samedi 27 juin 2015


Jacques Berque

Les aventures de l’authenticité
Ou « Langages arabes du présent »

مغامرات الأصالة*

 قراءة أولى في كتاب جاك بيرك
 "كلمة العرب للعالم الجديد"[1] 

بدرالدين عرودكي


يكشف كتاب جاك بيرك كلمة العرب للعالم الجديد أكثر من أي كتاب آخر من كتبه السابقة عن مشروعه الأساسي: متابعة العملية الحضارية الفريدة التي تتم منذ منتصف القرن الماضي على الشاطئ الآخر من البحر المتوسط، في المنطقة العربية، في محاولة لتحديد الملامح الأساسية لهذا الكائن التاريخي الذي نقوله عربياً، ومحاولة هذا الكائن التاريخية في أن يستخلص من أعماقه وأعماق الآخرين عناصر يؤلف بينها صانعاً بتأليفه هذا تجدده الخاص.
وإذا كانت فرادة هذه العملية الحضارية هي نتيجة الموقع الجغرافي والتاريخي والحضاري الذي تتميز به المنطقة العربية الواقعة على مفترق طرق الشرق والغرب تميزاً كان وما يزال يطوي قوة هذه المنطقة وثغرة الخطر فيها، فإن فرادة مشروع بيرك هي نتيجة أسباب متعددة مثلما هي ذات دلالات متعددة: فعندما كان يضع يده في كتابه العرب من الأمس إلى الغد (1959) على زاوية الرؤية لتاريخ العرب الحديث بتحديده العملية الحضارية بالانتقال من الأمس إلى الغد، فإنه كان يكشف أيضاً وفي الوقت نفسه عن الطريق المسدود الذي كان الاستشراق الكلاسيكي يسير فيه مستمراً في تجميع النصوص وشرحها[2] دون وضعها في مكانها الحالي من التغير الاجتماعي والتطور التاريخي ودلالاتها بالنسبة لهما، ويشرط للمستقبل أية محاولة جدية للاقتراب من العرب تاريخاً ومجتمعات بشروط لم يكن الاستشراق عاجزاً عن تحقيقها فحسب، وإنما الكثرة الكاثرة ممن كانوا يكتبون عن الشرق العربي.
لقد تركزت هذه الشروط في وضع شخصية العرب، أو بصورة أدق خصوصيتهم في "مركز أية رؤية تركيبية تجهد لتقييم مسيرة تقدمهم. فتكامل الرؤية ورهافة الحسّ والالتزام، وهي أمور عليها أن توازن لدى الباحث استخدام المناهج الموضوعية، ممكنة لتحقيق مثل هذا الاقتراب مالم يعش الباحث المجتمعات العربية من الداخل". مثل هذه المعايشة سوف تسمح له مثلاً باكتشاف أن شخصية العرب "تشرط كل حكم يتناولهم حتى ولو كان حكما يتعلق بالتفاصيل"[3]، وأنه ما لم يوضع هذا الشرط في مكانه من البحث ومن نتائجه فستظل النتيجة جزئية وبالتالي عاجزة عن قول هذه المجتمعات.
كان لابد من من الانطلاق من الاستشراق، وكان لابد في الوقت نفسه من تجاوزه تجاوزاً يصل إلى حدِّ تفجيره من الداخل. ذلك أن المشكلة أساساً تتركز في مسيرة الباحث وفي علاقته بالمجتمع الذي يجهد لدراسته وفي منهج هذه الدراسة. يكتب بيرك: "ومن أجل فهم واقع ما، كان لابد من الاستعانة بعلوم كان الاستشراق حتى ذلك الحين يروغ منها برصانة: بالاقتصاد الذي يمكن أن يجد فيه الاستقلال برهان وجوده، وبالتاريخ المعاصر الذي يطلق هذه الشعوب مرة واحدة وإلى الأبد من أسْر الانحطاط، وبالفنومنولوجيا القادرة على قراءة الكثير من الأحداث والإشارات والظروف بوصفها علاقات تشير إلى تيارات الأعماق، وبعلم الاجتماع، وخاصة بالأنثروبولوجيا، اللذين يضعان النقاش ضمن منظوراته الشاملة ويقترحان وسائل للفهم كانت حتى ذلك الحين ما تزال جديدة في هذا المجال"[4]. بذلك يمكن تجاوز التقييدات التي تناولت العرب ـ تقييدهم بنصوص تراثهم، أو تقييدهم في نضالهم للتحرر من الاستعمار، أو تقييدهم عبر تحديدهم كشعوب متخلفة ـ لرؤيتها ثانية من خلال منظومة جديدة شاملة، تستعيد التراث الذي وقف عنده الاستشراق طويلاً لا بوصفه مجرد نصوص قابلة للشرح وللتفسير فحسب وإنما بوصفه أيضاً تجربة معاشة في الماضي وأحد الملامح الأساسية في تجربة العرب المعاشة في الحاضر مع ما طرأ على هذه التجربة من تحولات كيفية، وتضع التحرر من الاستعمار والتحديث والتصنيع والإبداع والهوية في أماكنها الحقيقية من العملية الحضارية الشاملة.
