samedi 15 février 2014

معكم حول الحدث | دور الإذاعة في بلورة الوعي القومي العربي



دور الإذاعة في بلورة الوعي القومي العربي
ندوة أدارتها: رامتان عوايطية
بمشاركة: فيصل جلول ـ رامي الخليفة العلي
  بدرالدين عرودكي
بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة
13 شباط/فبراير 2014

 
 
 

 

mercredi 12 février 2014


 ربيع سورية الذبيح*
 

بدرالدين عرودكي






قبل ان يُعتقل أطفال درعا الذين تجرّأوا وكتبوا على جدران مدرستهم ما سيعتبر أول ضربة معول في جدار الخوف السوري كانت سورية سؤالاً: هل ستثور؟ ومتى ستثور؟ وعندما خرج عشرات ألوف السوريين ثم مئات ألوفهم في شوارع معظم المدن السورية تطالب بالحرية وبالكرامة محطمة جدران الخوف كلها مستقبلة بصدورها رصاص النظام صار السؤال أشدَّ دهاء: وهل هي ثورة أم مجرد حراك محدود يعبر عن وضع اجتماعي حرج؟ وعندما رفع السوريون من جديد مطالبهم للتوضيح: الحرية والكرامة، لا الخبز. صار السؤال أكثر خبثاً: مَنْ وراء هذا الحراك؟ المندسون؟ السلفيون؟ القاعدة؟ العراعرة؟ أموال السعودية وقطر؟ ثم انتهى السؤال إلى جواب يردد إعلام النظام السوري وحلفاؤه صيغة منه: مؤامرة كونية، في حين يردد عقلاء التحليلات الاستراتيجية من اليسار العربي والأوربي خصوصاً: حرب أهلية!
مئات المقالات والدراسات والتحليلات كتبت خلال السنوات الثلاث الماضية ولا تزال تكتب. وعشرات الكتب أيضاً. قليل منها ما عكس فهماً دقيقاً أو بصيراً للبلد وخصوصاً لنظامه الذي استملك سورية منذ نيف وأربعة عقود استملاكاً عائلياً محضاً، جاعلاً منها إقطاعية خاصة به.
هذا الكتاب الجديد الذي يشارك فيه أكثر من ثلاثين باحثاً وكاتباً في مختلف فروع العلوم الاجتماعية  ممن عملوا مع أو بالقرب من المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى، فرنسيين أو سوريين، يحاول من خلال قسمين، أولاهما عن صناعة الحرب الأهلية ويقع في ستة عشر فصلاً والثاني عن الأزمة المُصدَّرة ويقع في عشرة فصول، أن يقدم مفاتيح لما يبدو في فرنسا وفي أوربا عسيراً على الفهم إن حسنت النوايا. "لا ربيع لسورية" كتاب خطط له وأشرف عليه فرانسوا بورغا، مدير أبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي الذي كان إلى نيسان/أبريل 2013 يدير معهد الدراسات العربية في الشرق الأدنى من دمشق ثم من بيروت، وبرونو باولي، اللغوي ومدير الدائرة العلمية "الدراسات العربية القروسطية والحديثة" في المعهد الفرنسي المشار إليه أيضاً.
وهي مفاتيح ضروريٌّ تقديمها للقارئ الفرنسي خصوصاً وللأوربي عموماً قبل أية مقاربة لواقع الحراك الثوري في سورية ومآلاته خلال ما يقارب اليوم ثلاث سنوات، ومن أهمها: خصوصية الوضع الداخلي السوري أولاً ثم الإقليمي والدولي بعد ذلك. ومن دون التقليل من أهمية "العدوى" بين ضروب الحراك الثوري في تونس وفي مصر وفي ليبيا، لابد من التأكيد على الأسباب الداخلية للثورة السورية التي لا صلة لها بالميليشيا الجهادية الممولة من قبل قطر أو السعودية أو من كليهما معاً كما صار طبيعياً اعتبار هذه الأخيرة  الوجه والأساس في ما يحدث في سورية بأقلام أو على ألسنة صحافة وإعلام يسعى نحو الإثارة أكثر مما يعمل على بث المعلومات.
سؤال الكتاب الأساس: كيف حدث أنَّ ستة أشهر من المظاهرات السلمية في طول البلاد وعرضها ثم ما يقرب من ثلاثين شهراً من نضال مسلح نادر الضراوة لم تؤدِّ إلى النتيجة نفسها التي أدت إليها الاحتجاجات السلمية التي قام بها ثوار تونس أو مصر أو ليبيا؟ وكيف استطاع النظام الثبات والبقاء؟
منذ البداية عمل النظام في الداخل على الترويج لأطروحة عقابٍ يطاله عبر وبواسطة الجهاديين الأصوليين وينزله به الغربُ الإمبريالي لتحالفه مع إيران وحزب الله من أجل مقاومة النظام الإقليمي الإسرائيلي الأمريكي. كما لو أن المطلب الديمقراطي الذي نزل الشعب إلى الشارع من أجله يتعارض مع  النضال ضد الإمبريالية وأن برلماناً منتخباً بحرية سوف يسارع إلى بيع المصالح الوطنية والقومية إلى العدو الصهيوني وإلى رعاته من الغربيين! وجدت تلك الأطروحة قبولاً لدى رجال االنظام على مختلف مستوياتهم ولاسيما من كانوا بانتماءاتهم الجغرافية أو الطائفية يؤلفون الأكثرية الساحقة في الدوائر الأمنية أو في مراكز القيادات المختلفة في الجيش أو في مختلف المؤسّسات الأخرى.
ومن هنا كان الردُّ المباشر يتجلى في الحلّ الأمني.
من العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام في الرد على ثورة الشعب السوري والذي كان رده مضاعفاً على كلِّ فعل يقوم به الثوار: الرد بالرصاص على المظاهرة السلمية، وبالدبابات على حاملي الكلاشينكوف وبالمدفعية الثقيلة والطيران الحربي على حاملي قاذفات القنابل... إلى الأدوات التي لجأ إليها في حربه من أجل البقاء والإبقاء على مكتسباته والتي كانت أكثر من أن تُحْصى، ولم تكن تقتصر على العنف أو على الانقسام الواضح والعميق في محيطه الإقليمي والدولي..لم يكن همُّ النظام الأول والأساس إلا الدفاع عن بقائه.
أربعون عاماً من تفريغ الداخل كلياً من السياسة ومن السياسيين من ناحية، ومن ممارسة سياسة الترهيب والتخويف والقمع والبلطجة على الأصعدة جميعاً: الداخلي والإقليمي والدولي من ناحية أخرى.
تأتي فصول الكتاب كلها لتتناول بالعرض وبالتحليل وكذلك من خلال الشهادات الحيّة لبعض من عاشوا أو عاينوا أو عانوا هذا الجانب أو ذاك من جوانب هذه السياسة الفريدة والنادرة في عالمنا اليوم كي تحاول الإجابة عن هذه الأسئلة أو ما تضمنه عنوان الكتاب الفرعي: مفاتيح من أجل فهم صانعي الأزمة وتحدياتها بين 2011 و2013. والركيزة في القسم الأول: كيفية صناعة الحرب الأهلية.
القاعدة الأساس في هذه السياسة قاعدة استعمارية قديمة أعيدت صياغتها. فبدلاً من فرِّق تسُد، فرِّق تبقى! وصيغ أخرى أيضاً: حافِظْ على الشكل وافعل ماشئت بالمضمون!. مظهر دولة ديمقراطية لا غبار عليها من حيث وجود المؤسسات وفصل السلطات ووجود الأحزاب.. إلخ.؛ لكنها دولة علمانية ظاهراً من ناحية وممارسات طائفية تتستر وراءها من ناحية أخرى.
