mercredi 14 janvier 2015


شارلي  إيبدو" والعدد المُرتَقب: اختبار الجمهورية


عيسى مخلوف    بدرالدين عرودكي     سلام كواكبي

 
.

المصدر: "النهار"

13 كانون الثاني 2015 الساعة 20:23

قد يُموَّه ويل المجزرة التي أصابت "شارلي إيبدو" حين تتوجَّه الأنظار بكثافةٍ مُفرطَة نحو المُنتَظر في عدد الأربعاء كأنه عمق الحدث. تحضر حاجةٌ الى تفحُّص الحسّ التهكُّمي أو التثبُّت من كسْرِ جذوته، ومن طبيعة الأبصار أن تُصوَّب على العدد الأول بعد المذبحة. لن تنكفئ المجلّة المفجوعة عن ضخّ الرسائل وسيتضمّن صدر غلافها نبي الإسلام محمد متبنياً شعار "أنا شارلي". توحّد العالم شعوباً وحكومات حيال رفض كمّ الأفواه بالقتل، وقدَّمت باريس نموذجاً تاريخياً في عظمة الوحدة. تحيل كاريكاتورية النبي ضمن غلاف العدد، رغم دماءٍ أُريقَت، على سؤالٍ عن احتمال تزعزع المشهد الوحدوي الذي لفّ فرنسا. نسأل الكاتب والشاعر اللبناني عيسى مخلوف، والكاتب والمترجم السوري بدرالدين عرودكي ونائب مدير "مبادرة الإصلاح العربي" الباحث السوري سلام الكواكبي قراءةً في عزم المجلّة على عدم الإذعان للتهديد، هم المقيمون في باريس المُتمسِّكة بالحرية قيمةً لا تردعها مخاوف ولا تضبطها سماء.

لا تُسأَل فرنسا عن المساومة على حرّيتها
 


قَصَد عيسى مخلوف السوق عازماً على حجز نسخته من عدد الغد، إذ بلَغَه أنّ بعضهم يُسارِع الى ذلك تحسُّباً لنفاد المتوافَر. يفضّل عدم التهوُّر في إبداء رأي قائم على صورة، أو المُباشَرة في تفسير النيات قبل اطلاعٍ على الافتتاحية وما يتضمّنه العدد. تُصدِر "شارلي إيبدو" الأربعاء 3 ملايين نسخة بنحو 16 لغة حول العالم. ليس من قبيل الإحاطة الموضوعية بالحدث قراءته وفق الظاهر من صورة الغلاف. لمخلوف هذا الرأي، يُرفقه بشرحٍ عن دقة الموقف والحذر السائد. أمامنا عددٌ مُختَزلٌ بصورة، فنسأله قراءةً في الدلالات. يسترجع دعوة المسيح الى التسامح: "اغفر لهم يا أبتاه..."، ليقول أنّ المُراد من رسم الرسول تسامحٌ مشابه. "مرة أخرى، يتوقف الأمر على مطالعة الإفتتاحية والمضمون. تصعب الإحاطة التامة بالنيات: هل القصد استفزاز أم انتقام أم تسامح. في فرنسا حرية تعبير مطلقة لا تستثني مقامات أو مناصب. وثمة أيضاً مسألة الإسلام السياسي في وجهيه المعتدل وما نشهده اليوم من تكفيرٍ يتمدد. إنني لو سُئلت رأياً في هذا الشأن لأجبتُ بتفضيل عدم الإشارة الى ما يمتّ للإسلام والمسلمين وسط هذا التشنّج الطافح. لكنّ فرنسا لا تُسأَل أي تنازلات. قد تطرح أميركا جدلاً حول "المسّ بالمقدّسات". في فرنسا الجميع أحرار. هرَعَ الملايين الى الشارع الأحد رافضين المساومة على الحق في الرأي. ما قد يدعو الى التوجُّس إمكان قيام بعض المتطرّفين بسلوكٍ تخريبي ضد ما يعتبرونه "تدنيساً" أوردته المجلّة. يغذّون اليمين المتطرّف وفي مزعمهم أنّهم ينتصرون للحق. نعم، إننا في وضعٍ حَرِج. أشبه بمَن يسير وسط ألغام توشك في كلّ حين على الانفجار".

"الثأر المبطّن" ودحض إظهار النبي بالضرورة

يقطع بدرالدين عرودكي الطريق الى الجزم بأنّ المُتصدِّر غلاف عدد الأربعاء هو بالضرورة النبي. "لا أدري إن كانت صورة النبي كما تقول وسائل الإعلام. إنها صورة رجل معمَّم يحمل ما حمله المتظاهرون إثر مجزرة 7 كانون الثاني: "أنا شارلي"، تعبيراً عن تضامن واستنكار. أرى في الغلاف محاولة ذكية للتمييز ما بين القتلة والمسلمين". يرفض قولاً بأنّ "المجلة تعود". إنها "تتابع ظهورها الأسبوعي الدائم. الفارق أنها تطبع 3 ملايين نسخة، وذلك يتيح لها فرصة التنفس بسبب مصاعبها المالية المتراكمة".

ماذا عن احتمال "ثأر مبطّن" تصوّبه المجلّة الى محاولي إسكاتها عبر عدم التردد في رسم الرسول؟ يقدّم لهذه الفرضية دحضاً حاسماً: "لم نشهد في التظاهرات التي عمت فرنسا دعوة الى الثأر من المسلمين. ثمة وعي مذهل لدى مَن خرجوا في شوارع باريس والمدن الفرنسية الأخرى بضرورة التمييز ما بين القتلة والمسلمين. وهذا دليلٌ الى تفوّق قيم شعب واعٍ مثقّف حضاري وسياسي بامتياز". يستثني اليمين المتطرف الذي يردّ علل فرنسا إلى اللاجئين من العرب والمسلمين. "ثمة بعض السياسيين الفرنسيين من اليمين الذي راح يزايد في قضية اللاجئين على اليمين المتطرّف، كالتصريح الذي أدلى به نيكولا ساركوزي بضرورة السيطرة على مسألة اللاجئين وتدفقهم على فرنسا، متجاهلاً أن قتلة صحافيي "شارلي إيبدو" فرنسيون نشأوا في فرنسا. المشكلة تكمن هنا: كيف حدث أنّ من ارتكب هذه الجريمة يحمل الهوية الفرنسية؟ كيف حدث أنه ليس لاجئاً؟ لماذا يذهب فرنسيون إلى القتال في سوريا؟ كان أولى بالمسؤولين الفرنسيين أن يطرحوا أولاً هذا السؤال".

نعود الى صورة الغلاف وما يحوطها من تأويلات. يُبقي عرودكي على التشكيك بلاهوية الرسم: "لماذا تكون صورة النبي لا صورة ترمز إلى المسلم عموماً؟ هل لدى أحدٍ صورة للنبي؟ ثم أين ملامح الثأر المبطَّن؟ هل الصورة وما كتب عليها ردّ الصاع؟ من ناحيتي، وقد أكون سيئ الفهم، لم أر ذلك".

