jeudi 8 septembre 2016



في فوضى المصطلحات والمفاهيم

بدرالدين عرودكي

كان بديع الكسم، كبير أساتذة الفلسفة الذين عرفتهم جامعة دمشق طوال تاريخها، يقول ساخراً كلما جرى الحديث حول كوارث الأخطاء التي يلقاها القارئ العربي في الكتب المترجمة: إن الكاتب العربي إذا ترجم ألَّف وإذا ألَّف ترجم!

قد يجد البعض في هذه السخرية مبالغة في التشخيص. لكن نظرة في ما لفظته وتلفظه المطابع العربية من ترجمات في مختلف فروع المعرفة ومن مؤلفات في العلوم الإنسانية والاجتماعية بوجه خاص تجعل من هذه الجملة الساخرة جملة تصف بدقة صارمة الحالة الراهنة للعمل الثقافي العربي عموماً. إذ حين نعثر على سبيل المثال في كتاب جماعي يضم مجموعة من الأبحاث في العلوم الاجتماعية باللغة الفرنسية مع ترجمتها إلى العربية على مفهوم ساد أبحاث العلوم الاجتماعية في النصف الثاني من القرن العشرين بترجمات اختلفت باختلاف المترجمين ولم ينتبه المشرف على الكتاب أو ناشره، وهو منظمة عربية إقليمية، إلى هذا الاختلاف الفاضح، فلا بد أن يعني ذلك وجود خللٍ ما أكثر عمقاً مما يبدو على سطح المشهد الثقافي والفكري اليوم في عالمنا العربي. خللٌ لم يكن موجوداً بهذا القدر من قبل وإن كانت بوادره قد بدأت في الظهور منذ منتصف القرن الماضي.  

لا يعكس الاختلاف هنا تعدداً في الاجتهادات أو في طرق الفهم بقدر ما يعكس ظاهرتين: أولاهما خللٌ في الفهم نفسه أدى إلى خطأ في الترجمة لا يتوقف عند ترجمة مصطلح بعينه بل يمتد ليشمل معظم ترجمات مصطلحات العلوم الإنسانية والاجتماعية ومفاهيمها، وثانيتهما وجود شرخٍ عميقٍ لا يزال قائماً بين الثقافة العربية المعاصرة والثقافات الغربية الأخرى على اختلافها يعكس قصوراً لا في فهم أدواتها المجسدة خصوصاً في المفاهيم ولا في إدراك دلالات المصطلحات المنحوتة أو المعتمدة لترافق مبتكرات العقل الغربي وبحثه الدائم فحسب بل وكذلك أساساً في قصور البحث الثقافي العربي الملازم لتعثر عملية النهضة العربية برمتها وعدم قدرته بالتالي عن التجديد والابتكار في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، فضلاً عن العلوم الدقيقة بالطبع. ولذلك أثره الواضح في الترجمة الذي يؤدي بدوره إلى فهم يعتور كل شيء في الحياة عموماً: المواقف الفكرية والسياسية في الحياة الثقافية، والمؤسسات على اختلافها في الحياة الاجتماعية. ويكفي أن نرى كيف تناقش اليوم سواء في الأبحاث أو في وسائل الإعلام أو على صفحات الشبكات العنكبوتية مفاهيم تبدو في ظاهرها شديدة الوضوح مثل العلمانية أو الديمقراطية من ناحية وكيف يجري خلط المفاهيم في معالجة وقائع اجتماعية محددة في الزمان وفي المكان من ناحية أخرى. إذ ما الذي يجعل على سبيل المثال اعتبار العلمانية مفهوماً يناهض الدين أو يدعو إلى إلغائه في الوقت  الذي تعني في أساسها فصل الفضاء الديني عن الفضاء السياسي واحترام هذا الأخير لمختلف الأديان ضمن فضاءاتها الخاصة بها؟ وما الذي يجعل من الديمقراطية مجرد إجراء يقتصر على حق الانتخاب في حين أنها نظام متماسك على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية المتكاملة والشاملة؟ هل هو سوء الترجمة أم القصور في الفهم أم التكاسل عن الشرح أم كل ذلك معاً؟ ثم ما الذي يبرر على سبيل المثال لباحثين عرب اعتماد مبدأ خلط مفاهيم متباينة في تحليل واقع اجتماعي سياسي في العراق مثلاً ــ وهم أدرى بشعابه ــ تماماً كما فعل مؤرخان فرنسيان، غابرييل مارتينيز غرو ولوسيت فالانسي، في كتابهما الإسلام المنشق، الصادر عام 2004 حين استخدما مفاهيم إثنية ودينية جنباً إلى جنب: السنة والشيعة والأكراد؟ ولماذا لا يتم التمييز بين المفاهيم الإثنية: عرب وأكراد، والمفاهيم الدينية: سنة وشيعة؟ حين يُعترضُ على هذا الخلط غير المبرر بما أن العرب سنة وشيعة في آن واحد وأن الأكراد سنة أيضاً لو اقتصر الأمر على استخدام المفهوم الديني في التحليل، فإنهما يكتفيان بالإجابة بأن هذه المفاهيم عملية ووظيفية في البحث التاريخي والاجتماعي!

ونظراً لارتباطه بمجمل الحركيات الاجتماعية العربية الحالية، لن يكون حل هذه الإشكالات سهلاً سواء على صعيد الترجمة أو على صعيد البحث العلمي وإن كان من الممكن تصور مثل هذا الحل على صعيد الأولى بوصفها عملية تاريخية حاسمة لابد منها كمدخل إلى العملية التاريخية الأخرى. في هذا المجال، ندر من حاول من مسؤولي مراكز الترجمة حلَّ مثل هذا الإشكال في فوضى ترجمة المصطلحات والمفاهيم السائدة. وربما كان الطاهر لبيب الوحيد بينهم الذي شرع في هذا الاتجاه حين وضع قاعدة عامة لكل من تعاونت معه المنظمة العربية للترجمة ببيروت التي كان مديرها المؤسس سنوات عدة فرض عبرها على المترجم وضع جدول بترجمته المقترحة للمصطلحات الأساس الواردة في الكتاب. وبفضل تراكم هذه الجداول بالمصطلحات المقترحة في كل واحد من الكتب المترجمة التي زاد عددها عن المائتين حتى عام 2012، أمكن العمل في مشروع طموح يهدف إلى توحيد ترجمة المصطلحات من خلال وضع قاعدة بيانات بالمصطلحات المستخدمة في مختلف الفروع الأدبية والفنية والعلمية ومحاولة توحيدها قدر الإمكان بحيث تؤلف شيئاً فشيئاً دليل المترجم في متاهة المصطلحات السائدة. بيد أن ما رأيناه من فوضى في ترجمة المصطلح الواحد في كتاب جماعي واحد لا يزال قائماً في ترجمة العديد من المصطلحات التي استخدمها مترجمو المنظمة الذين اعتمدت قوائم ترجماتهم للمصطلحات رغم الجهد المبذول هنا في هذا العمل الذي يخطو رغم كل شيء خطواته الأولى. ذلك أنه يتوقف عند مرحلة مقترحات المترجمين ومحاولة توحيدها دون البتِّ في نجوعها أو في دقتها أو في احتوائها دلالة المصطلح الأصل وفضاء مفهومه.  ذلك يشير في آن واحد إلى ضخامة المشروع وسعة آفاقه وإلى ما يتطلبه من جهد يتجاوز في حجمه وفي كلفته إلى حد كبير إمكانات مؤسسة تبقى على طموح مسؤوليها وجهدهم المحمود محدودة الإمكانات البشرية والمالية الضرورية لتحقيق هذا الطموح. ويبقى على كل حال أن الاستفادة من هذا العمل في حالته الراهنة، على قصوره وعدم اكتماله، لا يزال قصْراً على عدد قليل من المترجمين في مختلف البلدان العربية.