يشير فلاديمير غلاسمان في الفصل المخصص لمصادر النظام الأمنية إلى أن أحداث حماه عام 1982 هي التي أدت إلى انقلاب واضح في وظيفة البنى الأساسية في النظام. فبعد أن كان حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، صارت الدوائر الأمنية بفروعها الأساسية تقوم بهذه الوظيفة على نحو لم تعرفه من قبل إلا الدول ذات النظام الشمولي، بل ربما تجاوزته؛ إذ بلغ عدد موظفيها الدائمين حوالي 65000 ومئات الألوف من العاملين جزئياً بحيث يمكن القول إن هناك موظفاً لكل 257 مواطناً بصورة عامة أو موظفاً لكل 153 من المواطنين الذين تجاوزت أعمارهم خمسة عشر عاماً! وقد تجلى تهميش دور الحزب في غياب انعقاد أي مؤتمر له بين عامي 1985 و2000 . وفي هذه السنة الأخيرة دعي للاجتماع فقط ليقترح وليصادق على تسمية وريث مؤسس هذا النظام أميناً عاماً قطرياً للحزب!
طالت اختصاصات الفروع الأمنية، العامة، والعسكرية، والجوية، والسياسية، مجالات حياة الناس كافة وبلا استثناء بما في ذلك تغيير محل الإقامة أو اعتناق الدين الإسلامي لتصير هذه الرقابة اليومية الشاملة مصدر ثراء رجال الأمن على اختلاف مستوياتهم. لم تكن العلاقات بين فروع الأمن هذه علاقة تعاون أفقية بل علاقة تنافس لا يحكم بينها سوى ارتباطها كلها بشخص الرئيس، لكن دائرة سلطة أو نفوذ رؤسائها تتسع أو تضيق طرداً مع علاقة قرابة هذا أو ذاك بعائلة الرئيس. وإذا شمل ميدان تدخلها أبسط أمور المواطن اليومية فمن باب أولى أن يضم كذلك مستويات أهم وأخطر كالتعيينات في مناصب الدولة المختلفة في الداخل وفي الخارج أو تقرير الأسماء التي تضمها قوائم المرشحين لعضوية مجلس الشعب أو أية هيئة أخرى من هيئات المجتمع المدني الصورية.
ومع تحديد مهمات الدوائر الأمنية اعتباراً من عام 1982، تمت إعادة تركيز مهمة الجيش على الدور الذي يفترض بالحرس الجمهوري القيام به. صارت المهمة لا الدفاع عن الأراضي بل عن النظام وحده. ذلك ما سيتجلى اعتباراً من خريف 2011، عندما عهد إلى الجيش بالعمل جنباً إلى جنب مع الدوائر الأمنية على اختلافها، على قمع الثورة بالوسائل كلها وبلا استثناء.
ما كان لذلك كله أن يظهر للعيان لولا الثورة. وما كان كذلك لكل ما حاول النظام قمعه والقضاء عليه من محاولات حثيثة لبناء أسس مجتمع مدني ونضال سلمي أن يترعرع في ظله وأن يظهر على الملأ لولا الثورة. أكبر مثلٍ على ذلك جماعة شباب داريا الذين يفرد لهم الكتاب فصلاً كاملاً كتبته كارولين دوناتي. كان الشاب غياث مطر (وقد قضى شهيداً في سجون النظام إبان بدايات الحراك السلمي في سورية)، قد تعلم الاستنفار السلمي في بيئتهم، وهي بيئة استوحت في مقاومتها للنظام منهجاً ضمن إطار تفكير ديني منفتح  اعتباراً من نهاية سنوات 1990 قام على إعادة قراءة المسلمات الدينية  في ضوء التجديد من ناحية والنقد من ناحية أخرى. كان ذلك يتم في مسجد أنس بن مالك بداريا تحت إشراف إمامه عبد الكريم السقا، وبوحي من معلمه القديم جودت سعيد، رسول اللاعنف والنقد الذاتي، الذي كانت تعاليمه تسود جلسات الشباب في المسجد طوال سنين..
لن يفوت النظام وقد اختار الحلَّ الأمني أن يبدأ على وجه الدقة بهؤلاء وأن يعمل للقضاء على أصواتهم بشتى السبل؛ ولم يكن من قبيل الصدفة أن أوائل الشهداء الذين قتلوا في السجون لم يكونوا قد حملوا سلاحاً أو نادوا إلى حمله.
وفي ظل هذا الحلِّ الأمني سوف يوجه النظام سياسته بالطبع ضمن طريقيْن يعتمدان استراتيجية متماسكة في المجاليْن الإعلامي والميداني.
سوف يستفيد في المجال الإعلامي ولا سيما عبر أدواته الإلكترونية من تجربة الحكومة الإيرانية التي سبق لها وأن قمعت ثورة مماثلة. بل وسوف تزوده هذه الأخيرة بالمعدات الضرورية للعمل في هذا المجال. سيكون للنظام جيشه الإلكتروني، وصفحاته عبر مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، وستكون كلمات السر هي أول ما يبحث عنه كلما اعتقل النشطاء وصادر معداتهم؛ وسوف يتابع سياسته القديمة الراسخة بعدم استقبال الصحفيين العرب والأجانب إلا من المرضيِّ عنهم وعن صحفهم. وحين يقبل بمجيء هذا الصحفي أو ذاك فلكي ينقل رسالة أو ليستخدم وجودهم من أجل بث رسالة ما..لم يكن بوسع أيِّ صحفي، عربي أو أجنبي، أن يدخل سورية دون أن يرافقه طوال فترة إقامته موظف ذو صفة أمنية يشرف على ذهابه ورواحه ويقدم تقريراً بكل ذلك إلى مرؤوسيه كل يوم.
سوف يستثمر الثوار بدورهم هذا المجال على أوسع نطاق ممكن. فهواتفهم أو آلات تصويرهم الرقمية ترافقهم في كل مظاهرة. هكذا ولد صحفيو الثورة يرتجلون ممارسة المهنة ميدانياً. من الصور الثابتة توضع على صفحات التواصل الاجتماعي إلى الفيديوهات التي سرعان ما تنقل إلى اليوتوب وإلى الفضائيات العربية على اختلافها. هكذا استحال الفيديو "أداة العمل الجماعي والنضال المسلح" في آن كما تقول سيسيل بويكس في الفصل الذي كتبته تحت هذا العنوان على وجه الدقة.  لكن النظام لن يعدم فرصة يستخدم فيها هذه الأداة ليبث الشك في نفوس مستمعي قنواته الرسمية، كالفيديو الذي بثته قناة الدنيا إثر مجزرة قام بها النظام وألقى بمسؤوليتها على "الجماعات المسلحة" بداريا، كانت إحدى مذيعاتها وهي في كامل أناقتها تستجوب امرأة تلفظ أنفاسها الأخيرة كي تحدثها عن المعتدين قبل محاولة إسعافها.
أما ميدانياً فقد كان سلوك النظام من خلال استخدامه العنف غير المحدود يتطلع إلى قمع الثورة بأسرع وقت ممكن: قتل الناشطين من الشباب الثوار ولا سيما المشرفين منهم على التنسيقيات أو من الناشطين الإعلاميين سواء بعد الاعتقال أو بواسطة القنص أثناء المظاهرات؛ والحيلولة دون أن يتمكن الثوار من تنظيم أنفسهم وذلك عن طريق تقسيم السوريين وبعثرتهم على نحو يستحيل معه عليهم التواصل في ما بينهم.
لن يفوت المشرفان على الكتاب، فرنسوا بورغا وبرونو باولي، أن يكرِّسا فصلين في الكتاب يبينان من خلالهما المعنى الأعمق لما حدث ويحدث في سورية، في ما وراء التوصيف المفضل الذي يعطى له في فصول مختلفة من الكتاب: أزمة، مأساة، حرب عنيفة.. إلخ. أولهما فصل كتباه مع جمال شحيد ومانويل سارتوري، يستعيد الشعارات والصيغ التي رفعها المتظاهرون أو هتفوا بها  في أرجاء سورية كلها و يسجل منها نيفاً ومائة تندرج جميعها في ما يمكن اعتباره توصيفاً كاملاً للثورة في سورية بما انطوت عليه من قوة سياسية تقول مبادئ الثورة ومعانيها وأهدافها، بدءاً من الشعار الذي تبناه الثوار في مختلف البلدان العربية "الشعب يريد إسقاط النظام"، وليس انتهاءاً بشعار "الأموات يريدون إسقاط النظام!". وحسناً فعل مؤلفو الفصل إذ صنفوا مختارات من هذه الشعارات تحت عناوين شديدة الدلالة: سوريون قبل كل شيء (واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد؛ ضد التقسيم والتطييف (نحنا بدنا حرية، إسلام ومسيحية/ أو: دروز وعلوية)؛ تضمن المدن الثائرة (من القامشلي لحوران، الشعب السوري ما بينهان)؛ السلميّة (سلميّة، سلميّة)؛ الجيش معنا (يا جيش يا حبيب/ خلي سلاحك لتل أبيب)؛ أو للهجوم على الجولان المحتل (أسد في لبنان وأرنب في الجولان)؛ الحرية (الله، سورية، حرية وبس)؛ العدالة (شب وشبة، أنا مع القانون)؛ ضد الطغيان (ما بيتآمر عالبلاد إلا حكم الاستبداد)؛ ضد الكذبة واللصوص |(فاشل، فاشل، فاشل/ الإعلام السوري فاشل، أو ثار الشعب السوري ثار/ عالحرامي والجزار)؛ إسقاط النظام (ما منحبك، ما منحبك/ حلّ عنا إنت وحزبك)؛ الله وحده (لن نركع إلا لله)؛ الموت شهداء من أجل سورية (يا سورية ويا أمي/والله بفديكي بدمّي)؛ السخرية الفكاهة والسخرية (نطالب بزيادة أعداد الدبابات بكفر نبل للتخفيف عن حمص المنكوبة)...