العجز حيال قراءة أعمق من الأولى

تبدو واردة السخرية من مقاربةٍ تُشبِّه السلوك الفرنسي إزاء المِحن بسلوك بلدان العالم الثالث العازمة على الانتقام بالمِثل. "في مجتمع القيم، لا مكان للاقتصاص بهذا الشكل"، ينقل سلام الكواكبي مزاجاً ولدّته العِشرة. يستعيد شارْب الساخر منذ تسعينات القرن الماضي من همجية البنية الصهيونية، والآتي حينها على موقف صريح من الصراع العربي- الإسرائيلي لمصلحة القضية. يؤكد حضوراً راسخاً للسخرية في الثقافة الفرنسية، "وهي إذ لُمِحَت في الثقافية العربية الإسلامية بكثرة في مرحلة خلت، فإنها أذعنت للأفول إزاء طغيان الاستبداد والتصحُّر الفكري. بات بعض العرب يقرأ الرسوم الساخرة بدرجتها الأولى من غير بحثٍ في الخلفية". نستطردُ، كما دائماً، ثم نستدرك العودة الى الصُلب. هل يُرخي غلاف "شارلي" إمكان اهتزاز مشهد الوحدة الذي نالته المجلّة وسط حال دهشة أبهرت العالم؟ يقدّم الكواكبي قراءة قوامها النيات الطيّبة: "النبي في الرسم يتضامن مع الضحايا كما المفروض من حامل الرسالة السموية. يذرف عليهم الدمع ويُظهِر تجاههم الصفح. ثمة عبارة تقول: "كلّ شيء مُسامَح". إنها رسالة محبة الى المسلمين، لا المتعصّبين. ثم يأتيكَ غير مطلّعٍ على ماهية الفن الكاريكاتوري قائلاً: النبي مشهور بوسامته وجماله، فكيف تُبشّعه "شارلي"؟ لم يفقه هؤلاء أنّ الكاريكاتور ليس موناليزا دافنشي، والفنان صاحب الريشة يصنع رسماً من فكاهة. تولّت المجلّة استهزاءً لم يرحم أحداً. يتمسّك الفرنسيون بالحرية والعدالة أقَرَأوا "شارلي" أم اتهموها بالمبالغة والإساءة. خرجوا بالملايين يقولون: مسلمين، مسيحيين، يهوداً، كفاراً، ملحدين... كلّنا شارلي، في مشهدٍ لم يلتئم منذ الحرب العالمية الثانية".

تأكيدٌ آخر بأنّ فرنسا لا تساوِم: "لا شأن لفرنسا كدولة في ما يحدث على صفحات "شارلي". لا تسمح ولا تمنع ولا تفرض أي رسم. هذا خيار الضحايا بالتعبير عما حصل". نسأله احتمال أن تشكّل "عودة" المجلّة برسمٍ للنبي "صدمة" في الداخل الفرنسي أو ارهاص امتعاض؟ يجزم نافياً: "لا شيء يصدم الشريحة الكبرى من النخبة الفرنسية الثقافية. أما بعض المتعصّبين، فسيُصدَمون. ذلك مُتوقَّع إذ الغالبية تقرأ الرسم الكاريكاتوري بدرجته الأولى. أرادت "شارلي" أن تقول كلمتها: نحن مستمرون. نحن أحياء لا نموت".

 
 

 

mardi 13 janvier 2015


حول مجزرة شارلي إبدو *

بدرالدين عرودكي

 

قبل كل شيء ودفعاً لكل سوء فهم أو تفاهم، يجب توصيف ما حدث صباح السابع من يناير 2015 بباريس وفي مقر مجلة شارلي إبدو الإسبوعية.
بإيجاز شديد: ما حدث عبارة عن مجزرة تم خلالها قتل مجموعة من الصحفيين الفرنسيين يمثلون حرية التعبير في أبلغ معانيها بل وكذلك في حدودها القصوى قام بها مجرمان بالمعنى الجنائي والاجتماعي والثقافي لهذه الكلمة وهما يزعمان الانتقام للنبي بسبب الصور الكاريكاتيرية التي سبق لهذه المجلة أن نشرتها.
ولابد فوق ذلك من التوضيح أيضاً أن هذه المجلة لمن لا يعرفها مجلة ساخرة، وقد طالت سخريتها وبصورة سليطة وغير مسبوقة، السياسيين جميعاً يميناً ووسطاً ويساراً، والمستبدين جميعاً، وكافة الرموز الدينية، على اختلاف مرجعياتها، في استخداماتها المعاصرة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتجارة السياسية العاهرة والبعيدة كلّ البعد عن الإيمان الروحاني. قد نختلف معها في بعض أو كلِّ ما تقوله أو تبثه من رسائل أو نتفق تمام الاتفاق. لكن الأهم فيما وراء ذلك هو ما تمثله لنا بعد هذا الحادث: حرية القلم.
من المؤسف أن هذيْن المجرميْن وشريكهما قُتِلوا قبل القبض عليهم ومن ثم فقد يحول موتهم دون معرفة من كان وراءهم على وجه التدقيق. لكن ما عرف عنهم ولاسيما انتماءهم إلى حلقة عرفتها الأجهزة الأمنية الفرنسية كما يبدو منذ عام 2005 باعتبارها تقوم بتجنيد الشباب لإرسالهم إلى العراق ثم مؤخراً إلى سوريا، يسمح بالتفكير بأن محرِّكاً خارجيا يقف وراءهم. من هو هذا المحرّك؟ يكفي أن نتساءل عن المستفيد من هذه الجريمة؟  ربما سنعثر على الإجابات في ردود فعل أبواق بعض الأنظمة التي تستجدي بأي ثمن إعادة تأهيلها بما في ذلك اللجوء إلى الإرهاب الذي تزعم محاربته. 
كالعادة، كانت الشماعة التي علق عليها المجرمان جريمتهما هي "الثأر للنبي". ومن سخرية الأقدار أن بين ضحاياهم مَنْ كان يحمل اسم أحمد وآخر يحمل اسم مصطفى!
سوى أنني أرى أنه يجب ألا يغيب عن بصرنا ولا عن بصيرتنا المعنى الأعمق لهذا الحدث. فقد سبق أن قتل فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، كما سبق وهشمت أصابع فنان الكاريكاتير السوري  علي فرزات. وهاهما شخصان يؤلفان جزءاً من جماعة ـ قد تكون كما زعما القاعدة في اليمن ـ  تنتمي إلى ضرب من الاستبداد، هو الاستبداد الديني في أشنع وأشدِّ تعبيراته جهلاً وتجهيلاً، يقومان بقتل مجموعة من كبار فناني الكاريكاتير في فرنسا. هل هي صدفة؟ نعلم تماماً أنه لا مكان للصدفة في عالمنا الذي بات اليوم أشبه بقرية. ومن ثم وعلى الرغم من زعمهما الانتقام للنبي بسبب الرسوم الكاريكاتيرية، وهو عذر أقبح من ذنب، فإني أميل إلى  القول إن الاستبداد لا يتجزأ. إذ بقدر ما كان ناجي العلي وعلي فرزات يندد بالاستبداد وبالمستبدين، بقدر ما كان فنانو الكاريكاتير في فرنسا، يندِّدون ـ بواسطة رسومهم ـ بالاستبداد والمستبدين في كل مكان من العالم. الجريمة أياً كان مكان اقترافها تستهدف القلم الحر بكل ما ينطوي عليه من رموز. أي حرية الرأي وحرية الصحافة التي دفع الشعب الفرنسي ثمناً غالياً طوال تاريخه كي ينالها.
سيحملنا ذلك كله على التساؤل عن الكيفية التي ستردُّ بها فرنسا خصوصاً وبلدان أوربا عموماً على مثل هذا الحدث لحماية شعوبها. مما لا شك فيه أن الردَّ الأول سيكون الرد الأمني الذي يقوم (وهذا هو الأهم!) على متابعة حلقات هؤلاء الشباب من مواطنيها الذين دُرِّبوا على القتال وعلى الاغتيال تحت ستار أو بحجة الدفاع عن الدين وعن رموزه وعلى ملاحقتهم أينما كانوا من أجل الحيلولة دونهم ودون ارتكاب مثل هذه الفظائع. وفي سبيل ذلك ستتعاون دول أوربا من أجل الوصول إلى هذا الهدف.  وهو ردّ طبيعي بلا شك مع الأمل بأن تدرس في العمق الأسباب الحقيقية التي تدفع بشباب في عمر الورد ولدوا ونشأوا في بلد كفرنسا إلى اختيار طريق التضحية بأنفسهم في سبيل أهداف لا يعلمون عنها في أغلب الأحيان شيئاً وإلى أن يكونوا على غير وعي منهم أدوات صماء لتنفيذ أهداف تتجاوز حيواتهم وعقيدتهم والشعارات التي يظنون أنهم يضحون بأنفسهم في سبيلها.
هناك ما يقارب من ستة ملايين مسلم فرنسي من أصول عربية  وأفريقية. والذين استنفروا منذ عام 2005 كما يبدو كي يُرسلوا إلى العراق أولاً ثم، منذ ثلاث سنوات، إلى سوريا من أجل "الجهاد"  هم من أبناء هذه الفئة من الشعب الفرنسي.
ما الذي يحملهم على الاستجابة إلى مثل هذا النفير؟
ذلك هو السؤال الأهم الذي يبدو لي أنه يجب أن يُطرح اليوم على السياسيين في فرنسا: كيف يمكن الحيلولة دون هؤلاء الشباب ودون الإصغاء إلى صوت لا يمت إلى العقل بصلة؟ كيف يمكن تأمين الشروط الاجتماعية والاقتصادية كي يدركوا أن بوسعهم أن يخدموا مثلهم العليا كلها في مجتمع يحترم هويتهم  وخياراتهم وآرائهم حين يضمن لهم فيما وراء ما ضمنه لهم من مجانية التعليم وحرية الرأي والكرامة بالقانون وحرية الانتخاب فحسب بل وكذلك اختيار المهنة التي يريدون وأن يعاملوا على قدم المساواة مع كافة المواطنين دون النظر إلى اسمائهم أو ودينهم أو أصولهم؟
ذلك في نظري هو التحدي الأكبر الذي ينتظر أن تواجهه السلطات الفرنسية. ولابدّ من مواجهته من أجل العثور على حلٍّ لابد منه على المدى المتوسط والبعيد كي لا تستحيل جموع الشباب إلى قنابل موقوتة تهدد لا المجتمع الفرنسي فحسب بل كل ما يمثله على صعيد الحرية والديمقراطية.

