lundi 20 mai 2013


"مغامرة الشرّ" والأشرار
                                                          بدرالدين عرودكي
 
 
وقعت خلال الأيام الأخيرة بطريق الصدفة المحضة وبفضل النت على مقال كان الكاتب الفلسطيني حسن حميد قد نشره في 25 أيلول/سبتمبر 2007 في صحيفة العروبة التي تصدر عن مؤسسة الوحدة السورية، ثم أعاد نشره في صحيفة الوطن العمانية بعد ثلاث سنوات وشهرين من نشره للمرة الأولى، أي في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2010. ولست أدري إن كان قد سبق نشر المقال من قبل. فبين سنة نشر الكتاب الذي يتحدث عنه 1999 و نشر المقال موضوع الحديث هنا 2007 ثماني سنوات كاملةّ. لهذا التفصيل دلالة ستتم العودة إليها فيما بعد.

يحمل المقال عنوان ميلان كونديرا ومغامرة الشر. دفعني وجود اسم ميلان كونديرا في العنوان إلى قراءته، لكني فوجئت أن ترجمتي لكتاب فن الرواية هي موضوع المقال. على أن المفاجأة الأكبر تمثلت فيما انطوى عليه من مغالطات واعية لا ريب في قصديتها ولا كذلك في سذاجتها.  

يحدثنا حسن حميد بقدر ملحوظ من "الأستذة" عن الآراء التي أبداها في روايات كونديرا المترجمة إلى العربية بعد أن أثاره الاهتمام "غير العادي بأدبه وحياته من قبل دور النشر العربية، والمترجمين العرب.. وأخيراً القراء العرب". وهي آراء يملك والحق يقال كأي قارئ الحرية في أن يبديها (لكننا كنا نود أن يقولها ببساطة بوصفها آراءً شخصية لا أحكاماً مطلقة وقاطعة لا تقبل الاستئناف). خلاصة هذه الآراء قناعة وصل إليها مفادها أن "كتابته ـ أي كونديرا ـ  متوسطة الشأن، وأن موهبته لا تقارن بمواهب فحول الأدب الكبار".. صحيح أنني لم أقرأ ما يشبه هذا الرأي لا من قريب ولا من بعيد في كلِّ ما كتب بصددها في البلدان أو الثقافات التي ترجمت إليها كتب كونديرا، ومن ثمَّ فلن أستفيض فيما فصله الكاتب لتبرير قناعته. كل ما يمكن الإشارة إليه في ما يخصها، إن كان لابد من ذلك، أنها تكشف مستوى معارفه شديد السطحية عن فن الرواية الغربي عموماً وعن تجلياته الحقيقية لاسيما حين يسمح لنفسه أن يتحدث عن "الإملال" "بسبب الاستغراق في التفصيلات التي لا تقود المرء إلى انقياد نضوج العمل" أو عن "الالتصاق بالأفكار التي تعيق تقدم السرد من جهة وتقضي على جمالية الأدب من جهة ثانية". ليخلص إلى القول إن "الأدب شيء والفلسفة شيء آخر"..

كل ذلك ليعبر عن دهشته من تسابق الناشرين والمترجمين إلى ترجمة ونشر أعمال كونديرا حتى وصل بهم الأمر، كما يقول، إلى "ترجمة مقالاته ومحاضراته ومواقفه وآرائه" وكان "أن صدر مؤخراً كتاب لكونديرا عنوانه فن الرواية" معتبراً أن العنوان "مغر"، وأنه "بمنزلة (المصيدة) للقارئ والكاتب معاً".

من الواضح أن حسن حميد لم يقع "في المصيدة"! لاسيما وأن مناقشة الموضوعات التي يتناولها كونديرا في كتابه حول فن الرواية ليست همّه،  كما أنَّ قول رأيه في الترجمة أو في أهمية الكتاب أو عدم أهميته ليس مما يستثير قريحته؛ همّه أمرٌ آخر تماماً. لذلك من الضروري تجاوز ما جاء به من هذر لا طائل من ورائه في مقدمة مقالته من أجل الدخول في صلب ما يريد أن يجرّم المترجم به، أي ما يريد أن يجرّمني به في الحقيقة.

يجهل حسن حميد، بادئ ذي بدء، كما يبدو تماماً أن خمسة من فصول كتاب فن الرواية سبق أن نشرت في الثمانينيات وفي التسعينيات في دوريات ثقافية بدمشق وبيروت (مجلة المعرفة ومجلة الفكر العربي المعاصر). كما يتضح سوء نيته وتجاهله لوضع الرقابة على الكتب في سورية من زعمه أن "فصلاً كاملاً حُذِفَ من الكتاب في الترجمة التي أصدرتها دار الأهالي بدمشق"، وأنه سأل الناشر فأكد له أنه لم يحذف شيئاً.