وإذا تبيّنا أن الوصول إلى معالم هذه الرؤية كان حصيلة تجربة عميقة ممتدة في الزمان (حوالي أربعين عاماً من الاتصال المباشر بالعرب تاريخاً وجماعات وأفراداً ومجتمعات) وفي المكان (من أعماق المغرب العربي حتى أعماق الجزيرة العربية)، فإننا سنكتشف إمكان هذا المشروع الذي بدت مجموعة أعما جاك بيرك السابقة وكأنها تحضير مستمر، على المستويين النظري والعملي، لما سيؤلف أعمق وأشمل تكريس له عبر ما يمكن أن نطلق عليه قراءة الإنسان في حركة كليته الاجتماعية كما تبدو في تعبيرها عن نفسها وفي الدلالات التي تقدمها، أي قراءة الإنسان العربي تاريخاً ووجوداً.
كان أول اقتراب لجاك بيرك من العرب ككائن تاريخي قد تمَّ قبل أكثر من ستة عشر عاماً[5] في كتابه العرب، من الأمس إلى الغد. ولئن اعتبر المستشرق جيب هذا الكتاب حدّاً فاصلاً في تاريخ الاستشراق آن صدوره، فإننا اليوم، وبعد صدور كلمة العرب للعالم الجديد يمكن أن نعتبره إسهاماً أساسياً وتأسيساً في التاريخ الاجتماعي للعرب من ناحية وللإسلام بوصفه إطاراً ثقافياً وتجربة معاشة من ناحية أخرى. وستكون كتبه التالية: المغرب بين حربين[6] و رفع ملك العالم[7] و مصر، الإمبريالية والثورة[8] و الشرق الثاني[9] معالم أساسية في هذا الجهد الإبداعي الذي يتوِّجُه الكتاب الأخير.
إنَّ فرادة مشروع بيرك تستمد وجودها أيضاً من طبيعة هذا الجهد التي تضع بيرك نفسه في موقع بالغ التميز. فمن الواضح أنه يقف على مسافة من الاستشراق الذي بدأ منه، غير أنه مع ذلك لم يتخلَّ عن إخلاصه لجذوره الأساسية كمثقف غربي في الوقت الذي التزم به موقفاً نضالياً من العملية الحضارية العربية الحديثة وذلك عبر مشاركته البالغة العمق، وعلى عديد من المستويات، في الجهد الثقافي الضخم الذي دشنه رواد النهضة الأوائل وتتابعه اليوم الطليعة المثقفة في مختلف المناطق العربية.
يكتب: "إن عصرنا يدفعنا إلى أن نولي انتباهنا على وجه التخصيص للمركبات. ثمة مركبان هنا ـ أي المنطقة العربية ـ يجب أن يسترعيا هذا الانتباه: المركب الذي سمح للعربي في القرن الثاني للهجرة بدمج عدد من المواد الثقافية في ذلك العصر، ومن بينها الثقافة الهيلينية، والمركب الذي يجهد أمام أنظارنا لتنسيق عناصر مستمدة من المجتمعات الصناعية"[10].
هذا المركب الجديد الذي بدأ بالتكون وبدأت عناصره بالتفاعل، يدفع إلى مقدمة المشهد الحضاري العالمي الوجه الثاني لما كان يميز تاريخ العلاقة بين العرب والغرب الأوربي. كان الوجه الأول هو العداء الذي ساد مرحلة الاستعمار الغربي؛ أ         ما الوجه الثاني فهو المشاركة والتقارب اللذين قدما ثمراتهما في القرن الثاني للهجرة، ويبدآن اليوم بتقديم ثمرات أخرى عبر التفاعلات العميقة التي تميز المسيرة العربية منذ أكثر من قرن. في هذا الميدان نفسه يمكن أن تتحدد بوضوح ملامح الدور الذي يمكن أن يلعبه مثقف أوربي دفعت به ظروف حياته إلى أن يكون على مقربة مما يتم منه، مع صانعيه  ـ وإن كان من موقع مختلف ـ وأن يقف منه موقف الناقد. ذلك أن الثورة الصناعية التي حققتها أوربا هي، أصلاً، أساس كل التغيرات التي يشهدها العالم في مختلف أرجائه؛ وإذا كانت أوربا، بهذه الثورة وبالاستعمار، مركز العالم في القرون الماضية، فإن التحرر من الاستعمار كان بداية عصر جديد لشعوب حضارية عريقة.
ومن هنا يمكن أن تتضح دلالة رفض بيرك القاطع لأن يعتبر نفسه مستشرقاً[11]، (فالاستشراق هنا يغدو تقييداً آخر لجهد إبداعي يتجاوز بمراحل مجرد كونه اختصاصاً ما!) أو لأن يتخلى في الوقت نفسه عن هويته كفرنسيٍّ أساساً[12].