من المؤكد أن المؤسسات العربية الإقليمية لن تقوم بهذا المشروع. فقد أثبتت فشلها الكامل على كل الأصعدة ما دامت المنظمة الأم، أي الجامعة العربية، تعاني الشلل الأكبر. وستبقى الفوضى في هذه الحالة سائدة ما لم تتضافر مراكز الترجمة الخاصة والعامة في العالم العربي كي تقوم باعتماد هذا المشروع الطموح والمضي في وضعه موضع التنفيذ حتى نهايته، على أن يشرف عليه خبراء في مختلف الفروع العلمية واللغوية من مشرق العالم العربي ومغربه،  بحيث يؤدي إلى وضع قاموس بالمصطلحات وبالمفاهيم لا يكتفي باعتماد مقابلها العربي الموحد بل يبرر اختياره لها ويشرح مختلف معانيها ودلالاتها واستخداماتها.

ذلك هو المخرج الوحيد من هذا النفق.



** نشر هذا المقال في صحيفة جيرون، الخميس 8 أيلول 2016.



jeudi 1 septembre 2016


الفلقة

بدرالدين عرودكي

مِنَ المقبرة إلى المدرسة:
لابدّ وأنكِ تذكرين!
فجأة شعر طفلكِ بيد تطبق على معصمه. يرفع رأسه فيراكِ. يرى وجهك وراء الغطاء الأسود الشفاف المُسدَلُ. وجهٌ غاضب حانق. تسأليه: ماذا تفعل هنا؟ والمدرسة؟
يسير مُقاداً بيدك. لم يكن في محفظتكِ القروش السبعة ونصف لشراء تذكرة ركوب الترام. فالمسافة إلى المدرسة طويلة، ولا بد لك من الهبوط سيراً على القدمين من حي بير التوتة نحو العفيف مروراً بالجسر الأبيض فحي الرئيس فالمستشفى الإيطالي كي تبلغي أخيراً حيَّ عرنوس ومدرسة سعد الله الجابري الابتدائية التي كانت تقوم فيه.
هي المرة الأولى التي تجتازين فيها طريقَ ابنكِ إلى مدرسته التي يذهب إليها كل يوم سيراً على القدميْن، هو الآخر. تأخذ بلبّكِ المتاجر الفاخرة. تتوقف عيناكِ أمام واجهة بائع الحلويات الغربية، فيينا. وتتمزق جوارحك حزناً وعجزاً: أن يرى ابنك ما هو مُحرَّم عليه، عليكِ، عليكم جميعاً في أسرتكِ الصغيرة، كل يوم، وألا تستطيعي أن تفعلي شيئاً. وتحسبين أن عزوفه عن الذهاب إلى المدرسة يرتد إلى بعض هذا الحرمان.. لكن ما كان يهمّك لحظتها هو أن تبلغين معه المدرسة التي حُرِمتِ منها كي تؤويه ويتابع فيها ما قد تستطيعين يوماً أن تتابعيه معه.
يستقبلك المدير ومعه أستاذ الفصل الذي هو فيه. يقول لك المدير عجبَهُ من هذا الغياب غير المبرر لاسيما وأنه طفل شديد التهذيب، والمثابرة، وأنه في مقدمة تلاميذ فصله حتى أن أستاذه سماه "عريف" الفصل منذ بداية السنة الدراسية. لكن المدير والأستاذ قررا أن هذا الغياب فعلٌ غير مقبول، وأنه يستوجب العقاب، وطمأناكِ على أنه بات الآن بين أيدٍ أمينة.
لم يسأله المدير ولا الأستاذ بعد مغادرتكِ سبب غيابه عن الحضور إلى المدرسة. لابدَّ أنهما افترضا ضرباً من تمرد مفاجئ، صبياني الدافع، حمله على العزوف عن المجيء إليها ذلك الصباح.
هكذا قاده الأستاذ بعد أن غمز للمدير بعينه اليمنى ــ لا يزال يتذكر هذه الغمزة ــ إلى الفصل وأعلن أمام رفاقه عزله عن "العرافة" وتغيير مكان مقعده وعزمه على معاقبته أمام الجميع كي يكون "عبرة لمن اعتبر" بسبب "هَرَبِه من المدرسة".
**    **    **
في غيابِكِ:
يُطلبُ إليه الجلوس على كرسي الأستاذ الذي نُقِلَ كي يكون في مكان يُرى من التلامذة جميعاً. ينادي الأستاذ على واحدٍ من رفاقه كي يساعده على تثبيته وعلى رفع ساقيه بعد أن جعله يخلع حذاءه وجوربيْه. وهو يخلعهما، تتكشف ثقوب الجوربيْن المخفية داخل الحذاء. تنطلق ضحكات رفاقه في الفصل رغم محاولاتهم كبتها حين رُفِع ساقاه فكشفا سروالاً ممزق الأطراف. لم يكن ثمة بنطال يستر عورة السروال. كانت صدّارة المدرسة الرسمية تستر كل شيء وتنبئ وحدها عن تلميذ مرهف الهندام لا يختلف عن رفاقه في الفصل بشيء.
لم تكن ضربات العصا القاسية التي كانت تنهال على صفحتي قدميه توجعه بقدر ما كانت تمزقه الضحكات والكلمات الهامسة التي كان رفاقه يتبادلونها وتتناهى مع ذلك إلى سمعه. ها هو أمامهم جميعاً. الأستاذ والتلامذة. سقط عن عرش أسراره التي كان يكتمها عنهم وكانت صدارة المدرسة الرسمية تحميها. ناداه أحدهم: يا جبلي.. ثمَّ ثنّى الآخر والثالث والرابع. وعندما انتهى الأستاذ من ضرباته، قال له وقد سمع بعض التلامذة يشيرون إلى أنه حضر إلى المدرسة بلا بنطال: جئتنا اليوم بلا بنطال وغداً ستأتينا بلا سروال!   
أمره الأستاذ بتغيير مكانه. لم يعد مقعده في المقدمة، بل في مؤخرة الفصل. ذلك هو العقاب المستمر.
**    **    **
لم يسأل أحدٌ في المدرسة طفلكِ عن سبب "هربه". ولم يبادر من ناحيته إلى أن يقول سبب وجوده في المقبرة ذلك اليوم. وكان هذا السبب يتوارى شيئاً فشيئاً في أعماق الذاكرة مع الأيام كي يحل محله في وعيه وفي ذاكرته، مشهد"الفلقة": ساقاه المرفوعتان تكشفان عما تحت صدارته المدرسية، والاسم الجديد الذي أطلقه عليه رفاق فصله: يا جبلي!
المشهد، خصوصاً، كما تخيله في عيون رفاقه على مقاعدهم: سروال ممزق لا يخفيه بنطال، وجوارب مهترئة كان يخفيها الحذاء..
**   **    **
ما تبقّى
خمسة وعشرون سنة مضت على هذا المشهد الذي عاشه طفلك قبل أن يستعيده رجلاً، بينما كان يكتب في مقهى الروتوند بباريس، وأن يعثر آنئذ فجأة على السبب الذي طغى عليه وغيَّبَه مشهد الفلقة وما تلاه في أعماق الذاكرة.
حين قبضتِ على معصمه كي تذهبي به إلى المدرسة، كان في المقبرة المجاورة لبيتكما يبحث عن بقعة أرض لا تزال آثار الماء التي بللت ترابها مرئية علّه يكون المكان الذي دفن فيه أبوه أخته، زهرة. كان يعرف أن الأطفال لا قبور تبنى لهم مثل الراشدين. مجرّد حفر تلقى فيها أجسادهم الغضة ثم تغطى بالتراب.
أرسلتِه صباح ذلك اليوم إلى بيت عمِّه، في الطريق إلى مدرسته، ينقل شيئاً ما. كنتِ بذلك تصرفينه عن أن يرى ما حلّ بأخته. تقول له زوجة عمّه بدهشة: سألنا أبوك عن صحة أختك زهرة فأجاب: شفاها الله. فقلنا له: الحمد لله إذن! ثم عرفنا أنها ماتت، وأن أباك كان يعني أن شفاءها كان موتها.
هكذا عرف طفلكِ أن أخته زهرة التي كان جمالها يتفجر في ضحكاتها وهو يداعبها كل مساء قبل أن يأويا إلى النوم  قد ماتت، وأن أباه دفنها في مكان ما، وأن المكان لابدّ أن يكون هنا.
هكذا وقد سمع كلمة "ماتت" من عمِّه، هرع طفلكِ ناسياً المدرسة إلى المقبرة يبحث فيها عن قبر أخته عبثاً، إلى أن قبضتِ على مِعصمِهِ وحرمتِه عنوة من العثور على قبرها.. عليها.
ما كان لما أصابك حين علمتِ أنه لم يكن في مدرسته أن يسمح لكِ بالتفكير في سبب وجوده هناك.. وما كان لما استحوذ عليكِ بعد ذلك مما رأيته على الطريق إلى مدرسته وما كان ابنك محروماً منه أن يتيح لك أن تتساءلي..
إن هي إلا لحظة رسخت في ذاكرتكِ حرماناً وفي ذاكرة طفلكِ فلقة!

