنسيون جميعاً أن الفاعلين فرنسيو الجنسية مولداً ونشأة، ومن الجيل الأول أو الثاني،  رغم أصولهم الثقافية العربية أو الإسلامية البعيدة.

قيل الكثير يومها: عن الإرهاب والحرب ضد الإرهاب، مثلما سال حبر الكتاب من أجل تحليل هذا الحدث ومعانيه وكذلك لعاب المعلقين الصحفيين وهم يحتلون الشاشات يجادلون ويحاججون. ثم قيل أكثر من مرة إن الدوائر الأمنية قد أحبطت أكثر من عملية إرهابية كان يتم الإعداد لها. لكن ذلك لم يكن يحمل الطمأنينة إلى أحد. لا إلى المسؤولين السياسيين والأمنيين، ولا إلى الناس الذين استغرقوا من جديد في حياتهم اليومية لاسيما وأن المستهدفين من هذه العملية الإرهابية كما روجت وسائل الإعلام كانوا المعنيين مباشرة بالموضوع، وليس ذلك حال بقية الفرنسيين.

فقد توالت العمليات الإرهابية خلال عام 2015 منذ عملية شارلي إيبدو بلا توقف، في نيسان ثم في حزيران ، ثم في تموز حين قبض على أربعة شباب تتراوح أعمارهم بين 16 و23 عاماً كانوا يحاولون الهجوم على معسكر للجيش الفرنسي في منطقة البيرنيه الشرقية، ثم في آب حين حيل بين الإرهابيين وتنفيذ عمليتهم من قبل بعض المسافرين في القطار، وأخيراً عملية 29 تشرين أول التي أحبطت قبل وقوعها والتي كانت تستهدف السلاح البحري في مدينة طولون بجنوب فرنسا.

هكذا، بدت عمليات 13 تشرين الثاني الماضي كما لو أنها جاءت لا لكسر التقليد السائد في العمليات الإرهابية التي نفذت في فرنسا وفي مختلف الدول الأوربية فحسب بل لتثبت أن ما حدث في بداية العام كان مجرد تمهيد  لما سيأتي، وأن كل التصورات التي حملها هؤلاء وأؤلئك، من أيديولوجيي الأحزاب الفرنسية أو من المسؤولين السياسيين الحاليين أو السابقين في اليمين وفي اليسار، أو من "المحللين الاستراتيجيين"، كانت قاصرة عن رسم الصورة في كل أبعادها، تلك التي رسمتها داعش بباريس أخيراً في عملياتها الإرهابية.  

لنتأمل في عناصر هذه الصورة:

التاريخ والتوقيت: اليوم جمعة، والتاريخ 13 تشرين الثاني، عشية عطلة نهاية الأسبوع التي يمرح فيها شباب باريس (ست عمليات تمَّت خلال أربعين دقيقة).

المكان: أماكن التسلية التي تجمع عادة فرنسا بألوانها المختلفة (ملعب كرة القدم في ضاحية سان دني)؛ قاعة للحفلات الموسيقية بباريس: "باتاكلان"؛ وأرصفة مقاهٍ ومطاعم في الدائرتين العاشرة والحادية عشر الباريسيتين: شارع بيشا، وشارع فونتين أو روا، وشارع شارون وشارع فولتير.

الضحايا: 132 قتيلاً و412 جريحاً ينتمون إلى 26 جنسية مختلفة،  معظمهم بالطبع من الفرنسيين. وكانت الغالبية العظمى من القتلى والجرحى تضم من هم في سن الشباب.

منفذو العمليات الست: شباب فرنسي أو بلجيكي ذوي أصول عربية، لا تتجاوز أعمار أكبرهم سناً الثامنة والعشرين.

لكن الأهم، هو أن ثمة في هذه العمليات مراتٍ أولى: تفجير بعض منفذي العمليات أنفسهم ليقتلوا أكبر عدد حيث يتواجدون من حولهم. أيضاً.  الذين نجوا من موت محقق وأمكن لهم أن يقدموا شهاداتهم قدموا وصفاً لمشاهد القتل في مختلف الأماكن المشار إليها تقشعر لها الأبدان. قتلة يمارسون القتل بدم بارد وهم يحدقون في عيون ضحاياهم، يصيبون خبط عشواء أناساً كانوا يتساقطون قتلى أو جرحى قبل أن يتمكنوا من وعي ما يحدث لهم. ذنبهم الوحيد أنهم تواجدوا في ذلك اليوم في ذلك المكان في تلك الساعة وما كان بوسعهم الدفاع عن أنفسهم..

كان هدفهم من اختيار المكان والزمان قتل أكبر عدد ممكن من الشباب في أعمارهم. من هنا احتلالهم لقاعة الباتاكلان الحافلة بالبشر من كل فئات الأعمار والجنسيات. ومن هنا محاولتهم الوصول إلى ملعب فرنسا المدرج حيث كانت تجري مباراة كرة القدم، ثم استهداف الناس على أرصفة المقاهي حيث كان الشباب أفراداً وجماعات يتسامرون أو يتناولون العشاء. ولكن لماذا؟

سارع بعض الصحافيين إلى تفسير هذه الضربة لداعش بوصفها رداً على قصف فرنسا لها في سورية. وندر أن كتب أحدهم شيئاً يتجاوز التفسير السطحي لما حدث ويحدث في فرنسا وفي سواها من أعمال إرهابية. وكالعادة، هناك مشجب تعلق عليه كل هذه الأفعال: الإسلام والتطرف الإسلامي. مشجب مريح يستخدمه اليمين واليسار بلا تقتير. نسوا جميعاً ما كان جان بودريار قد كتبه في تحليل  العمليات الإرهابية وتشخيص الفعل الإرهابي وفاعليه والمستهدفين منها في المجتمعات الغربية: "...الحدث الأساسي يتمثل في أن الإرهابيين  قد كفوا عن الانتحار انتحاراً يتجلى محض خسارة. ذلك أنهم يضعون موتهم في الرهان بطريقة هجومية وفعالة، وحسب حدس استراتيجي هو بكل بساطة الحدس بهشاشة الخصم الهائلة: هشاشة نظام وصل إلى شبه الكمال ومن ثم فقد صار فجأة حسّاساً لأقلِّ شرارة. لقد نجحوا في أن يجعلوا من موتهم سلاحاً مطلقاً ضد نظام يعيش على استبعاد الموت ويقوم مثله الأعلى على عدد صفر من الموتى. (...) كل وسائل التدمير والترهيب لا تستطيع شيئاً ضد عدوٍّ جعل من موته سلاح هجوم مضاد..". وحين ينبري مفكر سياسي مثل فيليو ليقول بالحرف الواحد إ"ن ما تعمل عليه داعش لا يستهدف جعلنا ندفع ثمن ما يجب أن تكون عليه سياستنا، أو ما نفعله، بل إنهم يستهدفون ما نحن عليه. إنهم يريدون أن نقتل المسلمين في فرنسا انتقاما مما فعلوه. مايريدونه،(...) هو قيام حرب أهلية في فرنسا"، يبدو وكأنه صوت نشاز في جوقة اعتادت تكرار لحن واحد: الإسلام والتطرف الإسلامي!

المشكلة على مختلف الأصعدة، السياسية والإعلامية، أن الجميع ظنوا أن الأمر انتهى بعملية شارلي إيبدو في كانون الثاني الماضي، في حين أنها، كما ثبت فيما بعد، لم تكن إلا البداية.

ربما كان تشخيص المشكلة على الصعيد السياسي في الأساس يشكو من قصور خطير لا في الولايات المتحدة أولاً، منذ 11 أيلول 2001، بل في أوربا وفي فرنسا. ذلك أن تصريحات الرئيس الفرنسي ورئيس وزرائه، لم تكن تخرج عن السياق العام في رؤية مشكلة داعش، ومن قبلها القاعدة، وفروعها الدولية من أفغانستان حتى المغرب الأقصى: "نحن في حرب ضد الإرهاب". كان ذلك تصريح الرئيس الأمريكي حين أقامت الولايات المتحدة التحالف الدولي لضرب داعش الذي استعاده الرئيس الفرنسي حرفياً حين انضمام فرنسا إلى هذا التحالف ثم حين اتخاذه القرار بضربها في سورية.

كان دومينيك دوفيلبان، رئيس الوزراء الفرنسي السابق، قد بيّن بجلاء مشكلة هذا التعبير في ندوة تلفزيونية أذيعت في أيلول الماضي كان يشاركه فيها هوبير فيدرين، وزير الخارجية السابق. ففي تبرير رفضه لهذا التعبير "نحن في حرب مع داعش"، يُذَكِّرُ بأن الحرب تُخاض ضد جيوش نظامية، وأن الحرب ضد الإرهاب ضمن المفاهيم والطرق المعلنة لن تنتصر لأن الفشل معلن سلفاً. ذلك "أن يد الإرهاب غير مرئية، إنها يد متحوِّلة، متغيرة، انتهازية. ولا يمكن القتال ضد يد لا مرئية بأسلحة الحرب التقليدية. لابد من استخدام قوى العقل، والحيلة، ووسائل السلم من أجل فكِّ عرى القوى التي تلتصق بهذه القوى الإرهابية. لابدّ من استراتيجية سياسية، لابد من رؤية سياسية، وقدرة على تفكير الفعل فيما وراء القصف والعمل العسكري بالمعنى الحرفي للكلمة."

لكن الأخطر في قول دوفيلبان ما يتعلق بداعش. يقول: "لنكن واعين أن  داعش، نحن من أنجبها في قسم كبير منها. من الحرب عام 2003 إلى 2011، إلى التخلي عن الثوار السوريين. ثمة حلقة مفرغة حبسنا أنفسنا فيها لم تكن غير فعالة فحسب بل خطيرة أيضاً، لأن منطقة الشرق الأوسط، ويمكننا الحديث عن مجمل العالم العربي والإسلامي، حافلة بالأزمات، مغطاة بالجروح المميتة بينما تعيش أزمة تحديث عميقة وفي القلب منها أزمة اجتماعية تطال في الأعماق الطبقات الفقيرة والطبقات الوسطى بسبب الفساد والموارد النفطية وغياب العدالة الاجتماعية. قسم كبير من هؤلاء الجهاديين جاؤوا من هذه الطبقات المتوسطة. وعلى أن فيديرين وافق دوفيلبان في حججه الأساس واعتبر أن تعبير "الحرب ضد الإرهاب" خطأ في الأساس وفي الإعلام، إلا أنهما كلاهما لم يشيرا إلى أنه وإن كان صحيحاً توصيف المشكلة في العالم العربي رغم نسيان العنصر الأساس فيها: نظم الحكم الاستبدادية، فإن المشكلة تمسّ أيضاً بنى المجتمعات الغربية عموماً والمجتمع الفرنسي خصوصاً الذي لم يستطع حتى الآن حل مشكلة استيعاب الأجيال المتعاقبة الفرنسية من أبناء المهاجرين، لا على الصعيد الثقافي فحسب بل وكذلك على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. وإلا كيف يمكن تفسير انضمام العشرات بل المئات من الشبابالفرنسيين المنتمين إلى الجيل الأول أو الثاني من أبناء المهاجرين المغاربة إلى داعش؟ ألم يكن منفذو عمليات 13 تشرين الثاني الماضي فرنسيين وبلجيكيين خريجي المدارس العامة في البلدين، ثم ثاروا حتى على أبناء جيلهم حين قبلوا القيام بهذا النوع من العمليات؟

أحد المفكرين السياسيين الفرنسيين الذين لم يكفوا عن التنبيه إلى العلاقة العضوية بين داعش والأسد، وإلى أن الفصل بينهما في معالجة مشكلة العمليات الإرهابية التي تقوم بها داعش سوف تؤدي إلى مجازر أخرى، هو جان بيير فيليو. تتمثل أهمية هذا التنبيه في كشفه عن تعقيد المشكلة التي تطرحها داعش على المجتمعات الغربية خصوصاً. مشكلة ذات وجوه متعددة: سياسية، وأمنية، وعسكرية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية؛ مثلما أنها ذات مستويات متعددة: داخلي، وأوربي، ودولي.  ومن هنا فإن الاقتصار على اختصار مشكلة داعش بموضوع الهجرات الأجنبية كما يفعل اليمين الفرنسي، أو بوضع الإسلام والمسلمين موضع اتهام كما تفعل الكثرة من السياسيين والصحفيين، أو على اعتبارها مشكلة عسكرية يمكن حلها بشن الحرب على داعش في عقر دارها، يتجلى عاجزاً عن الإحاطة بمختلف العناصر التكوينية لهذه المشكلة والتي لن يتم الانتصار عليها كما نشهد جميعاً في أي حرب عسكرية تخاض ضدها، ولا في التنديد بالمسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية، ولا بالحد من الهجرات التي لم تتوقف يوماً رغم كل محاولات إيقافها من اليمين أو من اليسار.