هذه الشعارات غيضٌ من فيضٍ لم يتح للجمهور الغربي الاطلاع عليها ولا معرفة المعاني العميقة التي تنطوي عليها ثورة الشعب السوري والتي تقف على النقيض مما أراد النظام السوري تسويقه في الغرب على أنها مجرد مؤامرة يقوم بها تكفيريون أو إرهابيون بأوامر غربية وبتمويل خليجي!
أما ثاني الفصليْن فقد كتبه سيمون دوبوا مشيرا منذ البداية إلى أن "المحتجين السوريين برهنوا منذ المظاهرات الأولى على قدرة إبداعية  ممتازة في مجال أدوات النضال" ولاسيما الأغنية. مشيراً إلى وجود أكثر من مائتي أغنية بين نهاية نيسان/أبريل2011  ومنتصف آذار 2012، تندرج ضمن التقاليد الفنية السورية الكلاسيكية بعد أن استعيدت بفعل الثورة ولبست معانيها بصورة أو بأخرى، ومنها بالطبع أغاني إبراهيم القاشوش الذي دخل حَرَمَ شهداء الثورة وصار اسمه رمز النضال السلمي، وكذلك أغاني عبد الباسط ساروت، حارس مرمى فريق الكرامه بحمص، والتي رافقت المتظاهرين مثلما رافقت أؤلئك الذين حملوا السلاح لحمايتهم.
لن يخلو القسم الأول من الكتاب الذي كرس كما قلنا لعرض الكيفية التي تتم بها صناعة الحرب الأهلية في ستة عشر فصلاً من واحد منها يكرس للموضوع الاقتصادي. أراد النظام في الأسابيع الأولى من الحراك الثوري أن يعتبر الأمر مجرد مطالب اقتصادية يمكن حلها بسرعة معترفاً بشرعيتها. لكنَّ أياً من الشعارات التي رفعها المتظاهرون لم تكن تنطوي على مطالب أخرى غير الحرية والكرامة ولم تحد عنها طوال ثلاث سنوات من الثورة. لا يعني ذلك أن الأسباب الاقتصادية أو بالأحرى البيئة الاقتصادية لا يمكن الاعتماد عليها في تفسير انطلاق الثورة من ضواحي المدن أساساً. يلاحظ سمير عيطة في الفصل المخصص للمتغيرات وللرهانات الاقتصادية للانتفاضة أنه "كان على انطلاق "الثورة" من مدينة درعا وضواحيها (..,) أن يسم العقول، مثلما كان على الدخول السريع للعديد من ضواحي المدن في الحراك الثوري أن يدلَّ المحللين على ضروب فشل أو نسيان السياسة التي سار عليها بشار الأسد تجاه هذه الفضاءات."  وعلى أن هذه الملاحظة قد جاءت على لسان العديد من المحللين والمراقبين من قبل ولا سيما في الداخل السوري، إلا أن ثمة شبه إجماع على أن الأسباب الاقتصادية على أهميتها لا تزن كثيراً أمام الأسباب الأعمق التي حملت شعباً بأكمله على أن يثور بعد أربعين عاماً من حكم استبدادي واستعبادي غير مسبوق.
الأزمة المُصَدَّرَة" عنوان القسم الثاني من الكتاب. لقد أدى تطور الأحداث في سورية خلال ثلاث سنوات إلى أن تحمل أسماء تتباين بتباين الموقع الذي ينظر منه إليها. فهي لا تزال ثورة شعب ضد نظام مستبد في نظر معظم السوريين، وهي أزمة في لغة الدبلوماسيين على اختلافهم مثلما هي حرب أهلية في نظر بعض الصحفيين أو صراع في عيون البحاثة والدارسين. سيعالج هذا القسم آثار الحدث السوري في البلدان المجاورة التي باتت شأنها شأن القوى الكبرى فاعلة بهذا القدر أو ذاك في سورية. لبنان وما يعانيه من انقسام بين مؤيد للنظام السوري بلا حدود وخصوصاً حزب الله الذي انخرط مادياً في مواجهة الثوار السوريين، ونصيرٍ للثورة السورية يتواجد لدى العديد من الأطياف اللبنانية ويزيد من صعوبة الأزمة الحكومية في لبنان فضلاً عن الأزمة الاقتصادية والأمنية فيه؛ وفلسطين التي تتمزق بين الضفة الغربية وغزة، وبين الشعب وقادته؛ والعراق وانقسامه كذلك بين شيعة مؤيدة للنظام وسنة تقف ضده، والأردن الذي يحاول الموازنة حسب موقعه بين متطلبات البقاء ومتطلبات الضغوط المحلية والإقليمية والدولية. أما إيران فقد صارت جزءاً لا يتجزأ من الأزمة السورية؛ إذ بعد أن تضامنت مع الثورات العربية في تونس وفي مصر وفي اليمن سرعان ما قلبت ظهر المجن عند انطلاق الثورة في سورية معلنة بلا لبس أو غموض تضامنها مع النظام السوري وعاملة على تعزيز قدراته الاقتصادية والعسكرية والتعبوية من أجل قمع الثورة بشتى الوسائل. أما تركيا التي فوجئت بأوائل تطورات الثورات العربية في تونس ومصر خصوصاً ثم تبنت موضوعياً خيارات حليفها الأمريكي تجاه هذين البلدين، والتي تعثرت مواقفها في البداية من الثورة في ليبيا بسبب العلاقات الحميمة التي كانت قائمة مع نظام القذافي ثم انضمت بصعوبة شديدة إلى التدخل الغربي، فقد كانت سورية بالنسبة لها همّأً  متعدد الأبعاد: الحدود، والأكراد، وعلويي أنطاكية خصوصاً، ولا سيما بعد أن اضطرت الحكومة التركية إلى الابتعاد بحسم عن النظام السوري وإدانته بشدة، داعمة أطياف المعارضة بشتى الوسائل،  ومستمرة في استقبال أعدادٍ متزايدةٍ من المهاجرين السوريين الذين خصصت لرعايتهم ميزانية سنوية قدرت عام 2013 بمائتي مليون يورو.  يبقى أن استمرار الوضع في سورية على ما هو عليه اليوم وخلافاً للتوقعات الأولى يؤلف كابوساً مخيفاً بالنسبة لحكومة حزب العدالة والتنمية التركي  لاسيما وأنه سيواجه استحقاقات انتخابية عام 2014.
                                          **      **        ** 
لا تتجلى أهمية هذا الكتاب الذي استعرضنا هنا بعض فصوله الهامة في كمّ المعلومات أو في الشهادات وعمق التحليلات التي تناولت مختلف جوانب الحدث السوري على امتداد سنتين ونصف السنة،  ولا في كونه أول وأشمل كتاب من نوعه ظهر منذ أن تتالت الكتب حول الربيع العربي والحراك الثوري في دوله فحسب، بل كذلك في كونه يجمع حصيلة ما امتلكه الباحثون الذين شاركوا في تحريره من خبرة عميقة بالمجتمع السوري وبنظامه السياسي القائم منذ نيف وأربعين عاماً.

 

* نشر  مجتزأً في صحيفة العرب العدد  9468 بتاريخ  13/2/2014 ، ص. 7.
http://www.alarab.co.uk/?id=15162
 


 
 
 

 

الثورة اليتيمة..

الثورة المُستمِرّة *
 

بدرالدين عرودكي

 


عشرات الكتب حول الثورة السورية، أو للدقة، حول ما يحدث في سورية منذ منتصف شهر آذار 2011 وحتى اليوم. وكذلك مئات المقالات والدراسات. "ما يحدث في سورية"، لأن كثرة ممن يتناولون الموضوع السوري لا يجمعون على توصيف ما يحدث فيها بالثورة، بل إن بعضهم لا يتردد تحت لافتات الموضوعية استخدام وتكرار مفردات ومفاهيم النظام السوري نفسه في توصيف الحدث السوري من خلال مفردات مثل: المؤامرة، الإرهاب، التكفيريون..

لكن كتاب زياد ماجد الصادر أخيراً "الثورة اليتيمة" يضع النقاط على الحروف ومنذ العنوان، كما نرى، مرّتيْن: فما يحدث في سورية ثورة، وهذه الثورة يتيمة. ذلك لا يعبر عن موقف فكري أو سياسي فحسب، بل يصدر عن توصيف موضوعي، بعيد عن الأيديولوجيات والتفكير الرغبي. يفعل زياد ماجد ذلك لأنه وقف منذ انطلاق الثورة السورية قبل ثلاث سنوات إلى جانب الذين خرجوا في أرجاء سورية كلها ينادون بالحرية وبالكرامة. ولأن هذا الموقف تجسّد في متابعة يومية، بل ساعة فساعة، لكل ما يحدث على الساحة السورية، ولكل آثار وأصداء الحدث السوري إقليمياً ودولياً وسياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً. تشهد مقالاته الأسبوعية وأحياناً نصف الأسبوعية على ذلك. تشهد كذلك صلاته بكل السوريين الذين رفعت الثورة السورية عنهم الحجب وأخرجتهم إلى النور من مفكرين سياسيين ومثقفين وثوريين وكتاب وفنانين تشكيليين وسينمائيين ممن يتواجدون على الأرض  وممن هاجروا أو أجبروا على الهجرة في أرجاء الأرض. تشهد على ذلك مداخلاته في كل ناد أو ندوة، على الأثير صوتاً وصورة، أو على مدونته الغنية، أو على صفحاته في الفيسبوك وتويتر خصوصاً حيث يتألق بنظرات ثاقبة وملاحظات ذكية وتعليقات يتناقلها الكثرة ممن صارت سورية همَّهم والسوريون عذابهم.

تتضح هذه الألفة والمتابعة الحثيثة  في هذا الكتاب الذي قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه لا يأتي بجديد بالنسبة إلى ما ينشر كل يوم أو يذاع من تحليل ومن تأويل، والتي لولاها لاتخذ تصميم الكتاب فضلاً عن صياغته مساراً آخر تماماً. لكن القراءة المتأنية ستكتشف الجديد، لا في المعلومة، وهي متاحة للجميع، بل في الرؤية، وهي، كما يبدو، باتت عسيرة حتى على الرؤية!

ذلك أن أيّ تناول لما جرى خلال السنوات الثلاث الأخيرة في سورية يرمي الفهمَ بمعزل عن الأفكار المسبقة والصيغ المكرورة، لابدَّ له من أن يعود بقارئه إلى الجنين الأول الذي ولد قبل نيف ونصف قرن ونما وترعرع وشبَّ خلال هذه السنوات (1963 ـ 2011) ليتجسد أخيراً في هذه الخلاصة الراهنة التي يطلَق عليها مجازاً "النظام الأسدي". وهذا على وجه الدقة ما يفعله زياد ماجد حين يعود بقارئه إلى بداية الشر أو إلى تكوينه إن جاز التعبير.

يقرأ زياد ماجد في استعادة علم الاستقلال الليبي في ليبيا وعلم الاستقلال السوري في سورية استعادة للزمن السياسي. الزمن السياسي الذي عمل النظام الأسدي منذ 1970 على وضع سورية كلها خارجه لتعيش زمنه هو. وإذا كانت الثورة السورية كما يقول هي " الأكبر" بين الثورات العربية الأخرى فلأنها "الأكثر جذرية نظراً لطبيعة النظام الذي تواجه وخصائصه السياسية والاجتماعية والأمنية"، وهي "الأكبر" أيضاً لأنها اتسعت على امتداد الأرض السورية، و"الأكبر" أيضاً  بالجهد الإعلامي الهائل الذي قام ويقوم به شبابها لتعويض غياب الصحافة العالمية التي حال النظام دون تواجدها على الساحة منذ اليوم الأول وكذلك بالعنف الذي أدت إليه بعد أن ساد خيار الحلّ الأمني الأعنف، تكراراً لما جرى بحماه عام 1982، ولكن هذه المرة على مدن سورية وقراها كافة وبلا استثناء.

ولا تفسير لطبيعة هذا العنف غير المسبوق في المنطقة العربية إلا إذا استعيدت السنوات الأربعون التي شيد خلالها الأسد الأب نظام حكم استبدادي ذي بنية لا شبيه لها بين بنى نظم الاستبداد جميعاً في عالمنا العربي المعاصر. ذلك ما قام به زياد ماجد في الفصل الأول من كتابه مشيراً بوضوح إلى العناصر الأساس في استراتيجية التشييد هذه: الاعتماد على ركائز طائفية وعسكرية وحزبية مع توحيد مراكز النفوذ فيها؛ عبادة الشخصية من خلال حضورها الرمزي تأميناً "للطاعة المدنية المطلوبة" أو "الطاعة القسرية"؛ السيطرة على كافة الأحزاب السياسية وتطويعها في الجبهة الوطنية التقدمية وتفتيت سواها عن طريق الزج بعناصرها في السجون أو تشريدها فضلاً عن الإمساك بكافة البنى النقابية للعمال والفلاحين والطلبة والشبيبة، إلخ؛ تعزيز للجانب الأمني من خلال تنظيم متعدد الفروع ممتد في مختلف عناصر النسيج الاجتماعي؛ والعنصر الأهم بما أنه يستطيع أن يفسر اليوم الكثير من تماسك النظام الأسدي، تطبيقه ومنذ بداية هيمنته على السلطة المقولة الماكيافيلية  الداعية إلى اللجوء إلى احتلال المدن وتملكها بدلاً من خنقها.

ذلك كله أدى إلى "محو كامل للداخل" سياسياً وفكرياً واجتماعياً، لصالح حضور خارجي مجلجل من خلال ما أطلق عليه سياسة الممانعة والمقاومة وعبر التحالفات الإقليمية وضروب إعادة التأهيل التي كان يسعى إليها كلما قبض عليه بالجرم المشهود هنا أو هناك. لم يكن هذا المحو للداخل مرئياً إلا لقلة من المراقبين أو الباحثين. ولن يتغير هذا البناء بعد وفاة مؤسسه. إذ أنه سيستمر خلال السنوات العشر الأولى التي تلت وصول الإبن إلى الحكم وريثاً بعد إجهاضِه في أول سنة من حكمه ربيعَ دمشق عام 2001  ثم تكميمه أفواه الموقعين على "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي" بعد خمس سنوات من ذلك.

لن يحول هذا البناء دون انطلاق ثورة بدأت بكسر جدران الخوف جميعها حين خرج الناس يتظاهرون وحين واجهوا خلال مظاهراتهم السلمية الرصاص الحي منذ اليوم الأول. ستنطلق الثورة من درعا ومن دمشق، وستعمّ بسرعة محافظات سورية كلها خلال الأشهر التالية. ازداد عدد المظاهرات بازدياد وتضاعف عدد المتظاهرين، وكان ديدن النظام الأسدي أن يحول دون اجتماعهم خصوصاً في أي ساحة من ساحات مدينتي دمشق وحلب بعد أن شهدت حماه وحمص ودير الزور  مثل هذه التجمعات التي جمعت مائتي ألف هنا وثلاثمائة ألف هناك. لم يترك النظام وسيلة للحيلولة دون المظاهرات إلا وارتكبها: الرصاص الحي، واحتلال المدن بالدبابات وخصوصاً مدينتي دير الزور وحماه ، وتعذيب وقتل من يعتقلهم من الناشطين والإعلاميين ولا سيما منهم "أصحاب الخطاب الوطني" الجامع واللاعنفي (غياث مطر ومعن العودات ومشعل تمو)..

سيؤدي عنف النظام المتصاعد إلى ما يسميه زياد ماجد "التحول العنفي" الذي بدأ في شهر رمضان/آب عام 2011. وستبدأ مظاهر العسكرة على الطرف الآخر بالظهور، مع تتالي الانشقاقات عن الجيش النظامي وتشكيل مجموعات عسكرية تعلن عن نفسها باسم  "الجيش السوري الحر" الذي انضم إليه مدنيون متطوعون للدفاع عن التجمعات الشعبية والمظاهرات في مواجهة الشبيحة ومخابرات النظام. وستكون ذروة هذا التحول معركتا دمشق وحلب (تموز/يوليو 2012) اللتين ستبدلان في الخارطة السورية. يسجل زياد ماجد أنه في هذه الفترة بالذات سيبرز العنصر الدولي على الساحة السورية من خلال الدعم غير المحدود الذي تقدمه إيران وخصوصاً روسيا والصين باستخدامهما الفيتو لتعطيل أي قرار في مجلس الأمن يؤدي إلى إدانة النظام أو إضعافه فضلاً عن الدعم الروسي من خلال مواصلة إرسال الأسلحة الثقيلة والذخائر وقطع الغيار دون توقف. وبالتوازي ستتقدم المشهد القتالي القوى الإسلامية ثم الجهادية لتسيطر في منتصف عام 2013 على معظم مساحات هذا المشهد. لن يتوقف الأمر عند ذلك. إذ أن لجوء النظام بمساعدة إيرانية حثيثة إلى تشكيل مجموعات أطلق عليها "جيش الدفاع الوطني" وقوامه "شبان علويون وشيعة دربتهم إيران لمساعدة جيش النظام المنهك" وقيام هذا الجيش بمذابح رهيبة في العديد من المناطق السورية من ناحية، ولجوء النظام إلى تجنيد الشبان من القرى والبلدات ذات الأغلبية العلوية لاستحالة التجنيد في معظم المناطق التي فقد السيطرة عليها من ناحية أخرى، أدى إلى بروز "القضية الطائفية بوصفها واحدة من أكثر القضايا حضوراً في سورية". ضاعف من وطأة هذه الأخيرة دخول مقاتلي حزب الله من ناحية والمقاتلين العراقيين من أحزاب شيعية تديرها طهران في المعارك والعمليات التي يقوم بها جيش النظام من دمشق إلى حلب من ناحية أخرى.

سيتوج هذا العنف باستخدام السلاح الكيمياوي ليلة 12 آب/أغسطس 2013 والذي سيؤدي كما نعلم إلى إعادة تأهيل النظام على الصعيد الدولي  بعد قبوله تسليم مخزونه من الأسلحة الكيماوية.

وراء كل ذلك  وعلى الرغم منه، كانت سورية الداخل المُغيّبة تبرز إلى السطح بقوة وعلى كل صعيد. وهي ظاهرة يختصها زياد ماجد بفصل كامل  حمل عنوان "ملامح لسوريا الداخل"  مسجلاً أهم هذه الملامح التي كانت مخفية خلال أربعين عاماً، وأهمها استعادة اللغة في كل تجلياتها: الرواية والمذكرات الشخصية والشعر والصحافة الساخرة أو الصحافة المرتجلة، بالإضافة إلى تفجر الطاقات الإبداعية في مجال الفن التشكيلي والسينما التسجيلية؛ الاكتشاف والدهشة: اكتشاف الناس وأصواتهم والدهشة أمام مواهب خارقة سخرية وذكاء سياسياً تجلت خصوصاً في الهتافات والشعارات خلال المظاهرات؛ تكسير التماثيل والصور؛ صور العزاء استكمالاً للمقاومة؛ هذا فضلاً عن بروز دور النساء القيادي والطليعي وفي كل ميادين الثورة ومجالاتها.

 قامت الثورة في وجه نظام استبدادي، لكنها لم تلبث أن وجدت نفسها تواجه لا حكام البلد وحدهم بل حلفاءه جميعاً، لاسيما وأنهم عملوا طوال أربعين سنة على أن يجعلوا من موقف البلد الاستراتيجي محدداً وحيداً لعلاقة العالم به كما يسجل زياد ماجد الذي ميّز على نحو واضح بين حلفاء النظام (روسيا وإيران والصين) من ناحية و"حلفاء" الثورة (دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي بوجه خاص) بوضعه هؤلاء الأخيرين بين قوسين لبيان مدى الفروق بين هؤلاء وهؤلاء سواء على مستوى الدعم أو نوعيته أو فعاليته.

كان على هذه الثورة أيضاً أن تكشف عن كثير من الزيف والتزوير في المواقف. فالذين خرجوا بقوة يؤيدون ثوار تونس وليبيا ومصر واليمن صمتوا فجأة أمام ثوار سورية ثم ما لبثوا أن بدأوا حملات التشكيك والاتهامامات. لم يقتصر ذلك على فئات القوميين واليساريين في العالم العربي فحسب، بل شمل كذلك "المعادين للإمبريالية" في الغرب، يهجس بعضهم "بالمكائد والألغاز والاستهدافات الاستعمارية لنظام مقاوم" أو يكتفي البعض الآخر "عن خبث أو بلاهة أو رغبة إثارة بتشويه معنى الثورة ونزع الآدمية عن السوريين".

لن يحول ذلك دون أن تكون الثورة السورية جذرية، لا "في اللغة والشعارات وتفجر الطاقات الإبداعية كلها فحسب بل كلك في عملية الهدم (...) لكل المنظومات التي سحقتها لعقود وللشعارات التي بررت (رياءً) هذا السحق".. ولن يحول ذلك  دون هذه الثورة رغم "اليتم والآلام العظيمة" أن تكون الثورة المستمرة..

"الثورة اليتيمة" كتاب يقول "الحدث السوري" بامتياز.





* نشر في مجلة الدوحة، العدد 77، آذار/مارس 2014 ، ص.: 98 ـ 99



والمقال:
 



 

 

dimanche 19 janvier 2014


الفضاء الموازي

وأرباب الحقيقة المطلقة*


بدرالدين عرودكي


عندما عمد النظام السوري في مستهل القرن الحالي وبعد تكريس الجمهورية الوراثية  إلى إغلاق منتديات ربيع دمشق مُصادراً حق التعبير، قامعاً ممارسيه بالسجن أو بالتهجير أو بالقتل، لم يكن يحسب أن هذه المنتديات ستعود إلى الظهور بعد عشر سنوات في صورة أخرى وعلى نحو أشدّ اتساعاً مما كانت عليه في دمشق آنئذ، وأن مؤسسيها أو مرتاديها سيتكاثرون بطريقة لم يكن يتوقعها على الإطلاق، وأن حق التعبير الحرِّ المتحرِّر من كل قيد سيحتل وخصوصاً في سورية اعتباراً من بداية عام 2011 المكان الأول بعد أن هدمت جدران الخوف جميعاً على أيدي أطفال درعا وشباب سورية في مدنها وقراها كلها..

هذه المنتديات الجديدة التي أتاحتها شبكات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها بالطبع الفيسبوك استحالت مع انفجار الحراك الثوري في العالم العربي أداة ثورية بامتياز. لقد جرى الحديث كثيراً حول الدور الذي لعبته في الثورة التونسية وفي الثورة المصرية ولاسيما في تنظيم المظاهرات وطرق مواجهة السلطة الحاكمة وقمعها التقليدي. وبلغ الأمر بالبعض أن جعل منها سبب انفجار هذه الثورات أو، على النقيض من ذلك،  سبب استيعابها والسيطرة عليها من قبل القوى الخارجية. لكن أحداً لا يمكنه إنكار وجودها المؤثر والفاعل في كثير من الأحيان في هذا الحراك الثوري على امتداد رقعة العالم العربي..

بات من المستحيل اليوم متابعة أحداث عالمنا العربي، دون الأخذ بعين الاعتبار صداها على ساحة الشبكات الاجتماعية.  لم يعد من الممكن الاكتفاء اليوم بما تكتبه الصحف أو تتناقله الفضائيات عما يحدث في هذا البلد أو ذاك، ولاسيما في سورية اليوم، دون الرجوع إلى هذه الشبكات، لابل إن وسائل الإعلام المكتوب والمرئي تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة لا إلى الاعتماد على ما تقدمه هذه الشبكات اليوم من معلومات وصور ثابتة أو متحركة فحسب بل وإلى أن تتخذ منها امتداداً لها سواء باستخدامها مباشرة أو باستخدام أداتها، الأداة الإلكترونية، لتزيد من ميادين استقبالها ومن عدد قرائها.

أدى ذلك إلى أن يتحول الكثير من نشطاء الثورة في سورية خصوصاً إلى صحفيين بامتياز بعد أن وضع النظام السوري أمام الصحافة العربية والدولية غير الممالئة قيودا جعل من المستحيل معها تواجد ممثليها على الأراضي السورية دون مواجهة وقبول خطر الموت أو السجن أو الخطف، الأمر الذي جعل الصحافة الكلاسيكية تعتمد على من ارتجلوا أنفسهم صحفيين ومصورين ومعلقين على ما يجري. ولذلك كان هؤلاء ولاسيما الأخيرين منهم أوائل أهداف قناصة النظام السوري وزبانيته من رجال الأمن أثناء المظاهرات: إما القتل مباشرة أو القتل تعذيباً.

وعلى أن الهواية ليست كالحرفة. فقد فرضت الشبكات الاجتماعية نفسها مصدراً أساسياً من مصادر المعلومات، وصار الفضاء الافتراضي فضاءً موازياً للفضاء الواقعي وامتداداً له في الوقت نفسه.. ينفصل عنه بقدر ما يندمج فيه. فيه تدور معارك، وسجالات، ومبارزات من نوع آخر، افتراضي بالطبع هو الآخر، وفيه يجري تبادل المعلومات وتمحيصها وتصحيحها وإغناؤها، مثلما يتم فيه كذلك إنزال العقاب بالإلغاء أو بالحجب أو بالكسر المعنوي (الافتراضي طبعاً). وفي هذا الفضاء كذلك أبطال ومشاهير فضلاً عن جماهير المعجبين. وبقدر ما فيه من ضروب النقاش الغني والمتحرر من كلِّ قيد بقدر ما تتكاثر فيه ضروب الغباء والردح والسفاهة والبذاءة..

لكن هذا الفضاء الموازي من ناحية أخرى ألغى المسافات، وحرر الألسنة. أفسح المجال لمن لا صوت لهم، وأخرج إلى السطح كل ما كان خافياً في الداخل: داخل الإنسان وداخل القوى الاجتماعية على اختلافها، سواء بسواء.

فما رأيناه ولا زلنا نراه اليوم واقعاً على الساحة السورية مثلاً من بطولات وضروب من التفاني والتعاون في النضال وفي مقاومة نظام الاستبداد أو من عنف غير مسبوق ومن فجور واستباحة لكل القيم الإنسانية يجد انعكاسه، بل امتداده أيضاً في هذا الفضاء الموازي. وبعض ما أطلق عليه  الحرب الإلكترونية يجري كذلك في هذا الفضاء الأخير الذي يكاد يستحيل بديلاً في أذهان البعض لولا الدماء التي تسيل والبيوت التي تدمَّرُ كل ساعة من ساعات الليل والنهار.

ذلك أنه إلى استيعابه المبدعين ومُبدعاتهم وأعمال الناشطين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين، استوعب أيضاً كثيراً من الأدعياء والمزيفين بكل ما يحملونه من أوهام، وفي كل الميادين: أوهام الأدب والشعر مثل أوهام الفكر والحكمة؛ أوهام النضال مثل  أوهام الزعامة والشعبية والجماهيرية. أدت هذه الأوهام إلى أن يصير بوسع من يقاتل على أرض الفيسبوك أن يشعر أنَّ من حقه تلقين الدروس في النضال أو في الصبر بل وفي القتال لمن بقي مرابطاً في قريته أو مدينته، وأن يرى بعض هؤلاء نفسه لا يقل شجاعة ولا امتيازاً عنه! ألا يتألم مثل ألمه؟ ألا تتقطع أوصاله مثله كلما قتل طفل أو اغتصبت امرأة أو استبيح شرف؟  بل أن يبلغ الأمر بساكن الفضاء الافتراضي أن يعطي لنفسه الحق في أن ينظر بقلق وريبة إلى ساكن الفضاء الواقعي. يسأله أن يفصح عن اسمه وهو يعلم تمام العلم أن ذلك يُعَرِّضه أيضاً للسجن أو للقتل المجاني ولاسيما إن كان من الناشطين.

ومع هذا، يبقى ـ وهذا هو الأساس ـ أن كل ذلك يجري في ظل حرّية جديدة وعامّة تتيح القول والتعليل والردّ والتفنيد مثلما تتيح الكشف والفضح بالكلمة أو بالصورة أو بهما معاً. وهي حرية تصفع كل لحظة وجوه المستبدين وأرباب الحقيقة المطلقة أياً كانوا وفي أي ميدان وجدوا. ومهما حاول هؤلاء العثور على وسائل الكبح أو التعمية للحيلولة دون امتداد هذا الفضاء الجديد الذي بات يهدد وجودهم فقد بات على الرغم منهم وفي وجودهم وفي مواجهتهم فضاء يكاد يكون على افتراضيته أشد واقعية من الفضاء الواقعي نفسه.   


* نشر في صحيفة العرب، العدد 9455 الصادر بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2014، ص. 9
 http://www.alarabonline.org/?id=14190

jeudi 28 novembre 2013


الشرق الأوسط الجديد

 الشعوب في زمن الثورة السورية*

 

بدرالدين عرودكي

 


 
                                                                                                                                                
لم يكن جان بيير فيليو بحاجة إلى المراجع بقدر حاجته إلى الوثائق كي يكتب عن الحراك الثوري الذي بدأ انفجاره  في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه  خلال الأشهر الأخيرة من عام 2010. فقد عرفَ العالم العربي عن كثب أولاً من خلال رحلاته الدراسية التي لم تتوقف عند دراسة اللغة العربية بل تجاوزتها إلى تاريخ المنطقة الاجتماعي والسياسي والثقافي. وعرف بلاد الشام خصوصاً من خلال رحلات عديدة ولاسيما إقامته في الأردن أولاً ثم في سوريا بعد ذلك عدداً من السنوات بوصفه دبلوماسياً في سفارة فرنسا بعمان ثم بدمشق، مثلما عرف من بعد المغرب العربي حين عمل أيضاً في سفارة بلده بتونس. ذلك كله من أجل إغناء تجربته كاتباً ومفكراً سياسياً قبل أن يستقرّ أستاذاً في معهد العلوم السياسية بباريس وأستاذاً زائراً في العديد من جامعات أوربا وأمريكا. على أنَّ ما يقوله أو ما يكتبه في هذه الظروف، وفي الظروف التي تعيشها الثورة السورية، في الندوات أو في البرامج الإذاعية والتلفزيونية حول ما يجري في العالم العربي يكتسب بعداً شديد الأهمية، لا لأنه واحدٌ من ألمع أبناء جيله في مجال اختصاصه فحسب بل لأنه ينتمي إلى تيار سياسيٍّ يساري عجز أغلب المثقفين فيه في فهمهم للحراك الثوري العربي وفي كتاباتهم حوله عن تجاوز قوالب فكرية عفى عليها الزمن أو عن إدراك الدلالات التاريخية العميقة لما يجري تحت أعينهم وعلى حدود قارّتهم الجنوبية تحديداً.

هل ما يحدث في العالم العربي ثورة؟ أم هي طفرات احتجاج؟ أم حركات تمرد؟ لم يتردد جان بيير فيليو، منذ البداية، في أن يسمي الأشياء بأسمائها بدلاً من التلاعب بالألفاظ الذي كان ديدن سواه ممن يتقدمون الصفوف دوماً بوصفهم مختصين بالعالم العربي.

ما يحدث هو ثورة. وهي، على وجه الدقة، ثورة من أجل  الديمقراطية.

وكان كتابه الأول الذي صدر بباريس بعد أقل من تسعة أشهر على بدء الحراك الثوري في تونس يحمل عنوان: الثورة العربية: عشرة دروس حول الانتفاضة الديمقراطية الذي أهداه، ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة، إلى كلٍّ من سمير قصير وعمر أميرالاي اللذين كانا، على غياب الأول اغتيالاً ببيروت يوم 2 حزيران عام 2005 ورحيل الثاني بدمشق في 5 شباط عام 2011، من أوائل المبشرين بهذه الثورة العربية القائمة الآن في أرجاء العالم العربي وفي سورية خصوصاً.

وعلى أن جان بيير فيليو وضع يده في هذا الكتاب على المعالم الرئيسة لهذه الثورة الجديدة في العالم العربي، إلا أن معظم التعليقات على الكتاب تلافت الحديث عن هذه المميزات أو المعالم لتشير إلى خطر الجماعات الإرهابية وإلى المتشددين الإسلاميين سواء في تونس أو في مصر قبل أن ترفع بوضوح عندما احتلت الثورة السورية مقدمة المشهد، أصابع الاتهام إلى الجماعات الإسلامية، معتبرة أن ما يحدث ليس أكثر من حرب أهلية رغم كل الوقائع التي كانت ولا تزال تكذب هذه التسمية الزائفة.

ولأن ما آلت إليه الحركة الثورية في سورية من تعقيد بدا عسير الفهم والتحليل على الجمهور في الغرب لا بل على معظم من امتهنوا حرفة التحليل السياسي، كان لابد من جهد علمي ومعرفة ميدانية يضعان الوقائع الجارية على الأرض  ضمن بعدها التاريخي والاجتماعي، البعيد والحديث في آن واحد. ذلك على وجه الخصوص منطلق ومآل كتاب جان بيير فيليو الأخير الذي صدر قبل عدة أشهر حاملاً عنوان: الشرق الأوسط الجديد، الشعوب في زمن الثورة السورية.

يعود المؤلف بنا إلى اللحظة التي ابتكرَ فيها أميرالٌ أمريكي مغمور، ألفريد ماهان، مصطلحَ الشرق الأوسط في السنة الثانية من القرن الماضي، لكي يبيّن أهمية الموقع الجغرافي فضلاً عن الدور التاريخي لما يسمّى اليوم بسورية. وسيشير إلى عدد من العلامات التاريخية طبعت هذا البلد بطابعها. مائتا عام من الحروب الصليبية لم تؤديا إلى أيِّ خلط بين المسيحية المحلية والمعتدين الفرنجة. واستمرّت سوريا حرَماً لطوائف مختلفة سواء من مسيحيي الشرق الذين كانوا فيها قبل حكم الأمويين أو تلك التي تفرعت عن الإسلام ولجأت إليها تحت حكم العباسيين. لكن بعض الجروح تركت بعض الأثر أيضاً مثل "اضطهاد المماليك للعلويين فيها والذي بلغ أوجه في مذبحة 1317".

سيبدأ صراع القوى الكبرى على سورية منذ وصول إبراهيم باشا إلى الأناضول وسيطرته على بلاد الشام بأكملها وذلك باستنفار البريطانيين والفرنسيين والروس أنفسهم لتقاسم نفوذٍ أجّله اتفاق بين العثمانيين والمصريين عام 1833 يجلو بموجبه إبراهيم باشا عن الأناضول مقابل الاعتراف به حاكماً لسورية والحجاز وليمهد له من جديد استعادة الباب العالي عام 1840 بموجب اتفاقية لندن هذه المرة السيطرة على ىسورية وارتباط المسيحيين الأرثوذكس بالروس والكاثوليك بالفرنسيين والدروز بالبريطانيين، لابل حتى ارتباط البروتستانت على قلتهم وضعفهم بولاية نيويورك التي رعت افتتاح"الكلية السورية البروتستانتية" التي استحالت فيما بعد "الجامعة الأمريكية في بيروت"!

كان مآل هذا الصراع سورية الحالية، أي هذا البناء الذي صنعته هذه القوى الاستعمارية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى في قلب هذا الشرق الأوسط.  كيان حاول طوال الخمسين عاماً الأولى أن يبحث عن مكانه وعن الدور الذي يمكن أن يكون دوره فيه، سواء خلال نضاله للتحرر من الاستعمار الفرنسي أو عبر سلسلة الانقلابات العسكرية التي تلت الاستقلال ومحاولات الوحدة المتعددة مع العراق أو مع مصر وصولاً إلى الانقلاب الأكبر الذي اتخذ اسماً له: الحركة التصحيحية، قام به ضابط عسكري كان وزيراً للدفاع عندما حدثت هزيمة حزيران عام 1967!

في هذا الانقلاب نما جذر الثورة السورية الحالية. لقد أدرك هذا المتآمر العنيد أن بوسعه من أجل توطيد سلطته المطلقة أن يعمل على أن تتواجد سورية في قلب هذا الشرق الأوسط، من خلال الحيلولة دون أن تظل "لعبة تنافس بين الدول العربية"  والعمل على "تعديل قواعد اللعبة لصالحها".

كان ذلك يتطلب من صاحب الانقلاب، كما يرى ج. ب.  فيليو، استراتيجية محكمة لتثبيت حكمه أولاً ثم العمل على بناء نسق من الحكم حجراً وراء حجر. قامت استراتيجيته على أربع قواعد: التخلص من كافة منافسيه؛ دستور وجبهة وطنية تقدمية؛ حربٌ يمحو بها ذلَّ حرب حزيران؛ السيطرة على لبنان بموافقة عربية علنية (وأمريكية ضمنية!). أما بناءُ عمارة نسق الحكم فقد احتاج إلى سبع سنوات اعتباراً من عام 1974. بناءٌ من خمسة طوابق: تجميد جبهة الجولان؛ إخضاع لبنان؛ دعم الخليج المالي؛ دعم روسيا العسكري؛ التحالف مع إيران. أما الجدران الحاملة فهي: تعدّد المراكز الأمنية (بين 12 و 16) والحيلولة دون نموّ قطب جوهري في السلطة باستثناء رأسها؛ تفريغ السياسة في الداخل السوري أو ما أطلق عليه ميشيل سورا عام 1984: درجة الصفر في السياسة؛ التوافق في المصالح بين إسرائيل والنظام السوري كما تجلى في الخلاص من "الدولة في الدولة" الفلسطينية في لبنان؛ قطع دابر أي معارضة لاتقبل بأولوية حزب البعث وهيمنته، وأخيراً ضمان شرعيته في الداخل اعتماداً على نظرة الخارج(بسمارك العرب "كيسنجر؛ صلاح الدين الجديد "كارتر"؛ إلخ). مع بداية التسعينات أضيفَ طابق آخر: ضمان الولايات المتحدة لنظام الأسد مقابل السلام مع إسرائيل، ذلك لضمان التوريث الذي كان قد انتهى من تثبيت أركانه.

مع وصول بشار الأسد إلى الحكم، بدأ عهد الجمهورية الوراثية، على غرار كوريا الشمالية. ومعه سيتلاشى دور الحزب بالتدريج ليحل الأمن، اعتباراً من عام 2005 ، بأقسامه جميعاً.  

سيقوم الوريث بإدخال لمسة شخصية على المعمار الذي وضعه المورِّث للنظام، تمثلت في إدخاله تركيا منذ تدخله في قضية أوجلان من ناحية وفي تقديم مصلحة النظام على مصلحة الدولة عبر مماهاتهما كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وقد ألقت السرعة التي تم بها القضاء على ربيع دمشق والزج بالمعارضين في السجون من جديد الضوء على التكامل بين البعدين الداخلي والخارجي من أجل إنكار تطلعات الشعب السوري. ذلك ما يفسِّرُ كما يقول المؤلف أن الثورة السورية اندلعت أخيراً من الأسفل لا من النخب المثقفة أو الطلائع السياسية المناضلة وأنها وضعت هدفاً لها لا سقوط النظام فحسب بل تحطيم الوسائل الدولية في الأمن التي أقفلت نسق الأسد وعمارته التي كفلت استمرار نظامه.

سوى أن هذا النسق وهذا المعمار على نجاحهما في اجتياز أشد الأزمات خلال أعوام 1979/1982 ثم 1983/1984 بما في ذلك عام  الخروج من لبنان (2005) سيواجه، اعتباراً من 15 آذار 2011، المشكلة التي سهرَعلى تلافيها، استعادة الداخل للسياسة!

استعيدت السياسة من خلال المواسم التي عاشتها الثورة السورية بدءأً من آذار 2011. وستؤلف هذه المواسم إيقاع كتاب جان بيير فيليو.

حين بدأت الجماهير تتحرك هنا وهناك في العالم العربي، لم يكن الردّ كما يسجل المؤلف موجهاً إلى الداخل بل إلى الخارج: ففي مقابلته الشهيرة مع وول ستريت جورنال قبل شهر ونصف من اندلاع الثورة السورية أمعن الأسد في نفي الواقع عندما عبر عن أن  همَّه ينصبُّ لا على ما إذا كان يمكن لوضع مشابه لما حدث في تونس أوفي مصر ان يحدث في سورية بل إلى أيّ درجة يمكن لهذه "الاضطرابات" أن تؤثر على بلده بطريقة مباشرة أو غير مباشرة! ثم جاء تصريح رامي مخلوف إلى صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 10 أيار 2011 الذي يماهي فيه بين استقرار سورية في استقرار إسرائيل!

يذكر هذان الموقفان بتعليق كارل ماركس وهو يفسر شخصية نابليون الثالث في ضوء نابليون الأول: "تتكرر الشخصيات التاريخية الكبرى مرتين إن جاز القول (...): المرة الأولى بوصفها مأساوية، والثانية بوصفها هزلية!" على أن هذا الهزل كان يصنع المآسي ثم جاء عنف النظام وقسوته غير المسبوقين ليجعلا من الثورة خياراً لارجعة عنه.

ويلاحظ المؤلف أنه على الرغم من أنه بدا واضحاً للجميع أن القاعدة الاجتماعية التي قام عليها حزب البعث كانت في سبيلها إلى أن تحقق انعطافها التاريخي بدءاً من درعا، إلا أن المدن سرعان ما استجابت وبقوة اعتباراً من بداية صيف 2011، صيف المدن كما يسميه المؤلف: فقد ملأت المظاهرات شوارع وساحات حمص، وحماه، ودير الزور، والحسكة، والرقة، واللاذقية. مظاهرات سلمية، تنادي بالكرامة والحرية ورحيل النظام. لكنّ القمع العنيف كان في انتظارها، مثلما كانت عداوة حليفي النظام، روسيا وإيران، دبلوماسياً في البداية ثم بالوسائل كلها، أي بالسلاح وبالرجال. ذلك ما يفسر معنى ما أسرّ به بشار الأسد لمقربيه من أن النظام لا يمكنه الصمود مالم يجعل كل جيل يعيش إرهاب المقتلة التي عاشتها حماه عام 1982.