** نُشر في مجلة الجديد الصادرة بتاريخ  01/09/2016، العدد: 20، ص(48)

http://www.alarab.co.uk/pdf/2016/09/04-09/p13.pdf





إعادة تعويم الأسد؟ وماذا بعد؟

بدرالدين عرودكي

منذ أن طرحت روسيا والولايات المتحدة، متواطئتين ثم متفقتين، على ما أطلقتا عليه اسم الحل السلمي، كان موضوع "استمرار بشار الأسد" هو العقدة التي اتفقا على توصيفها كذلك وأرادا لها أن تبقى ظاهرة أمام الملأ. كان ذلك يعني دون التصريح به أيضاً وكما ثبت مع الأيام: بقاء النظام الأسدي، باسم الحفاظ على "الدولة" تارة، وباسم "حق الشعب السوري" في اختيار الرئيس الذي يريد، تارة أخرى، أي، بعبارة أخرى: عدم الاعتراف بوجود ثورة قام بها الشعب السوري ضد هذا النظام بالذات ولا يزال يقدم التضحيات في سبيل أهدافها، من جهة، وحصْرُ شرعية مزعومة به وبمن يقف على رأسه، من جهة أخرى. كانت روسيا حاملة لواء هذه "الشرعية" التي دافعت عنها سياسياً في المحافل الدولية ثم عسكرياً على الأرض. ليست "شرعية" النظام المعنية هنا وحدها بل كذلك "شرعية" التدخل الخارجي في سورية: إذ حين تعلن روسيا أنها لا توافق على قيام الآخرين بأي عمل عسكري دون غطاء شرعي أممي، تسمح لنفسها اصطناع "الشرعية" التي تريد، أي سواء تلك التي "تمنحها" لها "الحكومة السورية" غير الشرعية أصلاً، أو تلك التي تتيحها مكافحة الإرهاب، على أن يفهم هذا الأخير بوصفه مُمَثلاً في كل من يقاتل النظام الأسدي، أياً كانت هويته!

كان كلُّ ذلك صريحاً وواضحاً في البيان الصادر عن مؤتمر جنيف الأول في 30 حزيران 2012، والذي كرّسَ الحل السياسي بوصفه المخرج الوحيد الذي دعت إليه روسيا وأمريكا وبموافقة أعضاء مجموعة العمل من أجل سورية المشاركة في هذا المؤتمر. لا وجود في هذا البيان لـ"العقدة" المشار إليها، لكنه يدل سواء في صياغته الإجمالية أو في تفاصيله على ما لم تكف روسيا ــ ومعها منذ ذلك الحين الولايات المتحدة وأعضاء مجموعة العمل ــ  عن المطالبة به والدعوة إليه ومحاولة فرضه الآن بقوة السلاح دون ذكره صراحة بالطبع: هيئة حكم انتقالي تضم الحكومة والمعارضة بقيادة بشار الأسد.

وعلى اختلاف ما ترمي إليه كل من روسيا والولايات المتحدة من تحقيق "الحل السياسي"، إلا أن كلاً منهما حرص على الإعلان عن التنسيق الكامل القائم بينهما سياسياً وعسكرياً طوال المسار الذي يفترض أن يؤدي إلى الحل المرسوم والمنشود من قبلهما.

كانت تلك إذن هي الحجة بامتياز من أجل العمل على استمرار الحرب وإنهاك الجميع، لا نظاماً ومعارضة مسلحة فحسب، بل كذلك القوى الإقليمية التي انخرطت في الحرب مباشرة إلى جانب النظام الأسدي كإيران ــ التي كان العمل معها جارياً على إنجاز الاتفاق النووي بسرعة، وكذلك، فيما بعد، ذيولها من الميليشيات العراقية واللبنانية التي جندتها لخدمة مطامحها الإقليمية. وكان من الضروري في الوقت نفسه الحدُّ من طموحات القوى الإقليمية الأخرى المناهضة للنظام الأسدي ولاسيما تركيا والسعودية وقطر، والتي يدعم كلٌّ منها قسماً من القوات السورية المقاتلة على الأرض، بجعلها تضطر هي الأخرى في النهاية إلى الخضوع لقواعد هذه اللعبة التي فرضتها كل من روسيا ومن ورائها أمريكا، وصولاً إلى جعلها بطريقة أو بأخرى تقبل مبدأ إعادة تأهيل النظام الأسدي من خلال قبولها ببقاء رأس النظام خلال الفترة الانتقالية.

كانت العناوين واضحة أمام الجميع. ذلك أنه على الرغم من التكرار الممل الذي كان نزيل البيت الأبيض يقوم به حول "فقدان الأسد شرعيته"، بقي النظام موضع اعتراف أممي في منظمة الأمم المتحدة وسائر المنظمات التابعة لها، وبوصفه بالطبع طرفاً رئيساً في مفاوضات الحل السياسي الذي وضعت أسسه في مؤتمر جنيف الأول. دون نسيان الكيفية التي تمت بها "معاقبة" النظام الأسدي على استخدامه السلاح الكيمياوي والتي كانت تعبيراً بليغاً عن طبيعة الخطوط الحمر التي كانت توضع أمام هذا النظام.

سوى أن ما شهدته سورية والمنطقة من حولها من أحداث غيرت المشهد الذي كان قائماً في منتصف عام 2012 كلياً. فإيران التي حاولت تقديم الدعم العسكري من خلال ذراعها العسكري المحلي في لبنان بحجة "الدفاع عن المقامات المقدسة"، ثم اضطرت إلى تقديم دعم آخر عبر ميليشيات مؤلفة من مرتزقة عراقيين وأفغان، ثم إلى الزج بضباط حرسها الثوري قواداً ومستشارين، وصولاً إلى قيادة العمليات الأرضية كافة، باتت هي صاحبة الكلمة الأولى في سورية إلى أن دخلت روسيا بقواتها الجوية وقاعدتيها العسكريتين في طرطوس وحميميم ميدان المعركة في محاولة حثيثة، آملة أن تكون حاسمة، لفرض فهمها للحل السياسي وفرضه على الأطراف جميعاً، ثم إلى محاولة تقليص دور تركيا في الشأن السوري إثر تدهور العلاقات الروسية ــ التركية بعد إسقاط الطائرة الروسية، وصولاً إلى محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا ومحاولة إعادة ترميم تحالفات جديدة يسعى كل طرف فيها إلى تحقيق أقصى ما يستطيع من أهدافه.