ليس الحلّ سحرياً. وهو أيضاً، في تعقيده، لا يقل عن تعقيد المشكلة كما تجلت في وجه من وجوهها إثر عمليات داعش بباريس أي في ردود الفعل كما تجلت في تعبيرالعالم عن التضامن الحار مع فرنسا، مثلما تجلت ولا تزال في غضه النظر بلامبالاة عما يحدث في سورية منذ خمس سنوات.

* نشر في صحيفة القدس العربي الأسبوعي، السبت 21 تشرين ثاني/نوفمبر 2015، ص. 6
http://www.alquds.co.uk/allw.pdf


























dimanche 15 novembre 2015


حول الهوية السورية

بدرالدين عرودكي

ردٌّ على أسئلة ياسمين مرعي


ما تطرحينه من أسئلة يحتاج إلى أكثر من كتاب للإجابة. ومع الإيجاز المخلِّ قطعاً، سأغامر في تقديم إجابة لن تكون وافية على وجه التأكيد لكنها ستحاول وضع بعض العلامات من أجل إجابة أكثر نجوعاً.
ذلك أن سؤال الهوية السورية إشكاليٌّ بامتياز، لا لأنه يطرح في الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة الأخرى لا تقل في إشكاليتها عنه فحسب بل لأن حلَّ إشكاليته ذاتها وتجاوزها لا يمكن أن يتمان دون حل الإشكاليات الأخرى.
تتناول هذه الأسئلة الانتماء الأوسع لسوريا: الانتماء العربي، والهوى الغربي  الذي كان هواها على الدوام أو العناء الشرقي الذي خضعت له تحت وطأة سنابك الغزاة (وآخرهم إيران الفارسية اليوم)، فضلاً عن ضروب الأجناس والأعراق والأديان والمذاهب الدينية التي تجاورت ولا تزال تتجاور فيها، وكذلك تكوينها التاريخي في ذاته وفي علاقاته مع جواره.
ثم جاءت الثورة السورية وما واجهته وتواجهه لتطرح بقوة غير مسبوقة مسألة الهوية السورية ولتفرض ضرورة الإجابة بلا مراوغةٍ أو تحايلٍ على التاريخ أو على الجغرافيا أو على الثابت والمتحول في كلٍّ منهما.
تقال سوريا على معنيين اثنيْن: فهي من ناحية أولى سوريا بلاد الشام (أي سوريا الحالية ولبنان وفلسطين والأردن وبعض شمال العراق) ، التي عرف سكانها على الدوام بوصفهم سكان الشام (الشوام أو السوريين)، وهي من ناحية ثانية سوريا الدولة الحديثة التي أنشئت بعد اتفاقية سايكس/بيكو خمسَ دول تحت انتداب الفرنسيين ثم دولة واحدة قبل أن يعترف الفرنسيون باستقلالها في حدودها المعروفة اليوم. ولم تكن سوريا بمعنييها المذكوريْن دولة مركزية أو مركز دولة في تاريخها كله إلا خلال حقبة الأمويين التي دامت أقل من قرن، وباستثناء هذه الحقبة، كانت سوريا دولاً تقوم من حول واحدة من الحواضر تتعايش أو تتحارب في العصور القديمة (ماري، إيبلا، أفاميا، إلخ.)، أو ولايات تابعة لمن يحتلها من  القادمين من الشرق أو من الغرب أو من الشمال أو من الجنوب على امتداد العصور.
وطوال السنوات التي تلت الاستقلال لم تجرؤ الأنظمة السياسية التي تعاقبت رغم اختلافها على تقديم نفسها صراحة ممثلة لهوية سورية خصوصية، بل ربما فعلت العكس حين كانت تنادي سياسياً بالانتماء العربي والتطلع السياسي إلى وحدة لم يكن لها سابقة ـ كما طرحتها الأحزاب اليمينية أو القومية بما في ذلك حزب البعث ـ في تاريخ العرب كله، لا بل إن حزب البعث أنجز إعدام هذه الهوية على محاولته تبنيها متأخراً بينما كان يمزق الهوية العربية التي بدا لوهلة عابرة أنها قوامه وسبب وجوده.
لكن الحدث الثوري في سورية أعاد بالضرورة طرح الهوية السورية بصورة بلغت من العنف حداً لا يستطيع أحد اليوم إنكارها ولاسيما بما عكسته ـ رغم كل محاولات النظام تفتيت هذا الشعور وإحالة الانتماء السوري إلى مجرد انتماء إلى طوائف دينية أو إثنية ـ من خصائص على الأصعدة كلها: الجغرافية والسياسية والتاريخية التي  بدا أن الشعب السوري في أغلبيته العظمى يعيها شعوراً وفكراً وانتماء.
ويبدو أن هذه الهوية صارت اليوم، على غرار الهوية الفلسطينية، القاعدة الأساس للنضال من أجل تحرير سورية من الاحتلال الذي تعاني منه الآن. وهي على كل حال هوية ستتأكد مع الأيام وعلى قدر النضال الذي بدأه الشعب السوري منذ أربع سنوات من أجل الحرية والكرامة والذي لا يزال يتابعه رغم كل العقبات من أجل التحرر من الاستبداد والاحتلال والطغيان في صوره كلها وبلا استثناء.

vendredi 30 octobre 2015


الحاضر الغائب: فايز ملص*

بدرالدين عرودكي



أشدّ الكلمات إيلاماً عند الحديث عن الراحلين كلمة: كانَ. ولأن من رحل من أصدقائي ومن أصدقاء فايز، قبل رحيله هو، لم يخلفوا لدي من شدة حضورهم، أيّ سبب لأستخدم هذه الكلمة، فإنني لن ألجأ ـ كما هي عادتي ـ إلى هذه الكلمة بصدد فايز. اعذروني. ليس الأمر مجرد ألعاب لفظية أو استبدال كلمات بأخرى. بل هو إحساس، بل هو شعور طاغ بحضور لم يكفّ، بصورة أو بأخرى، ومهما كانت المسافات بين الأمكنة أو الفضاءات، عن التواجد بحدّة كأنما يسعى بذلك إلى خلق ديمومة تجعلني أتلافى الحزن إلى ما هو أجدر بالإنسان: العمل، استمرار العمل، والعطاء، استمرار الحياة مثلما أرادها وسعى إليها كل الأحبة الذين رحلوا..

ذلك شأني مع جميع من رحلوا من الأصدقاء، وقد صار عددهم يزداد يوماً بعد يوم. أخص منهم بالذكر عمر أميرالاي الذي بدا رحيله قبل خمس سنوات تقريباً كما لو كان سبباً في عزم فايز على الاستقالة من عالمنا بكل ما ينطوي عليه من ظلم وإجحاف ولؤم عندما يتعلق الأمر بحق الإنسان في الحياة الكريمة، ولاسيما الإنسان العربي، الفلسطيني أمس والفلسطيني مع السوري اليوم.

أولى ثورات فايز، الشاعر، والساخر، والنقّادة، منذ إطلالته الأولى شاباً واعداً في "مدرسة سعادة الأبناء للجمعية الغراء" بدمشق، المدرسة الخاصة التي كانت الأسر من الطبقات الميسورة من الدمشقيين تنشد لأبنائها من وراء تسجيلهم فيها تربية صارمة تستمدّ مبادئها من تعاليم الدين الإسلامي كما عاشها السوريون قبل أن تغزو بلدهم جحافل القتلة من كل حدب وصوب باسم هذا الدين نفسه، كانت على هذه المدرسة بالذات، وعلى كلّ ما بدا له محاولة لحبسه وتأطيره في عالم يراه أوسع وأرحب من كل جدران الأيديولوجيات أياَ كان لونها. ذلك ما أتاح لموهبته في النقد الساخر أن تنمو بقدر ما ينمو وعيه بما يسم مجتمعاتنا ومشكلاتنا من تناقضات صارخة تارة وفجة تارة أخرى. تناقضات يراها في سلوك الآخرين وفي أفعالهم بعيني صقر لا تحول دونه المسافة أياً كانت عن تمييزها بتفاصيلها الدقيقة. حتى بات لا يكاد يعرف إلا بها.

لكنه على ذلك كله يحب العمل جماعة. وها هو ينشئ مع زملائه في تلك المدرسة ما إن تجاوزوا عتباتها إلى العالم الرحب، وخصوصاً منهم مأمون الطباع وفوزي المميز، جماعة "الفيروزيون" التي ستكون برفقة أصدقاء جدد نواة "المنتدى الاجتماعي" الذي سينشط حثيثاً خارج الأطر السياسية القائمة كلها في بدايات ستينات القرن الماضي على صعيد الفنون والآداب أولاً ثم على صعيد الفكر السياسي فكراً وفعلاً، ولاسيما بعد هزيمة عام 1967، عندما استقبل المنتدى الاجتماعي واحداً بعد الآخر للمحاضرة فيه زعماء المنظمات الفلسطينية جميعاً.

يشارك فايز في نشاطات المنتدى مع أصدقائه حتى بعد انتقاله إلى باريس حيث سيسهم بنشاط وبفعالية مع كل أصدقائه من السوريين والفلسطينيين والفرنسيين في تحويل القضية الفلسطينية أمام الرأي العام الفرنسي من قضية لاجئين إلى قضية شعب يناضل لاستعادة أرضه وتأكيد هويته. ولن يتوقف عبر كتاباته ونشاطاته اليومية عن التنديد بنظام العائلة الأسدية في سورية، ساخراً ومفنداً، حتى بات من ألدّ أعداء النظام السوري، محروماً كسواه من أصدقائه السوريين من العودة إلى بلده أو حتى مرافقة ذويه إلى مثواهم الأخير.

تألم الكثير من سخريته القاسية، المشاكسة، النقادة كما قلت. لا من كان يعتبرهم أعداءه أو خصومه في السياسة أو في الفكر بل حتى أقرب أصدقائه إليه. ولم يكن هؤلاء الأصدقاء، وأنا أولهم، ينتبه إلى أن هذه السخرية كانت تحيل الجميع إلى شرطهم الأولي كبشر، في أخطائهم وفي عثراتهم وفي ضروب قصورهم في السلوك وفي العمل، وأن ما كان يعبر عنه من خلال ذلك كله كان هدية متواضعة لمن كان يحبهم خصوصاً كي يعيدوا النظر فيما يقولون أو فيما يفعلون..

السخرية..بما هي مسافة مفتوحة بين الإنسان ونفسه، بقدر صدقها وضرورتها وأهميتها، تبقى السلاح الأهم ضد كل ضروب الاستبداد.. لا في ممارسة السلطة السياسية على قمتها فحسب، بل في كل ضروب ممارسات السلطة على اختلافها..

يجسّد فايز ملص، ولا يزال، في سخريته اللاذعة والمشاكسة كل ما تطمح إليه الأرواح الحرة من حرية ووعي بالذات وبالآخر.


* كلمة ألقيت يوم 30 تشرين أول/أكتوبر 2015 بمناسبة مرور أربعين يوماً على رحيل الصديق فايز ملص، أمسية قام بتنظيمها الصديق فاروق مردم بك في قاعة المجلس الأعلى بمعهد العالم العربي بباريس.


lundi 21 septembre 2015



فايز ملص.. وداعاً..


22 شباط/فبراير 1963 

فايز ملص..

رحلتَ ولم تسعفني المسافات أن أحضر رحيلك مثلما فعلتُ قبل أكثر من نصف قرن عندما رافقتُكَ مع أصدقائك الدمشقيين إلى مطار دمشق لوداعكَ قبل رحيلك إلى فرنسا..

رحلتَ في غمرة الموت الذي يلف السوريين منذ أن أُرغمتَ، على غير إرادة منكَ، على الابتعاد عن عالمنا قبل ما يقارب خمس سنوات ..

رحلتَ وأنتَ الشاعر الذي لم يعش شعره بقدر ما عاش قضية الشعر بامتياز لدى جيلك، جيلنا، أعني فلسطين.. وقضية جيلك، جيلنا: الاستبداد الأسدي المافيوي في سورية..

دفعت الثمن غالياً: ثمن مواقفك الثابتة إلى جانب القضية الفلسطينية، وثمن مواقفك الثابتة ضد الاستبداد المافيوي في سورية..

دفعت الثمن غالياً: ثمن حريتك في النقد وفي السخرية اللاذعة..

ورفضتَ بإصرار وأنفة وكبرياء أن ترضخ لكل إغراء كان الآخرون يسعون إليه خافضي الهامات والنفوس..كي تبقى أنتَ، كما أنتَ، نقياً، شفافاً، حراً.