لن يهمل المؤلف شيئاً من دقائق مسار الثورة. ولاسيما التنسيقيات التي انبثقت عنها أو ظهورالصحافيين غير المحترفين الذين برزت فعاليتهم أمام إغلاق حدود سورية أمام الصحافة العالمية، ثم تأسيس المجلس الوطني الذي سيثير ضروب النزاعات والحروب كلها، من النظام وإعلامه، ثم من تيارات المعارضة ذاتها بمختلف شخصياتها أو تكويناتها. وسيؤرخ لأول استخدام لتعبير "الاحتلال الأسدي" الذي عممته اللجنة العامة للثورة السورية اعتباراً من 12 تشرين أول 2011 أو لاستخدام قناة الجزيرة تعبيري الجيش النظامي والجيش الحر بعد ذلك.  ولن يهمل المؤلف كذلك الإشارة في الوقت نفسه إلى المفارقة التي كان يعمل الأسد على بقائها. صار مثل أبيه زعيم حرب، ولن يهمه أن يكون رئيس عصابة يقودها إلى الثأر الطائفي بقدر ما كان يهمه أن يُعامَل كرئيس دولة.  أكد الواقع المرير نجاحه في ذلك: يمارس ممثلوه في مختلف دول العالم مهامهم والنظام قائمٌ وهو رئيسه.  ذلك ما يجعله يشعر بنفسه حراً تماماً في ممارسة إرهابه دون خوف من أي عقاب.

سيشهد خريف 2011 التحول الأساس في ثورة الشعب السوري بعد أن بدأت الثورة تطالب بالإصلاح (الحرية والكرامة) ها هي تطالب بإسقاط النظام. وأمام العنف الذي مارسته الأجهزة الأمنية وانفضاض أصدقاء النظام المقربين من حوله ولا سيما تركيا وقطر انتقلت المشكلة بين النظام وشعبه إلى الجامعة العربية. لكن الجامعة ومهمة مبعوثيها ستفشل وستنتقل المهمة إلى الأمم المتحدة..

في الوقت نفسه كان المجلس الوطني يتعثر بين متطلبات الداخل الملحة وحاجاته وبين حاجته للحصول على الشرعية الدولية التي تسمح له بمواجهة عنف النظام. سوى أن من أطلقوا على أنفسهم أصدقاء سورية كانوا "أكثر اهتماماً بمناقشة تمثيلية المجلس للقوى المعارضة من مواجهة التحدي الخاص بالتدويل.

أما النظام فسيسعى بكل قواه مستفيداً من تجاربه السابقة في لبنان وفي العراق لكي يجعل مما نشره إعلامه عن الإمارات السلفية في سورية  التي كانت محض خيال واقعاً حياً. فكان دخول القاعدة مع نداء الظواهري وظهور جبهة النصرة وتحرير أبي مصعب السوري الذي اعتقله الأمريكان وسلموه للنظام السوري دافعاً كما يقول المؤلف إلى تراجع "أصدقاء" سورية عن الانخراط في النزاع السوري، مؤكداً بصورة غير مباشرة ما زعمه النظام من أن الحراك الثوري ليس إلا مجرد مؤامرة إرهابية.

ذلك سيدفع رأس النظام وقد عجز عن إسكات الثورة كما فعل أبوه من قبل في حماه  إلى أن يستخلص  أن النزاع سيطول. فكان عليه أن يعيد النظر في استراتيجيته التي ستتبنى مفهوم التوريط، توريط روسيا وإيران، بحيث يتبنيا رؤية الأسد ونظامه للصراع لاسيما وأن كلاً منهما قد واجه ثورة في بلده تشبه الثورة التي يواجهها الأسد ونظامه.

وإذا كان للمجلس الوطني ولمهمة الجامعة العربية وللمجازر خريفها فسيكون للأمم المتحدة ربيعها. لكنه ربيع كالخريف أو أشد وطأة ورعباً. كان شأن النظام كما لاحظ المؤلف مع مهمة كوفي عنان شأنه مع مهمة الفريق الدابي: تحويل المهمة إلى غاية في حد ذاتها دون امتلاكها أية وسيلة تمكنها من تحقيق الغاية التي قُرِّرَت من أجلها. تماماً كما كان شأنه في إنكار الواقع بمناسبة الانتخابات التي دعا الأسد إليها وشأن سلطة الانتداب الفرنسية عام 1926 حين فعلت الأمر نفسه: ففي كلا المناسبتين دارت الانتخابات على جزء من الأراضي ولم تكن مهمتها في حقيقة الأمر إلا تمشيطات مضادة للثورة. كلا السلطتين أدركتا استحالة العودة إلى الوضع السابق على الثورة وكلاهما أعاد الأسباب إلى تدخل القوى الخارجية. ذلك كله جعل من مهمة عنان مثل مهمة الدابي من قبلها ترخيصاً بالقتل امتد شهوراً عديدة ثم تنتهي إلى فشل بلا تحديد للمسؤول!

أما صيف 2012 فسيكون صيف الانعطاف. يسجل المؤلف ما كانت وسائل الإعلام العربية والغربية تسكت عنه وهو غياب التكافؤ في القوى بين النظام وقوى الثورة والمعارضة على الصعيدين العسكري والسياسي معاً. كان النظام يتلقى دعماً غير محدود من روسيا وإيران ينعكس في كل الساحات في الوقت الذي كان فيه أصدقاء سورية ينفخون الحار والبارد على المجلس الوطني محتمين وراء زعم انقسام المعارضة. كان عدد المقاتلين في الجيش الحر صيف 2012 حوالي أربعين ألفاً مقابل 200 ألف مقاتل نظامي بمعداتهم وأسلحتهم الكاملة. وفي حين تلقى النظام خلال سنة كاملة ما قيمته مليار دولار من الأسلحة، لم يتلق الثوار خلال عشرين شهراً أكثر من أربعين مليون دولار.  لم يكن ميزان القوى في صالح الثوار إذن، وربما لهذا السبب كان الروس يتوقعون نجاح الجيش النظامي في القضاء على الثورة.  لكن فزاعة الجهاديين سترفع من الآن فصاعداً من قبل أصدقاء سورية قبل النظام، في حين لم يكن من جاء منهم من الخارج يُعَدّون إلا بالعشرات. وبالمقابل، سيعاني النظام من انقسامات في صفوفه تجلت في الحرب التي دارت بين آل الأسد وآل الخير وكان من نتيجتها اعتقال المعارض عبد العزيز الخير  في 20 أيلول 2012 الذي اتهمت به، كالعادة، الجماعات المسلحة. هذه الانقسامات ستزيد النظام تغولاً وتوحشاً بقصفه مدينة حلب والمدن المحيطة بها بلا حدود.

لقد نجح النظام في عسكرة الثورة السورية التي بقيت سلمية حتى خريف 2011، وفي الاحتفاظ بتمثيل سورية على الصعيد الدولي والدبلوماسي ولا سيما في الأمم المتحدة وفي إغراق سورية كلها في عنف غير مسبوق. لكنه بالمقابل فشل تحقيق كل ما هدد به جيرانه أو من كانوا عوناً في بقائه من دول الخليج مثلما فشل في إخماد الثورة. يدرك النظام تمام الإدراك اليوم استحالة العودة إلى ماقبل آذار 2011. 

يستعيد جان بيير فيليو في نهاية كتابه الدروس العشرة التي تضمنها كتابه السابق عن الانتفاضة الديمقراطية في العالم العربي. سيطالب من يتصدون للحديث عنها بكثير من التواضع نظراً إلى حجم هذه الموجة القادمة من الأعماق. وهي استعادة تتم في ضوء سنة ونصف من عمر الثورة السورية، لن تغيِّرَ من جوهرها شيئاً، لكنها تسجل مصاعب الفهم، ومصاعب التحليل، ومصاعب الولادة.
لكن الشرق الأوسط الجديد سيولد في سوريا وفي سوريا سترتسم ملامحه الجديدة.
 
* نشر هذا المقال في مجلة تواصل، العدد 3 ، تشرين الثاني 2013، ص. : 58 ـ 60.
http://www.syria-nass.com/tawasol/Tawasol3.pdf