كيف اكتشف ذلك؟

 يعتمد حسن حميد على ترجمة أخرى للكتاب نشرتها منشورات شرقيات بالقاهرة وجد فيها ما بدا له وجود فصل ناقص في الترجمة المنشورة بدمشق. من الواضح أنه لم يقرأ الترجمة الأخيرة برمتها ولا سيما مقدمة الكتاب التي ترجمتها بكاملها والمنشورة فيه والتي يتحدث فيها كونديرا عن فصول الكتاب السبعة بما فيها الفصل الأخير الذي يحمل عنوان خطاب القدس: الرواية وأوربا. يقول كونديرا في هذا المقطع الأخير ما يلي:

" في ربيع عام 1985 تلقيت جائزة القدس. وقد قرأ الأب مارسيل دوبوا من طائفة الدومينكان، والأستاذ في جامعة القدس، الثناء عليّ بالإنجليزية مع لكنة فرنسية قوية؛ وقرأت بالفرنسية مع لكنة تشيكية قوية خطاب الشكر عالماً أنه سيؤلف الجزء الأخير من هذا الكتاب والنقطة الأخيرة لتأملاتي حول الرواية وأوربا. لم يكن يسعني قراءته في جوٍّ أكثر أوربية، وأكثر حرارة، وأكثر حميمية."

لم يقرأ حسن حميد هذه المقدمة التي يقول فيها كونديرا بصراحة ووضوح تلقيه جائزة القدس وأنه جعل من خطاب الشكر حول الرواية وأوربا خاتمة فصول كتابه. وبما أنه لم ينتبه إلى معنى قول الناشر له إنه نشر الكتاب الذي قدمه المترجم، وذلك صحيح تمام الصحة، فقد كان عليه أن يستنتج على الأقل (وكان بوسعه أن يستفهم عن الأمر لو أنه قرأ مقدمة الكتاب المشار إليها) أن الرقابة في وزارة الإعلام السورية هي التي حذفت، وليس الناشر بالطبع، حذفت لا الفصل كله بل المقطع الأول من العنوان، أي خطاب القدس، والمقطع الأول من الفصل، الذي يجرّمه حسن حميد. للتوضيح إذن: الفصل موجود، وهو الفصل السابع من الكتاب، لكنه مشوّه بفعل مقص الرقيب الذي طال العنوان والمقطع الأول، ومن حسن الحظ أنه لم ينتبه للإشارة إلى هذا الفصل في المقدمة بعنوانه الكامل والذي بقي على حاله. (ولقد قمت برفقة الناشر الصديق حسين العودات بزيارة الرقيب في وزارة الإعلام لأحاول إقناعه السماح بنشر نصِّ الترجمة كما هو، وأذكر أنني حدثته عن عقم الرقابة في عصر الأنترنت ولم تكن بعد معروفة في سورية آنئذ، والفاكس، .. إلخ.) لكن ذلك، كما هو واضح، لم يؤدِّ إلى شيء..

الأسوأ من كل هذا على ما فيه من قصور وتسرع وسذاجة، هو الكذب. ذلك أن السيد حسن حميد يستعين بترجمة أخرى للكتاب صدرت في مصر (وهي ترجمة عن اللغة الإنجليزية لا عن الفرنسية التي كتب بها الكتاب) ليزعم أن الفصل موجود في الكتاب ويتخذ مما يزعم وجوده في النص ليقول لنا بالحرف الواحد ما يلي:

"تقول المقالة التي جاءت في إصدار دار شرقيات (ترجمة أحمد عمر شاهين) إن اليهود تعرضوا للعدوان في بلدهم الأصلي (إسرائيل) ولذلك نفوا مرغمين إلى خارج وطنهم، وأنهم تعالوا على جروحهم وهم في منافيهم في أوربا، فأبدوا حضارة الشخصية اليهودية التي فاضت على الشخصية الأوروبية فولّدت فيها شرارة الحضارة التي نمت وترعرعت في أوربا بفضل العبقرية اليهودية، وقد عمل اليهود من أجل أوروبا بعيداً عن المشاعر القومية التي جمعتهم، أي أنهم لم يعملوا من أجل أنفسهم هم وإنما عملوا من أجل أوروبا؛ من أجل تحضيرها، ومع ذلك خذلتهم أوربا مرات ومرات على نحو مأساوي وعدواني وعنصري، فما كان أمامهم إلا أن جمعوا أنفسهم وعادوا إلى وطنهم الصغير (إسرائيل) الذي استعيد بالقوةِ، والروحِ الحضارية وعلى دفعات بشرية وزمنية في آن معاً. ومنذ الخروج اليهودي من أوربا وهذه القارة الكبيرة تعيش جسداً بلا قلب لأن قلبها هو (إسرائيل) والشعب اليهودي الذي يسكنها، ويقول كونديرا، الذي يبدو كما لو أنه زار الكيان الصهيوني، بالحرف الواحد: إنه فوجئ بأن (إسرائيل) تشكل قلب أوروبا الحقيقي، قلب خاص مزروع خارج الجسد!"