....

سبق لك أن ذرفتَ الدمع عليَّ قبل ربع قرن حين علمتَ أنني أوشك على الرحيل ..لم أرحل يومها.. وكان عليّ أن أتلقى، مثل أصدقائكَ جميعاَ، سخريتكَ اللاذعة التي كانت لها فضيلة تذكيرنا دوماً لو نسينا شرطنا البشري..

لكني وعلى حضوركَ الكثيف معي وبي، لم أذرف الدمع عليكَ اليوم. ذلك أني أدركُ أن اللقاء قريب، وأنكَ لن تكون هنا كي تذرفَ الدمع..ثانية..

فايز ملص: يا بطل رواية سورية لم تكتب بعد..


https://www.facebook.com/b.arodaky/posts/10206704968897153?ref=notif&notif_t=like





jeudi 30 juillet 2015



عمر الشريف

سفير النجوم إذ يرحل*


بدرالدين عرودكي


لم يكن لقب أمير الشاشة العربية ينطوي على أيِّ مبالغة. كان كل من يراه في مختلف الأدوار التي أداها على امتداد نيف وستين عاماً، بدءاً من مصر ثم في أرجاء العالم كلها، لا يتردد في التعبير عن إعجابه بحضور ساحر ما كان على ما يبدو في أوربا وأمريكا منتظراً من شابٍّ قادم من مشرق ما أكثر ما سيم التعذيب والإذلال والاحتقار. وهاهو يأتي "من هناك"، مفاجئاً أرباب السينما في مواطن ولادتها بوسامته وتعددية ثقافاته فضلاً عن كبرياء لا تفصح عن نفسها إلا بنظرات عينيْن كان يسكن في أعماقهما باستمرار حزن لن تمحوه سنوات من الأمجاد ومن الشهرة، حزنٌ كان مشوباً بنبلٍ وسَم قصة حبٍّ، حقيقية،  كان الجميع يعلمها ويعلم كم كان أصيلاً في عيشها من قبلُ ومن بعدُ..
ذلك ما رأيته يوم التقيتهُ للمرة الأولى ذات يوم من يناير 1988 وثبت في عينيَّ في المرات التالية.
كان عمر الشريف يملك كل عناصر الرمز الدالّ: الحرفية التي أتاحها له كبار مخرجي السينما المصرية ثم كبار المخرجين الأوربيين والأمريكيين، والإطلالة العربية التي جعلته يصير بين يوم وليلة معبود جماهير السينما في العالم، فضلاً عن الاسم الذي يحمله والذي بات على كل شفة ولسان.. دون نسيان الأساس: دماثته وتواضعه وأريحيته التي جعلته عميقَ الودِّ مع جمهوره..
انطلق من مصر وحملها في قلبه حيثما رحل وعاد إليها مثلما انطلق منها عاشقاً وحبيباً.. وبين الانطلاق والعودة كان قد  ترك في أرجاء العالم ما لا يمكن أن ينسى : أدوراً رائعة في أفلام باتت من كلاسيكيات السينما العالمية، وحضورا أليفا وحميماً تراه في عينيه.
حين يلفظ الناس اسمه بحبور وإعجاب كانوا يعرفون من أين أتى.. وكان ذلك يكفي لمدّ الجسور..

* نشرت في مجلة الهلال، القاهرة، عدد آب/أغسطس 2015، ص.: 226

mercredi 1 juillet 2015


الصقر المصري

عبد الناصر


بدرالدين عرودكي

في الوقت الذي كانت وسائل الإعلام الغربية ترى في جمال عبد الناصر خلال خمسينيات القرن الماضي عسكرياً مستبداً معادياً للغرب ولثقافته السياسية والديمقراطية، كان الشعب المصري وسواه من الشعوب العربية يحتفل به ويكرسه عفوياً وبحماس زعيماً وبطلاً للاستقلال وللحرية وللكرامة. وعلى أن معظم السياسيين الأوربيين، الفرنسيين والبريطانيين منهم خصوصاً، ظلوا لا يرون فيه إلا العدو السياسي الأول بامتياز، إلا أن رحيله شهد ضرباً من إعادة التقييم حين رأوا ملايين المصريين يشيعونه  وملايين العرب في كافة أرجاء العالم العربي يبكونه. صار في نظرهم كما وصفه جان دانييل "عامل توازن" في العالم العربي، وحاملا لأعباء لا يقدر على حملها أيّ زعيم آخر فيه. وهاهم  الزعماء الذين جاؤوا من بعده في مصر أو في من حولها يتوازعونها فيما بينهم وينؤون مع ذلك بحملها!
وإذا كان ذلك كله قد أصبح في الغرب جزءاً من الماضي لا يكاد يذكره فيه خصوصاً إلا من بقي من شيوخ الساسة على قيد الحياة، كما لا يكاد أحدٌ من عامة الناس يعرف اسمه بعد أن كان طوال سنوات على كل شفة ولسان في إنجلترا كما في فرنسا، فما الذي يحمل اليوم، بعد خمسة وأربعين عاماً على هذا الرحيل، وثلاثة وستين عاماً على حركة الضباط الأحرار التي أنشأها وقادها وأنجزها بنجاح ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952، على أن يؤلف كاتبٌ فرنسي كتاباً عن جمال عبد الناصر يحاول فيه، مؤرخاً وروائياً، أن يقدم صورة رجل دولة لا يختلف الناس في نظرتهم إلى أحد مثلما يختلفون اليوم فيه وحوله، ولا سيما في العالم العربي، سواء في تقييم مسيرته قبولاً غير مشروط أو رفضاً بلا حدود، أو في قبول شخصه حباً أو كرهاً، أو حول الحكم على منجزاته سلباً أو إيجاباً أو بين بين، ولا يزالون؟
ما كان لكاتب فرنسي السلالة، جيلبير سينويه، لولا أنه مصري الولادة والتكوين الأساس خلال السنوات التسعة عشر الأولى من عمره التي عاشها فيها،  واختص من بعد سنواته الأربعين شخصياتها التاريخية الكبرى ببعض أعماله الروائية، أن يلتفت اليوم إلى شخصية مصرية بامتياز، متعددة الوجوه والأبعاد، مأساوية الأقدار والمصير، ولاسيما بعد أن عاصر طفلاً ثم شاباً صعودها وتألقها ونجاحاتها وإخفاقاتها ثم رحيلها المأساوي.
ولابدّ أن السؤال الملحّ كان قد شغله قبل أن يقدم على وضع هذا الكتاب: بمّ يبرر عمله هذا أمام جمهور فرنسي أو ناطق بالفرنسية لم يعد موضوعه شاغلاً له ولا حتى أحد شواغله اليوم؟ ثم، كيف يمكن له أن يتناول إذن هذه الشخصية التي سيطرت خلال ثمانية عشر عاماً على المشهد السياسي المصري والعربي واحتلت حيزاً كبيراً في المشهد السياسي العالمي ضمن كتاب يقع في حوالي 400 صفحة؟
لعل ما جرى منذ 25 يناير 2011 ويجري اليوم على الساحة المصرية مما يمكن أن يهم القارئ الفرنسي المولع تاريخياً بمصر وبتاريخها يمكن أن يجيب عن السؤال الأول. أما الجواب عن السؤال الثاني فسيجد في كتب المؤلف السابقة الطريقة أو المنهج.
هكذا، لم يكن كتاب الصقر المصري في النهاية رواية فيها من التخييل بقدر ما فيها من الواقع، ولا كذلك محض كتاب تاريخي عن عبد الناصر، ولا سيرة حياة بالمعنى التقليدي للسيرة، بل كان كتاباً يستفيد من تقنيات هذه الأجناس جميعاً كي يأتي في صورة شهادة جامعة عن شخصية فذة لا تزال حاضرة في وجدان ملايين المصريين والعرب ولا سيما منهم من سمعوا واستجابوا لجملته الشهيرة: "إرفع رأسك يا أخي"! لهذا كانت أفضل مقاربة لهذه الشخصية الاستثنائية ما دام المستهدف بالكتاب القارئ الفرنسي خصوصاً والغربي عموماً هي تلك التي تعنى بما يمكن لهذا القارئ الذي ما إن يسمع باسم الزعيم المصري حتى يقترن في ذهنه بصفات الديكتاتور الرهيب، و المستبد، والعدو الشرس للغرب ولثقافته أو لسياساته. ذلك أنَّ الغالبية العظمى من الكتب التي طفقت ولاسيما بعد تأميم قناة السويس تتوالى بالعشرات في الخمسينيات من القرن الماضي، فضلاً عن آلاف المقالات في الصحف والمجلات الغربية ، لم تكن ترى في جمال عبد الناصر إلا هذا العسكري الذي استحوذ على السلطة بقوة السلاح وأخرج البريطانيين من مصر، وأمم قناة بناها الفرنسيون وهيمنت عليها بريطانيا بفعل احتلالها لمصر، وطفق يساعد الثوار الجزائريين في حربهم ضد الاحتلال الفرنسي من أجل الاستقلال، ويحلم بوحدة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج، وبقارات ثلاث تخرج بلغة الخمسينيات عن هيمنة الشرق السوفييتي والغرب الإمبريالي، ولم تر شبيهاً له في تراثها القريب إلا هتلر أو موسوليني، واقفاً أمام جماهير لا يحصى عددها يقرِّع الغرب ويهدده، وينذر بالويل والثبور بقايا الاستعمار في آسيا وأفريقيا..
كيف يمكن لكاتب أن يتجاهل، حين يريد الإحاطة بشخصية استثنائية، تعدُّدّ زوايا الرؤية وبعد الزمان؟  أو أن يختصرها في مرحلة أو في جانب من جوانبها أياً كانت أهمية هذا الجانب؟ أو أن يبنيها على ترَّهات مختلفة من سقط متاع الأيديولوجيات على اختلافها وضعية كانت أو ميتافيزيقية؟
كثيرة هي الاختصارات السائدة اليوم في قول شخصية عبد الناصر بفعل وتحت تأثير التغييرات القائمة الآن على معظم مساحة العالم العربي وقبلها بفعل وتحت تأثير من طمحوا إلى التشبه به بله الفوز بمكانته من صدام حسين إلى حافظ الأسد إلى معمر القذافي. مثلما كانت كثيرة هي الآخرى محاولات طمس فعله الأساس إن لم يكن ذكراه.
 يعرف جيلبير سينويه ذلك كله مثلما نعرفه جميعاً، لكنه لا يوليه أي اهتمام. ذلك أنَّ هدفه تركز في تقديم شخصية يستحيل اختصارها أو حصرها في صيغة أو في صفة، مثلما يصعب في الوقت نفسه تقديمها كما كانت تتجلى في ذاتها لجمهور لم يسبق له أن تعاطف معها أو في أفضل الأحوال يجهل عنها كل شيء. سوى أنه وهو الذي تابع نقاط الظل مثلما تابع نقاط الضوء في حياة بطل كتابه كان يعرف ويقول إن جمال عبد الناصر "كان بين الضوء والظل آخر قائد عربي عظيم"، والوحيد الذي "حاول أن يذكر إخوانه العرب بأنهم أقوياء وبأن ضعفهم يكمن في جهلهم قوتهم".
الضوء والظل هما ما يسمان حياة كل إنسان أساساً. وفي حياة عبد الناصر أكثر ـ ربما ـ من أي إنسان آخر. لا يقتصر اسم عبد الناصر ـ كما يفعل خصومه ـ على العسكري الذي استحوذ على السلطة بالقوة، أو على المستبد الذي استأثر بالسلطة وأرسى قواعد الحكم الأمني، أو "الحاكم المتهور" الذي قاد بلاده إلى هزيمة مريعة على أيدي عدوها الأول. لن يكون قول ذلك إلا بعض الحقيقة لا كلها، وربما قول وجهٍ واحدٍ منها لا كلَّ وجوهها.
سنرى على مدار فصول الكتاب عبد الناصر شاباً مناضلاً نهماً إلى المعرفة، ثم طالباً يرشح نفسه للدراسة في الأكاديمية العسكرية كي يكتشف أن طريق التغيير لابد أن يتم بواسطة الجيش. وسنراه في حصار الفالوجة في فلسطين أثناء حرب 1948، ثم وهو ينظم مع أصدقائه حركة الضباط الأحرار التي ستستحوذ على السلطة يوم 23 يونيو 1952، وتبدأ مرحلة الضوء الساطع في صعوده وتكريسه زعيماً مصرياً وعربياً بادئة بمفاوضته البريطانيين للجلاء عن مصر نهائياً، ثم تأميمه قناة السويس كي يبني السد العالي بعد شهر من الاستفتاء عليه يوم 23 يونيو 1956 رئيساً لجمهورية مصر، ثم في عام 1958 رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بإرادة جماهيرية قل نظيرها في كلٍّ من سوريا ومصر؛ فترة عمل خلالها في الداخل على تحقيق الإصلاح الزراعي، وبناء السد العالي، وتعميم التعليم ومجانيته وبناء المصانع ومحاولة وضع نواة الصناعة الثقيلة.. لتبدأ بعدها، اعتباراً من 28 سبتمبر، مرحلة الظل ثم الظلال: الانفصال، وسقوط عبد الكريم قاسم في العراق وأحمد بن بله في الجزائر، ثم مقتل المهدي بن بركة، وحرب اليمن وأخيراً حرب الخامس من يونيو 1967 التي وضعت على نحو مريع حدّاً فاصلاً بين مرحلتين: مرحلة صعود المشروع القومي وألق الحلم العربي بالاستقلال وبالحرية، والهزيمة الصارخة وقد كشفت عري النظام العربي بأكمله بلا رحمة.
لاشك أن عبد الناصر، الذي أعادته الجماهير نفسها التي سكن وجدانها إلى منصبه رئيساً بعد أن أعلن حَمْلَهُ المسؤولية كاملة عن الهزيمة واستقالته من منصبه، كان في طريقه إلى أن يصير رجل الدولة الأكبر في العالم العربي بعد أن كان طوال السنوات السابقة البطل والزعيم. كتب جان لاكوتور الذي حاوره أكثر من مرة وكان من أوائل من ألفوا كتاباً عنه: ""يُطلب إليّ أن أتعرف في جمال عبد الناصر على الفضائل التي تصنع رجل دولة عظيماً، وجوابي سلبيّ في البداية، على المدى البعيد، ويفرض عليَّ أن أضعه بالأحرى ضمن فئة أخرى، هي فئة "الأبطال". رجل الدولة يبني، والبطل يجذب. رجل الدولة يضبط، والبطل يبقى في فضاء آخر، فضاء الإلهام والخيال."
خلال السنوات الثلاث التي تلت هزيمة يونيو وسبقت رحيله عن عالمنا، كان عبد الناصر يبني ويضبط. وكان على وجه الدقة "عامل التوازن" الذي وصفه به جان دانييل. سوى أن الرجل الذي سعى ونجح في أن يجعل من مصر مركز العالم العربي والعالم الثالث حمل معه في رحيله الأخير المشروع العربي بأكمله.
كانت مأساة جمال عبد الناصر هي مأساة العالم العربي بأجمعه.. تلك التي نشهدها اليوم بأمِّ أعيننا بعد خمسة وأربعين عاماً على رحيله..
نشر هذا المقال في مجلة "الهلال"، عدد تموز/يوليو 2015، ص 96 ـ 101 ** 
 
 
 
                                 
                                                                                                                          
 

mardi 30 juin 2015


حول كتاب "معك" في طبعته الجديدة

 

 بمناسبة صدور الطبعة الجديدة من الترجمة العربية لكتاب سوزان طه حسين "معك" عن مؤسسة هنداوي بالقاهرة.
 
بدرالدين عرودكي
 
أجرى اللقاء: أحمد الليثي
 


* متى صدر كتاب "معك" للمرة الأولى؟
** صدر كتاب "معك" لأول مرة عن دار المعارف بمصر عام 1977، وكان ذلك بناء على رغبة السيدة سوزان طه حسين التي أرادت أن ينشر كتابها في دار النشر ذاتها التي نشرت أعمال طه حسين.
* هل ترجمتَ الكتاب بمبادرة منكَ أم كُلِّفتَ بذلك؟
** لم يكن الكتاب منشوراً بلغته الأصلية ــ الفرنسية ــ حين ترجمته، وبالتالي فلم يكن الأمر خياراً من قبلي كما أفعل حين أختار من الكتب المنشورة هذا الكتاب أو ذاك وأقترحه على الناشر. على أن لترجمة هذا الكتاب قصة رويتها في المقدمة التي كتبتها لطبعة المركز القومي للترجمة بالقاهرة التي صدرت عام 2009 وخلاصتها أن المؤرخ والاجتماعي الفرنسي جاك بيرك، وكان صديقا لطه حسين  ولزوجته، كان قد خصص درسه الأسبوعي في الكوليج دو فرانس إثر وفاة طه حسين عام 1973 ولمدة عاميْن متتاليين للحديث عن طه حسين ومستقبل الثقافة في مصر وفي العالم العربي. وكان هو من اقترح على سوزان طه حسين أن تكتب عن نصف قرن ونيف قضتها قرب عميد الأدب العربي حبيبة وزوجة ورفيقة درب، قائلاً لها إنه ما إن تنهي الكتاب حتى يقترح عليها أن تتم ترجمته علي يد كاتب سوري (وكان أن اختارني للترجمة) ومراجعة الترجمة على يد كاتب مصري تقدمي (وكان من اختاره لهذا المرحوم محمود أمين العالم)، وذلك لإضفاء البعديْن العربي (من خلال الأول) والمستقبلي (من خلال الثاني) على مُبدَع طه حسين.
جاء اختياري إذن على هذا الأساس. وحينما التقيت سوزان طه حسين في منزل مؤنس طه حسين بباريس دفعت إليَّ بالمخطوط مطبوعاً على الآلة الكاتبة راجية أن أقوم بالترجمة في أسرع وقت ممكن كي تشهد صدور الكتاب قبل أن يوافيها الأجل كما قالت لي آنئذ. والحقيقة أنها لم تكن ترى في نشر كتابها بالفرنسية فائدة تذكر. كانت تريد أن يقرأه قبل كل شيء كل من عرف طه حسين من العرب ومن قراء العربية حيثما كانوا..
*  ولماذا هذه الطبعة الجديدة التي تصدر عن مؤسسة هنداوي؟
** تأتي هذه الطبعة الجديدة لكتاب "معك" أساساً استجابة لرغبة ورثة طه حسين الذين عهدوا إلى مؤسسة هنداوي بنشر كافة مؤلفات طه حسين إلكترونياً كي يمكن تحميلها مجاناً من قبل أي قارئ في أنحاء العالم كله. وكان من المفروض تبعاً لذلك نشر كتاب سوزان طه حسين لاستكمال الحلقة. وفي تلك الفترة، أي عام 2011، كانت قد صدرت أول طبعة فرنسية للكتاب (أي بعد حوالي خمسة وثلاثين عاماً على صدور الترجمة العربية!) حافلة بالهوامش وبملحق يحكي حياة سوزان طه حسين وقصة لقائها بزوجها حين كان يتابع إعداد رسالة الدكتوراه في فرنسا في العشر الثاني من القرن الماضي. وحين اتصلت بي السيدة مها عون حفيدة طه حسين ثم مؤسسة هنداوي من أجل ذلك، اقترحتُ أن أضيف في وبمناسبة هذه  الطبعة الجديدة كل هذه الهوامش التي حفلت بها الطبعة الفرنسية. وتم الاتفاق على ذلك وقمت بإعداد النص الأصلي للترجمة بعد أن أجريت عليه تصحيح الأخطاء المطبعية في طبعاته السابقة وإضافة ترجمتي للهوامش ولملحق الكتاب وتكاد تبلغ في حجمها ثلثي الكتاب الأصلي وأودعت ذلك كله لدى مؤسسة هنداوي التي انتهت من إعداد نشر الكتاب في طبعتين: إلكترونية وورقية.
* بعيدًا عن ان طه حسين هو عميد الأدب العربى، ما الانطباع الذى تركته فيك زوجته عنه؟
** التقيت السيدة سوزان طه حسين مرة وحيدة عام 1975 في منزل ابنها مؤنس الذي دعاني للقائها ولاستلام مخطوط الكتاب من يدها مباشرة. لم يكن قد مضى على وفاة طه حسين أكثر من سنتين، لكني شعرتُ أنها لا تزال تعيش معه وبسببه ومن أجله، من أجل ذكراه، ومن أجل ديْن كانت تشعر بضرورة أدائه نحو الرجل الذي أحبته ورافقته حبيبة وزوجة ورفيقة وسنداً على امتداد أكثر من نصف قرن في جوٍّ من الاحترام المتبادل لم تنل منه مصاعب الحياة وطغيان المشكلات اليومية، أياً كانت طبيعتها. ولقد كانت ترى في كتابها الذي كتبته رسالة اعتراف بهذا الدين تنشرها على الملأ .
لقد رأيت في هذه المرأة مثال المرأة العاشقة والزوجة الودودة والرفيقة المؤنسة. ولا يمكنني أن أنسى هذا كله بعد أن رأيته بعينيّ في ملامح وجهها وفي بريق عينيْها ثم قرأته في كتابها الذي أعتبره على صعوبة تصنيفه ضمن نوع أدبي ما رسالة حبٍّ فريدة في الأدب العربي الحديث والمعاصر.
* لماذا يعد الكتاب مهمًا فى رأيك ؟
** ترتدُّ أهمية الكتاب الأساس في نظري إلى أنه يسرد بصورة حميمة قصة حب ولدت وترعرعت ودامت على امتداد نيف وخمسين عاماً في قلب ما كان المجتمع المصري يعيشه على الأصعدة كلها: سياسياً واجتماعياً وثقافياً في الداخل، وكذلك في علاقات هذا المجتمع مع الثقافات الأخرى في الشرق أو في الغرب. لكن أهمية الكتاب تقال على معان أخرى أيضاً. فهو يقدم لنا وجه طه حسين الإنسان العاشق، وطه حسين الأب، وطه حسين الزوج، وطه حسين الصديق..بعيون امرأة عاشقة.. ثمة زوايا ما كان لكتاب "الأيام" مثلاً على أهميته القصوى أن يتناولها في حياة طه حسين الشخصية وجاء كتاب "معك" كي يلقي الضوء عليها. وهو من ناحية أخرى يقدم لنا قصة زوجين مختلفين في كل مجال: في الأصول الاجتماعية وفي الانتماء الثقافي وفي الاعتقاد الديني.. لكن اختلافاتهما كانت عناصر إثراء لهما معاً ولقصة حبهما، ولحياتهما، انطلاقاً من احترام هذا الاختلاف ومن احترام حرية الآخر في أن يكون مختلفاً..
كل ذلك فضلاً عن جمال النصِّ ومتعة قراءته أصلاً، يضفي على الكتاب فرادته وأهميتة الاستثنائية..
* لم نعرف فى عالمنا العربى هذا النوع من الكتابة، أى كتابة الزوجات والأزواج عن بعضهما، هل ترى لذلك النوع أهمية؟
** لا يمكن اعتبار كتاب "معك" كتابة زوجة عن زوجها حتى ننتظر كتباً أخرى للزوجات عن أزواجهن أو للأزواج عن زوجاتهم! نحن أمام قصة فريدة بكل المعاني بأبطالها، وبزمنها، وبأحداثها، وبمعانيها. وسترى في الملحق المنشور في آخر هذه الطبعة الجديدة الذي حرره ناشرا الطبعة الفرنسية زينا ويجان وبرونو رونفار، أن هناك زوجات فرنسيات أخريات كتبن عن أزواجهن من المصريين. ولكن من يعرف كتبهن اليوم؟ نحن في حضرة طه حسين، وهذا في ذاته، استثناء لا يتكرر.
* أخيرًا هل وجدت صعوبة فى نقل مشاعر امرأة وزوجة من لغة إلى أخرى؟
** لا، لم أجد أية صعوبة لاسيما وأن كتاب "معك" كان الكتاب الثاني الذي أترجمه بعد الكتاب الأول الذي قمت بإعداده وترجمته ــ وكان كتاباً صعباً في الحقيقة آنئذ ــ وأعني به كتاب أنور عبد الملك "الفكر العربي في معركة النهضة" الذي نشرته عام 1974  دار الآداب ببيروت.
لا أكتمك أنني كنت أشعر بسعادة بالغة وأنا أقوم بترجمة هذا الكتاب. وكان هذا الشعور يغمرني كلما قمت بإعداده لطبعة جديدة كما حدث في عام 2009 عندما اقترح علي الدكتور جابر عصفور أن أفعل وأن أكتب مقدمة لتلك الطبعة الجديدة للكتاب تحكي قصته، أو كما حدث العام الماضي عندما أرادت مؤسسة هنداوي إخراجه مجدداً. ولا أذكر أنني ترجمت كتاباً بمثل السهولة والسلاسة التي ترجمت بها كتاب "معك" الذي حظيت ترجمته باستقبال كريم ودافئ من القراء المصريين والعرب أعتبره أجمل وأثمن مكافأة يمكن أن أتلقاها.
 
** نشر في جريدة القاهرة في عدد الثلاثاء 30 حزيران/يونيو 2015