هذا الموقع المتميز الذي يكاد جاك بيرك أن ينفرد به من بين معظم المثقفين الأوربيين المهتمين بالمنطقة العربية وفرادة مشروعه هما اللذان يتيحان، ربما للمرة الأولى، فرصة إقامة حوار عميق مع العملية الحضارية العربية كما تعبر عن نفسها، يتناول الحاضر والمستقبل، وينطلق من مفهوميْن أساسيين سنتعرض لهما بالتفصيل هما الخصوصية والأصالة. سيكون الطرف الأول في الحوار إذن الثقافة العربية المعاصرة، بوصفها الجانب التعبيري والدلالي لحركية الكلية الاجتماعية، أو إن شئنا للعملية الحضارية التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي؛ أما الطرف الثاني فهو مؤرخ اجتماعي أوربي يستقرئ هذه الثقافة ويعرِّضها لمفاهيم كانت حصيلة تجربة معاشة مزدوجة على شاطئي المتوسط الشمالي والجنوبي.
من الواضح والحالة هذه أن قراءة هذا الحوار النقدي الذي يكرسه كتاب كلمة العرب إلى العالم الجديد يمكن أن تؤدي إلى حوار آخر بل إلى حوارات، خاصة إذا تمت هذه القراءة من الطرف الأول. على أن هذه القراءة الأولى لا تطمح إلى أكثر من استعراض الحوار الأساسي والكشف عن محاوره الرئيسة وتبين عناصره الأساسية. إنها إذن مجرّد خطوة، أو هي تطمح إلى أن تكونها!

**  **  **

كان مشروع هذا الكتاب إذن استقصاء العملية الحضارية الكبرى التي التزمها العرب من خلال جهد هذه العملية في التعبير عن نفسها وبحثها عن دلالتها. إن أتساع هذا المشروع سوف يفرض ـ كما أشرنا في البداية ـ منهجاً يستعين بمختلف الفروع العلمية، وسيستدعي كذلك إطاراً نظرياً يضعه موضع التطبيق، وبناء سيكون من أولى سماته تعدد أصوات يؤالف بينها وحدة الهدف الذي يحرك هذا المشروع وأعني به هذا التساؤل النقدي الذي يضعه بيرك في مقدمة الكتاب: "هل ثمة ثقافة عربية معاصرة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فكيف نعرفها بالنسبة إلى ماضيها وبالنسبة إلى التغيرات الراهنة في العالم؟ وما هي المنظورات العملية والنظرية التي تستخلص من مثل هذا الكشف بالنسبة إلى العرب وبالنسبة إلى الآخرين؟ ثمَّ، بأيّ مقياس يجيب التعبير الذي يعبر به العرب عن أنفسهم على مشكلاتهم ويستخلص قيماً صالحة للجميع؟" (ص. 14).
وللمباشرة في الإجابة عن مجموعة هذه الأسئلة التي تنطوي في الحقيقة على سؤال ذي طابع وجودي، لابدّ من جرد مفصّل وإجمالي لمختلف أوجه الواقع العربي يلح خاصة على الوجه التاريخي وعلى الوجه الاجتماعي ويركز في النتيجة على المفاصل الأساسية التي تبرز بوصفها المحاور المركزية في العملية التي أطلق عليها العرب في أواخر القرن الماضي اسم النهضة، والتي تباينت مع ذلك مسمياتها عندما كانت تقاس  بالغرب الصناعي بين تمدن وعمران وثقافة لكي تستقر في النهاية على "الحضارة" التي يعنيها جاك بيرك بكلمة "الثقافة"، بما أنها ــ حسب تعريفه الخاص ــ حركة الكلية الاجتماعية في جهدها للتعبير عن نفسها وللبحث عن دلالاتها.
والوسائل إلى تحقيق هذال الجرد متعددة: الوصف المباشر، والشهادة الشخصية، والوثيقة التاريخية، واللقاءات الإنسانية. بمثل هذه الوسائل تتم قراءة المشاهد العمرانية في مختلف المدن العربية: القاهرة والجزائر، بغداد وفاس، وكذلك قراءة الصحف العربية، بوصف الصحيفة مقطعاً من الومن ومفصلاً من مفاصل المدينة الحديثة، لاستخلاص طبيعة الإشكالية العربية الراهنة التي تتوزع على قطبين رئيسيين: قطب التطوير التقني والتحولات الاجتماعية التي تعبر عنه وقطب نشاط المجموعات الأخرى التي يمكن أن نصفها بالمجموعات الثقافية، أي الخصائص المادية من جهة والرموز الجمعية من جهة أخرى وبينهما العنصر الذي يشترك به القطبان على التساوي، ونعني به عنصر اللغة.
يكشف بيرك عن أن بين هذين القطبيْن شقاقاً خطيراً يؤزم الغرب مثلما يؤزم العرب. "غير أن العرب يزيدون من خطورته بالتضاد الممزق بين عظمة التراث الكلاسيكي وبؤس الحاضر، بين الإسلام بوصفه حافظاً للكلي وبين الاتجاه المتقدم نحو العلمانية".
فهل يتناقض القطبان في الأساس؟ وهل يمكن للعرب أن يحافظوا على هويتهم مع سعيهم لتحقيق الثورة الصناعية في مجتمعاتهم؟
إن القول بالتناقض  ينطلق من فرضية إشراط أحد أبعاد الحياة الاجتماعية (الاقتصاد أو التكنولوجيا) للأبعاد الأخرى. وبذلك فإننا سنواجه في واقع اجتماعي كالواقع العربي دلالات متمايزة ولغات مختلفة: لغة العصر الناعي ولغة الهوية. بيد أن بيرك يرفض هذه الثنائية: فالحركية الاجتماعية لا تصدر عن التقنية كما أنها ليست انعكاساً لها، والهوية لا تنكر التكنولوجيا مثلما أن التكنولوجيا لا تنكر الهوية، لا بل إن جماعهما هو الحداثة. فما السبب إذن في وجود تفاوت يصل حدَّ الخطورة أحياناً بين مختلف الأبعاد، وما هي دلالة هذا الاختلاف؟ وبعبارة أخرىكيف يمكن تفسير هذه الهوة القائمة بين قطب التطور التقني وقطب الهوية الجماعية، وكيف يمكن ردمها؟
إن لبيرك إجابة تختلف، من وجوه عديدة، عن مختلف الإجابات التي قدمت عن هذه التساؤلات: فإذا كان النمو الصناعي يشرط استجابة العرب لإيقاعات العصر، فإن هذه الاستجابة تظل خاصة بالعرب. وإذا كان ثمة تفاوت في مستوى مختلف أبعاد الحركية الاجتماعية فإن هذا التفاوت لا يعكس فشلاً وإنما اختلالاً هو من طبيعة الأشياء يمكن تجاوزه بجعله هو ذاته محركاً لتطوير العلاقة بين الأبعاد المختلفة. "فلكي يبقى العرب مثلاً أنفسهم مع وصولهم إلى العالم الصناعي الذي يحاصرهم من الخارج ويستثمرهم من الداخل فإنه لابد من جعل الأبعاد الأخرى تتحرك وفق إيقاع التنمية المادية ذاتها. أي لابد للإبداعية من أن تتعدد وتتحقق في مختلف الأبعاد على مستوى تحققها في البعد التكنولوجي".
تثير هذه الإجابة ولاشك عدداً من التسؤلات تتناول مفاهيم لابد من توضيحها وخاصة مفاهيم الخصوصية والهوية الجماعية والأبعاد المتعددة للحركية الاجتماعية والعلاقات بينها، تلك التي يمكن اعتبارها مفاتيح أساسية لفهم التحليلات التي يقوم بها بيرك. لذلك سوف نتوقف قليلاً عن الأساس النظري الذي تنطلق منه هذه الإجابة والذي تضعه موضع التطبيق فصول عديدة من الكتاب موضوع هذا البحث، ونعني به نظرية بيرك في تعدد منطق التقدم.
يرى بيرك أن التناقضات التي يعاني منها العصر الصناعي ترجع كلها إلى "ما طرأ على المجموعات الطبيعية أو الاجتماعية من عجز في التوازن نتيجة لنموِّ عامل واحد نمواً من طرف واحد هو عامل التكنولوجيا"[13]. هذا العامل قد أدى كذلك إلى صياغة فكرة عن التقدم لابدّ من إخضاعها الآن، نتيجة عجز التوازن الذي سبب التناقضات، إلى نقد جذري.
لقد طابق العالم المحكوم بالتكنولوجيا بين هذه الأخيرة وبين فكرة التقدم مهملاً بذلك أبعاد الحركة الاجتماعية الأخرى إهمالاً فاضحاً. إننا نلاحظ على سبيل المثال أن قسماً محدوداً من الثقافات والشعوب، هي على وجه التحديد الثقافات والشعوب الغربية، تمتلك هذه التكنولوجيا وتستفيد منها، الأمر الذي يؤدي على مستوى العالم كله إلى حالة من اللامساواة والشقاق والاضطراب تبدو آثارها في القلق الذي بات يميز الشخصية الجماعية ويمكن أن يؤدي إلى تشويهها. "صحيح أنه قد تحقق بعض التقدم، غير أنه إذا كان التقدم يعني التكنولوجيا، فهل يعني ذلك أن تعمل المجتمعات كلها لحساب الغرب؟ ذلك هو إحراج الإنسان المعاصر، ولا بد من إيجاد الوسائل النظرية والعملية لتلافيه. هذه الوسائل يمكن أن تستخلص من فرضية تنطلق أساساً من عدم المطابقة بين التكنولوجيا وفكرة التقدم ذات الطابع الشمولي من ناحية، أي اعتبار العتبة الحالية من التطور التكنولوجي لا تشكل حضارة بالمعنى الشمولي للكلمة، وإنما يمكن أن تؤدي إلى حضارة عالمية حقيقية من ناحية أخرى، شريطة قيام تناظرات متعددة بين تحرر الشخصية الفردية والتحرر الاجتماعي وتحرر الهويات الجماعية، وذلك بأن يأخذ على عاتقه الاعتراف بتعدد الهويات الجماعية، أي بالتعدد الثقافي، أي الخصوصيات الثقافية.
كيف يمكن استخلاص هذه التناظرات؟
بالكف عن مختلف التقييدات (De - réduction) التي قيدت الإنسان تارة بوصفه منتجاً وتارة بوصفه مواطناً دون أن تأخذ بعين الاعتبار كونه كائناً كلياً وكون الثورة التي يفجرها ظاهرة اجتماعية كلية. الأمر الذي سيؤدي إلى تجاوز الاتجاهات الثنائية أو الدرجية التي تجعل من بعد من الأبعاد أو المقولات أو القطاعات في الحياة قاعدة تتموضع عليها وتتحدد تبعاً لها الأبعاد الأخرى. فالحركية الاجتماعية لا يمكن أن تقيَّدَ ببنى فوقية وببنى تحتية كما هو الأمر في الماركسية، أو بالهو ـ الأنا ـ الأنا الأعلى كما هو الأمر في الفرويدية. ذلك أنها ذات أبعاد متعددة تنطلق من قاعدة لا تشكل بعداً وإنما أساساً.
سيكون الرسم التخطيطي إذن لهذه الحركة عبارة عن رسم شعاعي يسجل ازدهار مختلف الأبعاد أو المقولات لحياة مجتمع ما. وسيكون "رسماً بنائياً، لكنه أيضاً تطوري من حيث إنه يسجل الاختلاف التدريجي لفعاليات الجماعة البدائية. وهو أيضاً تاريخي، لأنه يصور الازدهار المباشر لهذه المجتمعات منذ القرن التاسع عشر حيث تلتقي الثورة البورجوازية وأول ثورة صناعية. وهو كذلك تجريبي، بما أن كل ممارسة حالية تميز على الأقل جزئياً بوصفها قطاعاً أو بعداً أو منظومة أو مقولة في الحياة الاجتماعية"[14].
ماهي هذه القاعدة؟ وما هي هذه الأبعاد؟
القاعدة هي بطبيعة الحال: الطبيعة (وبيرك يتبنى المعنى الذي يضفيه ماركس على هذه الكلمة كلياً). أما الأبعاد فمن الممكن أن تكون لامحدودة: بعد التكنولوجيا والجماليات والمقدسات والنشاط الحر...إلخ.
يتحقق التقدم، على المستوى النظري، بتقارب مستوى الأبعاد المختلفة جميعاً بوصفها تنطلق كلها من قاعدة واحدة. إن تعددية هذه الأبعاد يمكن أن تلاحظ بوضوح على مستوى الحياة اليومية، أما على مستوى العلاقات فإننا إزاء نوعين منها: علاقات كل واحد من هذه الأبعاد مع القاعدة من جهة والعلاقات التبادلية بين مختلف الأبعاد من جهة أخرى. غير أنه بإضافة المجموع الاجتماعي يمكننا إضافة نوع آخر من العلاقات ونعني به علاقة هذا المجموع بتجربته المعاشة.
إذا حاولنا إذن تعديل هذا الرسم التخطيطي الشعاعي في ضوء التطور التاريخي الموضوعي لواقع ما لكان علينا أن نحدّ فيه من بعض الأبعاد، في حين نترك بعداً أو أكثر يصل إلى أقصى نقطة في الرسم وذلك حسب المرحلة التاريخية التي نعمل على تحليلها (والخطوط الأفقية في الرسم تشير إلى مختلف المراحل التاريخية). سنلاحظ مثلاً بصدد المجتمعات الصناعية أن ثمة قفزة هائلة يسجلها البعد التكنولوجي منذ القرن التاسع عشر، في حين أن الأبعاد المورفولوجية التنظيمية أو المعيارية لا تكاد تقارن به. سيعكس الرسم التخطيطي إذن في هذه الحالة نوعاً من اللاتناسق والشقاق، هو ما نراه في الواقع عجزاً في التوازن وتناقضات تسم العصر الصناعي. فهل نتحدث إذن عن "تقدم" أو عن "التقدم"؟
يشير بيرك إلى أن قفزة البعد التكنولوجي قد سجلت تقدماً هائلاً. غير أن اعتبار هذه القفزة هي "التقدم" يرجع إلى أن العالم الذي تحكمه التكنولوجيا قد صاغ لنفسه فكرة عن التقدم من وجهة نظره هو؛ إلا أن هذه الفكرة تعاني من سوء السمعة نظراً لفقدان التوازن ولاستحكام اللاتناسق وسيطرة الخيبة والإحباط على الشخصية الفردية والجماعية. والوصول إلى تحقيق توازن نسبي لا يمكن أن يتم إلا مع أخذ الأبعاد الأخرى بعين الاعتبار. صحيح أنها مشروطة بالبعد الأكثر حركية، ونعني به البعد التكنولوجي، إلا أن هذا الإشراط لا يتناول المضمون الخاص لكلٍّ منها وإنما يرتبط بإيقاع حركيتها، بمعنى "إجبار الأبعاد الأخرى على أن تزدهر وفق نفس الحيوية والحركية التي تميز البعد الأكثر تسارعاً في هذا المجتمع، أي بالنسبة إلى عصرنا، التكنولوجيا. بيد أن ازدهار هذه الحركية في الأبعاد الأخرى سوف يتم بطريقة خاصة بكل بعد على حدة. إن تقدم التقنية على سبيل المثال ليس ذا طبيعة  تؤدي إلى القضاء بعد أجل طويل أو قصير على الاعتقاد الديني كما ظن بعض الوضعيين في فرنسا في القرن التاسع عشر وكثير منهم اليوم، وإنما سيرغم الاعتقاد الديني على أن يتلبس بطريقته الخاصة أساليب متجددة وأشكالاً متجددة لا تفعل في الواقع أكثر من أن تعكس التسارعات التاريخية لعصرنا"[15].
منذئذ، يغدو الديالكتيك تعددياً، ويتحقق على مستوى مختلف الأبعاد في علاقتها التبادلية فيما بينها، وفي علاقتها مع القاعدة التي تنطلق منها. وبقدر ما يحقق المجتمع إبداعية على مستوى مختلف الأبعاد، تقترب في إيقاعها من إيقاع إبداعيته في البعد الأكثر تقدماً، بقدر ما يتحقق هذا الديالكتيك التعددي في أفضل صوره، بحيث يبلغ المجتمع شدة إبداعية عامة وتوازناً نسبياً بين مختلف فعالياته[16]. بذلك يمكن أن نلاحظ إلى أي حدٍّ يبدو كلٌّ من مصطلحيْ التقدم والتخلف مصطلحاً نسبياً وقاصراً، في واقع المجتمعات المختلفة في عصرنا، عن التعبير عن حالة كلٍّ منها.
لقد أشرنا إلى أنه لا يمكن قيام حضارة عالمية حقيقية إلا إذا أخذ التعدد الثقافي بعين الاعتبار. ويتيح لنا تعدد منطق التقدم أن نصل إلى أساس هذا التعدد في الهويات الجماعية أو الثقافات ونعني به مفهوم الخصوصية. يكتب بيرك: "إن خصوم الخصوصية الذين يعتقدون بضرورة فرض نمط من أنماط الرب الليبرالي أو الغرب الاشتراكي على الكرة الأرضية كلها يطابقون بين الخصوصية والمحافظة... بيد أن كل مجتمع يريد أن يصل إلى العالمية الإنسانية أو التاريخية لا يمكن أن يصل إلا انطلاقاً من مواقعه ومن نفسه. فما هي هذه الخصوصية؟ إنها معادلة، علاقة خاصة بالمجموع المنظور إليه، بين علاقات أبعاده فيما بينها من ناحية وفيما بينه وبين قاعدته من ناحية ثانية، وبينه وبين تجربته المعاشة الجمعية من جهة ثالثة. وكل من يتمكن من وصف العلاقة بين هذه الأشياء الثلاثة يقدم بياناً عن الخصوصية في مجموع اجتماعي."[17]. هذا يعني أن الخصوصية لا تقوم على مضمون موضوعي ثابت، وإنما تقوم على علاقة تميز منظومة ما عن غيرها. لقد استمرت اللغة الفارسية مثلاً في الوجود على الرغم من أن الكلمات العربية تصل لدى بعض كتابها حتى نسبة 60%. ذلك أن اللغة لا تقوم على كلمات وإنما على علاقات أي على منظومة، يعني استمرارها استمرار المجتمع الذي تنتمي إليه. أما الأصالة فلن تعني، انطلاقاً مما سبق، مقاومة التقنية باسم تراث عريق، أي لن تقوم على نفي التطور المادي باسم الهوية الجماعية، كما أنها، بالمقابل، لن تنتفي في حال تحقيق التطور المادي، وإنما ستعني ببساطة الرجوع إلى القواعد. لقد قلنا إن العلاقة مع القواعد هي جزء من كلٍّ يكون خصوصية مجتمع ما. لكن ما الذي نعنيه بقاعدة مجموع اجتماعي محدد؟ إنها "أكثر مستويات تشابكه مع دعامته الطبيعية مباشرة. على أن القول  بالبيئة يستدعي أيضاً إدخال ماضي المجتمع، بل وحتى ماضيه الأكثر ابتعاداً في الحساب، فضلاً عن أن العلاقة مع الذات الأخرى، تعتبر كذلك جزءاً من هذه القاعدة"[18].
إن النظر إلى الأصالة من حيث هي العلاقة مع القواعد، والنظر إلى القواعد على النحو المشار إليه، يؤدي بنا إلى تعريف للطبقات الاجتماعية يوسع تعريفها السوسيولوجي بجعله تعريفاً أنتروبولوجياً: "فالطبقات الاجتماعية لا يجب أن تفسر ببساطة بالنسبة للمجتمع أو بالنسبة لعلاقات الإنتاج بوجه خاص وإنما يجب أن تفسر بالعلاقة مع علاقات أكثر اتساعاً لهذا المجتمع مع الطبيعة"[19]: "فأكثر الناس استغراقاً في التشابك مع الطبيعة هم الفلاحون الذين يحرثون الأرض، والعمال الذين يحرثون ـ إذا جاز التعبير ـ المادة. أما المثقفون والفنانون فإنهم يقترحون على المجتمع علاقات بين تجربته المعاشة وبين أصوله"[20].
 
**  **  **

في ضوء هذا العرض الموجز لنظرية تعدد منطق تقدم الحركية الاجتماعية يمكن الآن أن نستعيد السؤال الأساس الذي سيكون محور الكتاب ونعني به التساؤل عن وجود ثقافة عربية معاصرة. وسيكون بوسعنا منذ الآن أن نرى مشروع الإجابة: فانطلاقاً من اعتبار الثقافة حركة الكلية الاجتماعية في جهدها للتعبير عن نفسها وللبحث عن دلالاتها، سيتركز البحث حول مختلف أبعاد هذه الحركة في المجتمع العربي الشامل، في مستوياتها بالعلاقة مع البعد الأكثر انطلاقاً في عصرنا ونعني به البعد التكنولوجي الذي يفرض إيقاعه بقوة؛ وفي علاقاتها مع القاعدة الأساسية للمجتمع العربي، أي في مقدار أصالتها وما تعنيه أيضاً هذه القاعدة من ماض ثقافي وتاريخي؛ ثن في مستوى التعبير عن هذه الحركة جمالياً: في الشعر أو في القصة أو في الرواية أو في المسرح أو في السينما.
وسيتم رصد مختلف أنواع التفاوت والخلل في مستويات هذه الأبعاد وفي علاقاتها فيما بينها. وبإيجاز سيتم البحث عن الإبداعية في تحققها في مختلف أبعاد الحركية الاجتماعية، ومستوى هذه الإبداعية بالمقارنة مع تسارعات عصرنا الأساسية.
يبدأ بيرك من العنصر المشترك بين القطبين اللذين تكشف المشاهد العمرانية في المدن العربية من تعارضهما ونعني به اللغة. على أن النظر إلى اللغة العربية يجب أن يتم ضمن "إطار مجموع التطورات اللغوية التي يشهدها العالم منذ قرن ونصف"[21]. وفي هذا المجال يقدم العالم اللغوي رومان جاكوبسون فرضية بالغة الأهمية تتناول هذه التطورات وردت في مقال شهير له "ماهو الشعر؟"[22] ويستعيدها بيرك في بداية بحثه : يلاحظ جاكوبسون "أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان عصر تضخم مفاجئ في الدلالات اللغوية. وقد جهدت أكثر التظاهرات الثقافية نمطية في هذه الحقبة لكي تخفي بأي ثمن هذا التضخم اللفظي ولكي تزيد بكل الوسائل الثقة بالكلمة، كلمة الورق هذه: وضعية وواقعية ساذجة في الفلسفة، ليبرالية في السياسة، اتجاه نحوي في علم اللغة، خداعية مهدهدة في الأدب وعلى المسرح؛ وأياً كان المقصود هنا: سواء أكان الأمر مجر إيحاء طبيعي ساذج أو إيحاء انحطاطي أو أحادي تصوري أو مناهج ذرية لعلم الأدب (وللعلم بشكل عام في واقع الأمر)، فقد ثبت، بفعل مختلف هذه الوسائل، رصيد الكلمة وتعزز الإيمان بقيمتها الحقيقية".
على أنه بدون تحديد العمليات التي أدت إلى هذا التضخم، فإن هذه الفرضية تظل ناقصة. ولذلك فإن بيرك يستدعي معطيات علم الاجتماع التاريخي لإتمامها من هذه الناحية.
فلم يكن التضخم اللفظي ظاهرة معزولة ولا يمكن له أن يكون كذلك. ولوضع هذه الظاهرة في إطارها الاجتماعي التاريخي المناسب لابد من العودة إلى جذور كل التسارعات التي شهدها ذلك العصر، ونعني بها الثورة الصناعية. فقد كان التوسع غير المحدود في المضمون المادي والاقتصادي والتقني للمجتمعات الغربية نتيجة لتقد التكنولوجيا في نهاية القرن الثامن عشر، ولم يكن توسع الكلمة سوى أحد الانتظامات (Régularité) التي حاولت هذه المجتمعات تحقيقها آنذاك بصيغ بالغة الاختلاف والتنوع. على أن الثورة البورجوازية والتغير الأسلوبي الذي يطابق هو نفسه تغيراً في المخيلة وفي الذوق تعتبر انتظامات أخرى. وكان البحث عن توازن أبعاد الحركية الاجتماعية الأخرى مع البعد التكنولوجي يتم تحت وطأة الاختلال؛ بيد أن التوازن المنشود لن يتحقق، وسينشر اختلال الأبعاد المختلفة للفرد وللمجتمع شعور عدم الرضا الذي لن يجد متنفسه الوحيد إلا عبر الأدب والموسيقى والرسم، وهو ما عرف بالموجة الرومانتيكية.  بيد أن إبداعية الرومانتيكيين التي كانت خليقة بتحقيق توازن مع الخصائص المادية للعصر كان من صنع نخبة بعيدة عن الجماهير، (فتوحد العبقرية سيتعرف نفسه رومانتيكياً)، ولم يكن ثمة مقابل مورفولوجي للتحولات الهائلة سوى قناع الكلمات التي كانت تزيد من خطورة الاختلال بمحاولتها إخفاءه. ذلك أن التوازن والانتظام لا يمكن أن يتحقق إلا بثورة تبلغ من العمق عمق ما وصل إليه البعد التكنولوجي الذي كان يمضي قدماً. ومن هنا إذا كان رومان جاكوبسون يحدد منتصف القرن التاسع عشر كلحظة انطلاق ظاهرة التضخم اللفظي، فإن بيرك يشير كذلك إلى أن هذه اللحظة كانت أيضاً لحظة صدور البيان الشيوعي.