 


 

samedi 10 janvier 2015


بدر الدين عرودكي :الديكتاتوريات الأبدية دفعت بالحركة النقدية نحو الانحطاط الكامل

الكاتب السوري يؤكد أن تماهي المثقف مع السلطة وتأييده لها يفقده صفته تمامًا*


 

العرب- حنان عقيل

القاهرة- د. بدر الدين عرودكي، كاتب ومترجم سوري بارز، كتب في مجالات النقد الأدبي والسينمائي والمسرحي والموسيقي والفنون التشكيلية، أنجز العديد من التراجم الهامة والتي تقرب من الثلاثين كتابًا، والتي تم نشرها في عدد من البلدان العربية على رأسها مصر ولبنان وسوريا، كما نشر عددًا من الدراسات في مجال علم الاجتماع الثقافي، له عدد من الترجمات البارزة مثل (ثلاثية حول الرواية: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار) لميلان كونديرا، وكتاب "معك" لسوزان طه حسين، و"الآخر مثلي" لجوزيه ساراماجو .. عن أوضاع الثقافة والترجمة وغيرها من الأسئلة الشاغلة كان لنا معه هذا الحوار.

هموم الترجمة

 في البداية تحدث بدر الدين عرودكي عن أحوال الترجمة في العالم العربي، وهل تتجه إلى الازدهار أم الانتكاس قائلًا "لا أظن أن حركة الترجمة تتجه نحو الازدهار في عالمنا العربي. ربما العكس هو الصحيح. هناك مشروعات هنا وهناك. المركز القومي للترجمة في مصر مثلاً، وهو مؤسسة عامة،  أو المنظمة العربية للترجمة في لبنان، وهي مؤسسة خاصة. لا يمكن للمرء إلا أن يثني على كلا الجهدين على قصور إمكاناتهما المادية.. أول ما يذكر لهذين المركزين أنهما اعتمدا مسألة حقوق الترجمة مبدأ لنشاطهما. كل الكتب التي ينشرها المركز بالقاهرة أو المنظمة ببيروت كتب مجازة من أصحاب الحقوق في لغاتها الأصلية. تلك مسألة شديدة الأهمية في نظري. لكن وجود زهرتين لا يمكن أن يؤلف حديقة.. وهنا أساس المشكلة".

وأكد عرودكي أن من أبرز أوجه القصور في حركة الترجمة "غياب التنسيق في مجال الترجمة والنشر؛  إذ رغم وجود اتحاد للناشرين العرب يضم عمليًا الغالبية العظمى من الناشرين في البلدان العربية، لا يزال كل ناشر يعمل منفردًا في حقل الترجمة. فالكثير من الكتب تمت ترجمتها عدة مرات ونشرها ناشرون مختلفون في بلدان عربية مختلفةَ دون أي تنسيق."

واستطرد "ثانيًا عدم احترام الناشرين العرب في غالبيتهم العظمى لحقوق المؤلف، إذ لو فعلوا لاكتشفوا مثلاً أن حقوق هذا الكتاب أو هذه الرواية قد بيعت لناشر ما ومن ثم فلا حاجة لشراء هذه الحقوق مرة أخرى، ولدَفَعَهُم ذلك إلى العمل على ترجمة كتاب آخر لا تزال حقوقه متاحة للغة العربية.  سوى أن غياب مهنة التوزيع تسهم في انتهاك حقوق المؤلف للتفرد بطبع الكتاب في هذا البلد أو ذاك. فما دام من شبه المستحيل (رغم معارض الكتب السنوية في العالم العربي) توزيع الكتاب المترجم والمنشور في بلد ما خارج هذا البلد بسبب الحدود المغلقة أمام الكِتاب في البلدان العربية، فإن الناشر مضطر إلى ترجمة الكتاب ونشره دون أن يعبأ بحقوق المؤلف من ناحية ولا بما يترتب على ذلك من نتائج وخيمة على الصعيد الثقافي."

وأضاف عرودكي: "أيضًا هناك تفاوت مستوى الترجمة والمترجمين. قد لا تكون هذه المشكلة وقفًا على الترجمة إلى العربية. لكن هذا لا يعني عدم ضرورة معالجة هذا الأمر الذي انتبهت إلى خطورته دور النشر الغربية. لكن كيف يمكن للعرب أن يتداركوا مثل هذا القصور وكلٌّ منهم هو في واد؟ و أخيرًا هناك مشكلة المصطلحات في الترجمة. وهي مشكلة حقيقية وشديدة الخطورة ولا سيما في ترجمة كتب العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن المؤسف أن أيًا من المؤسسات اللغوية العربية لا يقوم بما يجب القيام به في هذا المجال، أي محاولة العمل على توحيد المصطلحات واعتمادها رسميًا وإلزام المترجمين باتباعها. إذ حتى القواميس تتباين في اعتمادها هذا المصطلح أو ذاك وتسهم بالتالي في المزيد من البلبلة والتشويش."

محاولات

وردًا على سؤال "إلى أى مدى يمكن اعتبار المترجمين في الوقت الحالي خائنين للنص الأصلي؟ لفت عرودكي إلى "أن لكل لغة نسقها وتاريخها وإيقاعها. كما أنَّ لكل كلمة في كل لغة من لغات العالم أيضًا تاريخها الخاص ودلالاتها المتعاقبة وما تنطوي عليه من شحنات ومعان، بالفعل أو بالقوة، في القواميس وفي الحياة. وإذا كان من السهل أو من الممكن العثور لكل كلمة في لغة ما على ما يقابلها في المعنى المباشر في لغة أخرى، فإن من المستحيل أن تتطابق هاتان الكلمتان في تاريخهما وما تنطوي عليه كل منهما من معان ودلالات ومضامين."

واستطرد: "يكاد المترجم الذي يدرك كل ذلك أو أكثره في اللغة التي يترجم عنها مثلما يدركه في اللغة التي ينقل إليها، أن يسير وهو يقوم بالترجمة على طريق مُعبَّدٍ بالجمر..تلك هي المشكلة الكبرى ولا سيما في ترجمة المبدعات الأدبية. وربما لهذا السبب جرى تعبير الخيانة على الألسن وبالأقلام.. لهذا أجد التعبير الذي استخدمه عالم التاريخ الاجتماعي العربي جاك بيرك حين ترجم القرآن إلى الفرنسية مناسبًا تمامًا: فقد سمّى ترجمته هذه: محاولة. وأعتقد جازمًا أن كل ما نقوم بترجمته في مجال النصوص الأدبية لا يخرج عن هذا المعنى: محاولة.. أو محاولات."