على أن التغيير الأساس هو ما أدى إليه تكوين هذا المشهد اعتباراً من نهاية أيلول 2015 والذي جعل رأس النظام الأسدي مجرد موظف لدى قوتي الاحتلال الروسية الإيرانية في سورية بدرجة رئيس "دولة" حتى إشعار آخر، يحرص على وجوده المحتلان الحليفان على اختلاف مراميهما من وجوده في بازار المفاوضات وعلى اختلاف شروط كل منهما للتنازل عنه والقبول ببديل يحل محله.  

ومن ناحية ثانية،  لم يكن من الممكن لأي طرف إقليمي من مناهضي النظام الأسدي أن يرفض أو يعارض مسار الحل السياسي المرسوم. لقد بدا، لوهلة، أن التنسيق بين السعودية وتركيا وقطر خصوصاً يمكن أن يفرض رؤية مشتركة في مفاوضات الحل السياسي. لكن التعديلات الأخيرة في الخيارات العاجلة الأخيرة للحكومة التركية يمكن أن تنال من طموح هذا التنسيق في فرض رؤيته أو ربما في تعديل مسار الحل السياسي كما يراد له أن يكون.

كما لم يكن من الممكن، من من ناحية ثالثة،  لأيّ طرف من أطراف المعارضة السورية أن ينأى بنفسه تحت طائلة محاربته وإلغاء دوره نهائياً. ذلك في الواقع ما تقتضيه الممارسة السياسية. لكن الممارسة السياسية لا تقتضي بالطبع ولا يجب أن تفضي إلى التنازل عما يعتبر أساس المهمة التي تصدت لها المعارضة ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات لتمثيل الشعب السوري الثائر.

من الواضح أن واحداً من أسباب إصرار روسيا على تعويم الأسد ونظامه وفرض قبوله على القوى الإقليمية والدولية أنها لم تعثر بعدُ على من تجد فيه المؤهلات الضرورية للقيام بدور البديل وفق دفتر الشروط المعد سلفاً والذي كان قد استجاب له النظام الأسدي جملة وتفصيلاً  طوال نصف قرن. أياً كان مآل هذا البحث فإنه يعني، بكل بساطة، أنه إذا كان الأسد دوراً وعائلة قد انتهى، فإن النظام الذي بناه لم ينته.

أما التقسيم، كمشروع مطروح، فهو مسألة أخرى.



** نشر في صحيفة جيرون الصادرة بتاريخ 1 أيلول 2016



jeudi 25 août 2016


الكافكاوية: مفهوماً وأداة تحليل؟

بدرالدين عرودكي

لم يكن الكاتب التشيكي فرانز كافكا مفكراً أو ناشطاً سياسياً، بل كان روائياً انكبَّ طوال سنوات عمره على حياته الشخصية وفنه. كما لم يكن مسرح رواياته يشي في ظاهره بأي اهتمام سياسي مباشر يتيح فرصة استخلاص رؤية سياسية أو اجتماعية. ولأنَّ معظم الدراسات التي كتبت عن رواياته والتي قرأناها بالعربية خصوصاً كانت تستند إلى ترجمات هذه الروايات سواء إلى الفرنسية أو الإنكليزية ومنهما إلى العربية، فإنها لم تتوصل إلى القيام بتحليل دقيق لهذه المبدعات الروائية ولا إلى فهمها كما فهمها التشيكيون، أي جمهور كافكا الأول، وكما كان طبيعياً أن تفهم على هذا النحو.

كان أوّلَ من نبّه إلى هذا الأمر روائيٌّ آخرَ قام بواحدة من أهمِّ القراءات لمبدعات كافكا الروائية (ولسواها أيضاً) ــ وهو في الوقت نفسه مواطن ولد وعاش في المدينة نفسها التي عاش فيها كافكا ــ ونعني به ميلان كونديرا، واستخلص في قراءته عناصر ما أطلق عليه الكافكاوية، باعتبارها رؤية اعتبرت فيما بعد نبؤة حين بات من الممكن قراءتها في ضوء التحولات الاجتماعية الكبرى التي اضطربت بها بدايات القرن العشرين وتجلت آثارها المادية وكان بعضها كارثياً بعد وفاة كافكا.

لاحظ كونديرا في قراءته للترجمات الفرنسية لروايات كافكا ما أدت إليه هذه الترجمات من فهم وتفسير، ووضع يده على المسافة الواسعة التي تفصل مثلاً بين فهمها في مدينة براغ وفهمها بباريس. في الأولى تنساب روايات كافكا في عروق حياة البراغيين اليومية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية معه، فكانوا يطلقون مثلاً على مقر الأمانة العامة للحزب الشيوعي: القصر، وهو عنوان إحدى روايات كافكا، أو على المسؤول الثاني في الحزب (الرفيق هندريش) اسم أحد شخوص الرواية، كْلامْ، الذي يعني بالتشيكية السراب أو الخدعة.

من الممكن تلخيص تجليات الكافكاوية في أربعة عناصر يمكن العثور عليها في الحياة اليومية العامة مثلما يمكن العثور عليها في روايات كافكا نفسه: الأول، عالم المؤسسة أولاً بوصفها آلية تخضع لقوانينها الذاتية ولا تهتم بالمصالح البشرية، وهي تتجلى في سلطة غامضة متشابكة الدهاليز، غامضة القوانين، لا يُعرف لها حاكم أو مُقرِّر؛ والثاني، الملف، وهو يشبه في عالم كافكا الروائي الفكرة الأفلاطونية. إذ يمثل الواقع الحقيقي للإنسان في حين أن وجود هذا الأخير المادي ليس إلا ظلاً، بل أقل من الظل؛ والثالث، العلاقة بين الخطيئة والعقاب. فبخلاف بطل دستويفسكي راسكولينكوف الذي لا يستطيع احتمال شعوره بالذنب فيرضى كي يستريح بالعقاب، وبالتالي فإن الخطيئة في حالته، هي من يبحث عن العقاب، يبدو المنطق لدى كافكا معكوساً بصورة كلية: يتمّ ولاً إنزال العقاب ثم يبدأ البحث عن الخطيئة، تماماً كما يفعل ك. في رواية "القضية" بعد اتهامه، باحثاً في تفاصيل حياته كي يعثر على خطيئته؛ وأخيراً، العنصر الكوميدي في روايات كافكا الذي لا يمثل لحناً مضاداً للتراجيدي كما هو الأمر لدى شكسبير، ولا يتواجد لكي يسعف الناس على تحمل التراجيدي بل يحطم الكوميدي التراجيديّ في المهد، أي رعب الكوميدي في الكافكاوية الذي لا يتيح أي سلوى للناس.

من المشاهد التي يرويها ميلان كونديرا لبعض تجليات الكافكاوية في الحياة اليومية هذا المشهد الذي حضره في بيت صديقة له كانت قد اعتقلت خلال المحاكمات الستالينية في براغ عام 1951 وأدينت بسبب جرائم لم ترتكبها. كان عليها شأن سواها من مئات الشيوعيين الذين تماهوا في الحزب قبول اتهام هذا الأخير لهم ومن ثم، وعلى غرار بطل كافكا جوزيف ك.، قبول "النظر في حياتهم الماضية حتى في أدق التفاصيل"، كيما يبحثوا عن الخطأ المستور وأن يعترفوا بجرائم وهمية. لكنها على العكس من رفاقها، رفضت بفضل شجاعتها الخارقة الخضوع لعملية "البحث عن خطيئتها". كان رفضها يعني رفض مساعدة جلاديها الذين باتت بلا فائدة بالنسبة إليهم في مشهد المحاكمة الأخير، فحكم عليها بالسجن المؤبد بدلاً من الإعدام الذي حكم به على رفاقها. لكنها خرجت بعد خمسة عشر عاماً وأعيد لها الاعتبار. حين خرجت من السجن كان ابنها قد بلغ السادسة عشر من عمره. حين زارها كونديرا، وكان ابنها قد بلغ السادسة والعشرين، وجدها تبكي وقد غمرها الضيق والانزعاج. لم يكن هناك من سبب لبكائها سوى أن ابنها استيقظ ذلك اليوم متأخراً. وحين قال لها كونديرا: لم تغضبين لهذه السخافة؟ هل هذا سبب كاف للبكاء؟ لم يتلق الجواب من الأم بل من الإبن: "لا، إن أمي لا تبالغ. إن أمي امرأة ممتازة وشجاعة. فقد قاومت حيث فشل الناس جميعاً في المقاومة. وهي تريدني أن أصير رجلاً شريفاً. حقاً، لقد استيقظتُ متأخراً جداً، لكن ما تؤاخذني عليه أمي شيء أكثر عمقاً. إنه سلوكي. سلوكي الأناني. أودّ أن أصيرَ ما تريدُ أمي أن أصيره. وإني لأعدها بذلك أمامك:"!

يعلق كونديرا: "إن ما لم ينجح الحزب في تحقيقه مع الأم، نجحت الأم بتحقيقه مع الإبن. فقد أرغمته على التماهي في هذا الاتهام السخيف، ودفعت به إلى الذهاب "للبحث عن خطئه" وإلى الاعتراف به علناً. شهدتُ مذهولاً هذا المشهد من محاكمة ستالينية صغيرة، وفهمت دفعة واحدة أن الآليات النفسية التي تتحكم بالأحداث التاريخية الكبرى (والتي تبدو خارقة ولا إنسانية) هي ذاتها التي تتحكم بالأوضاع الحميمة (العادية والمفرطة في إنسانيتها)."

مثل هذه التجليات وسواها في الحياة اليومية تسمح بطرح سؤال أساس: إلى أي حدٍّ يمكن أن تفيدنا الكافكاوية، وهي كما نرى مجموعة من عناصر جوهرية ألفت قوام مجموعة من مبدعات روائية محضة واستحالت نبؤة تتحقق في الواقع العياني ثم تتجسَّد مفهوماً يتجاوز المبدعات التي صدر عنها إلى سواها لا من الأعمال الأدبية فحسب بل إلى الواقع الإنساني عامة؟ وهل يسعنا تثبيت هذا المفهوم أداة من أجل فهم وتفسير العديد من البنى الاجتماعية والسياسية في الواقع السوري المعاصر خاصة والواقع العربي عامة فضلاً بالطبع عن المبدعات الأدبية ؟

من الواضح أن كل محاولة للإجابة عن هذا السؤال ستأخذ بعين الاعتبار واقعة علاقة التوريث القائمة بين الأحداث التاريخية التي تكاد تكون لا إنسانية من جهة والأوضاع الحميمة المفرطة في إنسانيتها من جهة أخرى، ومن ثمَّ، لا بد لها من أن تستعيد عناصر هذا المفهوم وتنظر في مدى ملاءمتها للواقع المراد مقاربته بواسطتها.

على أن الأمر لن يكون حتى مع مراعاة كل ذلك، سهلاً،  ولا مضمون النتائج أيضاً. لكن ضرورة فهم ما يحدث من حولنا تفرض خوض هذه المغامرة، لا لانعدام مناهج صالحة لمقاربة الوضع السوري، إذ العكس هو الصحيح، بل لأن هذا المفهوم بالذات يمكن أن يقدم برهاناً لا يردّ على إمكانات الأدب الروائي غير المحدودة لا في الزمان ولا في المكان في مقاربة وقراءة وفهم أوضاع واقعية وملموسة.



** نشرت في صحيفة جيرون، الخميس 25 آب 2016


jeudi 18 août 2016


الثورة السورية:

مشكلة العلاقة بين السياسي والعسكري

بدرالدين عرودكي

أحد الأسئلة التي يطرحها وضع الثورة السورية اليوم، وربما كان أهمها، السؤال المتعلق بطبيعة العلاقة القائمة بين مختلف التنظيمات السياسية التي تصدت لتمثيل الثورة، من الائتلاف إلى هيئة التنسيق وسواها وصولاً إلى الهيئة العليا للمفاوضات من ناحية، والفصائل العسكرية العاملة على الأرض في مختلف المناطق السورية ، والتي يبدو أن عددها انخفض أخيراً إلى ما يقارب المائة، من ناحية أخرى. وهو سؤال قليلاً ما طرح بوضوح في ما كتب ويكتب عموماً حول الثورة السورية في مجال تشخيص الوضع القائم. ربما كان مردّ ذلك إلى ما يمكن أن تثيره محاولة الإجابة من إشكالات يرى الكثيرون ضرورة تلافيها اليوم.

تتقاسم الوضع على الأرض اليوم: الفصائل الإسلامية على اختلاف ألوانها، وقوات سورية الديمقراطية، وقوات الجيش الحر، وميليشيات النظام الأسدي وسواها من الميليشيات الإيرانية وملحقاتها اللبنانية والعراقية والأفغانية، وكذلك بالطبع ميليشيات الدولة الإسلامية (داعش). ومن الواضح أن لا أحد من معظم الفصائل العاملة على الأرض السورية التي تقاتل الميليشيات الأسدية الإيرانية يخضع لسلطة أيٍّ من التنظيمات السياسية المدنية. كان الأمر دوماً على هذا النحو ولا زال منذ بدء ظهور الفصائل المسلحة على الأرض السورية في نهاية عام 2011. ولقد تجلى لاحقاً أن الانسجام الظاهري بين هذه الأخيرة وبين التنظيمات المدنية الذي ساد خلال فترة وجيزة في بداية الثورة لم يكن إلا مجرد توافق عابر، شجعت عليه بعض مكونات هذه التنظيمات كي تضفي على نفسها شرعية شعبية كانت بأمس الحاجة إليها، حين حمل السوريون في مظاهراتهم خلآل أشهر الثورة الأولى لافتات تقول مثلاً بتمثيل المجلس الوطني السوري لهم. ومع ذلك، وطوال سنوات الثورة، لم يكن بوسع أيٍّ من التنظيمات السياسية المدنية أن يدعي ممارسة سلطته على أيّ فصيل من الفصائل المقاتلة على الأرض. ولهذا،  حين خرجت الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية تعلن تمثيلها في آن واحد لمعظم الهيئات السياسية المدنية الرئيسة على الساحة السورية ولعدد هام من الفصائل المسلحة العاملة على الأرض، بدا الأمر على الصعيد الشعبي حدثاً لا يستهان به وخطوة إلى الأمام على طريق وحدة الكلمة والموقف في الثورة السورية إزاء النظام وحماته من الإيرانيين والروس. غير أن الهيئة ليست إلا صيغة جامعة وتمثيلية للقوى التي تؤلفها تنحصر مهمتها في التفاوض بناء على برنامج وافقت عليه مكوناتها ولا تملك أية سلطة سياسية شاملة تستمدُّ شرعيتها الثورية من القبول الشعبي بها أو من رضوخ الفصائل المقاتلة لتوجيهاتها، وهي على هذا النحو ثمرة من ثمرات الوضع السياسي والعسكري السائد في سورية سواء في طريقة ولادتها أو في طبيعة تكوينها، رغم كل الإيجابيات التي رافقت نشوءها ومواقفها ومسيرتها خلال مفاوضات جنيف الأخيرة.  

بعد نصف قرن من الاستبداد الأيديولوجي في البداية ثم الديكتاتورية العسكرية فالمافيوية، كان لابد لغياب مشروع سياسي ثوري يصوغ ويقنن مطالب الشعب السوري في الحرية وفي الكرامة ويضع أسس الحكومة التي يمكن أن تمثل السوريين على كل الأصعدة ويستجيب لطبيعة تطور التاريخ السوري في مختلف الميادين الإثنية والدينية والجغرافية، أن يؤدي إلى نتائج تتساوى في خطورتها. فقد كان هذا الغياب منفذاً إلى توطيد شرذمة تمثيل الثورة السورية بل وإلى مفاقمتها، وطريقاً إلى تكاثر غير طبيعي تجلى في عدد غير محدود من الفصائل العسكرية التي تزعم معارضة النظام أو تمثيل الثورة، ووسيلة يعتمدها النظام الأسدي لدى ممارسته اللعبة التي أتقنها على امتداد سنوات امتلاكه للسلطة: الاختراق وفبركة تنظيمات سياسية "معارضة" وضرب الأصيل بالمزيف بله العمل على تعميق الشرذمة وترسيخها، وأداة للقوى الإقليمية والدولية كي توجِّه كل منها لا مواقف التنظيمات السياسية على اختلافها فحسب، بل كذلك وعلى وجه الخصوص الفصائل العسكرية لخدمة سياساتها وأهدافها.

ولئن تنوعت الاتجاهات الأيديولوجية للتنظيمات السياسية على اختلافها بدءاً من الإخوان المسلمين مروراً بالمستقلين وأنصار المجتمع المدني أو العلمانية وانتهاء بحزب العمل الشيوعي فإن الغالبية العظمى للفصائل العسكرية المقاتلة كانت ولا تزال ذات وجهة دينية بدائية الطابع، تتفاوت في درجة فهمها أو جهلها للدين الإسلامي ولتاريخه، وتتنافس على امتلاكها حق الحاكمية باسم السماء دون سواها. عمادها في ذلك سيطرتها على الأرض بقوة السلاح الذي تفرض به أيضاً فهمَها الخاص في المناطق التي نجحت في السيطرة عليها مثلما تعلن عن نيتها فرضَهُ ما إن تقضي على النظام الأسدي. كان من الواضح أن هذا الأخير سعى، منذ الأشهر الأولى للثورة وبكل ما يملك من وسائل، إلى تهيئة كافة الشروط كي يحقق هذا الوضع: من الإعلان قبل ظهور أية فصائل مسلحة في سورية عن وجود إمارات سلفية والإلحاح على ذلك في وسائل إعلامه إلى درجة حمل بعض صحفيي الصحف الممانعة في لبنان على الحديث عن قندهار سورية، إلى الإفراج عن غلاة السلفيين الذين سبق أن أرسلهم إلى العراق لقتال الأمريكيين والاستفادة منهم عندما حانت الساعة، ساعة الثورة السورية، لتحقيق أغراضه. إذ أن متابعة تطور التعبير الإعلامي عن موقف النظام الأسدي مما يجري في سورية من اعتراض جذري على وجوده لابد أن تتوصل إلى ملاحظة أن الطريق الذي اختاره بدعم من حلفائه التاريخيين طوال الأربعين سنة السابقة على الثورة من أجل تبرير وجوده والمحافظة على ديمومته هو التموضع بوصفه نظاماً علمانياً، حداثياً، حامياً للفسيفساء السورية التاريخية في تجلياتها الثقافية والدينية والإثنية. لقد استطاع على صعيد الإعلام أن يروج لهذه الأكذوبة التي كانت كل تصرفاته في الداخل السوري تفضحها. لكنه نجح بالمقابل في ترسيخ القناعة الأخرى الخاصة بوصم الثورة ضده بالسلفية والتكفيرية والقائمة على وجود الفصائل الإسلاموية العديدة التي لم تحمل يوماً راية الثورة.

يعتقد رجال النظام الأسدي أن بوسعهم ما إن يتمكنوا من إنجاز النصر الذي استباحوا كل شيء من أجل تحقيقه القضاء على هذه الفصائل بسهولة شديدة. وبما أنهم لن يحققوا هذا النصر الذي ينشدونه ـ وليست هذه نبؤة بقدر ما هي مجرد استنتاج للواقع الميداني الحقيقي فيما وراء المزايدات الرخيصة بين من يديرون الوضع في سورية ـ  فإن سقوطهم سيعني بين ما سيعنيه بقاء هذه الفصائل إرثاً يؤكد المقولة التي روجوا ولا يزالون يروجون لها: الأسد أو نحرق البلد. وهو ما بدأت عملياً بتنفيذه روسيا بواسطة طيرانها وإيران بواسطة ميليشياتها.

هنا تتجلى خطورة هذا الوضع المأساوي الذي يتجسد في الانقطاع بين التعبير السياسي عن الثورة وبين تعبير الواقع الذي يصدر عن الفصائل التي تقاتل على الأرض لإسقاط النظام الأسدي والذي سيبقى السوريون ضحيته: أن تفرض هذه الأخيرة حيثما وجدت وكما أمكنها أن تفعل كلما أتيحت لها الفرصة خلال هذه السنوات الأخيرة قانونها السماوي كما أرادت له أن يكون: منتمياً إلى القرون الخالية دون أي حساب لملايين المتغيرات الزمانية والمكانية والبشرية، بل دون أي حساب لما يمكن أن يمليه أي عقل رشيد.

ومع ذلك،  لا يزال هناك من يطرح مثل هذا السؤال: أيهما أخطر، النظام الأٍسدي أم الفصائل العسكرية التي لم تحمل علم الثورة السورية رغم أنها تقاتل النظام وحلفائه، أي تلك التي لم تتبنَّ شعارات من خرجوا إلى الشارع يواجهون عنف النظام الأسدي في آذار 2011؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مشروعاً.  لكن صياغته تنبئ عما سعى إليه النظام الأسدي على الدوام: أن تجري المقارنة بينه وبين هذه الفصائل الإسلاموية، بين السيء والأسوأ، في الوقت الذي لم تترك فيه السنوات الخمس الأخيرة مجالاً لأيّ شك في مسؤوليته الأولى عن وجود هذه الفصائل وأن حل إشكالها يبدأ أولاً وحصراً بإسقاطه.


** نشر في صحيفة جيرون، الخميس 18 آب/أغسطس 2016




jeudi 11 août 2016


"نهد الأرض" والعودة الموعودة


بدرالدين عرودكي

ذات يوم يتلقى أحمد برقاوي، الشاعر والفيلسوف والكاتب، المولود في ضاحية الهامة قرب دمشق، هذه الرسالة: "أبلغكما رسالة لكَ وليوسف سلامة مفادها: أنتما فلسطينيان، اهتما بقضيتكما ـ فلسطين ـ ودعوا الشأن السوري، وإلا..".   

وإلا!...رسالة إنذار وتهديد لا يفتقران إلى أكثر من هذا الوضوح، نقلها أثناء ربيع دمشق، أي في بداية الألفية الراهنة، واحد من رجال الأمن في النظام الأسدي كان يحمل آنئذ صفة "رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية" بجامعة دمشق!

وعلى أنه ولد ونشأ وعاش في سورية، لم يكن أحمد برقاوي ينتظر من يُذكِّرَهُ بما كان يسري مع دمه في عروقه: أي فلسطينيته. لا لأنه كان قد سمع أكثر من مرة وبمناسبات مختلفة من فم أمثال ساعي البريد هذا الكلمة التي عنتها رسالته دون أن تلفظها صراحة: لاجئ فلسطيني، بل لأن أبويه اللذين وجدا نفسيهما فجأة لاجئيْن لم يكونا يكفان عن عيْش فلسطين منذ أن جاءا من قرية ترشيحا حيث كان يعمل الأب إلى الحمّة أولاً فالهامة تالياً على أمل العودة القريبة والموعودة: كما لو أن ابنهما أحمد كان يتلقى من ثدي أمه ومن حنان أبيه غذاءه الفلسطيني اليافاوي والعكاوي معاً، فأمه يافاوية وأبوه عكاويّ، من قرية ذنابة، التابعة إلى محافظة عكا. هكذا، لم يولد أحمد برقاوي في فلسطين بل فلسطين هي التي ولدت فيه.

لكنه سوري المولد والشعور أيضاً. وهو ما كان يفاقم الجرح الذي تسببه له هذه الصفة حين تصدر لا عن عامة السوريين الذين يعرف أنهم كانوا على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية قد هرعوا لنجدة فلسطين عام 1948 ثم فتحوا أذرعهم على الرحب والسعة لاستقبال من لجأ  إليهم من أهلها، بل عمّن يلوذ بسلطة اتخذت من قضية فلسطين تجارة رابحة للحفاظ على كرسيها ومكاسبها. يمنحه هذا الانتماء إلى أرض مولده حرية لا يملكها الآخرون، حرية تعالى بها على جراح لن يلتئم طوال نيف وستين عاماً حتى حقق في عام 2012 ما كان يريده: العودة.

سوى أنها ليست كالعودة التي كان يتطلع إليها أبواه من قبل استجابة لنداء مرابع طفولتهما وحنيناً إليها بعد أن حال بينهما الاحتلال الصهيوني وبينها. بل هي عودة من شغف حباً بأرض لم يرها لكنه كان يتوق إليها توق العاشق المُتيَّم. لا يني يستدعي نفسه في تاريخها، وفي جغرافيتها، وفي أهلها الذين ينتمي إليهم يحاورهم ويحاول بكل ما يتيحه له عنفوان الطفولة والشباب أن يدافع عنهم، وأن يطرح طفلاً في الخامسة عشر من عمره سؤالاً ساذجاً في ظاهره عميق الأبعاد في معانيه سوف يعيد طرحه عليه بالكلمات ذاتها فيلسوف روسي في العقد السادس من عمره: لماذا لا تهجمون على إسرائيل في ليلة واحدة وتنتهون منها؟ يريد رؤية البيت الذي رأى مولد أبيه فيحاول الحصول على صوره بكل وسيلة متاحة، ثم يستعين بما تتيحه له الشبكة الرقمية من إمكانات هائلة كي يعثر على صور البيت والقلعة والقرية والمدينة وكل المرابع التي ارتادها أو عرفها أبواه من قبل. وها هي الفرصة التي كان ينتظر معجزتها تلوح له من حيث لا يحتسب ممكنة وهو يعيش بالقاهرة أيام ثورات الكرامة التي انطلقت من تونس قبل نيف وخمس سنوات..كي يولد ثانية.

كان لابد له مع ذلك من أن يعيش غِبطة الممكن وهلع المستحيل بينما يحاول الحصول على التصريحات الضرورية للسفر إلى وطنه، إلى مسقط رأسه الحقيقي، إلى الأرض التي شغفته حباً، إلى الأرض التي سوف تنزع عنه صفة اللاجئ حين يضع رأسه على صدرها. ألم يرفض أن يوضَعَ البيتُ الذي سكنه أباه مثل غيره من البيوت التاريخية تحت تصرف أية مؤسسة تراثية فلسطينية تريد استخدامه لأنه عائد كي يعيش فيه؟ تلك هي العودة المأمولة والموعودة إلى ما أطلق عليه أحمد برقاوي "الرحم الحميم".

رحلة وجودية بامتياز، وعودة تتحقق في شهر مولده، أي في شهر نيسان، أيضاً، كما لو أنه على موعد مع قدر بات حليفه الشخصي إذ يغمره سعادة لقاء شغفه واستجابة إلى حبّه.

ها هو على درب الفرح والآلام في آن واحد ينطلق مع جمهور غفير ممن كانوا رفاق الرحلة من الفلسطينيين من دمشق باتجاه الأردن، ثم باتجاه فلسطين. كان عليه أن يعاني ما يعانيه كل فلسطيني منذ النكبة على أية حدود عربية أو أجنبية يريد عبورها من مصاعب الرقابة والتفتيش واحتمال رفض دخول البلد الذي يقصده. لكن الأسوأ كان عبور الحدود إلى موطنه المغتصب، إلى أرضه المستباحة. هكذا احتاج الطريق الذي كان يمكن اجتيازه في خمس ساعات إلى أربع وعشرين ساعة بسبب الوقوف عند أربع نقاط حدودية إحداها عدوة والأخرى لم تكن بالضرورة  صديقة كلها!

أمرٌ أساسٌ في هذه الرحلة لا يمكن أن يُنسى ولو إلى حين مادام العدو هو من يُصرِّحُ لك بزيارة وطنك. يسأل أحمد: وماذا لو بقينا هنا ولم نعد من حيث أتينا؟ ويأتيه الجواب: يتم ترحيلك ما إن يكتشف أمرك. هوذا موجز المأساة.

تطأ قدماه رام الله للمرة الأولى. ها هو في فلسطين. وها هي "جمالية الانتظار" التي يتوارثها الفلسطينيون تتلاشى في نفسه فيما يغيب "عنف اللامكان" كلياً. هنا المكان بامتياز. سينطلق من رام الله إلى ذنابة، حيث "نهد الأرض" الذي يسعى إليه. وسوف تعانق نظراته على الطريق الوديان والجبال والسهول والينابيع في ربيع فلسطين المزهر التي وإن كان يراها هي الأخرى للمرة الأولى لكنها تذكره بتلال أنطاكية وينابيعها. الوطن واحد، رغم كل شيء!

وهنا، في المكان، لاحاجة به إلى من يدله إلى بيته. يراه عن كثب فيسعى إليه دامع العينين وقد غمره الفرح والحزن والتوتر. يقول ما يتفجر في عروقه: أنا هنا. أنا الفلسطيني في فلسطين. لستُ لاجئاً هنا،  لا، ولا طارئاً.

وتتألق فلسطين في روح أحمد برقاوي وفي عقله برموزها وبأحداثها وبوجوه نسائها ورجالها شباباً وكهولاً وشيوخاً كلما رأى وجهاً من وجوه مواطنيه، وكلما عانقت عيناه منظراً وهو في طريقه إلى بيته الأول.  يتنقل بين القرى التي عاش فيها أجداده، ثم يسعى إلى الوقوف عند ضريحيْن يضمان أيقونتي فلسطين: البطل التراجيدي ياسر عرفات والشاعر محمود درويش. كلاهما جعلا فلسطين على كل شفة ولسان وفي العالم أجمع.

"نهد الأرض" حكاية رحلة إلى الجذور من أجل تسجيل الولادة في مكانها الطبيعي واستعادة بيت بدا وكأنه ينتظر صاحبه منذ زمن بعيد كي يضمه في حناياه..



