jeudi 31 janvier 2019



عن "مصير العرب ومصيرنا"

بدرالدين عرودكي





قلما كان الأكاديميون الغربيون يغامرون، قبل بضع عشرات السنين، في تناول مختلف جوانب راهن عالمنا العربي، ومن بينها علاقاته مع الغرب. لسبب أساس. فهي موضوعات قيد التحقق، لم تستكمل دورتها كي توضع على رفوف التاريخ ومقاعد الدرس. ولا يمكن بالتالي امتلاك كافة العناصر الضرورية من الوثائق والمعطيات التي تتيح إنجاز دراسة رصينة لا تشكو التعميم أو الاختصار أو ضروب التشويه التي تسم بطبيعة الحال معظم الكتابات الصحفية حين تتناول مثل هذه الموضوعات.
لكن التاريخ العربي الراهن هو ما كان خيار جيل جديد من الأكاديميين الغربيين، منهم جان بيير فيليو، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في معهد العلوم السياسية بباريس. وربما يعود ذلك، فيما يخصه، إلى تجربة مباشرة عاشها دبلوماسياً في عدد من البلدان العربية (سوريا والأردن وتونس) فضلًا عن الولايات المتحدة الأمريكية التي درّس في جامعاتها أيضًا، وعاملاً قريباً من مراكز القرار في فرنسا في ظل الحكومات الاشتراكية (وزير الداخلية أو رئيس مجلس الوزراء) قبل أن ينصرف إلى العمل الجامعي أستاذا وكاتباً، وأن ينشر مع مئات المقالات والدراسات في الصحافة الفرنسية العامة والمختصة مجموعة من الكتب تناول فيها جميعها قضايا الساعة في المشرق العربي والإسلامي، بدءاً بكتابه عن ميتيران وفلسطين مروراً بكتبه عن جبهات الجهاد ـ حيوات القاعدة التسع، الثورة العربية ـ عشرة دروس من الانتفاضة الديمقراطية، الشرق الأوسط الجديد ـ الشعوب زمنَ الثورة السورية، وأخيراً، كتابيه الذي حمل أولهما عنوان مصيرالعرب ومصيرنا ـ تاريخ تحرّر، و مرآة دمشق ـ سورية تاريخنا، اللذين صدرت ترجمتهما إلى العربية مؤخرًا عن دار ميسلون. كتب تنهل من الوثائق التاريخية بقدر ما تنهل من تجربته المعيشة. وإذا كانت الهموم الكامنة خلف موضوعاته المختارة همومًا عربية، إلا أنها تعالج انطلاقًا من الغرب تحديدًا بوصفها بعض همومه وبعض هموم فرنسا بالدرجة الأولى وبالعلاقة معها، وصولًا إلى المماهاة في المصير وفي التاريخ.
كان جاك بيرك يلخص تاريخ العلاقات الفرنسية العربية على امتداد تاريخها بكلمتيْن: "القرابة والخصومة (Affinité et altercation)". وإذ يستشهد جان بيير فيليو في الصفحات الأولى من كتابه مصير العرب ومصيرنا بما كتبه رفاعة رافع الطهطاوي حول عناصر القربى بين الفرنسيين والعرب كما لاحظها ولاسيما "المروءة وصدق المقال، وغير ذلك من صفات الكمال"، فكأنما يؤكد نسبيًّا ما سبق لبيرك أن عناه بأولى الكلمتين المذكورتيْن، القرابة. أما الكلمة الثانية، الخصومة، فحديثها يطول وإن كان فيليو، وهو يهدي كتابه، يضفي معنى على محنة الضربات الإرهابية التي عاشتها فرنسا في بداية عام 2015 "باستعادة الزمن الطويل للتحرر" وبالإشارة إلى من سقطوا مؤخرًا من العرب وهم يدافعون عن الحرية "لأننا لن نكون أحرارًا حقًا إذا لم يكونوا هم أيضًا كذلك".
وربما لذلك يفتتح كتابه بالإشارة إلى أربع لحظات ذات دلالة في تاريخ العلاقات الفرنسية العربية و يؤسس بها أطروحة بحثه، تعود أولاهما، كما يذكر العرب خصوصاً، إلى بداية القرن التاسع الميلادي (802 و 807) حين أرسل هارون الرشيد خلالهما سفارتين إلى شارلمان. تليها اللحظة الأخرى المتمثلة عام 1270 في مقبرة لويس التاسع الذي قاد آخر حملة صليبية في النصف الثاني من القرن الثالث عشر والموجودة في الضاحية الشمالية لمدينة تونس التي مات فيها. ثم  عام 1536 الذي شهد تحالف فرنسوا الأول مع السلطان العثماني سليمان القانوني. وأخيراً عام 1680، حين دعا الفارس لوران دارفيو، قنصل فرنسا بحلب، إلى طرد الأتراك من حلب بفضل وحدة الأمراء المسيحيين وبمعونة العرب الذين لم يكونوا يمحضون الأتراك حبهم كما لاحظ آنذاك.
تلك لحظات متفرقات خلال عشرة قرون من تاريخ هذه القرابة والخصومة. لكن اللحظة الحاسمة بل والصادمة كانت عام 1798 بما ستنطوي عليه من مفارقات في مبناها كما هو الأمر في آثارها القريبة والبعيدة، ونعني بها حملة نابليون في مصر وما أدت إليه على الصعيدين السياسي والثقافي، لا في علاقة فرنسا بالعالم العربي عبر بوابته المصرية فحسب بل كذلك في بداية ما بات يؤرخ له بوصفه النهضة العربية أو عصر التنوير العربي مع بدايات القرن التاسع عشر.
جرت العادة في أدبيات المشرق العربي، الشامي خصوصًا، على تأريخ بداية عصر النهضة العربي مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي بداية قامت في جوهرها على عناصر غليان ثقافي وفكري تمثل في تجديد اللغة العربية وآدابها مع ومن خلال الانفتاح على آداب الأمم الأخرى. لكن جان بيير فيليو لا يرى الأمر كذلك، شأنه في ذلك شأن العديد من المفكرين العرب في مصر وفي بلدان المغرب العربي. إذ أنه يحدّد معهم بدايات النهضة ببدايات القرن التاسع عشر على إثر الهزة التي سبَّبتها حملة بونابرت على مصر (التي كانت عدوانًا استعماريًّا ومشروعًا ثقافيًا في آن واحد) والتي دفعت مصر والعرب إلى النضال في اتجاهين معًا: الخلاص من الهيمنة العثمانية ومقاومة الغزو الاستعماري الأوربي.
استعادة عاجلة لتاريخ العالم العربي خلال قرنين يمكن أن يوضح، اعتبارًا من فرنسا وللفرنسيين، مسارات العرب للخروج مما يطلقون عليه عصور الانحطاط التي تلت سقوط الخلافة العباسية وسقوط غرناطة. يرى فيليو في النهضة العربية معادل عصر التنوير الأوربي. وكان مسارها في أقطابها الثلاثة خلال القرن التاسع عشر: الدولة التحديثية بمصر والبناء الدستوري بتونس والفوران الثقافي في بلاد الشام، مسارَ صعود وهبوط، بل وانكسار أحيانًا، لكنه كان في الوقت نفسه فاتحة بدء وعي العرب بأنفسهم كأمة وكثقافة. ولن يختلف هذا المسار في العمق خلال القرن العشرين عما كان عليه في القرن التاسع عشر. ستتوالى المراحل بآمالها وبانكساراتها: اعتبارًا من 1922 نصف قرن من الاستقلال، ثم نهاية الحياة البرلمانية التي دامت عقودًا وبدء الانقلابات العسكرية خلال الربع الثالث من القرن الماضي، والوصول أخيرًا إلى ما يسميه فيليو هيمنة النموذج اللينيني في "جمعه بين رئيس ذى زعامة وحزب منضبط ومنظمات جماهيرية ذات ديمقراطية زائفة". وقد تمثلت هذه البنى "بدرجات مختلفة فى مصر لدى الإخوان المسلمين عام 1928 وفى تونس فى الدستور الجديد عام 1934، أو فى سوريا مع حزب البعث: قطيعة مع الممارسة البرلمانية". سيعرف العالم العربي لحظات مضيئة في تاريخه: أول مظاهرة نسائية بحلب عام 1899 احتجاجًا على اعتقال عبد الرحمن الكواكبي، مقاومة الاستعمار البريطاني في مصر عبر حملة مبهرة من العصيان المدني (قبل غاندي بوقت طويل)، عام 1919.  لكنه سيعيش أيضًا لحظات مأسوية عنيفة: سحق الانتفاضات الشعبية في العراق تحت الاستعمار البريطاني عام 1920، وفي سورية تحت الانتداب الفرنسي عام 1926، وفي ليبيا تحت الاستعمار الإيطالي عام 1931، ثم في فلسطين تحت الاستعمار البريطاني عام 1939. لكن خيانة النهضة كانت قد "تمت بواسطة القوى الاستعمارية أثناء الحرب العالمية الأولى" ولم تكن الاستقلالات التالية عليها إلا تحريرًا خادعًا. ذلك أن الديكتاتوريات التي دعمها الغرب حلت محل الاستعمار وحرمت الشعوب من ثمرات كفاحها.
سيزيد توالي  الكوارث بعد هزيمة 1967 من ترسيخ النظم الاستبدادية في مختلف بلدان العالم العربي، بل وسيؤدي إلى الكارثة الأكبر: انضمام المستبدين العرب ــ الذين استثمروا في الإرهاب حفاظًا على مواقعهم ــ إلى الحرب التي أعلنها الغرب ضد الإرهاب. هكذا وجد العالم العربي نفسه في وضع يكاد يتفوق في سوئه على الوضع الذي عرفه تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة: يكتب فيليو: "لم يعد النظام" إذن مجرد جهاز قمع سياسى، وإنما يتسلل إلى الفضاءات الأكثر حميمية لاسترقاق الفرد، ولجعله مدينًا بكفاءاته الخاصة،  أو إجباره على التسول كى يعيش، أو على الفساد كى يكسب راتبا. كان "آباء الأمة" قد قننوا نهب ثروات الأمة لصالح عصبتهم. واستحوذ تابعوهم ، الذين ازدادوا طمعًا بسبب أرباح عمليات "الخصخصة"، إراديًا، على عمل رعاياهم". أما فرنسا والعالم أمام هذا المشهد التراجيدي، فلم يعودوا يهتمون بالعرب إلا  من أجل السهر على استقرار الأنظمة التى تقمعهم. "مسار السلام" يدور فى الفراغ فى الشرق الأوسط، ولا يتم ذلك دون تغذية شريحة من ذوى الأعمال أو البيروقراطيين، من "سادة السلام"، بينما الاستيطان الإسرائيلى يتقدم، وفلسطين غزة تتحدى فلسطين الأخرى فى رام الله. مبارك فى مصر والقذافى فى ليبيا وصالح فى اليمن يجهزون أبنائهم للجلوس على العرش الرئاسى، على نموذج الديكتاتورية الوراثية لآل الأسد فى سوريا."
هذا الواقع، بإيجاز شديد، هو الذي كان سائدًا في العالم العربي حين هب ملايين الشباب فيه قبل ثمانية سنوات، من المغرب حتى الخليج، ينادون بحق الوجود في بلادهم أحرارًا. لكن الثورات المضادة وبدعم من الغرب، سوف تؤدي مهامها. ذلك أن مأساة التحرر العربي كما يقول فيليو: "تستثير فى مجتمعنا رفضًا أكثر من التعاطف، ويأساً أكثر من البصيرة. وهذا تحديدًا هو الهدف الذى يسعى إليه اليوم المستبدون العرب، على غرار "متخذى القرار" الجزائريين قبل ذلك بعقدين: دفعنا إلى ألا نرغب بعد ذلك في أن نرى ولا أن نفهم المآسى التى تحدث فى جنوب المتوسط، وجعل الشعور بالرعب يشل فهمنا، وإضفاء السواد في ظل المجازر على المعنى العميق لهذا القتال من أجل الحريات."
لاشك أن "الجلادين لا يرحلون من تلقاء أنفسهم" كما يقول. لابد من إسقاطهم. "يعرف العرب ذلك، ونظرًا لغياب مساعدتنا فهم يتطلعون على الأقل لتفهمنا.. وهو ما ينطبق على مستقبلنا المشترك وحريتنا معًا".

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 31 كانون الثاني/يناير 2019.

vendredi 25 janvier 2019



مفكرة المترجم


 بدرالدين عرودكي
■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟
** صدفة محضة. طلب إلي ذات يوم أن أترجم قصيدة رامبو "الحَدّاد" لنشرها في مجلة الطليعة السورية الأسبوعية،. ترجمت القصيدة. ولم تكن النتيجة، كما يبدو، شديدة السوء. إذ لم يعترض على الترجمة أحد كبار العارفين السوريين بشعر رامبو، صدقي إسماعيل، الذي خصص له أحد كتبه. هكذا بدأت العمل كاتبًا وصحفيًا حين عرض علي رئيس التحرير الانضمام إلى أسرة تحرير المجلة. وحين غادرت سورية لمتابعة الدراسات العليا بباريس، طلب إلي الدكتور سهيل إدريس أن أقوم بكتابة رسالة شهرية لمجلة الآداب عن النشاط الثقافي في فرنسا، ثم ما لبث أن طلب إليَّ إعداد وترجمة كتاب كان أنور عبد الملك يريد نشره لديه. وكان كتابُه الذي أعددته وترجمته، الفكر العربي في معركة النهضة، الصادر عن دار الآداب عام 1974، أولَ كتاب أترجمه.
■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
** أنهيت قبل شهريْن ترجمة كتاب قضيت من أجل إنجازه سنة كاملة، وأعني به كتاب "الحرب المقدسة، الاستشهاد والإرهاب ــ أشكال العنف المسيحية في الغرب" لفيليب بوك، أستاذ تاريخ القرون الوسطى في جامعة فيينا. ومن المنتتظر أن يصدر الكتاب قريبًا جدًّا عن مركز حرمون للدراسات والنشر ودار ميسلون. لم أبدأ ترجمة كتاب آخر لأنني لازلت أتابع إعداد الكتاب المشار إليه للطبع.
■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟
** من الممكن الإشارة إلى بعض أهم العقبات التي تواجه المترجم العربي وموضوع الترجمة نفسه مشروعًا وتخطيطًا وتنفيذًا: 1) مشكلة المصطلحات اللغوية التي لا تزال موضع اختلاف كبير بين مختلف البلدان العربية؛ 2) غياب التخطيط  بل وحتى التنسيق بين دور النشر العربية العاملة في حقل الترجمة، العامة منها والخاصة، من أجل عمل يستهدف التكامل بدلًا من الفوضى القائمة الآن؛ 3) غياب تقنين موحَّد لحقوق المترجم المادية والمعنوية في مختلف البلدان العربية.  
■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟
** لا أدري إن كان هناك من يحرر الترجمات لدى دور النشر العربية. ما أعرفه أن ثمة من يقوم بالتدقيق اللغوي، وهو أمر طبيعي ومطلوب، من أجل تلافي الأخطاء المطبعية أو الهفوات النحوية. لكني أرفض بالطبع أي محاولة لتحرير الترجمة التي تعني إعادة كتابة نصها الذي أرسلته للناشر لسبب بسيط، هو أنني أقوم شخصيًا بهذه المهمة التي أخصّص لها ما يكفي من الوقت قبل إرسال المخطوط للنشر. يحدث أثناء التدقيق اللغوي أن تطرح عليَّ أسئلة خاصة بهذه الكلمة أو تلك.. وقد لاحظت أن الأسئلة التي يطرحها عليَّ المدققون كانت تتناول غالبًا أخطاء مطبعية شابت كتابة بعض الكلمات، مما أدى إلى تغيير معناها أو جعل الجملة الواردة فيها غامضة غير مفهومة..
■  كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟
** علاقة ممتازة مع معظم الناشرين الذين نشروا ترجماتي. لقد سبق لي أن اقترحت كتبًا بعد قيامي بترجمتها وقبلها الناشر، ككتاب فن الرواية لميلان كونديرا ثم كتابيه الآخرين حول الموضوع نفسه وهي الكتب الثلاثة التي صدرت بالقاهرة في مجلد واحد عن المجلس الأعلى للثقافة تحت عنوان ثلاثية حول الرواية، أو كتاب جان بودريار حول روح الإرهاب؛ كما سبق أن كان الناشر هو من يقترح عليَّ عناوين بعض الكتب التي يرغب بنشرها مترجمة، فكنت أقرأها قبل الموافقة على ترجمتها.
■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
** الاعتبارات السياسية موجودة بالطبع. كان يهمني مثلًا أن أترجم مجموعة الكتيبات التي أصدرها جان بودريار إثر تفجيرات نيويورك في 11 أيلول عام 2011، بل قمت بنشر أحدها في عدة صحف أو مجلات عربية تصدر بالقاهرة وببيروت وبلندن مجانًا لرغبتي في أن يقرأها القارئ العربي الذي لا يتكلم الفرنسية. لم يحدث لي أن ترجمت كتابًا أقف على النقيض من طروحاته السياسية. لكن ذلك محض صدفة. ولو حدث وكان هناك كتاب لا أتفق مع طروحاته أو مع مواقف كاتبه السياسية ورأيت أن الكتاب ينطوي على أهمية معرفية هامة لما ترددت في القيام بترجمته، وكنت بالطبع سأترجم الكتاب، ثمَّ أقوم بنقد طروحات مؤلفه.. لماذا أحرم القارئ العربي بسبب عدم إتقانه اللغة التي أترجم عنها من إمكان قراءة كتاب يمكنني أن أقرأه بلغته الأصلية؟
■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟
** ربطتني بمعظم الكتاب الذي ترجمت لهم، حين كان ذلك ممكنًا، صداقة جميلة وأحيانًا عميقة على الصعيد الفكري: أنور عبد الملك، سوزان طه حسين، ميلان كونديرا، فيليب روجيه، نيللي آلار، آن سالمون، وأخيرًا فيليب بوك، على سبيل المثال لا الحصر.
■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
** علاقة بين عالمين منفصليْن! فخلال اليوم الذي أترجم فيه، لا أكتب؛ وفي اليوم الذي أكتب فيه، لا أترجم. لكل عالم حاله ووضعه وقوانينه والاستعداد النفسي الضروري له.  حين أترجم، أحاول أن أكون كاتب الكتاب كما لو كان هو نفسه يقوم بترجمته إلى العربية؛ وحين أكتب، أستعيد نفسي كليًا لاسيما وأن ما أريد كتابته ليس وليد اللحظة، بل يكون قد مرَّ بمراحل من التفكير والإعداد والاختمار قبل البدء بالكتابة الفعلية.
■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟
** من المؤكد أنها تسعِدُ من يحصل عليها من المترجمين. لكن الجوائز في عالمنا العربي، أيًّا كان موضوعها، لا تزال تشكو من ضروب تنظيم تبتعد بها عن غاياتها التي يفترض بها تحقيقها. ألاحظ مثلًا أنها غالبًا أسيرة مفاوضات بين أصحاب المصلحة على اختلافهم باستثناء مصلحة موضوع الجائزة بالذات!
■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟
** بالتأكيد هي مشاريع أفراد، مترجمين و/أو ناشرين. أما المؤسسات المختلفة (وعدد الفعّال منها لا يتجاوز ثلاثة مؤسسات في العالم العربي) فهي تعاني من انعدام التنسيق فيما بينها على صعيد الخطط والتكامل. فضلًا عن أنها تعاني من نقص التمويل أو من اضطرابه، مما لا يتيح إمكان وضع خطط عمل مشتركة تأخذ على عاتقها تجاوز النقص الخطير الذي تفتقر إليه المكتبة العربية اليوم، ولاسيما أمهات الكتب في العلوم الإنسانية والاجتماعية فضلًا عن العلوم الدقيقة.
■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
** مبدأ أساس: احترام النص الأصلي ومحاولة نقله إلى القارئ العربي بأكبر قدر ممكن من الدقة لغويًا وثقافيًا وجماليًّا.
■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟
** كل الكتب التي ترجمتها كانت إما من اقتراحي أو بعد موافقتي إذا كانت من اقتراح الناشر ــ بما أنني قرأتها ووافقتُ على ترجمتها ــ، وبالتالي فلم يحدث أن ندمت على كتاب ترجمته!
■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟
** أتمنى للترجمة إلى اللغة العربية أن تشمل أخيرًا كبرى المبدعات الفكرية والأدبية في العالم شرقًا وغربًا، في ترجمات محكمة، وأن تعيش دور النشر على إيقاع العصر فتنقل إلى القارئ العربي ما يتيح له أن يعيش عصره كأي قارئ في أوربا أو في اليابان. أما حلمي كمترجم فهو أن أرى ترجمة عربية للأعمال الكاملة لأحد كبار روائيي القرن التاسع عشر: ستندال، وكذلك أن تُعاد ترجمة كافة روايات ميلان كونديرا (في ترجمة محكمة) إلى العربية كما نشرت في الطبعة الفرنسية الأخيرة التي أشرف عليها بنفسه ضمن سلسلة لابلياد، كي يكتشف القارئ العربي عبقرية هذا الروائي المعاصر.

** نشرت في صحيفة العربي الجديد يوم الجمعة 25 كانون الثاني/يناير 2019.


jeudi 17 janvier 2019



مشهد ديمقراطية في أزمة 
بدرالدين عرودكي 
صحيح أن تاريخ الديمقراطيات الغربية الطويل شهد أزمات متفاوتة في خطورتها وكان أهمها وأشدها خطورة تلك التي أطاحت في بداية الثلث الثاني من القرن الماضي بنظمها وأدت إلى حروب طاحنة في أوربا خصوصًا. ولعل ما تشهده بعض الديمقراطيات الغربية اليوم، وبفضلها، من صعود حثيث فيها لليمين المتطرف الذي يمكن أن يقضي عليها ما إن يتمكن من ناصية الحكم، هو من بعض آيات هذه الأزمة التي تجتازها والتي لامناص للقوى الديمقراطية فيها من العمل على مواجهتها بكل الوسائل التي يجب أن تبقى ضمن إطار الديمقراطية نفسها. ولم تكن طبيعة الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت قبل سنة ونصف تخرج عن هذا المناخ العام والذي كانت فيها القوى الشعبوية قاب قوسين أو أدنى من سدة الرئاسة، والتي انتهت آخر الأمر إلى ما يشبه تفكك كل القوى السياسية التقليدية يمينًا ويسارًا، وانتخاب رئيس من خارج الأطر السياسية التقليدية، بدا وكأنه يعِدُ بالكثير مما لم يكن بوسع منافسيه جميعًا أن يعدوا به.
لذلك، لم يكن أحد من الفاعلين في المشهد السياسي الفرنسي يتوقع أن تتحول حركة انطلقت تطالب في البداية بإلغاء قرار رفع أسعار الوقود إلى حركة سياسية واسعة وفاعلة جعلت فرنسا، حكومة ومجتمعًا، تعيش أزمة حادّة غير مسبوقة في طبيعتها وفي اتساعها وفي تطلعاتها. لم تتوانَ قوى المعارضة السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين عن القيام بمحاولات اختراق هذه الحركة الشعبية عن طريق تبني مطالبها ومحاولات تجذيرها سرّا وعلانية. وكان من الواضح من تصريحات أفراد ارتدوا السترات الصفراء على عجل ترديدَهم لمطالب يجهرُ بها صراحة مسؤولون لدى حزبي المعارضة المتطرفيْن: اليساري واليميني في آن معًا. كما لم يتوان أفرادٌ عُرِفوا بانتماءاتهم إلى اليمين المتطرف عن اختراق الحركة بارتداء السترات الصفراء والقيام بأعمال التخريب والنهب التي طالت المتاجر والرموز المعمارية الوطنية، فضلًا عن الاعتداء على قوات الشرطة والدرك والعمل على تحويل شوارع المدن الكبرى إلى ساحات حرب أسبوعيًّا خلال مظاهرات السبت، في محاولة لوسم الحركة بالعنف، وربما إلى دفعها بالفعل إلى هذا الطريق بعد أن اعتبر البعض أن العنف وحده قمينٌ بحمل الحكومة على الخضوع.
ومع ذلك، باستمرارها وبتصميم أصحابها واتساعها، تمكنت حركة السترات الصفراء في فرنسا شيئًا فشيئأ، وبفضل النظام الديمقراطي نفسه، من دخول المشهد السياسي الفرنسي بوصفها حركة مختلفة، خارج أطر البنى السياسية والاجتماعية التقليدية القائمة من أحزاب ونقابات وبعيدًا عنها. ونجحت تدريجيًا في وضع النقاط على الحروف بالنسبة إلى ما بات يُعرف بمطالبها الأساس على الصعيدين الاقتصادي والسياسي: العدالة الاجتماعية في مجالي الأجور والضرائب من ناحية، وطبيعة وطرق الممارسة الديمقراطية عبر تعديل نظام الديمقراطية التمثيلية واعتماد الديمقراطية المباشرة من ناحية أخرى. وها هي اليوم تسجل أولى نجاحاتها عبر دفع السلطة التنفيذية لا إلى الاستجابة المباشرة لأولى مطالبها (إلغاء رفع أسعار الوقود، زيادة الحد الأدنى للأجور، إلخ) فحسب، بل إلى استجابة أشمل لمجمل تطلعاتها من خلال الدعوة إلى نقاش وطني شامل تشارك فيه مختلف الفئات الشعبية في جميع المناطق الفرنسية، بما فيهم بطبيعة الحال أصحاب السترات الصفراء، وإلى وضع آليات هذا النقاش التي ستبدأ برسالة يخاطب بها رئيس الجمهورية المواطنين الفرنسيين ويقترح فيها ما يراه الأسئلة الجوهرية التي يمكن أن يتناولها النقاش، مع فتح الباب أمام طرح أية مسألة أخرى تتناول هذا الجانب أو ذاك على كافة الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
سنلاحظ خلال كل ذلك أن أحزاب المعارضة يمينها ويسارها بقيت على هامش هذه المعركة الديمقراطية. لاشك أن استقصاءات الرأي قد لعبت دورًا حاسمًا في تعديل مسار الطرفين فيها: السترات الصفراء والسلطة التنفيذية. فالتأييد الشعبي لمطالب الحركة الذي تجاوز السبعين بالمائة والذي انخفض قليلًا بعد حوادث العنف التي جرت بباريس خصوصًا، حمل أصحاب السترات الصفراء، وهم يستمرون في مظاهراتهم وفي تجذير مطالبهم الاجتماعية والسياسية، على النأي بأنفسهم عن كل من يمارس العنف مستغلًّا المظاهرات، وعلى الابتعاد والتميز عن الأحزاب التي لم تتوقف عن محاولاتها استيعابَ حركتهم وتوجيهها. كما أنه من جهة أخرى دفع الحكومة إلى محاولة اتباع سياسة من أجل السيطرة على العنف من ناحية، والاعتراف بشرعية المطالب التي ترفعها الحركة والبحث عن طرق الاستجابة لها. وهو ما فتح المجال، على الأقل في الوقت الراهن، لبدء الخروج من عنق الزجاجة الذي بدا وكأن الديمقراطية التمثيلية قد حُبِسَت فيها. فلأول مرة منذ عام 1789، عام الثورة الفرنسية، كما كتب المفكر الفرنسي إدغار موران، سوف "يتم التعبير في مناخ مأزوم لا بالتصويت بل بالأمنية"، خلال فترة حددتها السلطة التنفيذية بثلاثة أشهر، وقدمت إطارًا مفتوحًا لها تضمنتها رسالة رئيس الجمهورية.
طبيعي أن تؤدي أحزاب المعارضة المختلفة دورها أو ما تعتبره وظيفتها: الاعتراض بحجة أن المطالب المطروحة في الشوارع واضحة ولا تحتاج إلى نقاش أو تأجيل : رفع الأجور وخفض الضرائب، على الصعيد الاجتماعي، وتبني الديمقراطية المباشرة التي تشرك المواطنين في اعتماد القوانين الخاصة بالقضايا السياسية والاجتماعية التي تمسُّ حياتهم. بل وأن يذهب الطرفان، أقصى اليمين وأقصى اليسار، إلى المطالبة بحل المجلس الوطني وإجراء انتخابات جديدة آملين الوصول بذلك إلى السلطة التي فاتهم الوصول إليها في الانتخابات الأخيرة. كان هامش المناورة أمام السلطة التنفيذية محدودًا. فحلُّ المجلس النيابي، كما فعل الجنرال ديغول إثر حركة الطلبة عام 1968، يمكن أن يؤدي بالأحرى إلى وصول اليمين أو اليسار الشعبوييْن إلى الحكم. وكان لابد، في ظل تراجع التأييد الشعبي للرئيس الحالي، من العثور على طريقة يستجيب بها إلى المطالب الجوهرية التي طرحتها حركة السترات الصفراء من جهة ومواصلة برنامج الإصلاحات الاجتماعية والسياسية التي اضطرت الحكومة إلى تأجيلها تحت ضغط حركة السترات الصفراء. هكذا، خرج الرئيس يعلن تفهمه لمطالب هذه الأخيرة، داعيًا إلى نقاش وطني عام يجري خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي ويؤدي بالنتيجة إلى اعتماد المطالب الشعبية التي ستستخلص من هذه النقاشات التي ستجري في كل المناطق والمدن والقرى الفرنسية.
بعد الرسالة التي وجهها الرئيس إلى المواطنين، ووضع آليات النقاش الوطني وضماناته القانونية والتنظيمية وتسمية المسؤولين على الإشراف على النقاش وضمان حريته وشفافيته،  افتتحت أول جلسة نقاش بحضور الرئيس ودعي إليها ستمائة عمدة لمدن وقرى منطقة الأور (النورماندي). دامت الجلسة ما يقارب سبع ساعات، كان خلالها ممثلون منتخبون، على مرأى من المواطنين الفرنسيين جميعًا الذين كان يسعهم متابعة هذه الجلسة على شاشات التلفزيون مباشرة، يقدمون لرئيس الجمهورية مطالب السكان الذين يمثلونهم ويطرحون عليه مباشرة وفي غياب أي تنسيق أو إعداد مسبق، كل الأسئلة ــ بما فيها الأسئلة التي تتناول الموضوعات الحساسة ــ التي كانت من قبلُ مطروحة بين أصحاب السترات الصفراء والتي تتناول حاجات من يمثلونهم من السكان وتطلعاتهم بصورة بالغة الشفافية، منتقدين بعض القوانين التي صدرت في العهود السابقة أو منذ انتخابه، أو مقترحين بعض الإجراءات التي تسهم في تحسين شروط معاشهم في المناطق الريفية والزراعية. وحرص رئيس الجمهورية على أن يرد على كل سؤال طرح عليه، بهدوء وبشفافية، أمام الفرنسيين جميعًا. سيلاحظ المشاهدون/الشاهدون أن الرئيس حظي، حين دخوله القاعة، ببعض التصفيق الخجول، وأنه، في نهاية الساعات السبع، حظي بتصفيق الجميع وقوفًا!
لا يسع كل من تابع هذا النقاش غير المسبوق، على الأقل خلال السنوات الستين من عمر الجمهورية الخامسة، إلا أن يقف بإعجاب أمام مشهد لا يمكن لأي نظام آخر غير نظام الديمقراطية أن يتيحه ــ وذلك ضمن القواعد التي تفرضها هذه الأخيرة ــ من حقوق للجميع في الاختلاف والاعتراض والمطالبة والمحاججة. كلٌّ في مكانه وحسب موقعه: رئيس الجمهورية وممثلو السكان المحليين. وغدًا مع مواطنين لا يحملون عبء أي مسؤولية عامة. كلٌّ في موقعه وفي إطار وحدود هذا الموقع وما يترتب عليه من حقوق وواجبات.
لا يستطيع أحدٌ اليوم أن يتنبأ اليوم بمآل الأزمة التي فجرتها حركة السترات الصفراء. قد يؤدي هذا النقاش الوطني العام إلى الخروج منها. وذلك يعني نجاح الديمقراطية في عبور عنق الزجاجة عن طريق تجديد نفسها خصوصًا. وقد يؤدي أيضًا إلى استفحالها. وهو ما قد يعني فتح الأبواب أمام اليمين الشعبوي، أي أمام المجهول.
يبقى أن فرنسا، منذ السابع عشر من شهر تشرين أول/أكتوبر الماضي، تقدم درسًا غير مسبوق في ممارسة الديمقراطية..

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 17 كانون الثاني 2019.