أما النص الذي يزعم حسن حميد تلخيصه "بلغته هو لا بلغة الكاتب" والذي حذفه الرقيب السوري فهو التالي:

"إذا كانت أهم جائزة تمنحها إسرائيل مخصصة للأدب العالمي فليس ذلك فيما يبدو لي وليد الصدفة بل نتيجة سنة راسخة. إذ الواقع أن الشخصيات اليهودية الكبرى التي نشأت بعيدة عن موطنها الأصلي في بيئة تتعالى على الأهواء القومية عبرت دائماً عن حساسية استثنائية من أجل أوربا تتعالى على القوميات. أوربا يتم تصورها لا كأرض بل كثقافة. وإذا كان اليهود قد ظلوا حتى بعد خيبتهم المأساوية من أوربا مخلصين لهذه الكوسموبوليتية الأوربية، فإن إسرائيل، وطنهم الصغير الذي عثروا عليه أخيراً ينبثق في نظري بوصفه قلب أوربا الحقيقي، قلب غريب وُضِعَ فيما وراء الجسد"

ولقد تمَّ نشرُ هذا المقطع الذي حذفته الرقابة السورية في طبعات ترجمتي المتتالية، بالدار البيضاء (دار أفريقيا الشرق) ثم بالقاهرة أولاً (المجلس الأعلى للثقافة) ثم  في الطبعة الجامعة لكتب كونديرا الثلاثة (المركز القومي للترجمة).

من الواضح أن السيد حسن حميد لا يقرأ. ويبدو إذا قرأ أنه لا يفهم. لكنه عندما لا يقرأ ولا يفهم يلجأ إلى الكتابة التي ترضي من لا يريد ردّ المشكلة إليه، أعني الرقيب. يطلب إلينا في خاتمة مقاله وهو يشكو لنا حيرته في أمره بسبب "التباين والاختلاف والرضا عن كل مايسوقه الغرب"، أن "من الواجب علينا نحن العرب في حقل الترجمة أن ننقل ما يتوافق وأهدافنا وغاياتنا النبيلة" وأنه إن "كان المكتوب لا يتوافق معها أن نبين أسباب هذا النقل وتوجهاته"...

من حسن حظ الثقافة العربية الكلاسيكية أنها لم تحظ بمترجمين يطبقون ما يدعو إليه حسن حميد. ولا كذلك الثقافة العربية الراهنة.

لا أدري إن كان حسن حميد قد نشر هذا المقال قبل عام 2007 كما أشرت في البداية. ذلك أنه خلال زيارته باريس عام 2005  سألني عن الموضوع نفسه وأوضحت له الأمر كما شرحته في السطور السابقة. لكنه مع ذلك بادر إلى نشر المقال ثانية وثالثة. من الواضح أن همه لا ينصرف إلى تجريم الرقابة السورية. وكيف يفعل وهو جزء من منظومتها؟
 
أهي إذن "مغامرة الشر" أم مغامرة الأشرار؟
 
 
 حسين العودات:
نشرت (دار الأهالي) بدمشق عام 1999 كتاب (فن الرواية) من تأليف (ميلان كونديرا) وترجمة الدكتور بدر الدين عرودكي، وقد حذف الرقيب في وزارة الإعلام المقطع الأول من الفصل السابع، وذهبنا، الدكتور عرودكي وأنا، وقابلنا الرقيب، وحاولنا إقناعه بعدم جدوى حذف هذا المقطع ، خاصة في زمن تفجر الاتصال، لكنه لم يقتنع وأعاد الكتاب بعد يومين مع الحذف المشار إليه، وأود أن أؤكد أن دار الأهالي لم تحذف شيئاً من المخطوط، كما أن الدكتور عرودكي ترجمه وقدمه بلا حذف، وأن الحذف من عمل الرقيب. وفي الحالات كلها لايتجاوز الحذف مقطعاً واحداً، دون أن ينتبه الرقيب إلى الإشارة لما حذفه في المقدمة.

(كتب الأستاذ حسين العودات هذه الشهادة تعليقاً على رابط مقالي الذي أرد فيه على حسن حميد وسليم البيك (المنشور في صحيفة القدس العربي بتاريخ 13 شباط/فبراير 2015) على صفحتي في الفيسبوك تأكيداً لما تضمنه الردّ أعلاه وتكذيباً لمزاعم حسن حميد وسليم البيك حول قيامي بحذف المقطع الأول من الفصل السابع "بقرار ذاتي"!)






 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire