jeudi 19 juillet 2018



هواجس الأسئلة بعد الهزيمة 
بدرالدين عرودكي 
درعا، آخر الأخبار ولن يكون أخيرها. ويكاد ما يتراءى عبر توافق ترامب/بوتين الأخير ينبئ  بأن الأسوأ هو الموعد القادم في سورية. أفلا يكون من قبيل التلاعب بالألفاظ والحالة هذه نكران ما نراه اليوم جميعًا وما لا يمكن تسميته باسم آخر غير الهزيمة؟
الهزيمة، نعم. وإنما الحديث هنا عن هزيمة مختلف الهيئات والجماعات والفصائل والتجمعات السورية، السياسية منها والعسكرية، التي تصدّت ــ من حيث المبدأ ــ لتمثيل جيل شاب من السوريين أنكروا ما عاش عليه آباؤهم، واستنكروا مكابدتهم له، فخرجوا يطالبون بإسقاط نظام الاستبداد، دون حساب لما كان ينتظرهم فور خروجهم: الاعتقال والتعذيب والقتل في السجون، أو الموت تحت وابل البراميل أو السلاح الكيمياوي، أو الهجرة إن استطاعوا في أرجاء الأرض الأربع. الهزيمة، لا أمام هذا النظام الذي قبِلَ وأعلن هزيمته هو أولًا، حين سارع إلى الاستجارة بإيران وذيولها العسكرية، وبروسيا وذيولها من السياسيين المحليين، من أجل بقائه، بل أمام هذه القوى الإقليمية والدولية مجتمعة، أكانت تلك التي ناصبت الشعب السوري العداء منذ البداية أو تلك التي زعمت صداقته وحمايته والدفاع عن حريته، فسارعت إلى احتواء تدريجي وخبيث لزخم ثورته وبراءتها، كي تطفىء ألقها وتحيلها فوضى يمكن لكل من حاربوها منذ اليوم الأول، وحسب موقعهم في المشهد، أن يطلقوا عليها "مؤامرة كونية"، أو"حربًا أهلية"، أو "حربًا ضد الإرهاب"؛ ثم لتلقي بسورية لقمة سائغة لروسيا/بوتين التي وجدت فيها وبها فرصتها المنشودة لاستعادة حضورها على الساحة الدولية قوة فاعلة ومؤثرة.
طوال سبع سنوات لم تتغير المعادلة التي تنبأ بها النظام الذي كان ــ بحكم خبرة اكتسبها طوال أربعين عامًا ــ  يعرف موقعه تمام المعرفة على الساحة الإقليمية، مستعدًا لدفع الثمن الضروري لبقائه: النظام وحماته الإيرانيون الذين سارعوا منذ اليوم الأول لوضع خبراتهم اللوجستية والفنية والأمنية من أجل مواجهة الكارثة التي ستطالهم إن سقط؛ والشعب السوري، الذي أدرك، منذ مواجهة النظام لمظاهراته بالرصاص الحي، فداحة الثمن الذي سيدفعه، وممثلو هذه الثورة الذين سرعان ما فرحوا باعتراف القوى الكبرى بهم بوصفهم "معارضة"، دون انتباه إلى أن هذه الصفة كانت تقول ــ من حيث لم يكونوا يدرون ــ في آن واحد، اعترافهم الآلي بـ"شرعية" نظام لم يكن يقبل وجودهم من قبل، وما كان له أن يعترف بهم الآن وقد بات وجوده المادي مهدَدًا، وخلل مطالبتهم إسقاط النظام الذي يقومون بـ"معارضته"! وكانت أول نتائج ذلك على الصعيد العملي رفض جميع القوى الدولية الفاعلة، منذ أول حديث عن الحل السياسي، لاعتماد مبدأ إسقاط النظام، مادام التفاوض يقوم بين "نظام" قائم و"معارضة" أتوا على الاعترف بها مؤخرًا.
لكن ذلك لم يكن إلا أحد عناوين فصول "معارضة" النظام طوال السنوات السبع التي مارسها المجلس الوطني ثم الائتلاف ثم الهيئة العليا للمفاوضات بوجه خاص، دون نسيان عشرات الجماعات العسكرية التي اتخذ بعضها أسماء لها تقول انتماءاتها بل وخذلانها لثورة السوريين الأولى، ولا العديد من الهيئات أو البنى الأخرى التي نشأت معارضة أو منافسة للبنى الأولى المذكورة. ليس الغرض هنا سرد الأخطاء القاتلة، أو الفرص الضائعة، أو الحديث عن غياب الأهلية أو الفاعلية السياسية لدى من تصدوا لقيادة "المعارضة" أو لتمثيلها أو للعمل في هيئاتها، ولا كذلك توجيه الاتهامات لهم بالخيانة أو الاستزلام أو الخضوع لرغبات الممولين ولأجنداتهم، بل ولا أقل من ذلك كله: أي استعادة تفاصيل الفصول المضحكة والمحزنة التي أداها العديد منهم، أو حتى التشكيك بمقاصدهم. بل الغاية الأساس، الآن، هي محاولة حملهم على الإجابة عن الأسئلة التي تطرق رؤوس السوريين الذين دفعوا ولا يزالون يدفعون الثمن غاليًا، والتي تثقل حياتهم اليومية  بما تثيره من هواجس المستقبل الغامض الذي ينتظرهم.
ذلك أن الذين تصدوا لهذه المسؤولية التي يتضح اليوم مدى ثقلها وآثار ممارستها على الراهن السوري ومستقبله القريب، هم أجدر الناس بالإجابة عن هذه الأسئلة الملحة في أجواء الهزيمة التي نعيشها اليوم. وهي خطوة لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها بحجة الاهتمام بالأحرى بتعميق الحوارات والسجالات من أجل بناء المشروع البديل لمستقبل سورية.
من الواضح أن روسيا عملت، منذ دخولها سورية بقواها العسكرية، وبتواطؤ خفي مع الولايات المتحدة الأمريكية، على التمهيد بالتدريج لما نراه اليوم: تفريغ القرارات الأممية، بدءًا بمؤتمرات جنيف، من مضامينها، ثم مقررات مؤتمر فيينا وما تلاها من قرارت للأمم المتحدة حول "الحل السياسي"، والاستعاضة عن كل ذلك باجتماعات أستانة ومؤتمر سوتشي وما رافق الاثنين من اتفاقات "خفض التصعيد" و"الدول الضامنة" له، وصولًا إلى إقصاء  المعارضة العسكرية من هذه المناطق واحدة بعد الأخرى وبمباركة جميع القوى الدولية، مما أدى إلى تجريد هيئات المعارضة السياسية من صفتها التمثيلية، بعد أن فرضت روسيا هذا الأمر الواقع. ومن الواضح أيضًا، أن أحدًا من قوى المعارضة العسكرية أو السياسية، لم يكن قادرًا على الوقوف في وجه هذه الخطة التي وضحت نتائجها اليوم، واتفق ترامب وبوتين قبل أيام على مآلاتها المنطقية والكارثية المنتظرة.
هذا يعني أن وضع الهزيمة يفرض على الجميع العمل في اتجاهات ثلاث  في آن معًا: الأول مواجهة مآلات هذا الجهد الروسي الذي سيؤدي إلى إنشاء نظام استبدادي بلباس وبإخراج جديديْن، وربما أيضًا بوجوه جديدة لا تقل دموية عن الوجوه الراهنة: من يقوم بالمواجهة؟ وكيف تتم؟ وما هي الوسائل التي يمكن حشدها من أجل ذلك؟  والثاني، وبالتوازي مع المسار الأول، القيام بمشروع نقد ذاتي، على الصعيدين، الفردي والجماعي،  يشارك فيه الجميع بلا استثناء، تستعاد فيه المسارات والقرارات والتحالفات وضروب القصور على صعيد التحليل السياسي وفي رسم استراتيجيات العمل وحول الجهد الإعلامي سواء في العلاقات داخليًا مع الحواضن الشعبية أومع الفصائل العسكرية، أو خارجيًا مع القوى الإقليمية، العربية منها والأجنبية، وسرد الأخطاء الاستراتيجية المرتكبة على الصعيد الفردي أو على الصعيد الجماعي، في ضوء النتائج التي أدت إليها اليوم. والثالث، وهو الجهد الأساس الذي يجب أن يعزز العمل في الاتجاهين المذكورين، أي وضع حدٍّ للشرذمة القائمة منذ البداية بتوحيد القوى القائمة اعتمادًا على مشروع عمل ذي أهداف وطنية جامعة، لمواجهة مآلات الوضع الحالي وكيفيه التأثير عليها بما يمهد في الوقت نفسه لوضع مشروع سورية الجديدة موضع التنفيذ.
مثل هذا العمل الذي رأينا عددًا من المبادرات الجماعية تتبناه لا يزال في بداياته. فالوثيقة الفكرية السياسية التي أصدرتها مجموعة من السوريين "حول واقع سورية ومستقبلها"وشاركت في تحريرها نخبة من المفكرين والكتاب السوريين (أحمد برقاوي، حازم نهار، خضر زكريا، زكي اللبابيدي، عبد الباسط سيدا، عبد الله تركماني، ماجد كيالي، محمود حمزة، ميشيل كيلو، يوسف سلامة) تدخل في هذا الإطار، لا لأنها صادرة عن مثقفين أحرار بكل ما تعنيه نهذه الكلمة فحسب، بل لأنها بدأت، نظرًا لأهميتها، تستثير النقاش حول مضمونها. وهنا لابد من الإشارة إلى الجهد الذي تبذله في هذا المجال "منظمة مسار" من خلال ندواتها الأسبوعية عبر الأنترنيت حول الحدث السوري والذي يستجيب في الحقيقة إلى الضرورات التي كان مساره يفرضها يومًا بعد يوم. ولأنها منظمة مستقلة، فإن بوسعها العمل في المسارات الثلاث بما تمليه عليها، في المقام الأول، المصلحة السورية الأساس، كما يفهمها ويحددها ويتفق حولها أو يختلف السوريون أنفسهم، على اختلاف انتماءاتهم الفكرية أو الأيديولوجية.
سوى أن الأمل الأكبر يبقى ماثلًا في ما يمكن للقوى السورية المؤمنة بالدولة الديمقراطية، دولة المواطنين لا دولة الرعايا، من أن تحققه في مجال توسيع بيئتها الاجتماعية والشعبية والفكرية، ودعوة الجميع إلى فضاءاتها الرحبة التي لا يمكن لبلد أو لمجتمع أن يكون سليمًا من دونها.  
لعلَّ الهزيمة تستحيل نصرًا ولو كره المحتلون.

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 19 تموز/يوليو 2018.


jeudi 12 juillet 2018




القوائم الذهبية  والسوداء 
تنويعات على كونديرا


بدرالدين عرودكي
الموسيقى والرواية
قبل أن ينعطف نحو الرواية، بدأ ميلان كونديرا حياته موسيقيًا. لا عازفًا على البيانو فحسب، بل ومؤلفًا موسيقيًا، وذلك تحت تأثير والده، الموسيقي لودوفيغ كونديرا، أو، الأصح، بسبب إعجابه العميق به. وعلى أنه تخلى عن مساره الموسيقي مبكرًا وانصرف كليًا إلى الكتابة الروائية، إلا أن الموسيقى التي تمثلها شابًا، بنية وإيقاعًا وأزمنة، بقيت حاضرة كل الحضور في نسيج بناء رواياته التي يمكن القول إنها عنصر مقوم وربما حاسم في فرادة وخصوصية رواياته بالمقارنة مع المُبدعات الروائية الأوربية الأخرى التي تلت، في القرن العشرين، الرواية البروستية الكبرى، البحث عن الزمن المفقود. ولعلنا نحظى، ذات يوم، بناقد أدبي يملك في آنٍ معًا أدوات التحليل الموسيقي والروائي، كي يقدم قراءة موسيقية  لروايات كونديرا، لاسيما وأنه سيجد في كتابات كونديرا نفسه عن فن الرواية، مدخلًا إلى مثل هذه القراءة ودليلًا.
وحين تقترن السخرية بوصفها هي الأخرى عنصرًا مقوما في الرواية الغربية بالموسيقى لدى أحد كبار معلميها المعاصرين، ميلان كونديرا، تصير الرواية رؤية تخترق الحجب أيًا كانت. نلقاها في رواياته الأساس مثلما نلقاها أيضًا في قراءاته لروايات أسلافه بدءًا من رابليه، وليس انتهاء بكارلوس فوينتس. ذلك أن هذه القراءات التي ضمتها كتبه الأربعة عن الرواية (فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار، لقاء) ــ وقد كنت شديد السعادة أنني ترجمت الثلاثة الأولى منها ــ  أتاحت له أن يبين كيف كان "حلم الميراث الكامل"، كما يسميه في حديثه، يتحقق على أيدي بعض الروائيين مثل فرانتز كافكا أو هيرمان بروخ أوكارلوس فوينتس؛ وعلى أيدي بعض الموسيقيين مثل بيتهوفن. لكنه يجد أيضًا، لا غياب "حلم الميراث الكامل" لدى البعض، ولاسيما في الموسيقا، بل "رفض كامل للميراث" كما رآه لدى الموسيقي اليوناني يانيس كزيناكيس.
حلم الميراث الكامل في الإبداع الروائي أو الفني: تمثل ثم استعادة كل ما حققه المعلمون الأوائل، وإعادة صوغه استجابة لهموم وتساؤلات الحاضر.
القوائم السوداء
وجد كونديرا نفسه ذات يوم، وهو يستقبل في مدينته الأولى، براغ، أصدقاء فرنسيين، مضطرًا لتغذية حديث مع سيدة منهم كانت إلى جانبه في السيارة. سألها عن أكثر مؤلف موسيقي فرنسي تحبه؟ جاء جوابها فوريًا وعفويًا وقويًا: "ليس سان سانس على الأخص". فاته أن يسألها إن كانت سمعت شيئًا من أعماله. لكنه كان على يقين من أنها ستجيبه بنبرة الاستنكار ذاتها: لاشيء خصوصًا! ذلك أن استنكارها، كما بدا له، لم يكن نفورًا من موسيقاه، بل لسبب أخطر: ألا ترتبط ذائقتها باسمٍ مسجل على قائمة سوداء.
كانت القوائم السوداء، كما يروي كونديرا في كتابه لقاء، غواية الطلائع الأدبية والفنية قبل الحرب العالمية الأولى. وقد اكتشف بالصدفة وجودها حين كان، في الخامسة والثلاثين من عمره، يترجم إلى لغته الأم شعر الشاعر الفرنسي غيّوم أبولينير. فقد عثرَ على بيان وجيز كتبه أبولينير عام 1913، كان يوزع فيه "الورود" أو "القذارات" على  الكتاب والشعراء والفنانين والموسيقيين. وضع على قائمة الحائزين على "القذارة" دانتي وشكسبير وتولستوي وإدغار آلا ن بو وويتمان وبودلير! أما على قائمة الحائزين على "الوردة" فقد وضع اسمه هو، أبولينير، وبيكاسو، وسترافنسكي. ما فتن كونديرا، كان إهداء أبولينير وردة إلى أبولينير!
القوائم الذهبية
يسأل شاب فرنسي من دون مقدمات كونديرا ذات يوم: هل تحب بارت؟ أدرك كونديرا أن المقصود هو الفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت، وأن هذا الأخير يتواجد على رؤوس القوائم الذهبية. لكن كونديرا أجاب الشاب: بالطبع  أحبه. وكيف لا أحبه! أظنك تتحدث عن كارل بارت! مخترع اللاهوت السلبي! إنه عبقري! لا يمكن تصور مُبدع كافكا من دونه! لم يكن الشاب قد سمع من قبل باسم كارل بارت، ولكن بما أن كونديرا ربط اسم الأخير بكافكا، وهو فوق كل نقد،  لم يجد لديه ما يقوله أو يجيب به!
الانتقال بين القوائم
في يوم آخر لم يكن كونديرا هو من طرح السؤال. بل طرحه عليه أحدهم: من هو أفضل المؤلفين الموسيقيين الفرنسيين في نظره؟ وبدلًا من أن يجيب: ليس سان سانس خصوصًا!، استعاد واحدة من ذكرياته عن أبيه، حين عاد من فرنسا في العشرينات من القرن الماضي حاملًا معه قطعًا للبيانو من تأليف موسيقي حديث يدعى داريوس ميلو، وقام أبوه بعزفها كموسيقى حديثة أمام جمهور متناثر. ألقى إلى محدثه بهذا الاسم. لكن الأصدقاء الحاضرين الذين أصغوا إليه بلطف لم يتوانوا عن إفهامه، بلطف مماثل، أن من يعتبره موسيقيًا حديثًا كفوا منذ زمن بعيد، هم وسواهم، عن أن يعتبروه كذلك! هكذا انتقل داريوس ميلو من قائمة موسيقيي الحداثة إلى قائمة أخرى، ربما تكون القائمة السوداء أو قائمة المنسيين! ذلك أن  الانتقال من قائمة إلى أخرى يحدث على مرِّ السنين بلا توقف. لم يكن أبولينير،  الذي وضع سترافينسكي في قائمة الحائزين منه على وردة، يعلم أو يتوقع أن تيودور أدورنو سوف يضع سترافينسكي نفسه في قائمة الحائزين على القذارة، مانحًا الوردة إلى مؤلف موسيقي آخر، شوينبرغ!
أناتول فرانس روائيًا
حين ذكر ميلان كونديرا اسم أناتول فرانس أمام الفيلسوف والكاتب الروماني الذي صار فرنسيًا، سيوران، همس هذا الأخير في أذنه وهو يضحك بخبث: "لا تتلفظ أبدًا باسمه بصوت عال، إذ سيسخر منك كل الناس!".   
حين توفي أناتول فرانس، كان طول موكب جنازته يقاس بعدة آلاف من الأمتار. ولكن، بعد أيام عدّة من ذلك، ألقى بول فاليري الذي احتلَّ كرسيِّه في الأكاديمية الفرنسية، خطاب الثناء الرسمي والتقليدي على سلفه الفقيد، وهو الخطاب الذي صار من بعد أسطوريًا، نجح فيه أن يتحدث عن سلفه في الأكاديمية من دون أن يذكر اسمه مرة واحدة !
 لكن ميلان كونديرا معجب بأناتول فرنس، أو لنقل، بالأحرى، إنه معجب بأناتول فرانس الذي قرأ له خصوصًا روايتين، إحداهما رواية الآلهة عطشى.
قرأ كونديرا هذه الرواية حين كان في التاسعة عشر من عمره؛ وكان له آنئذ صديق يكبره بخمس سنوات، كان شيوعيًا، مثله. أسرَّ له هذا الصديق أنه ينوي نشر نسخة جديدة من لعبة الورق، لكنه سيستبدل فيها صور الستاخانوفيين والأنصار ولينين بصور السيدات الملوك والخدم. كان كونديرا على ثقة من أن صديقه لم يكن قد قرأ رواية أناتول فرانس المشار إليها. ولمزيد من اليقين طرح عليه السؤال فجاء جواب صديقه مؤكدًا له ظنه. ذلك  أن بطل "الآلهة عطشى"، غاملان، الرسام، فكر هو الآخر بابتكار ونشر نسخة جديدة من لعبة أوراق يضع فيها مكان صور الملوك والملكات والخدم، صور الحرية والإخاء والمساواة!
ذهل كونديرا وهو يفكر: كما لو أن التاريخ سلسلة من التنويعات! ربما كان غاملان، أول نموذج شخصية "الفنان الملتزم". ذلك أنه في بداية شبابه شيوعيًا، كان كلُّ من يراهم حوله على مثال غاملان. سوى أن ما استوقفه في الرواية ليس قيام غاملان بالوشاية على الناس من حوله، بل ما أطلق عليه كونديرا" سرّ غاملان".
إذ كان يمكن لهذا الرجل، الذي انتهى إلى إرسال عشرات من الأشخاص إلى المقصلة، أن يكون في حقبة أخرى جارًا لطيفًا، أو زميلًا طيبًا، أو فنانًا موهوبًا. والسؤال الملحُّ هنا: كيف يمكن لرجل شريف، بلا شك، أن يخفي في أعماقه وحشًا؟ هل سيكون الوحش في أزمنة هادئة سياسيًا حاضرًا فيه؟ ألا يمكن أن نحزره؟ أم هل يمكن رؤيته؟
رواية أناتول فرانس، الآلهة عطشى، رواية فرنسية. ومن كان يقرأها في التاسعة عشر من عمره، كان كونديرا التشيكي؛ ومن يستعيدها كان أيضًا كونديرا بعد عقود عدة من السنين: "نحن الذين عرفنا أمثال غاملان المرعبين، هل نحن قادرون على أن نلمح الوحش النائم في أمثال غاملان اللطفاء الذين يحيطون بنا الآن؟"
ــ وأراني أقول لكونديرا: ها هم السوريون، يعيشون التجربة نفسها بعد استيقاظ الوحوش النائمة في أعماق الألوف من اللطفاء الذين كانوا يتقاسمون معهم خبز يومهم.. ــ
في البلد الذي كان فيه الناس يتخلصون من الأوهام الأيديولوجية، كفَّ سر غاملان عن إثارة اهتمامهم. القذر يبقى قذرًا، فأين السر؟؟هكذا يكسِفُ اليقينُ السياسي اللغزَ الوجودي؛ فاليقينيات لا تهتم بالألغاز. يخلص كونديرا إلى أنه "رغم ثراء تجارب الناس المعيشة، فإنهم يخرجون من المحن التاريخية أغبياء مثلما دخلوها".
لم تكن إدانه أناتول فرنس طوال قرن كامل إلا من قبل الشعراء، وقبل أن ينعطف بعضهم نحو الرواية. لكنهم برروا إدانتهم، جميعًا، للصفة التي أضفوها عليه: ساخر. وكانوا على حق في ذلك..السخرية هي العنصر المقوم الأساس في الرواية الغربية ومنذ بدايتها: رابليه..
ذلك أن السخرية في الرواية، هي الأداة التي تجعل من بصرنا بصيرة تخترق الأشياء والمكان والزمان؛ هي التي تجعل من رواية كتبت في عام 1912 في قارة أخرى وفي لغة أخرى تبدو كما لو أنها كتبت اليوم بلغات الأرض كلها.
كان مجرد ذكر اسم أناتول فرانس، مع ذلك، يثير في نظر البعض سخرية الآخرين..

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 12 تموز/يوليو 2018.


jeudi 5 juillet 2018



شَّعْوَذَات السلفيين الجدد 
بدرالدين عرودكي 
عرف النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين في العالم العربي عددًا من التطلعات التنويرية في قراءة التراث الديني والفكري والأدبي تنوعت بين محاولات نزع شوائب ما تراكم عليه عبر العصور من خرافات وتلفيقات، تمثلت، بوجه خاص، في التفسير الحديث للقرآن الذي قام به جمال الدين القاسمي في سورية وفي أعمال الشيخ محمد عبده في مصر؛ وبين أخرى كان رائداها الشيخ علي عبد الرازق من جهة وطه حسين من جهة أخرى، محاولات حاولت كلها قراءة تضع النصوص في سياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية من أجل غربلة كانت تنذر بثورة فكرية عميقة. سوى أن المحاولات الأولى بقيت قاصرة على فضاءات اجتماعية محدودة، لم تتمكن من تجاوزها إلى المؤسسات الدينية التقليدية القائمة التي كانت هدفها، ولا إلى الجامعية الحديثة التي بدأت آنئذ بالتواجد في الفضاء الثقافي العربي؛ أما الثانية فقد وئدت في مهدها حين جُرِّدَ علي عبد الرازق من منصبه قاضيًا وصفته عالمًا، وجُرَّ طه حسين إلى المحاكمة، وسط حملة إعلامية شعواء قام بها سدنة التقاليد السلفية الذين كانت سلطتهم تهيمن على الفضاء الاجتماعي الشعبي بما يحول بين أكثر الزعماء السياسيين وطنية وبين الوقوف في وجه هيمنتهم، كما حدث لسعد زغلول الذي كان رئيسًا للبرلمان المصري آنئذ واتخذ موقفًا ممالئًا لجمهور حزب الوفد ذي الغالبية العظمى المحافظة.
أدّى ذلك كله إلى استمرار هيمنة السلفية التقليدية في مصر كما في سواها من البلدان العربية، وإلى قطع الطريق على كل المحاولات التالية الأخرى (نصر حامد أبو زيد أو فرج فودة أو سواهما)، أي تلك التي ستتخذ العقل منهجًا والبحث الحر وسيلة. ولسوف تعمل السلفية التقليدية هذه على تجديد نفسها من خلال محاولتها احتلال فضاءات اجتماعية وثقافية ما كان لها أن تستمر في الوصول إليها بواسطة خطاباتها التقليدية. هكذا ولد ما يمكن وصفه، ومن ثمَّ تسميته، بتيار الشعوذة الدينية التي اعتمدتها السلفية التقليدية طريقة لكسر التأثير الحاسم للحداثة، في تجلياتها الفكرية والعلمية والسياسية، على الأجيال الصاعدة.  
نعلم أن الشعوذة، كما يعرفها لسان العرب، "هي خفة في اليد وأُخذٌ كالسحر يُري الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين"؛ والشعوذة أيضًا، "السرعة، وقيل: هي الخفة في كل أمر". والشعوذة التي استخدمتها السلفية التقليدية كي تجدد نفسها، بعد مغادرتها طريقتها المعتادة في الرجوع إلى النصوص والوقوف عند حرفيتها دون أي اعتبار للزمان وللمكان، ستتجلى، بالفعل، في محاولتها القفز على طبيعة المفاهيم العلمية الحديثة في سياقاتها التاريخية، وعلى مناهج البحث العقلانية التي عرفها واستخدمها الإغريق ومن بعدهم العرب قديمًا، وصولًا إلى الغرب حديثًا، بل وفي إنكار أو تجاهل كليٍّ للقاعدة الأساس في أمور الدنيا، تلك التي استحدثها واعتمدها رواد الفقه الإسلامي في عصره الذهبي، أي تلك التي كانت سبب الإبداع في الاجتهاد: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".
لا يتوجه خطاب السلفيين في الأصل إلى جمهور يعرف مسبقًا استحالة الوصول إليه، أي جمهور النخبة الاجتماعية، الواعية ثقافيًا وفكريًا. بل يكتفي بجمهوره المعتاد، الذي يؤلف، تحت تأثير التطور الاجتماعي والاقتصادي الرديء طوال عهود الاستعمار التي ورثتها عهود الاستبداد، جمهوره من الأكثرية السكانية التي كانت تعتبر حاضنتة الطبيعية، بفعل الجهل والفقر ونقص التعليم. ولهذا حاذر السلفيون الجدد ولا يزالون يحاذرون مقاربة المشكلات الأساس التي تشغل المواطن العربي المعاصر، مسلمًا أو غير مسلم. بل يطرحون ما يعتبروه هم، السلفيون، المشكلات الأساس التي "يجب" أن تشغل هذا المواطن بوصفها "أولوية"، ويجدون في "نهج" الشعوذة أفضل طريقة لتحقيق غرضيْن: إقناع  جمهورهم بها من جهة، وصرف أنظار الجمهور الآخر عن المشكلات الأساس حين ينشغل بمساجلتهم، أو في الردِّ على طروحاتهم، أو في تفنيدها، من جهة أخرى.
وهذه المشكلات التي يرون "وجوب" فرضها كأولوية ملحة وعاجلة، تتناول على سبيل المثال "الإعجاز القرآني"، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا على جمع القرآن وانتشاره في الآفاق؛ لا من خلال عناصر البلاغة والتصوير الفني التي حفلت بها خطابات ومؤلفات اللغويين والبلاغيين وبعض الفقهاء على مرِّ العصور، بل لإثبات هذا الإعجاز على صعيد العلوم المختلفة، والدقيقة منها بوجه خاص، وذلك من خلال ردِّ الاكتشافات العلمية الحديثة إلى القرآن، أيًا كانت مادتها وطبيعتها وجدتها ومجالاتها. هكذا، وقبل انتشار الوسائل السمعية البصرية، والرقمية منها مؤخرًا بوجه خاص، ثم الشبكات العنكبوتية، ووسائل التواصل الاجتماعي، نشرت مئات الكتب حول الكيفية التي سبق بها القرآن كل الاكتشافات الفلكية، والجيولوجية، والكيميائية، والطبية. ثم استعيد مضمون هذه الكتب اليوم على الشبكات العنكبوتية المعاصرة من خلال مواقع أنشئت لهذا الغرض، أو عبر شاشات القنوات الفضائية الرقمية، تقدم فيها المنجزات العلمية عبر الآيات القرآنية بلغة تنوس بين التعقيد كتابة والتبسيط الشديد في التسجيلات الصوتية التي تستهدف، بطبيعة الحال، الشرائح الأوسع من المجتمعات العربية التي سبقت الإشارة إليها.
لكن الأمر يتخذ منحى آخر في مجال السياسة والتأويل السياسي للقرآن وللسنة النبوية باعتبارهما النصوص المؤسِّسَة للتشريع الإسلامي. وهو منحى بدا واضحًا أن الظروف التي واجهها الإسلام السياسي بفصائله المختلفة، أي من أكثرها تطرفًا إلى أكثرها اعتدالًا، تفرضه من أجل استعادة مصداقية فقدها بضروب السلوك المختلفة التي سلكتها فصائله جميعًا. ولن يكون غريبًا ألا تحظى النصوص التي تكتب اليوم في هذا المجال بأي استقبال يضمن لها ولو حدًا أدنى من القبول به بله النقاش والمحاججة فيه أو حوله. إذ أنها هي الأخرى، وعلى غرار استخدام الاكتشافات العلمية بوصفها كانت معروفة من قبلُ في القرآن أو في الأحاديث النبوية، أي إظهار الأشياء على غير حقيقتها في الأصل أو في رأي العين، أو الخفة في التفسير وفي تحميل النصوص ما لا يمكن أن تحمله إلا في ذهن من يقسرها على حمل ما يريد، تحاول صرف الأنظار عن المسألة الأساس، أو القفز عليها بطرح مسألة أخرى بهدف جعل الأولى مسألة فرعية قابلة للإهمال إن لم يكن للإلغاء.
إذ بعد هذا الخراب الاستثنائي الذي تعاني منه اليوم سورية بفعل نظام الاستبداد وحلفائه الموضوعيين من الجماعات الإسلامية التي رفعت علمها الأسود وألقت بعلم الثورة أرضًا، ما الذي يمكن أن يضيفه إلى وعي المواطن السوري الحديث عن "ديمقراطية الإسلام" أو عن "النبي الديمقراطي" وهو يبحث عن الخيار الأفضل في مجال استعادة سورية وبنائها؟ وما الذي يعنيه هذا الطرح سوى العودة به إلى زمن مضى واندثر من أجل إعادة لوك كل الصيغ الجاهزة التي ما أكثر ما كررت ونوقشت وقبلت أو رفضت لكنها لم تقدم شيئًا قمينًا بالتحول إلى واقع عملي حقيقي يمكن أن يقبله الجميع؟ وبالتالي، ما السؤال الملح، أو الأولوي، الواجب طرحه في هذه الحالة؟ هل هو هو سؤال العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، ومن ثمَّ  قبول الإسلام أو عدم قبوله للديمقراطية؟ أم هو بالأحرى السؤال الذي يطرح إمكان أن يكون خيار الدولة المدنية الديمقراطية  هو الخيار الأول والأساس مقابل نظام الاستبداد والتسلط؟
من الواضح أن خيار السؤال هو خيار المستقبل.

** نشر على موقع جيرون، يوم الخميس 5 تموز/يوليو 2018.


vendredi 29 juin 2018



المعرفة المحرّمة!


بدرالدين عرودكي 
حين أنهى عمر أميرالاي أول فيلم وثائقي طويل أخرجه وشاركه في تصميمه وكتابته سعد الله ونوس، الفيلم الذي حمل عنوان: الحياة اليومية في قرية سورية، لم يكن مع شريكه قد درسا علم الاجتماع، ولا اطلعا أو تدربا في مدرسة عليا أو في جامعة من قبلُ على ممارسة الدراسات الاجتماعية في ميادينها المختلفة. كان سينمائيًّا وكان شريكه كاتبًا مسرحيًّا، لكنهما، مع ذلك، أو ربما لأنهما كانا على وعي حادٍّ بإمكانات الأداة السينمائية وبخطورتها، أنجزا أول وأهم دراسة اجتماعية سياسية جديرة بهذه الصفة، عبر وثيقة سمعية/بصرية لا تزال تنطوي على شهادات ثمينة ندر أن انطوى عليها عمل سينمائي أو فني أو أدبي أو بحث في العلوم الاجتماعية في تاريخ سورية الحديث.
كانت النسخة الأولى التي أنجزاها من الفيلم بمثابة الطبعة الأولى التي كانا ينويان إجراء  التعديل عليها وإغناءها بالملاحظات التي سيبديها بعد رؤية الفيلم أبطاله أنفسهم، الذين لم يكونوا ممثلين محترفين في فيلم روائي تخييلي، بل كانوا يعيشون حياتهم التي كان هدف الفيلم الوثائقي نقلها صورًا يمكن لكل مواطنيهم في سورية أولًا، لا أن يروها فحسب، بل أن يعيشوها مكثفة خلال ما يقارب تسعين دقيقة. كان أبطال الفيلم الذين لم يسبق لهم أن عرفوا السينما من قبل يؤدون إذن دورهم الحقيقي، أي يستمرون في العيش أمام الكاميرا دون سيناريو مسبق. وكان عليهم أن يروا الفيلم قبل أن يراه الجمهور، وأن يقولوا، أمام من قاما بتشخيصهم وبتصويرهم وبتحديد مواقعهم في هذا القطاع من المجتمع السوري، وفي لحظة تاريخية محددة، ما كان يبدو لهم في الفيلم من واقعي، أو كاذب، أو مزيِّف، أو مفتقر إلى الدقة. ومن ثمَّ، كان من المأمول أن يضاف إلى الفيلم الأصلي ملحق يشمل والحالة هذه رأي أبطال الفيلم أنفسهم فيما رأوه. سوى أن صانعيْ الفيلم، ما إن انتهيا منه، وقدمته المؤسسة العامة للسينما (التي كان يديرها آنئذ حميد مرعي والذي أخذ على عاتقه بصفته هذه إنتاج هذا الفيلم) إلى الرقابة لإجازته، حتى صدر قرار الرفض القاطع لعرضه على الجمهور. وكان هذا القرار بمثابة حكم بالإعدام على هذه المبادرة الجريئة وغير المسبوقة في تاريخ السينما العربية؛ فقد اعتبرت السلطات المسؤولة هذا العمل الرائد ــ "كما نقل عن وزير الثقافة آنئذ ــ  "شتيمة للدولة التي موَّلت أنتاج هذا الفيلم".
والحقيقة أن أحدًا لم ينتبه، عند صدور هذا القرار، إلى المعنى الخفي الذي ينطوي عليه، والذي يمكن تلخيصه بجملة بسيطة يمكن أن تصاغ بطرق مختلفة: لا مجال للحديث عن المجتمع الراهن في سورية بأية طريقة كانت؛ أو: لا مكان للدراسات الاجتماعية في سورية، أيًا كانت وجهتها أو غاياتها؛ بل وقبل ذلك كله: لا مكان كذلك لتدريس العلوم الاجتماعية التطبيقية من أجل إعداد باحثين أكفاء في مختلف ميادين البحث الاجتماعي في بلد كسورية؛ هذا التدريس الذي كان من المفروض أن يكون الأولوية الأولى في مشروعات كل من تصدوا لحمل المسؤولية السياسية أو الحزبية أو الثقافية فيها.
كنا لا نزال يومئذ  في السنة الأولى من سبعينيات القرن الماضي. وكان ذلك يعني استمرارية "تقليد" سارت عليه الحكومات المتعاقبة في سورية، مدنية وعسكرية، طوال ما لا يقل عن نصف قرن. لكن هذا "التقليد" سيرقى طوال عهد الأسد، أبًا وابنًا، إلى مقام "المحرَّمَ"، أي ما يشبه التحريم المطلق، والصامت، لأي دراسة اجتماعية وصفية حقيقية تتناول مشكلة اجتماعية راهنة. ذلك ما يفسر في جانب جوهري تحريم عرض أفلام عمر أميرالاي التالية لفيلمه الطويل الأول "الحياة اليومية في قرية سورية": "الدجاج" و"طوفان في بلاد البعث"؛ هذا التحريم الذي كان أبلغ تعبير عن "السياسة الثقافية" للعهدين الأسديين، أي طوال ما يقارب نصف قرن.  
لا بد من الإشارة إلى أن أصول هذا "التحريم" الذي لم يكن يقول اسمه إن صحَّ التعبير، كانت تتواجد في "تراثنا الثقافي/السياسي منذ العقد الثاني من القرن العشرين. وقد استمر الوضع على هذا النحو حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي، لكنه تطور مع العهد الأسدي وصار بليغ التعبير منذ بداية السبعينيات ولا يزال كذلك حتى اليوم.  
في مقال سابق حول الثيمة ذاتها، جرى الحديث عن غياب علم الاجتماع ودراساته التطبيقية في التعليم الجامعي السوري، وأشير فيه إلى أن إعادة تعميد قسم الفلسفة والدراسات الاجتماعية من خلال قسمين مستقلين أحدهما للفلسفة والآخر لعلم الاجتماع لم، ولن يغير من الأمر شيئًا، مادام التحريم لا يزال يطال الدراسات التطبيقية لمختلف المظاهر والمشكلات الاجتماعية الراهنة، لكنه يسمح فيما وراء ذلك، أي دراسة كل ما ينتمي إلى الماضي.  
هكذا بقيت المكتبة العربية شديدة الفقر بالدراسات الاجتماعية التطبيقية حول المجتمع السوري المعاصر. وستبقى الدراسة الفريدة، التطبيقية والميدانية، في العلوم الاجتماعية التي أنجزت عن بلاد الشام، تلك التي قام بها رفيق التميمي ومحمد بهجت في بداية العقد الثاني من القرن الماضي، استثناء يؤكد القاعدة؛ فقد أجريا دراستهما الميدانية التي حملت عنوان ولاية بيروت، وتناولا فيها الساحل السوري واللبناني والقسم الشمالي من الساحل الفلسطيني عشية الحرب العالمية الأولى، وقدما دراسة تفصيلية ودقيقة باتت الآن وثيقة شديدة الأهمية لمختلف  جوانب الحياة الاقتصادية والحياة الاجتماعية في ساحل البلدان الثلاثة، ولاسيما التركيب السكاني فيها،  إثنيًا وطائفيًا وثقافيًا. 
لن نعثر على مثيل تلك الدراسة في الدراسات الأخرى في العلوم الاجتماعية عامة، وعلم الاجتماع خاصة، التي تناولت المجتمع السوري الحديث منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى اليوم. سوف نعثر على  دراسات قيمة ولا شك، لكنها لا يمكن أن تندرج في عداد الدراسات الاجتماعية التطبيقية بقدر ما يمكن أن تصنف ضمن أبحاث التاريخ الاجتماعي، الوصفي أو العام، لقطاعات محددة من المجتمع السوري، في مراحل زمنية تغطي، على سبيل المثال، فترات محددة خلال القرنين، الثامن عشر والتاسع عشر، ككتاب يوسف جميل نعيسة، مجتمع مدينة دمشق 1772 ـ 1840؛ أو كتاب عبد الله حنا، حركات العامة ـ الدمشقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكتابه الآخر العامية والانتفاضات الفلاحية في جبل حوران 1850 ـ 1918.
لا شك أن جهد عبد الله حنا البحثي في مجال التاريخ الاجتماعي هائل في هذا المجال، إلا أنه لم يكن يتجاوز هذا الإطار (وما كان عليه بالضرورة أن يتجاوزه بحكم اختصاصه الأساس كمؤرخ) إلى مجال الدراسات الاجتماعية التطبيقية التي نعنيها. على أن الدلالة الأشد بلاغة في هذا المجال، كان غياب مركز بحث وطني ينتج الأبحاث والدراسات. لم تبادر أية حكومة لإنشاء مثل هذا المركز، ولم تبادر أية صحيفة ــ وكلها رسمية كما نعلم ــ إلى إنشاء مركز دراسات خاص بها كما فعلت مؤسسات صحفية كبرى في العالم العربي وخصوصًا في مصر، كما فعلت مؤسسة الأهرام حين أنشأت مركز الدراسات الاستراتيجية مثلًا.
هكذا بقي المجتمع السوري المعاصر ذلك المجهول الذي لم يسمح لأحد بدراسته أو محاولة معرفته. وكما أن أفلام عمر أميرالاي التي حاولت اختراق هذه المحرمات قد منعت وحرِّم على السوريين رؤيتها، كذلك حيل بين كل من تسول له نفسه من الباحثين ــ إذا ما وجدوا داخل سورية أو خارجها ــ وبين مباشرة مثل هذه المحاولات.

** نشر على موقع جيرون، يوم الجمعة 29 حزيران 2018.


lundi 25 juin 2018



الجغرافيا السورية المجهولة: بشرًا ومجتمعًا 
بدرالدين عرودكي
كيف حدث أن أسماء قرى ومدن صغيرة سورية منتشرة على المساحة السورية برزت فجأة، وبدت مع انطلاق المظاهرات في آذار 2011 وهي تنادي بالحرية والكرامة ثم بسقوط النظام، جديدة كل الجدة على أسماع معظم السوريين الثائرين؟ وكيف حدث أن هذا الاكتشاف لم يقتصر على الشباب منهم، بل شمل مثقفيهم ومناضليهم بما فيهم المخضرمين منهم؟ وكيف اضطر معظمهم إلى التفكير بأنه كان عليهم البدء في تعيين مواقع هذه القرية أو تلك المدينة الصغيرة، التي لم تطرق مسامعهم من قبل، على الخريطة السورية؟ وكيف ظهر هذا الشبق شديد الخجل إلى معرفة جغرافية لم يكن في حسبان هؤلاء وأؤلئك ممن  كانوا، وهم يدعون إلى إدراك الواقع الاجتماعي والتاريخي للمجتمع السوري، يجهلون حتى مدى جهلهم بما كانوا يدعون إليه؟
كان ذلك من أوائل الوقائع الخفية التي أتاحت الثورة السورية الكشف عنها منذ يوم انطلاقها وانتشارها في كل أرجاء سورية. لقد بدا أن عمداء النظام الأسدي كانوا أكثر العارفين بجغرافية سورية، الطبيعية والبشرية، وإن كانت تقتصر على كل ما هو ضروري لإحكام قبضتهم ورقابتهم؛ إذ بدا أيضًا أن كل من كانوا يعارضونهم أو يزعمون معارضتهم، من هيئات أو أحزاب أو من أفراد الطليعة المثقفة، كانوا أكثر الجاهلين حتى بأقل القليل!
على أن هذا الجهل شبه المعمم لم يكن إلا تعبيرًا عن واقع خفيّ، أعمق وأشمل، يقول بعضًا من مشكلة بقيت، على أهميتها الجوهرية، بعيدة عن اهتمامات الغالبية العظمى من العاملين في الشأن العام، سياسيين أو مثقفين، ونعني بها ضرورة الإحاطة العميقة بمختلف جوانب المجتمع السوري ومشكلاته في تجلياتها العديدة وفي تفاصيلها، الديموغرافية والاقتصادية، والصحية، والتعليمية، والثقافية، أي بإيجاز: ضرورة استخدام العلوم الاجتماعية، ولاسيما التطبيقية منها، على نطاق واسع: في التعليم أولًا من أجل تكوين وتدريب الباحثين، ثم إنشاء مؤسسات ومراكز ضرورية تحتضنهم وتنظم عملهم في دراسة المجتمع الذي ينتمون إليه.   
من المعروف أن سورية حُكِمَت، بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، من قبل مجموعات سياسية شارك معظم أفرادها في النضال السياسي من أجل الاستقلال الذي تحقق على أيديها. لكن الانقلابات العسكرية المتوالية لم تتح لهذه المجموعات أن تنصرف إلى استكمال بناء الدولة الحديثة، التي كانت قمينة بتحقيقه اعتمادًا على خبرات متنوعة كانت عديدة وغنية بالمعارف وجادة ومتاحة، لو لم تستأثر العسكريتاريا بمسرح السلطة كي تحتكر مقاليدها من فوق خشبته مباشرة، أو من وراء ستار حزب "مدني"، طوال ما يقارب سبعين عامًا. لم يكن منهج هذه الهيمنة إلا الارتجال في كل شيء: سواء، على سبيل المثال، في وضع القوانين واعتمادها كما حدث عند إقرار القانون المدني في سورية (الذي كان ترجمة حرفية للقانون المدني الفرنسي) خلال إحدى جلسات مجلس الوزراء برئاسة الضابط الانقلابي حسني الزعيم، عام 1949، أو في المراسيم والقرارات التي تمس مختلف الشؤون الاجتماعية والمدنية، التي كانت تُحَرَّرُ، إما ارتجالاً  في غياب أية دراسات مسبقة في مجالاتها، وإما اعتمادًا على تجارب حكومات أخرى اطلع عليها أو سمع بها هذا الوزير أو ذاك.
لم يقتصر الأمر بالطبع على السلطة السياسية الممسكة بمقاليد الحكم، والتي كان بوسعها أن تخطط وتعمل من أجل ترشيد العمل السياسي والتنظيمي من خلال إنشاء مؤسسات بحثية ترفد الحكومة بكل ما يمكن أن يساعدها في اتخاذ قراراتها، بل شمل كذلك مختلف الأحزاب السياسية، يسارها ويمينها معًا، والتي كان كلٍّ منها يعتمد أيديولوجية خاصة به، مختصرة في عبارات وشعارات، من أجل التعبير عن رؤيته للواقع الاجتماعي، أو حين تريد ــ حين يتاح لها ذلك ــ نقد ما يصدر عن الحكومة من مراسيم أو قرارات. كما لو أن ثمة اتفاق غير معلن بين الجميع على إهمال العلوم الاجتماعية، إما جهلًا بإمكانات إسهاماتها المعرفية والتنظيمية في مختلف الحقول، ولاسيما خلال ربع القرن الأول الذي تلا الاستقلال، أو خوفًا من النتائج التي ستقود إليها دراسات حقيقية ومعمقة للمجتمع السوري تكون بمثابة ناقوس خطر يهدد سلطة الاستبداد في سورية التي استقرت مع الانقلاب العسكري البعثي في عام 1963، ثم تجذرت مع الانقلاب العسكري الثالث الذي تقدم باسم "حركة تصحيحية" يغطي بها سوآت ما ستشهده سورية خلال نيف وأربعين عامًا، قبل أن يخرج شبابها عام 2011 ليعلنوا مطلبهم في استعادة الحرية والكرامة.
كان تدريس العلوم الإنسانية (الآداب واللغات) في جامعة دمشق يحظى بالمقام الأول، في حين لم تكن العلوم الاجتماعية ومناهجها، وخصوصًا علم الاجتماع، تدرس فيها، ثم في الجامعات الأخرى التي أنشئت في المدن السورية الأخرى ولا سيما بحلب واللاذقية، إلا من خلال كتب نظرية وعامة بل شديدة العمومية. فأحد فروع كلية الآداب بجامعة دمشق مثلًا كان منذ عام 1947 وحتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي يحمل اسم "الدراسات الفلسفية والاجتماعية" الذي قُسِمَ، على غرار الأقسام الأخرى كالتاريخ والجغرافيا، ضمن التنظيم الجديد لكلية الآداب عام 1983، إلى قسمين مستقلين: الفلسفة وعلم الاجتماع.
بعبارة أخرى، كان لابد من انتظار ثمانين عامًا على تأسيس نواة الجامعة السورية التي صارت من بعد جامعة دمشق، أو، إن شئنا، ستين عامًا على الانتقال من النواة إلى الجامعة حين جمعت كلية الطب إلى كلية الحقوق عام 1923 تحت اسم الجامعة السورية، لكي يخصص قسم مستقل لعلم الاجتماع، وفي ظل نظام كان قد أوكل حرية الفكر إلى الضمير الذي كان بدوره مجسَّدًا في أكثر من ستة عشر فرعٍ أمني!  كان التعليم خلال الفترة كلها مقتصرًا على تاريخ علم الاجتماع ونظرياته العامة ضمن قسم الدراسات الفلسفية وا لاجتماعية، دون أن يتجاوز ذلك إلى أي ضرب من الدراسات التطبيقية أو إلى حلقات للبحث تسمح على أقل تقدير ببداية متواضعة من أجل إعداد جيل من الباحثين في هذا المجال.
كما لو أنه تقليد ورثه السوريون عن سلطات الانتداب الفرنسي. فالطلبة الذين أنجزوا دراساتهم العليا في علم الاجتماع حتى مستوى الدكتوراه بباريس خلال ثلاثينيات القرن الماضي، مثل خالد شاتيلا الذي نشرت رسالته لنيل الدكتوراه بباريس عام 1934 مع مقدمة لها كتبها أحد كبار علماءالأنثروبولوجيا الفرنسيين، مارسيل موس، لم تتح له فرصة تدريس المادة التي اختص بها، شأنه شأن معاصره، كاظم الداغستاني، الذي درس هو الآخر العلوم الاجتماعية بباريس ونشرت رسالته بالفرنسية عام 1932، ثم صفوح الأخرس، وكان قد درس العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد منها في نهاية ستينيات القرن الماضي، وسواهم كثير ممن لا يسمح المجال هنا لتعدادهم، من الذين لم تتح لأي منهم فرصة حقيقية من أجل الانصراف إلى إعداد جيل جديد في مجال العلوم الاجتماعية الذي اختاروه وصرفوا سنوات من أعمارهم للتعمق فيه دراسة وبحثًا. إذ سرعان ما ضمتهم السلطات الحكومية إلى وظائف لا علاقة لها باختصاصاتهم، أمينًا عامًا لرئاسة الجمهورية أو مديرًا لمكتب رئيس الوزراء أو مستشارًا في القصر الجمهوري!
لا يمكن بالطبع ختام حديث يطول حول هذا الموضوع هنا من دون الإشارة إلى ما كان المسؤولون السياسيون، بل وكذلك معظم المسؤولين الجامعيين، يفهمونه من دراسة علم الاجتماع أو تعليمه: علم الاجتماع النظري: مناهج علم الاجتماع ونظرياته المختلفة؛ على أن يقتصر استخدام هذه المناهج في دراسة المجتمع السوري خلال العهود الإسلامية أو العثمانية، دون مقاربة حاضر المجتمع السوري المعاصر. 
وليس الاستبداد على صعيد نظام الحكم من جهة، والتخبط في مواجهته على مختلف الصعد من جهة أخرى، إلا بعض علامات هذا الجهل المعمم بالجغرافيا السورية بشرًا ومجتمعًا.
ولا يبدو أن الأمور تغيرت، أو أنها ستتغير، حتى بعد إنشاء قسم مستقل يحمل اسم: علم الاجتماع!

** نشر على موقع جيرون يوم الإثنين 25 حزيران 2018.


jeudi 14 juin 2018




الترجمة قراءة وتأويلًا 
بدرالدين عرودكي 
للمَرَّة الأولى دومًا مذاق خاص: بكارة الاكتشاف، أيًا كان موضوعه. واكتشاف رواية فذٌّة خلال قراءتها للمرة الأولى، متعة تتلاشى ما إن تطوى الصفحة الأخيرة فيها. متعة لا تتكرر حتى مع العودة إلى قراءتها ثانية بعد سنوات. ثمة، مع ذلك، ضرب من الروايات التي تملك عنصرًا، لا يمكن تحديده على وجه الدقة، يجعلها قادرة على أن تنبعث جديدة، في كل مرة تقرأ فيها، وكأنها المرة الأولى. ويبدو أن من نوادر مثل هذه الروايات، تلك الرواية التي كتبها الصحافي البريطاني المولود في الهند جورج أورويل (1903ـ1950) ونشرها قبل تسعة وستين عامًا، في عام 1949، تحت عنوان 1984، والتي تملك على وجه التحديد هذا العنصر، إذا ما نظرنا إلى الرقم المتصاعد لمبيعات هذه الرواية حتى اليوم، ولاسيما في البلدان الناطقة بالإنكليزية، لغة كاتب الرواية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
فهذا النص الذي كتب قبل خمسة وثلاثين عامًا من الموعد الذي حدّده عنوانه للقارئ يبدو مع مرور الأيام وكأنه عرض نبؤة لاستمرارية نسق ونظام وجهاز مفهومي تشخصه الرواية، شهده النصف الأول من القرن العشرين في روسيا السوفياتية، وفي ألمانيا النازية، وفي إيطاليا الفاشية، وفي إسبانيا المزيج من كل ذلك بعد الحرب الأهلية فيها. لكن القارئ العربي الذي عاش نظم الاستبداد في مختلف بلدان العالم العربي التي يعيش فيها منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ نشر الرواية بالإنكليزية وقبل أن تنقل إلى العربية بزمن طويل، والقارئ السوري بوجه خاص، يكاد يرى في الرواية تجسيدًا لواقع تخييلي ينازعه على موقع الصدارة واقع حقيقي قائم، جسدته نظم كثيرة، ولاسيما منها النظام الأسدي، بوجه خاص، منذ عام 1970، ولا يزال مستمرًا في سورية وفي سواها من بلدان العالم العربي وسواه في آسيا وفي أفريقيا وإلى وقت قريب في أمريكا اللاتينية.
مناسبة هذا الحديث صدور ترجمة فرنسية جديدة مؤخرًا لهذه الرواية تطرح، ككل عمل جاد، عددًا من المسائل الإشكالية في مجالها، بما هي من حيث المبدأ قراءة "أخرى" للنص، تنطوي على تأويل جديد لا يمكن إلا أن يختلف عن القراءة السابقة عليه، تلك التي نشرت عبر ترجمتها في فرنسا على يد آميلي أوديبرتي، في السنة التالية لنشر الرواية، أي عام 1950.
ففي مقابلة جرت معها ونشرها ملحق الكتب بصحيفة اللوموند، تطرح صاحبة هذه الترجمة الجديدة، جوزيه كامون، التي أبدعت في ترجماتها التي عرفها القارئ الفرنسي لروايات الكاتب الأمريكي فيليب روث، إحدى أهم إشكاليات الترجمة عمومًا ــ وربما معضلتها الأساس ــ ولاسيما إعادة الترجمة: خيار المترجم أمام النص. فهي ترى أن هناك المترجم المتزمت، أي من يريد "العثور على حقيقة النص انطلاقًا من فكرة وجود حقيقة نهائية ووحيدة، شيء أشبه بالمطلق الإلهي"، وعلى هذا النحو تجري مقاربة ترجمة كل نص له صفة القدسية؛ وهناك المترجم اللاأدري، أي "ذلك الذي لا يملك، باعترافه، هذه الحقيقة لوحده، طالما أن كلَّ نصٍّ مصنوعٌ من إنتاجه ومن استقباله معًا؛ وفي هذا السياق، ينبني معنى النص مع كل قراءة متعاقبة، تشارك فيها بطبيعة الحال الترجمات" التي تجري له. ولكن ما الذي يبرر إعادة ترجمة مُبْدع أدبي اشتهر بسبب بعده السياسي الذي غطى على جوانبه الأدبية المحضة؟  هل كانت، أو هل باتت، الترجمة القديمة عاجزة عن أن تقول النص في كل أبعاده، الأدبية والسياسية؟ وما الحافز الذي يحمل مترجمًا على أن يستعيد نصّا بُذِلَ في سبيل ترجمته ما يكفي من الجهد؟ أم هي القراءة الجديدة التي يفرضها النص بفعل ما تراكم عليه وحوله خلال عشرات السنين من تأويلات وتعليقات وضروب مختلفة من سوء الفهم أو التفاهم؟ لعل الأقرب إلى الواقع هو كل ما سبق ذكره، وسواه أيضًا مما يمت بصلة إلى طبيعة وهدف القراءة التي يقوم بها من يقرر إعادة الترجمة.
في نقد الترجمة الأولى التي قامت بها آميلي أوديبرتي، تقول جوزيه كامون إنها لم تراع تباين ضروب مستويات اللغة المختلفة في تمثيلها للفوارق الطبقية القائمة بين مختلف الانتماءات الاجتماعية والسياسية لشخوص الرواية. فلغة الترجمة الأولى نموذجية لدى شخوص الرواية، متشابهة بينهم على اختلافهم، ومن ثمَّ فهي لا تقول ما قصد إليه أورويل في نصِّه. ذلك ما أدى في الحقيقة إلى طمس الجوانب الأدبية المحضة في الرواية على صعيد البناء وطريقة التأليف، بقدر ما أسهمت في إخفائها أيضًا الأبعاد السياسية. إذ مما يسترعي الانتباه هنا، أنه كان بوسع جورج أورويل، الصحافي والكاتب السياسي، لو أراد، أن يقول المضمون السياسي لروايته بطرق أخرى تتيحها له مهنته ككاتب. لكنه اختار الرواية شكلًا. ولم يكن خياره عبثًا. ذلك أنه طور، كما تقول جوزيه كامون بحق، استراتيجية أدبية محضة في مجال التأليف تجلت في "الصور، والجو، والقوة البصرية في وصف لندن المنكوبة، والمقصوفة، والمهدّمة.." ولأن ثمة، فضلًا عن ذلك، "عنصر رثاء نادرًا ما لوحظ في هذه الرواية" فقد حان الوقت كي يُعثر من جديد في هذا النص "ومن وجهة نظر أدبية، على كثافته،  وعلى غموضه".
لكن الخيار الأهم الذي يميِّز هذه الترجمة عن سابقتها يتمثل في اختيار زمن الفعل المستخدم في الرواية. فالترجمة السابقة لجأت إلى الزمن التقليدي المستخدم في الغالبية العظمى من القصص والروايات، أي الماضي البسيط في الفرنسية (رغم أن ألبير كامو كسر هذا التقليد في روايته "الغريب" (1942)  حين استخدم فيها زمن الماضي المركب ــ ومن المؤسف أن الترجمة العربية لهذه الرواية لم تتمكن من بيان ذلك ــ ). لكن جوزيه كامون قررت استخدام زمن الحاضر، مبررة خيارها بما تراه في كتابة أورويل من "كتابة عصبية، وأسلوب خال من الزخرفة، ومحدد المقاطع، وقاطع". وأنها لكي تقول هذا الجانب الزاهد في نثره وتعبر عن "الإلحاح" في أسلوب الرواية، اختارت الابتعاد عن الماضي البسيط بالفرنسية الذي يبدو بعيدًا عن العفوية، وعن الماضي المعروف بالإنكليزية "prétérit" المستخدم في كل أشكال القصص المألوفة والشفهية والملحمية.
من الممكن لهذه الحرية المشروطة بطبيعة القراءة التي يقوم بها المترجم أن تبعث من جديد مُبدعًا يبدو للبعض وكأن الزمن قد عفا عليه، أو أن تستجيب لإلحاح الواقع القائم في عالمنا المعاصر والذي سبق لمِثلِهِ أن أملى على الكاتب هذه الرواية التي لابد من أن تعاد قراءتها، لكنها، بخياراتها الجمالية، يمكن أن تعيد إلى الرواية رونقها، وتبعث في الوقت نفسه عناصرها المقومة في السخرية الباردة وفي الغرابة وفي الرعب. وكما يشير بيير دو كروزيه في مقاله عن الترجمة الجديدة، كانت رواية 1984 أشبه "بوجه صديق لم نعد نميز ملامحه؛ لم نعد نرى رواية 1984، معتبرين أنه لم يعد من الضروري قراءتها. لكن الترجمة الجديدة تقنعنا بالعكس تمامًا."
كم كان مأمولًا، في غياب ترجمة عربية انطوت على مثل هذه الحرية المشروطة، أن تقنعنا ترجمة جديدة أخرى لرواية 1984 بمثل هذه الضرورة في قراءة رواية سيرى فيها أي سوري عانى سلطة النظام الأسدي الاستبدادي، التشخيص الدقيق الأمثل لهذا الأخير في مقوماته كما في ممارساته.

** نشر على موقع جيرون، الخميس 14 حزيران/يونيو 2018



jeudi 7 juin 2018



هل تنسحب إيران من سورية؟ 
بدرالدين عرودكي 
ما إن أعلن ترامب، وهو ينسحب من الاتفاق النووي معها، عن ضرورة خروج إيران من سورية، حتى تكاثرت التوقعات حول بداية انحسار التمدد الإيراني في المنطقة العربية بدءًا بسورية، مادام إنهاء وجودها فيها بات أحد شروط الولايات المتحدة الأمريكية الرئيسة لتطبيع علاقاتها مع إيران. وتزامن مع هذا الإعلان  صدور نتائج الانتخابات العراقية من جهة، واللبنانية من جهة أخرى التي كانت مناسبة ظهور ضروب التناقض المختلفة في هذه التوقعات، لاسيما وأن الأولى بدت وكأنها تؤكد بداية العد العكسي للوجود الإيراني في العراق، في حين كانت الثانية تشير إلى تثبيت وتعزيز الهيمنة الإيرانية على لبنان دولة وسياسة.
لكن معظم هذه التوقعات تبدو أقرب إلى التفكير الرغبي منها إلى استخلاص النتائج من تحليل واقعي، سواء لتطور التواجد الإيراني في البلدان الثلاثة، أو لاستغلال إيران الوضع اليمني كي تؤسس لوجود دائم ومؤثر لها في جنوب الجزيرة العربية؛ هذا دون تجاهل محاولاتها التغلغل في البلدان العربية الأخرى بدءًا بمصر وانتهاء بالمغرب.
ذلك أن السبل التي تتبعها إيران، منذ استحواذ آيات الله على ثورة الشعب الإيراني عام 1979، في محاولاتها استعادة طموحاتها الإمبراطورية من أجل تحقيقها، تختلف جذريًا عن سابقاتها عبر التاريخ. لم يعد سبيلها إلى الهيمنة اليوم هو القوة العسكرية وحدها. كما أن الهدف الذي تعمل على تحقيقه لم يعد يقتصر على، أو يتطلب ضمان وجودها المادي في هذا البلد أو ذاك من خلال جنودها وضباطها، بل بات يتجسَّد في الهيمنة على مركز القرار السياسي والعسكري في البلدان التي سعت إليها والتي أعلنت بصفاقة أن عواصمها باتت تحت سيطرتها، وذلك من خلال قوة محلية خاضعة كليًا لمشيئتها، تؤسسها، وتسلحها، وتطور قوتها، وتدعم مساعيها لوضع يدها على مراكز القرار، سياسيًا وعسكريًا. وها هو حزب الله في لبنان يقدم المثل البليغ الذي صارت تعمل، انطلاقًا من نجاحه طوال السنوات الماضية وصولًا إلى نتائج الانتخابات الأخيرة، على إعادة إنتاجه في البلدان العربية الأخرى: العراق وسورية واليمن.
وعلى أن القوى الدولية والإقليمية لا تزال تعتبر أن إيران تحتل سورية عسكريًا، شأنها في ذلك شأن روسيا، وأن هذين الاحتلاليْن سينتهيان بطريقة أو بأخرى مع الوصول إلى "حلٍّ سياسي" لـ"الحرب السورية"، إلا أن أيًا منها لا يميز بين طبيعة هذين الاحتلاليْن، لا على صُعُدِ قوة وأهداف ومصالح كل منهما التي تبدو واضحة للجميع، بل على الصعيد الأهم هنا: صعيد الكيفية التي يسعى كل منهما بواسطتها إلى تحقيق تطلعاته منه. هكذا رأينا كيف أن "الوجود العسكري الإيراني" في سورية هو المستهدف بالدرجة الأولى سواء على لسان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أو عبر الضربات العسكرية شبه اليومية التي لا تتوقف إسرائيل عن توجيهها لكل ما تعتبره وجودًا عسكريًا إيرانيًا في سورية. إذ بقدر ما صار الوجود العسكري الروسي يعتبر مقبولًا، بوصفه تكليفًا دوليًا غير معلن لروسيا من أجل حلّ المسألة السورية، بقدر ما اعتبر الوجود العسكري الإيراني مرفوضًا مادام يمكن له أن يهدد أمن إسرائيل؛ وهو  ما حمل الجميع، إقليميًا ودوليًا، على الصمت عن، أو حتى الاعتراض على، قيام هذه الأخيرة، بما فيهم روسيا المتواجدة في سورية، عن تدمير المنشآت الإيرانية العسكرية في مختلف المناطق السورية. وإذا كان موقف الدول الأوربية، منفردة أو مجتمعة في الاتحاد الأوربي، معارضًا لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ويستهدف، حفظًا لمصالحه الاقتصادية، الإبقاء على هذا الأخير مع بعض التعديلات، إلا أنه كان على اتفاق معها في ضرورة إنهاء وجودها العسكري في سورية خصوصًا.
هكذا بدت مطالبة بوتين بخروج كافة القوات العسكرية الأجنبية من سورية ما إن يبدأ تفعيل الحل السياسي وكأنه يمس القوات الإيرانية بوجه خاص، بغض النظر عن طبيعة التواجد الآخر الذي يُبنى ويؤسس بلا صخب في مختلف المناطق السورية. سارعت إيران على طريقتها في الاستغباء، إلى نفي أي وجود عسكري لها، متجاهلة القواعد العسكرية في جنوب دمشق أو في القلمون، أو في سواهما من المناطق، باستثناء وجود "المستشارين" الذين صار يقتل منهم العشرات شهريًا، إما خلال المعارك مع ما تبقى من المعارضة المسلحة، أو بعد الضربات الإسرائيلية لقواعدها بالذات؛وكذلك سارع من يحاول إثبات استعادته أهليته في حكم سورية إلى مثل هذا النفي حرفيًا.
لم يكن للدول العربية في كل هذه المساومات والمفاوضات حول الوضع السوري عمومًا والاحتلال الإيراني والروسي خصوصًا، أي حضور حقيقي. وما كانت وسائل الإعلام تتناقله من تصريحات هذا الوزير العربي أو ذاك حول موقف بلاده من النظام السوري، لم تكن تعبيرًا عن إرادة الدولة التي يمثلها بقدر ما كانت تعبيرًا عن إرادة الدولة التي لا يمكن لبلده أن يخرج عن إرادتها. أما السوريون، وبعد أن سيقت المعارضة السياسية إلى الصمت، وأرغمت المعارضة العسكرية على قبول الاستسلام والنزوح، فهم غائبون أو مغيّبون عن كل هذه المساومات والأهداف، ولاسيما بعد أن بات اليوم قاتلهم ومدمِّرَ بلدهم، ومن سبق أن فرض عليهم بالتوريث وبالتزييف من قبل، ثم أعيد تأهيله بالقوة العسكرية والنفاق الدولي، هو الوحيد المعترف به من القوى الفاعلة على الأرض، ناطقًا باسمهم، و"معبرًا عن تطلعاتهم"!
 يعلم الروس قبل غيرهم أن وجود إيران في سورية ورم سرطاني، يتغلغل بثبات وعناد في الجسم السوري بمساعدة ودعم وتواطؤ النظام الأسدي. قد يقبل الإيرانيون، بعد مساومات لا نهاية لها، بسحب قواتهم العسكرية شكليًا من سورية، لكن ذلك لن يتحقق عيانًا على الأرض قبل أن يكون توأم حزب الله في سورية قد نشأ وترعرع وأمسك بمقاليد القرار السياسي الذي سيكون في سورية قرارًا إيرانيًا بامتياز. ومن هنا نفهم الأسباب التي حملت إيران، عبر ميليشياتها متعددة الجنسيات، اللبنانية والعراقية والأفغانية والإيرانية بطبيعة الحال، على تبرير تدخلها لدعم النظام الأسدي، بحماية العتبات المقدسة التي لم يمسها أحد طوال قرون من قبلُ في سورية. كانت تلك رسالة إلى قسم من الشعب السوري تتوسل بها تأييده ودعمه لوجودها.
لم تظهر آثار هذا التدخل على الأرض إلا عندما بدأ تهجير السكان بدءًا من قرى الغوطة الغربية وانتهاءًا بالغوطة الشرقية. نُسِب القيام بذلك إلى النظام الأسدي، لكن إيران هي التي كانت، ولا تزال، وراء هذه السياسة السكانية الجديدة بعد أن هُجِّر نصف سكان سورية وأرغم على النزوح داخلها ما لا يقل عن أربعة ملايين سوري.
ترغم هذه السياسة الإيرانية على التذكير بالسياسة الصهيونية  في اثنين من عناصرها المقومة: الخرافات التاريخية لتبرير احتلال فلسطين من شتات اليهود في العالم، ثم استملاك بيوت وأراضي الفلسطينيين الذين أرغموا على الهجرة، ما إن أعلن قيام الدولة الإسرائيلية قبل سبعين عامًا. هكذا، وبخلاف الاحتلال الروسي الأقرب إلى الاستعمار التقليدي في هيمنته بالقوة العسكرية المحضة، يتجلى الاحتلال الإيراني، في ظل استدعاء شعارات تاريخية وهمية ذات طابع ديني وطائفي، احتلالًا استيطانيًا تتم هندسته بالتغييرات الديموغرافية وبالتهجير أو بالنزوح القسري، ويتخذ من قسم من أبناء البلد قوامه الجوهري، بعد توطين وتجنيس العديد من الميليشيات متعددة الجنسيات وذات الانتماء الطائفي الواحد. فإذا ما تمكنت إيران ــ وهي الآن تعمل على ذلك فعليًا ــ من تحقيق مشروعها كاملًا، وأنشأت القوى الرديفة على غرار ما فعلته في لبنان من خلال حزب الله خصوصًا، ومن بعد في العراق من خلال الحشد الشعبي وسواه من الميليشيات المسلحة، فلن يضيرها والحالة هذه أن تعلن انسحابها العسكري الكامل، بما في ذلك من تسميهم "المستشارين"، مادام الطابور الخامس الممثل لها يمسك بمراكز القرار والحل والعقد في سورية.
أدرك السوريون وقد فاجأتهم ذات يوم مظاهرات اللطم تعبر سوق الحميدية بدمشق ما كان يعنيه ذلك. عرفوا أنها ليست مجرد ظاهرة فولكلورية مثيرة للفضول. مثلما فهموا دلالاتها ومعانيها بل ومآلاتها المنشودة.  
فهل ستنسحب إيران من سورية؟ عسكريًا، ربما. لكنها ستبقى مقيمة ومهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي. ولن يكون من سعى للبقاء بأي ثمن إلا دمية بيدها تحركها كيف تشاء.
أما الانسحاب النهائي، فلن يتحقق إلا على أيدي السوريين الذين ثاروا إذا ما تمكنوا من  تحقيق حلمهم باستعادة بلدهم .

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 7 حزيران 2018.