** نشر في موقع جيرون، الخميس 11 آب/أغسطس 2016



jeudi 4 août 2016





الثورة السورية

ثمن الشرذمة وغياب المشروع


بدرالدين عرودكي
لم يتوقف الحديث منذ بداية الثورة السورية وحتى اليوم عن ضرورة وحدة تجمع الثوار قولاً وفعلاً من حول مشروع يستهدف أولاً وقبل كل شيء إسقاط النظام الأسدي ثم بناء سورية الجديدة التي تقوم على قواعد جامعة يتوافق عليها السوريون جميعاً.
وكان السؤال/العذاب الذي يفرض نفسه على كل من ينعم النظر في المشهد السوري المستمر منذ نيف وخمسة أعوام: كيف أمكن أن تتردد أصداء هتافات المتظاهرين المُطالبة بالحرية وبالكرامة وبإسقاط نظام الاستبداد بين درعا وحمص وحماه وحلب ودير الزور في تناغم يعبر عن تكافل وتضامن حقيقي فيما بينها، ولم تستطع إثر ذلك، وقبل أن تستحوذ أية قوة إقليمية أو دولية على موقع قدم لها في سورية، أية هيئة أو جماعة سياسية تصدت لتمثيل الثورة التي أطلقها هؤلاء المتظاهرون أن تحصد ثمار هذا الإجماع في كيان واحد شامل يمكن له أن يواجه داخلياً وخارجياً نظاماً استثنائيَّ القوة والخبث الشيطانيين اللذين طبعا ممارساته في مواجهة هذه الثورة الشعبية ؟
لم يكن الأمر سهلاً دون أي شك. فقد استطاع النظام الأسدي أن ينسج خلال ما يقارب نصف قرن مجموعة معقدة من العلاقات على الصعيد المحليّ والإقليمي والدولي برهن عبرَها وبها عن إمكانات بلا حدود في خدمة مآرب أية سياسة خارجية يمكن لها في النهاية أن تضمن له الاستمرار في استملاك سورية أرضاً وشعباً؛ وهي خدمة لم تكن تراعي أثناء تأديتها أية قيمة وطنية أو أخلاقية أو سياسية أو نضالية أو تاريخية. وبما أنه طوال فترة حكمه قَصَرَ ممارسة السياسة على شخص الرئيس دون أن يترك هذا الأخير أي هامش مناورة فيها لفرد أو لجماعة ولو كانت تحت إمرته، مُفَرِّغاً بذلك المجتمع السوري كله من السياسة، فقد كان على من يريد مواجهته، بعد أن تمَّ تحطيم جدار الخوف واحتكار السياسة معاً، أن يمتلك قدراً كافياً من الثقافة السياسية والتاريخية ومن الحنكة والخبرة في مجال الحلبة السياسية يستطيع به سواء في ميدان الممارسة على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي أو على صعيد الإعلام لا أن يقف ندّاً لهذا الخصم فحسب، بل أن يتفوق عليه بما يتيح له أن يفرض نفسه بديلاً مُقنِعاً وحاسماً ويفضح في الوقت نفسه كذبَ وخداعَ خصمِه فضلاً عن هشاشة كل ما يقدمه هذا الأخير من حجج واهية.
لم يكن الأمر سهلاً مرة أخرى لاسيما وأن النظام قد أضاف إلى قائمة جرائمه اللامتناهية، فضلاً عن تلك المتعلقة بتفريغ المجتمع السوري من السياسة، جريمة لا تقل خطراً تجلت طوال نيف وأربعين عاماً في تهميش المشكلات الأساس فيه ولا سيما تلك الخاصة بمكونات المجتمع السوري التاريخية، الإثنية منها والدينية، أو تقديمها في حلل مزركشة تخفي وقائعها وجذورها ومآلاتها أو طمس كل مظهر من مظاهرها بالقوة أو بالقمع أو بكليهما معاً. وكان لابد لذلك كله ولسواه أن يخرج إلى السطح في آن واحد ما إن كسر أطفال درعا جدار الصمت والخوف.
من المؤكد أنه ما كان لأحد من كل الذين تصدّوا لتمثيل الثورة دون أن يخونها أن يكون قادراً على منافسة النظام الأسدي فيما قدمه من خدمات لرعاته شرقاً وغرباً، إقليميين ودوليين. ولم يكن مطلوباً منه على أي حال مثل ذلك. لكن المطلوب كان فضلاً عن القدرة على التمثيل والجدارة به أن يحمل مشروعاً حقيقياً يحظى بقبول وبإجماع الثوار في مدن سورية وأريافها كي يدعم به القدرة والجدارة ويعززهما لا في وجه الخصم، أي النظام الأسدي تحديداً، فحسب بل كذلك في وجه القوى الإقليمية والدولية الراعية أو المتواطئة معه.
فما الذي حال دون ذلك كله؟
بدأت محاولات التصدي لتمثيل الشارع السوري الثائر منذ البداية عديدة لا رابط بينها سوى ادعاء كل منها امتلاكها الكلمة الفصل لا يدعمها في ما تدّعيه سوى محض زعمها أو ما انطوى عليه تاريخها من نضال أو قمع أو سجن أو نفي طوال سنوات بلا حساب. وطبقاً لما يشهد عليه المسار التاريخي لكل منها، لم يكن التكافل أو التحالف من مفردات ممارساتها إلا إذا كانت تمسك بالدفة وعلى ضيق منها؛ كما لم يكن بوسع أيديولوجياتها قبول التعايش فيما بينها بما أن كل واحدة منها تقوم مبدئياً على إقصاء ما عداها.
وبدلاً من الانصراف معاً إلى صياغة تطلعات من خرجوا يطالبون بالحرية وبالكرامة وبإسقاط النظام في مشروع طموح من أجل سورية البديلة، والاتفاق على خطط العمل والأولويات، وطرق مواجهة أعتى وأخبث نظام استبدادي عرفته المنطقة العربية، انهمكت الهيئات والكيانات على اختلاف ألوانها ومشاربها في التناحر على المناصب (وكان أشدها مدعاة للسخرية على سبيل المثال لا الحصر تحديد مدة رئاسة المجلس الوطني بثلاثة أشهر!)، وعلى التمثيل، بل وحتى على الأولويات.
وبقدر ما كانت وحدة النظام الأسدي وتماسكه قوية في اختياره المواجهة وتقريره اعتماد الحل الأمني بقدر ما كانت الشرذمة في المقابل تسم الكيانات التي تصدت لتمثيل الثورة في خياراتها وفي قراراتها. ذلك ما أتاح للنظام بسهولة اختراق هذه الهيئات والجماعات بصورة أو بأخرى من أجل العمل على تعميق شرذمتها، مثلما سهَّلَ كذلك وفي الوقت نفسه على القوى الإقليمية والدولية فرْضَ نفسها بالتدريج راعية أو حامية، مُمَوِّلَة وموجِّهَة. فاقم من هذه الشرذمة سذاجة موصوفة في سلوك وأفعال هذه الكيانات التي، وقد كان معظم مسؤوليها يتوقعون انهيار النظام الأسدي بين ليلة وأخرى، تصرفت على هذا الأساس، فلم تتمكن من مواجهة المشكلات العاتية التي واجهت الثورة، وأهمها على الإطلاق مسألة المواجهة المسلحة وتبعاتها.
وضحَ ذلك كله للملأ منذ السنة الأولى للثورة. وكان تعاقب الكيانات التي تصدت لتمثيلها في الخارج، وتعدّد الجماعات المقاتلة في الداخل التي لم تكن تقتصر على السوريين وحدهم  يفاقم من وضع التشرذم هذا ويتيح للنظام الأسدي ممارسة خدعته التي اعتمدها منذ البداية في اتهام الثورة بوصفها مؤامرة سلفية ضد نظام علماني!
كان غياب مشروع واضح لسورية البديلة والجديدة في أساس الافتقار إلى خطاب واضح ومتماسك إزاء المشكلات التي كان الوضع السوري يطرحها على الجميع. خطاب كان هو الآخر بحاجة أساساً إلى قاعدة تنظيمية متماسكة تجعل منه قانون سلوكها وعملها معاً.   
ولا تزال الحاجة إلى هذا المشروع ملحّة أكثر من أي وقت مضى. وهو برسم كل من يطمح إلى الإسهام في تحديد معالم بناء سورية الجديدة على أنقاض ما فعله بها النظام الأسدي.




** نشر هذا المقال عل موقع صحيفة جيرون، مقالات الرأي، الخميس 4 آب 2016.