هيمنة الديكتاتوريات

وانتقالًا للحديث عن الحركة النقدية في العالم العربي قال عرودكي "لا أدري إن كان بوسعنا الحديث عن "حركة نقدية" في العالم العربي. تفترض الحركة النقدية وجود نقاد ومناهج وحوارات ومتابعات نقدية على مختلف مستويات المنابر الثقافية. من المؤسف جدًا أن مثل هذه الحركة كانت شديدة الحيوية في القرن الماضي ولاسيما في نصفه الأول وفي بلدان عربية كانت منارة ثقافية في ذلك العصر وأعني مصر وسورية ولبنان. لكنها سارت بعد ذلك ومنذ هيمنة الديكتاتوريات الأبدية والوراثية وخصوصًا في سورية نحو الانحطاط الكامل. لقد طال هذا الانحطاط المدارس بقدر ما طال الجامعات بحيث صارت هذه الأخيرة أقرب إلى التجهيل منها إلى التعليم لاسيما وأن معظم الأساتذة فيها من الأجيال الجديدة قد نشأ وتربّى وتكوّن في حضن هذه الديكتاتوريات وتحت رقابتها. لا يمكن لأيِّ حركة نقدية أن تزدهر إلا في مجتمع تسود فيه الحرية التي لا يمكن في أجوائها أن ينحدر التعليم ولا الجامعة ولا الطفيليات الثقافية من كل نوع. كانت نتائج ما حدث في سورية خلال الخمسين عامًا الماضية على هذا الصعيد واضحة للعيان قبل عام 2011، وها نحن نرى انفجار الأصوات السورية منذ أربع سنوات الآن، وهي أصوات كانت مكمَّمة أو هامدة أو مرغمة على الصمت بفعل احتلال الطفيليات للساحة الثقافية. وما نقرؤه اليوم لهذا الجيل الجديد من السوريين الذي تبعثر أفراده في جهات العالم الأربع يبرهن على هذه الحيوية التي كانت كامنة في الأعماق. لا يمكن اليوم، مع ذلك، أن نتحدث عن حركة نقدية بالمعنى الذي عرفناه من قبل كما قلت، لكن ما ينشر اليوم يبشر بالكثير".

آفة الجوائز

وفيما يتعلق بالجوائز الأدبية وأهميتها أكد عرودكي "أن الجوائز كثيرة هذه الأيام، الرسمي منها أو شبه الرسمي (التي تنشؤها مؤسسات الدولة أو من يقوم عليها ويحمل أسماءها من ملوك أو أمراء أو حكام)." لافتًا إلى "أن جائزة الدولة تمنح اعترافًا من الأمة بمبدعيها بعد مسار طويل من العمل والإنتاج، وبعد اعتراف قال به أساسًا الجمهور الذي قرأهم وتابعهم وأكبر إبداعهم ومنحهم بالتالي الشرعية التي تسمح لممثلي الأمة أن يكرموهم باسمها حين يمنحونهم ما يسمى جائزة الدولة. أما الجوائز الأخرى فهي تمنح عادة لعمل أدبي أو أكثر. وفضيلتها أنها تقدم للفائز مبلغًا من المال قد يقدم له حلولاً لمشكلاته المادية لكنها لا تحقق له بذلك الغاية التي يصبو إليها كلُّ كاتب من حيث المبدأ: أن يكون مقروءًا وأن تطال كتاباته أكبر عدد من القراء. وهي آفة هذه الجوائز التي ما إن تمنح وتقوم حولها ضجة صحفية تدوم يومًا أو بعض يوم حتى تهمد ولا يذكر أحدٌ هذه الجائزة سوى أصدقاء الفائز ومن كان منافسًا له."

واستطرد: "الجوائز التي تمنح في الغرب، وفي فرنسا على سبيل المثال، تستدعي إذ تُمْنَحُ عددًا من القراء لشراء وقراءة العمل الأدبي الذي منح الجائزة لم يكن الفائز يحلم بالوصول إليه من قبل. عددٌ يبلغ أحيانا ثلاثمائة ألف قارئ وأحيانًا يتجاوزه. في حين أن قيمة الجائزة المادية تكاد لا تتجاوز عشرة يورو!  تبدو وظيفة هذه الجائزة إذن مجرد دليل للقارئ إلى المُبدَع الذي تراه الأفضل هذه السنة أو تلك في الرواية أو في الشعر أو في النقد. ويقوم الجمهور الواسع إذ يعمل برأي اللجنة في تكريم الكاتب بقراءته وبشراء كتابه الذي سينال حصة من ريعه..هذا فضلاً عن الجو الثقافي الحيوي الذي يتيحه موسم الجوائز على صعيد النشر والنقد والمتابعات النقدية في وسائل الإعلام على اختلافها."

انكماش التفاعل

وبسؤاله عن رؤيته لوضع الأدب العربي ومكانته من الأدب الغربي قال عرودكي "لا أرى أن بوسعنا الحديث عن "تقدم" أو "تأخر" في مجال الثقافة عمومًا. من الأدق أن نتحدث عن ازدهار أو انكماش، عن خصوبة أو عن قحط، مثلاً. يعرف الأدب في كل اللغات هذه الضروب من الأزمنة مثلما يعرفها أدبنا العربي. لا أرى من وجهة نظري أن الأدب في الغرب يعيش مرحلة ازدهار استثنائية. ولا الأدب في العالم العربي كذلك. هناك تحولات في كل من العالمين بفعل التطور الهائل والسريع الذي تشهده الوسائل الرقمية لا يزال كل منهما وخصوصًا العالم الغربي يحاول العثور على مرتكزات من أجل التأقلم معها. لكن عالمنا العربي لا يزال شديد البعد عن البحث عن هذه المرتكزات بما أنه لا يزال يستورد هذه الوسائل ولم يتمكن من إنتاجها بعد. يضاف إلى ذلك كله وضع القراءة في العالم العربي ومشكلات النشر على كل مستوياتها فضلاً عن انكماش تفاعل الثقافة العربية الآن مع الثقافات الأخرى في العالم من خلال ما يُترجَمُ إلى العربية والذي لم تكف التقارير الدولية منذ سنوات عن الإشارة إليه ودق نواقيس التنبيه حتى لا نقول الخطر..لكن هذه المشكلات كما يمكن أن نرى لا تنفصل بحال عن وضع العالم العربي عمومًا منذ أكثر من أربعين عاماً، أي منذ انهيار المشروع القومي والمشروع الاجتماعي في عالمنا العربي بعد أن احتلت المشهد نظم استبدادية وسلطوية.

ثمرة الاختمار

وفيما يتعلق بالمشهد الثقافي السوري نوّه عرودكي إلى أن "أهم ما كشفت عنه الثورة السورية مع انطلاقها تلك الأصوات الجديدة غير المعروفة من قبل، التي بدأت تنطلق في فضاء الشبكات الاجتماعية أولاً ثم على صفحات مختلف الصحف العربية المقيمة أو المهاجرة، الورقي منها والإلكتروني. حيث برزت أسماء كثيرة جديدة تقول ملامح الأجيال الشابة الواعدة، وبدأت أسماء كثيرة أخرى كانت السجون قد غيّبتها طوال سنوات وسنوات تقول شخصيات حامليها وفكرهم ومواهبهم: في البحث أو الفكر الاجتماعي ـ السياسي؛ وفي الأدب الروائي، وفي الشعر بطبيعة الحال."

وأضاف : "الأهم أيضًا، هو ثورة هذه الأسماء على المؤسسات الثقافية القائمة قبل الثورة والتي كانت ضربًا من مؤسسات صُمِّمَت للتطويع والتهجين والإخضاع، حسب الحالة. فقد بدت هذه الأخيرة بسرعة لم تكن متوقعة هياكل تنتمي إلى عصر سحيق مضى لم تكن فيه شيئًا مذكورا. وانطلقت محاولات ومبادرات لاستبدال هذه المؤسسات في تجمعات جديدة..لم يكن الأمر سهلاً ولن يكون بعد أكثر من نصف قرن من التهجين والتطويع.. لكن كل حركة من هذا القبيل كانت تقول رغبة عميقة في القطيعة مع ماض قريب وفي تجديد ٍ يطال كل شيء، بما في ذلك السلوك الفردي والجمعي..هذه الحركة الثقافية هي اليوم في قلب العمل، في كل مكان. حيّة، نشيطة، خلاقة، مفعمة بالآمال وبقدرها من الخيبات.. لكنها حركة قائمة لن يصدها عن الاستمرار قنوط هنا ويأس هناك، ولن ينال منها سلوك يعيد إنتاج أنماط من الشخصية الثقافية الانتهازية أو الخانعة أو السلطوية."

وعن تقييمه للإصدارات الروائية الصادرة خلال تلك الفترة، قال عرودكي "الكتابة الروائية ثمرة اختمار طويل قوامه التجربة الحياتية والثقافية. وليس من الممكن أن ننتظر ونحن نعيش حدَثًا بمثل ما انطوى وينطوي عليه الحدَثُ السوري من تطورات درامية ومأساوية وفواجع أن يتم استيعابه في تخييل روائي بمثل هذه السرعة. وما صدر من كتابات روائية خلال هذه الفترة كانت أقرب إلى محاولات فهم الحدث من خلال التخييل الروائي أكثر من قولها له. ولابد من أن نلاحظ أن مجمل الكتابة الروائية في سورية خلال السنوات الأربعين الأخيرة لم تقم باستثناء عدد قليل جدًا من الروايات بالحفر في أرض المشكلة السورية بحثًا عن الجذور، جذور ما نعانيه الآن على المستويات جميعها، والذي كشفت ثورة السوريين الغطاء عنه في شهر آذار 2011".

أما فيما يتعلق بالدور الذي يتعين على المثقف السوري القيام به في ظل الأزمات المتلاحقة قال عرودكي "لنتفق أولاً على ما نعنيه بالمثقف. هو ـ كما عرفه ببساطة الكاتب والناشر فاروق مردم بك ـ من يعمل في الحقل الثقافي. بهذا المعنى لابد كما أرى أن يكون دور هذا المثقف هو دور الناقد الدائم لكل ما تقوم به ضروب السلطات على اختلافها، السياسية منها والدينية والحزبية والوقوف على الدوام على القطب الآخر منها جميعًا. لهذا عندما يتماهى المثقف في السلطة، ويصير جزءاً لا يتجزأ منها يفقد في نظري صفته كمثقف، ومن ثم فكل ما يقوم به هو جزء مما تقوم به السلطة التي يؤلف جزءًا منها وهو ما يستوجب النقد أو الرفض أو الاستنكار أو المقاومة بكل وسائلها المشروعة."

واستطرد: "لابد من الاعتراف بأن عددًا كبيراً ممن يعملون في الحقل الثقافي من السوريين انقلبوا على هذا الدور وتماهوا في السلطة مبررين ومفلسفين ومحامين كما لو أنهم هم السلطة ذاتها. بذلك فقدوا مصداقيتهم حتى لا أقول مشروعيتهم منذ أول كلمة همسوا بها ضد ثورة الشعب الذي ينتمون إليه. لكن عددًا كبيرًا آخرَ من المثقفين برزوا في المقدمة على الساحة السورية، وبتنا نرى وجوهًا جديدة، وأصواتًا جديدة بل ونبرات مبتكرة، شابة كلها، تعيد للمثقف ألقه وشرف مهمته. الأسماء كثيرة، وهي موزعة في كل الفضاءات الثقافية، قاسمها المشترك الأعظم يتجسد في كلمة: لا، ثم يتباينون في ما وراء ذلك، وهو ما يضفي على مشهد المثقفين السوريين حركيته وسطوعه."

مطامح الشعب

وانتقالًا للحديث عن الحالة السياسية في سورية أوضح عرودكي أن "الوضع السياسي الحالي في سوريا بات شديد التعقيد نتيجة الخيارات التي اتخذها النظام منذ اليوم الأول في مواجهة ثورة الشعب السوري. وقد أدت هذه الخيارات التي اعتمدت العنف غير المحدود إلى أن تصير سورية بوجود النظام وبمساعدته وبالتسهيلات التي قدمها ولا يزال مسرحاً لذيول كل القوى التي تريد تحقيق أجنداتها عبرها من خلال سورية وعلى حساب الشعب السوري. لم تكن المعارضة السياسية التقليدية التي تقدمت لتعلن عن نفسها ناطقة باسم الثورة، من جهة أخرى، على مستوى مطامح الشعب الذي خرج يواجه الرصاص والعنف من أجل حريته وكرامته ولا جديرة بتمثيله، ولا على مستوى التضحيات التي بذلها حتى الآن؛ فقد كانت تعيد بصورة أو بأخرى إنتاج النظام في سلوكه وفي خياراته دون أن تملك أدواته ولا مهاراته التي اكتسبها على امتداد خمسين عامًا."

وأضاف قوله: "يبدو الوضع السياسي الحالي بعد أن صار رهن القوى الكبرى والإقليمية  شبه مغلق على الصعيد السياسي لكنه لا يزال مفتوحًا على الدمار والتخريب يقوم به النظام وكافة القوى التي تقف إلى جانبه أو التي تقاتل لحسابها ثم يقوم هو بتجيير نتائج ما تقوم به لحسابه."

واستطرد: "أما المبادرات التي تطرح على الساحة بين الحين والآخر فهي مع افتراض حسن النوايا ليست أكثر من محاولات يقوم بها أشخاص أو جماعات لا ثقل سياسي حقيقي لهم. ومن ثم فلن يكون نصيبها أكثر من نصيب محاولات سابقة قامت بها الأمم المتحدة والجامعة العربية بدعم من القوى الكبرى.. لقد قضي على الشعب السوري أن يعيش مأساة غير مسبوقة في تاريخ الشعوب.. ومن المؤسف أن نهاية النفق الذي أدخله النظام فيه لا تزال غير مرئية."

 * نشر هذا الحوار في صحيفة العرب، العدد9794 الصادر بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 2015، ص. 12.

http://www.alarab.co.uk/?id=42415

 

 

mardi 30 décembre 2014


ثورة السوريين: الأمل ساطعاً لا يزال..

بدرالدين   عرودكي
 


على الرغم من أننا "محكومون بالأمل" كما كان سعد الله ونوس يقول إلا أننا كنا، في سوريا، على وشك فقدان الأمل حين كنا نشهد ما يحدث في ميادين تونس والقاهرة وبنغازي وصنعاء..
لكن أطفال درعا وشباب دمشق أحيوه ساطعاً. إذ سرعان ما ترددت الأصداء في أرجاء سوريا كلها وبلا استثناء. وتناهت إلى أسماعنا نحن الذين كنا نزعم معرفة بلدنا قطعة قطعة أسماء قرى وبلدات لم تطرق من قبل آذاننا. وكأنما انبثقت الجغرافية في تلاحم وعلى موعد مع التاريخ في حضرة بدهيات إنسانية أريد لها أن تبقى في غياهب النسيان: الحرية والكرامة.
شبانٌ سوريٌون في عمر زهور الربيع يخرجون لا يملكون سوى حناجرهم والورد في أيديهم يواجهون به الرصاص الحيّ وهم ينادون بهذا الحّق الطبيعي. كان ذلك هو الحوار الوحيد المُتاح. وفي كل مكان. وكان المُحَرّمُ الأكبر ماثلاً في تقنية المواجهة المادية: لا مكان لميدان تحرير آخر في سوريا، مثلما كان حاضراً أيضاً في المواجهة الإعلامية: مؤامرة كونية أدواتها التكفيريون وأبناء القاعدة.
كانوا يسقطون كل يوم قتلى على مذبح هذا الحق. فرادى وجماعات. وكانت آلة القتل كل يوم تتمدد وتتكاثر وتتفنن.
كانوا يُقتلون على التتابع : بالرصاص ثم بالصواريخ ثم بالبراميل على أيدي النظام؛ وعلى لسان "مثقفي" الثورة والحداثة لأنهم يخرجون في مظاهراتهم من المساجد! وبعد ذلك على أيدي من تقدموا ممثلين لهم في المحافل الدولية، ثمَّ على أيدي معظم من أطلقوا على أنفسهم "أصدقاء الشعب السوري"..فكانت النتيجة حتى الآن ما ينيف عن ثلاثمائة ألف قتيل وأضعافهم من الجرحى والمعاقين، وملايين المُهَجَّرين.
ذلك كله من أجل كسر الأمل، أيّ أمل.
منذ البداية أريد لهم أن يخرجوا من الجغرافيا ومن التاريخ: أن يُغَيَّبوا تحت الأرض وفي أعماق البحار  موتى أو أن يتفرقوا مُهَجَّرين جماعات في أرجاء المعمورة. فكانت التغريبة السورية، ولا تزال.
ومنذ البداية أُريدَ لهذا البلد بعد أن كان مرتع عائلة واحدة ومن يلوذ بها أن يكون مرتع القوى  الإقليمية والدولية كلها التي كانت هذه العائلة تتفنن في التلاعب بها ومعها وعلى حسابها ولحسابها في آن. فربما استطاعت بذلك أن تستعيده من جديد.
واستعانت مع القوى المحلية والإقليمية والدولية بضواري الأرض جميعاً بعد أن ألبستهم أقنعة القرون الخوالي فبتنا أمام ضروب الدواعش على اختلافها تحاول من أجل أن تلغيها أن تغطي وتزيِّف ثورة شعب بأكمله.
لكن الثورة لا تزال وستبقى عصيّة على الجميع. في الداخل وفي الخارج. مادامت قد آتت أكلها عندما أخرجت العائلة الحاكمة وخدمها من حيِّز الإمكان في المستقبل.
ذلك هو الأمل الذي لا يزال ساطعاً.
 
* نشر في مجلة الهلال، القاهرة، عدد كانون الثاني، يناير 2015.
 

vendredi 26 décembre 2014


حول الوضع الثقافي والإبداع الأدبي

1

أزمة ثقافة بلا هوية

ما وراء أزمة القرّاء وأزمة الكتابة**

بدرالدين عرودكي

 

ماهي الأزمة: أزمة قرّاء أم أزمة كتابة؟ تلك هي الصيغة التي طرحت بها مشكلة من أخطر المشكلات التي واجهها ويواجهها مجتمعنا في المرحلة التاريخية المعاصرة، خلال ندوة جرت في المركز الثقافي  العربي  في الأسبوع الماضي وأعني بها مشكلة الثقافة. وشبيه بهذه الصيغة، صيغة ذلك التساؤل عن الأول بين اثنين: الدجاجة أم البيضة؟ فكما أن هذه الصيغة الأخيرة لا يمكن أن تؤدي إلى حلٍّ نهائي، فإن طرح المشكلة الثقافية من خلال عنصرين من عناصرها لن يؤدي إلى ذلك الحل المنشود إلا إذا أردنا أن ندور في حلقة مفرغة بين جزئيات المشكلة دون أن نتمكن على الإطلاق من وصل حلقاتها ضمن سلسلة تؤدي في النهاية إلى نتيجة محددة.

ومن هنا فإن صيغة السؤال تبدو قاصرة عن استيعاب أبعاد المشكلة المراد طرحها أساساً إلا إذا فهمنا هذه الصيغة ضمن حدّيْها بالذات (القراءة ـ الكتابة) بحيث يكون المطلوب في النهاية أن نضع الخط الأحمر تحت واحد منهما ونغلق النقاش. إذ أننا في هذه الحالة نتناسى أساس المشكلة أصلاً، ومن ثم تغدو كل نتيجة يمكن الوصول إليها في النهاية من خلال تلك الصيغة قاصرة وجزئية بالنسبة إلى الإطار الأساس الذي يجب أن ترتد إليه أصلاً.

لذلك لابد لنا من العودة إلى هذا الإطار. وهي عودة سوف تتيح لنا فرص إلقاء أكثر من ضوء على زوايا المشكلة الأساسية.

** الأمية

ولعل أبرز مظاهر الأزمة الثقافية في الوطن العربي مشكلة الأمية التي تتراوح نسبتها بين مختلف الأقطار العربية من 40% إلى 90%. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نتجاوز أزمة القراء وأزمة الكتابة في حدودهما الضيقة نحو إطارهما العام الذي تشكل الأمية أبرز مظاهره، مادام القارئ والكاتب ينتميان إلى هذا الواقع أساساً ويشكلان مظهراً آخر من مظاهره.

وما دمنا نعتبر أزمة القراءة وأزمة الكتابة مظهرين من مظاهر الأزمة الثقافية، فلابد لنا أيضاً من النظر إلى هذه الأزمة من خلال الأطر الحضارية والتاريخية والاجتماعية التي ننتمي إليها. ونظرة بسيطة إلى حذور هذه الأزمة في تاريخنا تؤدي بنا إلى تحديدها كما يلي:

ــ أربعة قرون في ظل الاحتلال العثماني أقرب إلى أن تكون عهد ظلامكامل؛

ــ ربع قرن آخر من محاولات اليقظة الملجومة بعصا الاستعمار؛

ــ ربع قرن آخر من محاولة تصفية هذه التركة الثقيلة على كافة المستويات الحضارية والاجتماعية ونتائجها التي برزت مع انتهاء الاحتلال العسكري المباشر لللاستعمار الأوربي: التجزئة والصهيونية.

** فترة الانقطاع الثقافي

وإذا كنا نعود بجذور الأزمة الثقافية إلى هذا التاريخ البعيد الذي يبدأ مع احتلال الجيوش العثمانية للمنطقة العربية، أو بتحديد أقرب إلى الدقة مع اضمحلال الإمبراطورية العباسية وتهافتها، فذلك لأن الثقافة العربية قد بدت في تلك الفترة من التاريخ وكأنها توقفت وقوفاً لا مجال للتنبؤ بمداه. لم يكن هذا الوقوف مفاجئاً في ذلك الوقت، وخاصة لتلك العقول الكبيرة النادرة التي سبقت زمنها وتنبأت بالكارثة قبل حصولها بوقت طويل: كالمتنبي والمعري ـ على ما بينهما من فروق واختلافات ـ . فلقد أدرك هذان الشاعران العربيان خطورة الحصار الذي كان الوجود العربي يعانيه آنذاك، عندما كانت الإمبراطورية العباسية نهباً للغزو المغولي والتتري وللتمزيق. فأعلن الأول أفول الحضارة العربية ولاذ ببلاط سيف الدولة في محاولة ـ تبدو لنا اليوم دون كيشوتية ـ لأنقاذ ما لم يعد ممكناً إنقاذه. منح سيف الدولة كل علامات المجد والفخار، وكرس لتعظيمه كل طاقات موهبته الشعرية الفذة، لا باعتباره أميراً يغدق أمواله على شاعر مادح، وإنما باعتباره أميراً عربياً ـ وحيداً في تلك الفترة ـ يحمي المنطقة العربية من محاولات الروم المتكررة لغزوها، ويمثل النبض القويّ الأخير لحضارة آفلة. هذا في حين لاذ المعري بمحبسيْه، معلناً رفضه لكل القيم السائدة، وملزماً نفسه بما لا يلزم، يمارس نمطاً صعباً من الترف الفني لم يكن يملك مع شكه ورفضه وعزلته أن يفعل شيئاً سواه، وهو يحيا بين أطلال متداعية.

لقد كانت  الثقافة العربية حتى ذلك الحين حلقات آخذ بعضها برقاب البعض الآخر، تبدأ من أعماق العصر الجاهلي، وتتصل مع ظهور الإسلام واتساع دعوته بثقافات الأمم الأخرى دون أن تفقد أصالتها وهويتها الأولى. ثم انقطعت السلسلة نهائياً مع السيطرة العثمانية التي أبدت في البداية نوعاً من التقديس لهذا التراث العظيم ما لبثت بعده أن تغاضت عنه وتناسته، لتستبدله وخاصة في القرن الأخير من عمرها ـ القرن التاسع عشر ـ بمحاولات دفنه وطمسه.

وتلك هي الأزمة التي واجهها رواد الحركة القومية العربية الأولى في القرن التاسع عشر: أن يعبروا برزخاً يمتد إلى أربعة قرون، كي يمسكوا بأول شعاع من أشعة الثقافة العربية الكلاسيكية لتأكيد الهوية العربية تجاه محاولات إنكارها وطمسها من أنصار القومية التركية، وهي الأزمة ذاتها التي واجهها أيضاً رواد الحركة القومية العربية في أوائل هذا القرن ـ أي فيما يسمى ببدايات عصر النهضة العربية ـ تجاه تحدي الحضارة الغربية الحديثة: أن يقيموا الجسر بين تلك الثقافة العربية قبل أربعة قرون، يعبر ظلام الاحتلال العثماني، ويظل قوياً عند وصوله منعطف القرن العشرين، تلك الأزمة التي مازالت قائمة حتى الآنّ

** الاحتلال الأوربي: ثقافة المستعمر

 ومع الاحتلال الفرنسي والإنجليزي والإيطالي للوطن العربي، كانت محاولات تأكيد الهوية العربية قائمة ما تزال. ومع ذلك، فقد حاول الاستعمار الأوربي بشتى الوسائل ضرب هذه المحاولات من الأساس وذلك بوسيلتين ما تزال آثارهما ـ أيضاً ـ قائمة إلى الآن: عزل الطبقات الفقيرة والمعدمة ثقافياً من جهة، ونشر الثقافة الاستعمارية بواسطة المدارس التي يقيمها أو التي تقيمها بعثاته التبشيرية بين أوساط الطبقة الإقطاعية والطبقة البورجوازية من جهة أخرى.

فالحصار الاقتصادي الذي ضربه حول الأكثرية الفقيرة، كان يحول دونها ودون الاهتمام بالثقافة والتعليم، بحيث أن قلة ضئيلة منها كانت تعرف القرآن معرفة لفظية تتيح لها قراءته لا فهمه، في حين غرقت البقية في ظلام دامس. وفي الوقت ذاته، كان بوسع أبناء الطبقتين الإقطاعية والبورجوازية دخول المدارس الأجنبية بما يملكون لذلك من أسباب مادية لم تكن متاحة لغيرهم. وكان الاستعمار يؤمن بذلك تكوين البنية العقلية للطبقة التي يريد لها أن تحمي مصالحه وأن تدافع عن وجوده عن طريق نشر ثقافته. فما د امت الثقافة تنمية للتصورات والقيم الوجدانية والسلوكية فإن الاستعمار إذ ينشر ثقافته وهي ثقافة بورجوازية موجهة لأبناء المستعمرات فإنما يضمن بذلك نشر قيمه ورؤيته للحياة.

وتلك هي تركة الاستعمار الأوربي ـ بعد الاستعمار العثماني ـ في الوطن العربي: أمّيّة تكاد تكون شاملة بين الأكثرية الساحقة من الشعب العربي في مختلف أقطاره، وأقلية مثقفة بثقافة لا تمت إلى واقعها ومتطلباته بأية صلة.

** الخطر الثقافي

وهذا هو جوهر الخطر الذي كانت الشعوب العربية تواجهه عشية استقلالها. كان الاستعمار يخرج بمعداته وبجنوده من الأرض تاركاً فيها بذوراً خبيثة في طور النمو.

والحق أن انتباهنا لهذا الخطر الثقافي لم يكن على مستوى هذا الخطر. لاشك أننا كنا ندرك هذا الخطر وندرك معه أبعاد تخلفنا. غير أن شعورنا بالتخلف طغى على شعورنا بالخطر، وأتاح لعقد نقص عميقة الغور في نفوسنا أن تمارس فعلها ـ إلى جانب عوامل أخرى ـ فتفتح الأبواب على مصاريعها للثقافة الغربية والحضارة الغربية دون قيد أو شرط يفرضه واقع مثقل بأعباء تركة خمسة قرون من النوم الثقيل. لتنعكس آثار هذا الانفتاح غير المشروط في مجالات عدّة:

انعكست أولاً على مناهج التعليم التي كانت كلها تقريباً تستند إلى فلسفات غريبة عن احتياجاتنا القومية والاجتماعية. ولقد كانت مناهج ديوي بالذات ـ كما يقول محمود أمين العالم  في كتابه الثقافة والثورة ـ تسود مناهجنا التعليمية سيادة تامة. هذا بالنسبة إلى المدارس الوطنية. أما بالنسبة إلى المدارس الأجنبية فقد كانت متعددة، تسود فيها مناهج المدارس الأمريكية والإنجليزية والفرنسية، بما تتضمنه كلها من فلسفات خاصة تعرقل نمو وجداننا القومي، في حين ظلت المدارس التقليدية القديمة ـ كالأزهر ـ مغلقة أبوابها دون الحضارة المعاصرة ودون حاجات الواقع في المرحلة التاريخية المعاصرة إلى وقت قريب.

وانعكست ثانياً على عمل دور النشر التي تحكمت بها فوق ذلك عناصر عديدة:

عنصر التجارة المحضة، فقد صارت ترجمة الثقافة تجارة رابحة تعتمد على طلب السوق الذي تحدده الرغبات السائدة. وهكذا تتالت موجات الترجمة: موجة سارتر والوجودية، موجة مورافيا والجنس، موجة كولن ولسن، موجة الكتب الثورية على اختلافها، وأخيراً موجة شعر الأرض المحتلة الذي بدا وكأنه ظهر للمرة الأولى بعد الخامس من حزيران.. أما على صعيد التراث القديم، فقد غدا أيضاً تجارة رابحة. وتتالت الكتب الضخمة لشعراء الجاهلية والإسلام، وكتب الجاحظوالتوحيدي والمتصوفين، في طبعات فخمة لا ينقصها إلا الدراسة والتحقيق العلمي! ذلك أن هذا النقص لا يمكن أن تقوم بإتمامه دور النشر مادام يكلفها جهداً علمياً لا مكان له أمام هدفها التجاري.

وهنا من ناحية أخرى عنصر التوجيه الخارجي الذي كان يختفي وراء "الحاجة إلى ترجمة نتاج الثقافة الغربية المعاصرة". فظهرت مؤسسات أجنبية تدعم دور النشر المحلية، تسهم معها وبدونها في لا في نشر الثقافة الأمريكية والكتاب المعبر عن الرؤية الأمريكية للحياة فحسب، بل في بث مناهج التربية وفلسفات التعليم التي تؤكد هذه الرؤية وفي السعي نحو جعلها تسود مناهجنا التعليمية في المدارس وفي الجامعات.

هناك من ناحية ثالثة عنصر آخر يتمثل في افتقار دور النشر المرتبطة بوزارات الثقافة في البلدان العربية إلى الخط الفكري الواضح الذي يتحكم بمنشوراتها أو بمشاريعها. لا بل إنه حتى في حال تحديد مثل هذا الخط، وهذا ما يحدث أحياناً، فإن الأيدي القذرة تمتد في الخفاء لتعبث به وتحرفه عن اتجاهه الأصلي، كما حدث في مشروع الألف كتاب في القطر المصري. إذ كان الهدف من وراء هذا المشروع تكوين مكتبة ثقافية متكاملة بأسعار زهيدة، فتحول أثناء التنفيذ إلى مكتبة ثقافية أمريكية متكاملة.

هذه العناصر جميعها في مناهج التعليم وفي أعمال دور النشر هي ما يؤلف المظاهر الحالية للوضع الثقافي والتعليمي والتربوي في وطننا العربي، ذلك الوضع الذي يشكل الكاتب نتاجه الرفيع!

** أزمة القراءة.. أزمة الكتابة!

ونحن إذ نصل ـ بعد هذه الإشارات السريعة ـ إلى مسألة القارئ والكاتب، فإنما ننتقل إلى صعيد آخر من أصعدة الأزمة الثقافية التي نتحدث عنها مادام كل منهما مشروط ببيئته أولاً وبالوضع السائد في تلك البيئة ثانياً. وإذا كان أقرب إلى الدقة أن نتحدث عن أزمة قلة القراء بدلاً من أزمة القراتء فذلك لأننا ننظر إلى النسبة التي يشكلها القراء في الوطن العربي بالقياس إلى عدد سكانه. ونستطيع هنا أن نضرب مثالاً ريباً منا. فأعلى رقم توزيع تحققه مجلة عربية على الإطلاق هي مجلة العربي  التي توزع شهرياً ما يقرب من 160 ألف نسخة في وطن يسكنه مائة مليون. ومن هذا الرقم يمكن أن نصل إلى النتيجة التالية: وهي أن نسبة القراء من بين المتعلمين (قراء مجلة لا كتاب!) هي نسبة 0016 %! في حين نستطيع أن ندرك نسبة قراء الكتاب إذا عرفنا أن أعلى رقم يمكن أن تنحنجرؤ دار نشر على الوصول إليه في ععد النسخ من الكتاب الواحد الذي تطبعه هو خمسة آلاف نسخةّ!

نحن هنا إذن أمام أزمة قراءة بين المتعلمين بين سكان الوطن العربي. وجذور هذه الأزمة تعود أساساً إلى المناهج التربوية والتعليمية التي تحكم صلة القارئ بالكتاب منذ طفولته. فهذه المناهج  تؤسس علاقة مصلحة متبادلة بين الطالب والكتاب تنتهي بانتهاء هذه المصلحة عند حصول الطالب على الشهادة في نهاية تحصيله. وفيما عدا ذلك، فإن الكتاب يؤلف بالنسبة لهذه القلة الضئيلة من القراء وسيلة تسلية أكثر منه باباً للمعرفة، ووسيلة إرضاء رغبات معينة أكثر منه مجالاً للثقافة وللعلم.

ومع ذلك فإن القلة القليلة من سكان الوطن العربي الذين يقرؤون يؤلفون النخبة بالمسبة إلى مجتمعنا. فإذا ما نظرنا إلى مصادر ثقافتهم الأساسي، وهي في أغلبها من الكتاب العربي مترجماً أو موضوعاً، وعرفنا الكتب التي تصدرها دور النشر في مختلف الأقطار العربية، استطعنا أن ندرك طبيعة البنية العقلية التي يتمتع بها القارئ العربي المعاصر!

** مشكلة الكاتب

ومشكلة الكاتب ـ من ناحية أخرى ـ ترتبط بمشكلة القارئ ارتباطاً جدلياً. فالكاتب العربي قد بدأ طالباً في المدارس الوطنية أو الأجنبية، أو قارئاً، وفي كلا الحاليْن نستطيع منذ البداية تحديد بيئته وثقافته. فهو قد ولد ونشأ في بيئة متخلفة حضارياً تعاني من تركة تاريخية ثقيلة، وتواجه أخطاراً يومية مباشرة، وهو قد تلقى ثقافة هجينة من مصادر مختلفة، لا يحول دون وصفها بالهجينة  تلقيه لها من مدرسة أو جامعة. ولكن اقتصارنا على عنصريْ البيئة والثقافة سوف يؤدي بنا إلى فقدان الأمل منه نهائيا وبشكل صوري. ومن ثمَّ فلا بد لنا من إضافة وعيه لنفسه ولواقعه. والوعي هنا مسألة نسبية ترتبط بمدى قدرته على تجاوز تخلف بيئته وهجنة ثقافته من جهة، وعلى الزاوية التي ينظر منها إلى جمهوره من جهة ثانية، وعلى جمهوره الذي يفترضه في وعيه الباطن عندما يمارس عملية الكتابة من جهة ثالثة.

لكن مسألة الوعي، وعي الكاتب، تواجه على صعيد آخر عدة مشكلات:

فهناك ـ أساساً ـ مسألة الحرية الفكرية، وهناك من ناحية أخرى الإغراء المادي الذي تقدمه المؤسسات الأجنبية له، وهناك أيضاً احتواء المؤسسات الرسمية له حيث تمتص وعيه وتجهض طموحه منذ البداية بما تقدمه له من رواتب عالية يضطر معها للتنازل عن مشاريعه بالتتالي.

وفي كل الأحوال، فإن الكاتب العربي ما يزال يواجه ـ على صعيد ثالث ـ مشكلات أساسية لا قبل له ـ كفرد ـ على حلها:

ـ مشكلة التراث؛

ـ مشكلة وحدة الثقافة القومية أو هويتها؛

ـ مشكلة الثقافة الفكرية الهجينة غير القادرة على مواجهة تحديات الثقافات العالمية الأصيلة.

ولذلك فالكاتب العربي بوصفه النتاج الرفيع للوضع الثقافي والاجتماعي والتاريخي الراهن، يبقى مثقلاً أمام قارئه بمشكلات عليه أن يواجهها. وهو يقع في الحالة هذه تحت وطأة الإغراءات المتعددة التي تحدثنا عنها. ويواجه كوابح اجتماعية وسياسية تحول بينه وبين متابعة هذه المواجهة إلى النهاية، أو أن يتناساها. وهو في هذه الحال لن يتمكن من أن يقدم لقارئه شيئاً مادام لا يطرح مشكلاته الأساس كمواطن ينتمي إلى أمة تحيا مرحلة تاريخية معينة.

ولعل هذا ما يفسر ـ إلى حدٍّ ما ـ سبب إقبال جمهرة القراء على الأعمال المترجمة أكثر من إقبالها على الأعمال المؤلفة.

** ثقافة بلا هوية

إزاء ذلك كله لا يسعنا أن نتساءل عن أزمة قراء أو أزمة كتابة، وإنما عما يتجاوز هاتين الأزمتيْن، أي إلى الوضع التربوي والتعليمي أساساً الذي يشكل المظهر الأساس من مظاهر أزمة الثقافة العربية المعاصرة التي تعاني من ضياع الهوية. إذ ما زلنا إلى الآن نفتقر إلى التصور الواضح لما يجب أن تكون عليه مناهجنا التعليمية والتربوية، أي لنصور واضح لهوية ثقافتنا القومية وتكوينها أساساً. ولا يكفي في ذلك أن نتحدث عن هذا التصور ضمن صيغ عامة. ذلك أنه لا معنى لهذا التصور مادام منحصراً ضمن حدود هذه الصيغ لا يتجاوزها نحو التطبيق في التفاصيل، ونحو الممارسة في السلوك اليومي. *

 

* يشكل هذا المقال صياغة أولية لما قلته في الندوة التي أجراها المركز الثقافي العربي بدمشق تحت عنوان "أزمة قراءة أم أزمة كتابة؟". ومن ثمَّ فهو ليس أكثر من خطوط عامة لدراسة لا بدَّ لكي تكتسب طابعاً علمياً من تدعيمها بالإحصاءات الدقيقة والمراجع العلمية الموثوقة.

 

** نشر هذا المقال في مجلة "الطليعة" السورية، العدد 240، الصادر بتاريخ 20 شباط/فبراير 1971، ص. 38 ـ 41 .