jeudi 3 janvier 2019



قتلة الربيع العربي 
بدرالدين عرودكي 
لم  يكن من قبيل الصدفة وقد بدأ الانتقال من القول إلى الفعل في إعادة تأهيل النظام الكيمياوي في سورية بدءًا بدول العالم العربي، أن يقوم الأمين العام للجامعة العربية ووزير خارجية مصر السابق، وهو يتحدث في محاضرة له بجامعة القاهرة مؤخرًا عن تجربته دبلوماسيًا ووزيرًا، بالقول، أخيرًا، وبالفم الملآن ما كان الكثير من عمداء الثورات المضادة ومحلليها الاستراتيجيين في العالم العربي يحجمون عن قوله حياء، أو خشية، أو، وهو الأرجح، خبثًا:
"هناك خطأ يجب أن نقف في وجهه ونقوّمه، موجودٌ حاليًا، أدى إلى انتشار موجات التطرف والإرهاب، وهو ما يسمى بثورات الربيع العربي". ويضيف لمزيد من التوضيح: "إن تدمير الدول العربية وقتل مئات الآلاف من العرب لا يمكن أن يسمى ربيعا عربيا، فثورات الدول العربية لم تكن ربيعا، بل كانت دمارا لكونها أدت إلى انتشار الإرهاب والتطرف". وكذلك، لكي يبدو أكثر واقعية: "كان هناك حاجة للتغيير ليس في مصر ولكن في العالم العربي، وكان لابد أن نسلم بها وندعمها ونعطيها الفرصة، ولكن المشكلة هي كيفية إدارة التغيير دون القتل وإهدار الدماء والمليارات، وهو ما حدث بالفعل".
لنلاحظ أولًا أنه بهذه الصيغ: "ما يسمى بثورات الربيع العربي"؛ "ثورات الدول العربية"، ثم بعد تسجيل هذه الاختصارات ــ التي باتت أداة كل الناطقين باسم أو المدافعين عن الثورات المضادة في العالم العربي ــ في قفزه البهلواني فوق الوقائع والتاريخ والأشخاص والجماعات، لكي يؤكد الغاية التي يسعى إليها: مسؤولية الدمار، وقتل الآلاف من العرب تقع حصرًا على "ما يسمى" الربيع العربي. ينكر السيد الأمين العام تسمية ما حدث في عام 2011 بـ"ثورات الربيع العربي" لكي ينتقل فورًا إلى اعتبارها، بكل بساطة، "دمارًا" وسببًا في "انتشار الإرهاب والتطرف". ولم يلاحظ سيادته حين يستخدم تعبير "ثورات الدول العربية" أن الدول، عادة، لا تثور، وأن من ثار بالتالي لم تكن الدول العربية بل شعوبها، لتخليص هذه الدول من براثن النظم الاستبدادية على اختلافها التي كانت تهيمن عليها.  أما "الحاجة إلى التغيير" التي كان يجب التسليم بها ودعمها، فلا ضرورة لدى السيد الأمين العام أن يذكر لماذا تأخرت الاستجابة إلى هذه الحاجة عمليًا أكثر من ثلاثين عامًا على الأقل ومن المسؤول، ودون أن يقول، ثانية، من الذي أدار طريقة الاستجابة إلى مطلب التغيير، ومن الذي مارس القتل ومن أهدر الدماء والمليارات!
وإذا لم يكن من الممكن لأحدٍ سليم العقل والوجدان عاش، منذ عام 2011 على الأقل، ما حدث في العالم العربي يوما بعد يوم، إلا أن يتجاوز اختصارات السيد الأمين العام وأن يفهم أن المقصودَ بـ"الربيع العربي" على لسانه، ــ وهو يختصر متجاهلًا الحقائق عامدًا متعمدًا ــ كان ملايين الذين خرجوا في تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية يطالبون بالحرية وبالكرامة، فما القول بالنسبة للذين عاشوا ورزحوا طوال النصف الثاني من القرن العشرين تحت حكم العسكر، أو شهدوا توالي الانقلابات العسكرية تحت مسميات مختلفة تتراوح بين الثورة والحركة التصحيحية وما أدت إليه من دمار اجتماعي وثقافي وسياسي حقيقي لم يشر إليه السيد الأمين العام، أو محاولات عدد من رؤساء "الجمهورية" خلال تلك الفترة توريث السلطة للأبناء كما لو كانت بلد كل منهم مزرعة عائلية خاصة، كما حدث في سورية؟  
نعلم أن الأمين العام للجامعة العربية لم يكن أول من يُجرِّمُ "الربيع العربي"، لكن لتجريمه، نظرًا لموقعه الوظيفي، دلالة خاصة. فقادة الثورة المضادة كانوا، بانقلاباتهم العسكرية خصوصًا، قد جرموه قبلَه بالفعل لا بالقول؛ وآخرون منهم لم يعدموا وسيلة إلا واستخدموها للقضاء عليه. ولا يزال مثال سورية قائمًا أمام أعيننا. لكن موعد حصاد نتائج الثورات المضادة يبدو الآن، بعد ثمانية سنوات من الاعتقالات والتغييب القسري والقتل والتهجير وبدء ما يسمى إعادة تأهيل القتلة على أيدي المحتل الأكبر وشركائه المتواطئين معه غربًا وشرقًا، كما لو أنه صار يبيح انطلاق الألسنة "الرسمية" كي تقول صراحة وعلنًا ما كان سادتها، أعداء الثورة، يفعلونه في الميدان، وفي مقدمتها أكثرها رمزية على صعيد التعميم، أي أمين عام جامعة الدول العربية!
لن يكون غريبًا والحالة هذه أن يرمي مشروع قادة الثورة المضادة لعام 2019 إلى التكريس الرسمي لـ"نهاية الربيع العربي"، بعد تجريمه وتحميله مسؤولية الدمار الذي "أدى إليه في البلدان التي وقع فيها". لكن العبرة على كل حال بالخواتيم كما يقال. والخواتيم لا تزال، أيًّا كانت المظاهر، مجرد رغبات لدى هؤلاء القادة تتلوها محاولاتهم التي تشارك فيها معظم القوى الدولية الفاعلة، والإقليمية، العربية وغير العربية، التي وقفت ضد ثورات الشعوب العربية ودعمت سياسيًا وماليًا وعسكريًا الثورات المضادة. ذلك أنه لا يمكن بقرار ما ــ رغم كل ما شهدناه ونشهده من محاولات الخنق والتخوين والتجريم بل والدفن ــ اعتبار الهزة السياسية والاجتماعية والثقافية التي حدثت في عام 2011 قد انتهت، ما دامت ارتداداتها لم تحدث بعد. وما مشروع التكريس المشار إليه إلا محاولة طمس ما لا يُطمَس من عدد هام من الوقائع: أن ثورة الشعوب في العالم العربي ممكنة؛ أن هذه الثورات ليست مؤامرات خارجية بدليل أن "الخارج" المتهم بها هو من يدعم القضاء عليها؛ أن من قاموا بهذه الثورات على وعي بأن ما ارتكبوا من أخطاء كانت نتيجة حرمانهم من ممارسة السياسة بمعناها النبيل هو الذي حال دون الوصول بثوراتهم إلى الهدف المنشود؛ أن مطالب الشعوب العربية خلال هذه الثورات، من تونس إلى سورية، كانت واحدة؛ أن من قاموا بالثورة في هذا البلد العربي أو ذاك كانوا يتابعون ما يجري في البلدان الأخرى ويحاولون تجنب الأخطاء؛ أن الذين أسرعوا باللحاق بالثورات أو حاولوا ركوب قطاراتها من المخضرمين في عالم السياسة والنضال، كانوا أحد فريقيْن: إما فريق تخلى عنها لدى أولى عثراتها، وإما فريق عجز عن القيام بالمهمة التي تصدى لها حين التحاقه بها؛ أن الثورة ليست عملية انقلاب عسكري ينجح أو يفشل، بل هي عملية اجتماعية عميقة تستمر ما استمرت الأسباب الداعية إليها، وهي أسباب تفاقمت اليوم بفعل الثورات المضادة، ومن ثمَّ فهي لا تزال راهنة أكثر من أي وقت مضى؛  أن انفجار الثورات لا يحدث بناء على قرار أو مرسوم، بل هو كالعاصفة تعلن عن نفسها حين تحدث، وتجرف كل ما يقف في طريقها بلا تمييز.
هذه الثورات، التي عرفت بثورات الربيع العربي، لم تنته بعد.. وهي لم تنته لأنها لم تؤتِ أكلها المنتظر. ذلك أن خطأ أمين عام جامعة الدول العربية في حديثه عنها وفي توصيفها يكمن لا في اختصارات الاستغباء التي لجأ إليها فحسب، بل، خصوصًا، في استخدامه صيغة الماضي عن حدث لا يزال يتفاعل أمام عينيْه في طول العالم العربي وعرضه.
ومن الأجدر له ألا ينسى: يضحك كثيرًا من يضحكُ أخيرًا.

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 3 كانون الثاني/يناير 2019.


jeudi 20 décembre 2018



بين عالميْن
 بدرالدين عرودكي 
قبل أسابيع، أثار إعلام النظام الكيمياوي في سورية، على عادته في الصفاقة وفي الاستغباء، سخرية العالم، حين تحدث عن "العنف" الذي واجهت به الشرطة الفرنسية مظاهرات وتجمعات السترات الصفراء. لم يكن وحده الذي تميز بذلك في العالم العربي. فإعلام عدد من النظم الاستبدادية التي تسوق مواطنيها إلى السجن بلا محاكمة، أو تقتلهم أثناء التعذيب، أو تقوم باغتيالهم، لمجرد ممارستهم حق التعبير بتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو بمقالات يعبرون فيها عن رأيهم حول ما يجري في بلادهم، وتعجز عن النظر إلى انعكاس أفعالها ــ التي ترتقي إلى جرائم حرب ــ على وجوهها في المرآة، سار في الدرب نفسه مادامت النظم التي يعمل تحت إمرتها قادرة على أن ترى في ما يقوله الآخرون أفعالًا تتيح لها توجيه التهم الرخيصة والكاذبة لهم، وتسمح لإعلامها ممارسة حرية المبالغة والتشويه، في الوقت الذي ترفض فيه أن ترى سوأتها التي يراها الجميع. هكذا، لا يستطيع المواطن العربي، بدءًا من السوري، إلا أن يقارن، بمرارة، بين عالميْن يتواجدان في زمن واحد، وفي قرية واحدة صارتها الكرة الأرضية !
مظاهرات السترات الصفراء العفوية التي انطلقت تعلن مطلبًا بسيطًا: إلغاء قرار رفع أسعار الوقود الذي كان مقررًا تطبيقه اعتبارًا من أول العام الجديد، تحولت خلال أسابيع ثلاثة إلى حركة عمَّت فرنسا كلها، واكتسبت دعمًا شعبيًا منقطع النظير، منذ بداياتها، أرغم الرئيس والحكومة على إعادة النظر في قراراتهما، وعلى اتخاذ قرارات لم تكن على جدول أعمالهما بلغت كلفتها الأولية ما لا يقل عن 12 مليار يورو. صحيح أن ما قامت به جماعات المشاغبين من اختراق لمظاهراتها، وارتداء بعض أفرادها السترات الصفراء، ومن تكسير واجهات المتاجر ونهبها، وقلب السيارات الخاصة للمواطنين وحرقها، وممارسة العنف الحقيقي ضد كل من يحاول من المتظاهرين السلميين مواجهتها، أدى، في نهاية الأمر إلى انحسار الدعم الشعبي للمظاهرات، إلا أن هذا الدعم بقي على حاله بالنسبة إلى المطالب التي كان سقفها يرتفع يومًا بعد آخر. لم تعد المظاهرات تنادي بضرورة رفع الحد الأدنى للأجور أو تخفيف الضرائب عن الغالبية العظمى من الطبقات الفقيرة والوسطى، أو إلغاء زيادة الرسوم المقررة على رواتب المتقاعدين فحسب، بل انتقلت في قفزة نوعية، ذات طابع سياسي هذه المرة، إلى المطالبة بتطبيق  نظام يسمح للشعب التدخل مباشرة في الحياة السياسية عن طريق استفتاءات يمكن بها إلغاء هذا المرسوم أو ذلك القانون، من خلال ما أطلق عليه استفتاء مبادرة المواطنة، تستجيب الحكومة له بناء على عريضة يوقعها سبعمائة ألف مواطن، على غرار النظام المعمول به في سويسرا خصوصًا. أي، بعبارة أخرى، كسر ديمقراطية التمثيل عبر المؤسسات المختلفة التي تعرفها فرنسا ودول الاتحاد الأوربي والانتقال، بصورة أو بأخرى، إلى الديمقراطية المباشرة التي تمارس عبر الاستفتاءات وتؤدي إلى إقالة أي مسؤول منتخب أو معيّن، بما في ذلك رئيس الجمهورية في حال عدم تطبيقه البرنامج الذي انتخب بناء عليه.
حملت هذه الحركة الشعبية الواسعة لا على استنفار أجهزة الإعلام المختلفة التي شرعت بإجراء نقاشات واسعة حول مطالب الحركة وإمكانات الاستجابة لها فحسب، بل كذلك على استنفار كافة أجهزة الدولة، بدءًا برئاسة الجمهورية، من أجل دراسة طرق العمل لتحقيق هذه المطالب، ومن ثم على دعوة كافة القوى الحزبية والنقابية وممثلي السترات الصفراء في مختلف مدن فرنسا ومناطقها، للإسهام في مناقشة كل ما يطال الأمور التي تمس حاضر فرنسا ومستقبلها على صعيد البيئة والسياسة والاقتصاد، بما في ذلك المطلب الذي بات رئيسًا لدى السترات الصفراء، أي استفتاء مبادرة المواطنة.
يحمل ما جرى في سورية أيضًا، قبل ما يقارب اليوم من ثمانية سنوات، على القيام بمقارنة طفيفة مع ما يجري في فرنسا منذ نيف وشهر. فما يمكن أن نسميه اليوم "الحدث السوري" بدأ بمظاهرات سلمية تطالب بالحرية وبالكرامة. لكن قوات الأمن الأسدية لم تواجه المتظاهرين بخراطيم المياه، أو بالغازات المسيلة للدموع، كما فعلت الشرطة الفرنسية خصوصًا عند قيام أي من المتظاهرين بمخالفة قانون التظاهر، بل اختارت ما كانت تراه أكثر فعالية ونجوعًا: بدءًا بالرصاص الحي وانتقالًا إلى القصف بالمدافع، وصولًا إلى تدمير المدن والقرى بالبراميل. لم تقم قوات الأمن السورية بإحالة المتظاهرين إلى القضاء بسبب أفعال عنف أو ارتكاب مخالفات للقانون العام، كما فعلت الشرطة الفرنسية مع المشاغبين واللصوص الذين اخترقوا مظاهرات السترات الصفراء حصرًا، بل قامت باعتقال المتظاهرين ومارست تعذيبهم الذي كان ينتهي إلى القتل غالبًا. أما مؤتمرات "الحوار" الصورية التي دعا إليها نظام الاستبداد الأسدي، فلم تكن تستهدف سوى ذرَّ الرماد في العيون، بينما كانت قواته الأمنية تمارس مهامها في القمع بلا رحمة.
سوى أن فرنسا بلد ديمقراطي ــ كما يتجاهل نقادها في النظم الاستبدادية العربية ــ لا يستطيع فيه الحاكم أيًّا كان ــ حتى لو كان جنرالًا ــ أن يفعل ما يشاء كيف يشاء. وليس بوسعه إلا أن يعمل ضمن حدود القوانين. لهذا، كان أصحاب السترات الصفراء يمارسون حقهم الكامل في الاحتجاج وفي الاعتراض على القرارات الحكومية. ولم يكن ارتفاع سقف مطالبهم إلى ما وصل إليه خلال أسابيع قليلة إلا نتيجة تراكم ما تواجهه الديمقراطية التمثيلية نفسها من مشكلات تجلت في تضاؤل نسبة الإقبال على الاقتراع في الانتخابات الرئاسية والنيابية. كما لو أن الديمقراطية التمثيلية، على تفاوت طرق ممارستها بين بلد أوربي وآخر، قد بلغت حدودها القصوى، فبات ضروريًّا إعادة النظر في بعض مفاصلها الأساس. ولاشك أن اللبرلة المفرطة للاقتصاد خلال الأربعين عامًا الماضية قد لعبت دورًا، لا في محو الحدود على هذا الصعيد بين اليمين واليسار التقليديين فحسب، بل للحدّ من دور النقابات الذي كان شديد الفعالية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. أدى ذلك كله إلى تراجع متواصل في مستوى معيشة الطبقات الوسطى، وإلى الحدِّ من فوائد الضمان الاجتماعي والصحي، مثلما أتاح، في الوقت نفسه، لليمين المتطرف أن يستغل هذا القصور من خلال شعارات شعبوية تمكن بفعلها من الوصول إلى السلطة في ثماني دول أوربية. وكانت النتيجة في فرنسا نمو التيارين الشعبويين، اليمين المتطرف واليسار المتطرف، على حساب اليمين واليسار التقليديين اللذين لا زالا يعيشان انهيارًا غير مسبوق خلال السنوات الأربعين الأخيرة.
بين عالميْن إذن: عالم بلاد يقمع فيها حكامُها شعوبَها ويحرمون عليها الحرية قولًا وفعلًا، وعالم تسعى فيه شعوبٌ مجاورةٌ ترغم فيه حكامَها على الاستجابة إلى ما تطالب به: تعميق الديمقراطية التي تعيش مع ذلك في ظلها والتي يسَعها، بفضلها، أن تفعل ذلك.

** نشر على موقع جيرون، يوم الخميس 20 كانون أول/ديسمبر 2018


dimanche 16 décembre 2018




صحبةَ مُبدَعِ كونديرا (1)
En compagnie de l'oeuvre de Kundera

بدرالدين عرودكي 
كتب كونديرا: "...الروائي هو الذي يريد، كما يرى فلوبير، أن يختفي وراء مبدعه. أن يختفي وراء مبدعه يعني التخلي عن دور الشخص العامّ. وليس ذلك من السهل اليوم حيث يتوجب على كلِّ شيء ينطوي على أهمية ما إن يمرّ من خلال مشهد وسائل الإعلام الجماهيرية المضاء على نحوٍ لا يحتمل والتي تقوم، خلافاً لقصد فلوبير، بإخفاء المبدع وراء صورة مؤلفه. وفي هذا الوضع الذي لا يستطيع أي امرئ تفاديه كلياً، تبدو لي ملاحظة فلوبير كما لو أنها تحذير: ذلك أن الروائي، إذ يقبل القيام بدور الشخص العام، يعرِّض للخطر مبدعَهُ الذي يمكن أن يعتبر مجرد ملحق لحركاته ولتصريحاته ولمواقفه. هذا في حين أن الروائي ليس ناطقاً باسم أحد، بل إنني سأذهب في هذا التأكيد إلى درجة أن أقول إنه ليس  ناطقاً حتى باسم أفكاره الشخصية."
هذا الاختفاء الذي الذي كان فلوبير يراه ضروريًا للروائي كي لا يرى القارئ أمامه سوى الرواية وحدها، سوف يعمل به كونديرا جاعلًا منه قاعدة حياته وسلوكه روائيًا. فقد كان في أعماقه يتمنى، كما صرح بذلك مرارًا، لو استطاع، أن يكتب تحت اسم مستعار، ولاسيما حين كلفته كتاباته فقدان وطنه الأصلي، الذي كان أيضًا وطن فرانز كافكا. إذ أنه بعد نشر روايته "المزحة" عام 1967 في بلده خلال ربيع براغ، منع من النشر كليًا في السنة التالية، وبقي كذلك حتى اضطراره إلى الهجرة إلى فرنسا عام 1975.
ازدادت مع الأيام قناعته بضرورة أن يحمي مبدعاته من أية عناصر يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار من أجل فهم مبدعاته، سواء تلك المستقاة من سيرته الشخصية، أو تلك التي يمكن أن تؤخذ من مقابلات صحفية أو إذاعية لم يمهرها بتوقيعه، أي لم يعترف بها، كالمحادثتيْن اللتين ثبَّتهما في كتابه فن الرواية. وقد أتيحت له الفرصة أن يجسّد هذه الرغبة فعلًا حين قررت منشورات غاليمار استقبال أعماله ضمن سلسلتها الشهيرة، لابلياد، أو الكواكب، والتي تقوم منذ إطلاقها في بداية العقد الثالث من القرن الماضي، بنشر الأعمال الكاملة أو شبه الكاملة للكتاب والفلاسفة في العالم، اعتمادًا على المخطوطات والطبعات المختلفة للأعمال المنشورة من قبل، يقوم المختصون بدراستها وتمحيصها وتحليلها وتقديمها للقارئ قبل أن يضمها مجلد أو أكثر في السلسلة. كان دخول كونديرا هذه السلسلة وهو على قيد الحياة استثناءًا سمح له اشتراط إعداد هذه الطبعة تحت إشرافه المباشر. ومن هنا تفرّدت هذه الطبعة، ضمن المجلدات التي نيَّفت هذا العام على ستمائة وثلاثين مجلدًا في هذه السلسلة بأنها، بدلًا من أن تحمل كمثيلاتها عنوان: "الأعمال الكاملة Œuvres complètes"، أو "أعمال Oeuvres" بالنسبة للطبعات التي لم تكن كاملة بعد، حملت على المجلديْن اللذيْن خصصا لها، عنوان: "عمل Oeuvre"، جمعت فيهما مجموعته القصصية الوحيدة، ورواياته العشر، ومسرحيته الوحيدة، وكتبه الأربعة حول الرواية. وبذلك كانت منشورات غاليمار تستجيب عمليًّا لمطلب كونديرا في أن يختفي وراء ما يعتبره "أعماله"، مهملًا على سبيل المثال مجموعاته الشعرية الثلاث التي سبق له أن نشرها شابًا قبل أن يتحول كليًا نحو الرواية، أو قصصًا قصيرة كتبها ولم تضمها مجموعته الوحيدة في هذه الطبعة، فضلًا عن العديد من المقابلات الإذاعية والتلفزيونية أو الصحفية التي سبق له أن أجراها خلال السنوات العشرين التي تلت وصوله إلى فرنسا ولاسيما بعد أن غطت شهرته الآفاق بعد نشر روايته خفة الكائن التي لا تحتمل وترجمتها إلى مختلف لغات العالم الحية.    
لذلك، لن يجد ماتيو غاريغو ـ لاغرانج، صاحب برنامج "صحبةَ المؤلفين" بإذاعة فرنسا الثقافية، والذي خصص أربع حلقات للحديث عن مُبْدَع ميلان كونديرا أذيع بين الإثنين 3 والجمعة 6 كانون الأول/ديسمبر الحالي، سوى بضع كلمات تلخص حياة كونديرا الشخصية: ولد في الأول من نيسان/أبريل بمدينة 1929، بمدينة برنو في تشيكوسلوفاكيا؛ هاجر إلى فرنسا عام 1975؛ جُرِّدَ من جنسيته التشيكية عام 1979؛ حصل على الجنسية الفرنسية عام 1981. أما مضمون البرنامج، الذي سيشارك فيه عدد من الذين كتبوا عن كونديرا، كتابًا أو أكاديميين، فسوف يتناول مؤلفات كونديرا الروائية أو حول الرواية، على النحو الذي أراد لها أن تكون المرجع الأساس الذي باتت طبعة لا بلياد التي أشرف عليها بنفسه، تؤلفه من الآن فصاعدًا.
لم يُدعَ كونديرا للحديث مباشرة خلال هذه الساعات الأربع التي خصصت له وهو يقترب من عامه التسعين. ولا أظن أنه كان، لو دُعِيَ، سيقبل المجيء، لاسيما بعد أن بدا في هذه الطبعة المشار إليها وكأنه يختتم ما أراد أن يقوله، خصوصًا وأن روايته الأخيرة، عيد اللا معنى، التي لم يضمها المجلد الثاني من سلسلة لابلياد عند صدورها، قد أدرجت في طبعة جديدة للمجلد الثاني إلى جانب رواياته التسع التي ضمتها طبعته الأولى. وكان على صاحب البرنامج أن يبحث في أرشيف الوسائل السمعية البصرية عن مقابلات أو حوارات سبق لكونديرا أن أجراها من قبل ولم ينشرها كم قلنا، أو قراءة بعض المقتطفات من أعماله ذاتها في تناول هذه الثيمة أو تلك التي عالجتها كل من الساعات/الحلقات الأربع.
هل يعني هذا أن كونديرا بلغ الغاية التي كان ينشدها من حماية أعماله بسور منيع لا تنفذ منه أية عناصر أخرى تشوه فهمها أو تحور دلالاتها؟  
من الممكن القول، بعد الاستماع إلى الحلقات الأربع، إن كونديرا لن يكون مستاءًا مما قيل خلالها، رغم أنه، كأي روائي مبدع مثله، ربما كان ينتظر قراءة أخرى لمبدعاته عبر تحليلها بعمق أكثر وربما باستخدام مناهج أخرى في القراءة النقدية مادامت النصوص المرجعية متاحة بكاملها للقارئ وللناقد. غير أن الحذر ــ كما أرى ــ غلب على معظم المشاركين باستثناء واحد منهم بدت قراءته لتجربته الشخصية في الحب أكثر طغيانًا على ما قام به من تحليل لهذه الثيمة في مبدع كونديرا بوصفه وثيق الصلة به وبمؤلفه.
خصصت كل حلقة لمعالجة ثيمة محددة في روايات وفكر كونديرا : الوضع الوجودي، الذي دعي للحديث فيه الأكاديمي الكندي فرنسوا ريكار، الذي أعد تحت إشراف كونديرا طبعة مبدعاته في سلسلة لابلياد وقدم لها مثلما كتب سيرة المبدعات، كلاً على حدة ــ لا سيرة مؤلفها! ــ؛ نظرية للرواية التي دعيت لتقديمها مارتين بواييه فينمان، أستاذة الأدب المعاصر بجامعة ليون؛ عن الحب، التي دعي للحديث فيه الكاتب آلان فنكلكروت؛ وأخيرًا، كونديرا :الالتزام؟ المنفى؟، التي دعي لمناقشتها هيلين باتي دولالاند، أستاذة الأدب الفرنسي في القرن العشرين بجامعة باريس، والكاتب فرنسوا تايّاندييه.
أما مدير البرنامج فقد التزم رغبة كونديرا في الاعتماد على كتاباته كما وردت في طبعة لابلياد، وعلى مقابلات أجراها، لم ترد في الطبعة المذكورة، لكنها مسجلة بصوت كونديرا نفسه من جهة، ولا تخرج عما كتبه في مختلف مبدعات الروائية أو حول الرواية، لكن الغرض من الاعتماد عليها كان إتاحة الفرصة سماع صوت كونديرا نفسه وهو يدلي بها.
لا يزال السؤال، مع ذلك، مطروحًا: ما مدى نجوع القاعدة التي عمل كونديرا على فرضها على دارسي مبدعاته ونقادها، الآن وفي المستقبل؟
(سنستعرض في المقال القادم منهج مقاربة الحلقات الأربع المشار إليها لمبدع كونديرا، وكذلك التساؤل عن مدى صمود السور الذي بناه كونديرا حول مبدعه.)   

** نشر على موقع جيرون، يوم الأحد 16 كانون أول/ديسمبر 2018.


jeudi 6 décembre 2018



الديمقراطية في محنة الامتحان 
 بدرالدين عرودكي 
  يمكن لمظاهرات السترات الصفراء، التي انطلقت في مختلف مناطق فرنسا منذ نيف وثلاثة أسابيع، أن تقدم بعض الدروس الدقيقة والضرورية حول الديمقراطية، بوصفها نسقًا وخبرة وممارسة، والتي تواجه، خلال السنوات الأخيرة في أوربا، بعض أخطر امتحاناتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي التي شهدت، وبواسطتها، صعود النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا. وهي دروس لابد أن يقرأها جيّدًا من يحسبون، في العالم العربي عمومًا وفي سورية خصوصًا، أن النظام الديمقراطي ينحصر في أو يقتصر على صناديق الاقتراع والانتخابات الحرة؛ أو الذين يتجاهلونها باستهتار حين يصرون على سلوك نهجهم في استغباء أنفسهم وكل من حولهم وهم يبثون عبر وسائلهم الإعلامية المرئية صورًا متحركة تظهر الحياة الوديعة في دمشق جنبًاً إلى جنب صور مماثلة تبرز النار والدخان و "عنف" الشرطة ضد المتظاهرين في شوارع باريس في اليوم ذاته؛ أو أيضًا، وربما خصوصًا، من يتشدقون بها ليل نهار في أحاديثهم أو في كتاباتهم دون أن يمارسوها يومًا حتى ضمن دائرة أسرتهم. ذلك أن ما تعيشه ديمقراطية فرنسا اليوم من احتجاجات شعبية، آخذة في النمو وفي التطور وفي الاتساع على كل المستويات، بات من الصعوبة بمكان مقارنتها، سواء على صعيد الظروف الاقتصادية أو السياسية، مع ما عاشته خلال السنوات التي سبقت استقلال الجزائر في نهاية خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي، أو خلال ثورة الطلبة في أيار/مايو، أو حتى في خريف عام 1995.
لم يكن العنف وسيلة المتظاهرين من أجل استقلال الجزائر أو وسيلة حركة الطلبة الثائرين ذات الطابع السياسي والاجتماعي والثقافي، بل أداة السلطة وحدها، آنئذ، لقمع المتظاهرين. أما اليوم، فهو، إلى جانب ممارسته المعتادة في المظاهرات السلمية من قبل مجموعات قليلة من المشاغبين الدخلاء على المتظاهرين من أجل السرقة والأذى، يُمارسُ من قبل قطاع من المحتجين الذين ساروا على أثرهم، ولم يترددوا في اللجوء إليه وسيلة لفرض مطالبهم على الحكومة من أجل الرجوع على قراراتها في فرض الضرائب على أسعار الوقود، ثم احتجاجًا على النظام الضريبي في مجمله كما يمارس اليوم في فرنسا. سوى أن العنف الذي لابد أن يستدعي عنفًا مُقابِلًا يمكن أن يتفاقم من الطرفين وأن يضع النظام الديمقراطي نفسه على المحكِّ تحت طائلة خطر انهياره إن لم تتوفر شروطه الضرورية كاملة.
وإذا كان انطلاق حركة السترات الصفراء بسبب قرار زيادة الضرائب على أسعار الوقود انطلاقًا عفويًا اكتسب شعبيته على نطاق واسع في فرنسا بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه تطور خلال أسابيع ثلاثة إلى حركة احتجاج واسعة ضد النظام الضريبي غير العادل وانخفاض مستوى القدرة الشرائية لدى المواطن الفرنسي العادي ورفض رفع الحد الأدنى للأجور. ولأنها كانت حركة خارج الأحزاب وخارج النقابات التقليدية، فقد حاول، بوجه خاص، كلّ واحد من حزبيْ المعارضة الشعبوييْن، في أقصى اليسار وفي أقصى اليمين، استثمار هذا الاحتجاج الواسع وتجييره لصالحه. عبثًا. لكن ذلك لم ولن يحول دونهما ودون التسلل في صفوف الحركة التي رغم أنها لم تفرز ممثلين لها للتعبير عن مطالبها، أو لم تنتخب قيادة تعمل على صوغ مطالبها، بل ولم تتمكن بالتالي من التعبير عن نفسها إلا في الشارع وفي التمركز عند مداخل المدن المختلفة، باتت، ولا سيما في مظاهرتها الأسبوعية، تشكل خطرًا تخشاه الحكومة بسبب العنف الذي رافق التجمع الذي شهدته باريس في الأول من الشهر الحالي في شارع الشانزيليزيه. ذلك أن أفرادها الذين باتوا هدف الأجهزة الإعلامية على اختلاف انتماءاتها وأيديولوجياتها يتفاوتون في التعبير عن مطالبهم بل ويختلفون في تحديد أولوياتهم. لكن هذا الاختلاف في تحديد الأولويات، وغياب الممثلين الذين يمكن أن يفاوضوا ممثلي الحكومة حول مطالبهم فاقم من خطر تحول هذه الحركة إلى ثورة عارمة يمكن أن تفضي إما إلى إسقاط رئيس الجمهورية وحكومته، أي إلى انقلاب على قوانين الجمهورية الديمقراطية ذاتها، وإما إلى لجوء الرئيس والحكومة معًا، للحيلولة دون ذلك، إلى فرض حالة الطوارئ، وفي كلتا الحالتيْن إلى تعريض الديمقراطية إلى هزة عنيفة قد تودي بها إذا ما تمكن اليمين المتطرف أو ما يسمى يسار اليسار، الشعبوييْن، من الوصول إلى السلطة.
لاشكَّ أن الديمقراطية في فرنسا تجتاز اليوم امتحانًا شديد الخطورة والوضوح معًا. تحدث وزير الداخلية عن اللجوء إلى فرض حالة الطوارئ؛ ولم تكن جملة عابرة، تلك التي قالها مسؤول حكومي معلقًا على العنف الذي غلب على مظاهرة يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر: هم كانوا يستخدمون العنف بلا حدود؛ أما نحن، فقد كانت لدينا حدود، تلك التي تفرضها قوانين الديمقراطية. كان لدى السلطة أدواتها التقليدية: الغاز المسيل للدموع والاعتقال والإحالة إلى المحاكم. سوى أنها لا تستطيع الأمر بإطلاق النار على المتظاهرين حتى على سبيل الإنذار (كما حدث في سورية مثلًا). ولا يسعها اعتقال أحدٍ دون القيام بإحالته على القضاء أو الإفراج عنه. وفي الإعلام، تكرِّرُ السلطة يوميًا احترامَها لحق التظاهر السلمي، وتطلق الدعوات للحوار.
هنا تبدو متطلبات الممارسة الديمقراطية وشروطها الموضوعية. إذ من كان يتخيل لحظة واحدة أن رفع أسعار الوقود عن طريق زيادة الرسوم عليها سوف يطلق حركة احتجاج تتسع كل يوم في مطالبها وتكتسب مزيدًا من الدعم الشعبي لها حتى لتكاد تنقلب إلى ثورة عارمة ضد نظام بأكمله؟ ومن كان يتصور أن الحكومة التي لم تكف عن الإعلان عن أنها لن تحيد عن خط الإصلاحات التي التزمت بها أمام الناخبين سوف تتراجع شيئًا فشيئاً، وخلال ثلاثة أسابيع، حتى فقد تراجعها، الذي تمثل في إلغاء قرار الرسوم على الوقود، كلَّ أثر على المتظاهرين الذين اعتبروه مجرد فتات يلقى إليهم رغم أن هذا الإلغاء كان يعني فقدان الدولة ملياري يورو سنويًا؟ لاشك أن القوانين تضع الحدود والقيود مثلما تحدد الحقوق والواجبات. لكنها تتطلب أيضًا ما يتجاوز ذلك، ولاسيما عند الأزمات غير المتوقعة التي توشك أن تودي بكل شيء عند استفحالها. فالخبرة التي يتمتع بها الحاكم، ومعارفه، وقدرته على الإحاطة بالمشكلة، وعلى اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، لا تفرضها القوانين طبعًا، لكن غيابها  لابدَّ أن يحمل الناخبين على سحب الثقة ممن انتخبوه، وعلى المطالبة برحيله مادام عاجزًا لسبب أو لآخر عن القيام بما انتخب لأجله أو على أن يتوقعوا استقالته.
هوذا المعنى الذي يبدو أنه يشع من حركة السترات الصفراء: ما لم تستطع الحكومة الحالية، بدءًا برئيس الجمهورية، الخروج من هذا المأزق الذي وضعتها فيه هذه الحركة الشعبية الواسعة، فلن يكون عليها إلا الرحيل، لا استجابة، بالضرورة، للمطلب الأقصى لجماهير المتظاهرين، بل لفشلها في أداء المهمة التي انتخبت لأجلها. وهو ما قد يعني نهاية الديمقراطية في فرنسا، ولاسيما إذا ما أدى ذلك إلى وصول اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف إلى السلطة.
وربما كان دانييل كوهن بنديت، أحد أشهر ممثلي حركة الطلبة في أيار/مايو 1968، على حق، حين قال في تحليله لظاهرة السترات الصفراء: "كنا نقاوم ضد جنرال في السلطة. أما أصحاب السترات الصفراء اليوم فهم يطالبون بجنرال كي يستلم السلطة!"...

** نشر هذا المقال على موقع جيرون يوم الخميس 6 كانون الأول/ديسمبر 2018.