وهي تشكل أيضاً في تاريخ المجتمعات الغربية حداً فاصلاً بين مرحلتين: الانحطاط الذي كان ينتهي والنهضة التي كانت تبدأ. ولفهم ما كان يحدث على مستوى الظاهرة اللغوية العربية آنذاك لابد أيضاً من العودة إلى الجذر، إلى الثورة الصناعية، بيد أننا سنكون هنا إزاء فارق أساسي: ففي حين كانت اللغة أو اللغات الأوربية تحاول أن تحقق توازناً مع البعد التكنولوجي ضمن دائرة تاريخية واجتماعية محددة، فإن التوازن الذي ستسعى إليه المجتمعات العربية كان يختلف كلياً: فالبعد التكنولوجي فيها لا يزيد في تقدمه عن الأبعاد الأخرى، وهو لذلك ليس توازناً بين أبعاد حركية واحدة، وإنما هو توازن حركية مع حركية أخرى، لابل مع أهم أبعاد هذه الحركية الأخرى وأكثرها تسارعاً وهو البعد التكنولوجي. ومن هنا، فإن التقدم كان يستقبل باعتباره ضياعاً، أما اللغة فقد قدمت أيضاً موازياً للجهد التعويضي الذي تمثل في ظاهرة التضخم اللفظي في أوربا مع فارقين يستمدان أصولهما من الاختلاف المشار إليه: "فاللغة العربية كانت تصطدم ببيان قديم كرسه نموذج يستحيل تجاوزه هو القرآن من جهة، وكان عليها، من جهة أخرى، أن تستعير معظم مضامين الآخر الجديدة. وسيبقى الفحوى الحقيقي للكلمة العربية كامناً لأمد طويل في جهد القائل كيما يتكيف مع العالم الحديث مع محافظته فيه على هويته أكثر من كمونه فيما تشير إليه أو تعنيه"[23].
كانت المشكلة في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر بالنسبة للمجتمعات العربية تتركز في ما إذا كان بوسع هذه المجتمعات أن تكون خلاقة ومبدعة على مختلف المستويات. ذلك أن الفصاحة تظل شيئاً آخر يختلف اختلافاً كلياً عن إبداع أعمال تليق بمستوى عظمة الماضي العريق. وكانت أكثر الأعمال الأدبية لا تزيد عن كونها تقليداً لهذا الماضي بحيث كان ثمة مبرر لليأس من إمكان إنجاز تعبير حديث.
لكن الإمكانات لم تكن تنقص اللغة العربية. وكان لابد من انتظار حركية الأبعاد الأخرى في المجتمع لكي تواجه تحدي "الآخر" المتمثل في الغرب، حركية بدأت قبل الحرب العالمية الأولى، كما تتبدى هذه المواجهة في الخطب الدينية مع الشيخ محمد عبده، والخطبة السياسية مع مصطفى كامل، ولغة الصحافة التي أخذت بالتطور، وكيما تتجلى كذلك في أعمال أدبية لئن لم ترتفع إلى مستوى الروائع الكلاسيكية  فإنها تكرس مع ذلك قابلية هذه اللغة على التجدد، وتعدّ لقفزة في العملية الحضارية الجديدة التي بدأت قبل ذلك بنحو نصف قرن، ونعني بها النهضة.
ومع ذلك فقد كان لابد من أن يتحرك البعد التكنولوجي لكي تتم القفزة الحقيقية في اللغة: "كان على العالم العربي أن ينتظر الثلاثينيات لكي يبدأ جهده التصنيعي"[24]. وهو جهد لن يتوقف بعد ذلك؛ آنذاك، سيضع طلعت حرب العمل الاقتصادي والعمل اللغوي على خطين متوازييْن: (لابد من أن تكون اللغة العربية لغة المصارف أيضاً)، وسيكون بوسعنا أن نميز عدداً من الملامح الأساسية التي تعكس محاولة اللغة العربية تكوين انتظام يتوازن مع تجدد أبعاد الحركية الاجتماعية: "تقدم في مجال التعبير عن التقنية، ومحاولة للتقريب بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية عبر هذه اللغة الثالثة أو اللغة الوسطى التي تؤلف اليوم لغة الصحافة والإذاعة. ذلك أنه كان لابد للغة من أن تكون قادرة على نقل التجارب الحديثة وأن تخضع للتجدد المستمر في الحياة"[25]. بيد أن اللغة الوسطى لم تكن وليست في نظر عديد من المثقفين العرب الوسيلة الوحيدة لتطوير اللغة. لقد كان طه حسين يعمل مثلاً على تحقيق أسلوب يستعيد عبره العبقرية الكلاسيكية لكاتب كالجاحظ لاستنباتها من مفاهيم جديدة. وعلى النقيض من هذه المحاولة، كان ثمة محاولة تتطور ببطء ولكن بثبات: اللهجات العامية، وهي أخطر ما يهدد الإبداعية العربية.
ومهما يكن من أمر، فإن جهد اللغة قد بدا أكثر فاعلية من غيره، فانعكس تقدمها في انكماشها الذي يجعلها تبدوملتصقة أكثر فأكثر لا بالواقع فحسب، بل بواقعها نفسه الذي هو رهانها الخاص. لقد بات واضحاً اليوم أن اللغة العربية تعالج أكثر المشكلات المعاصرة دقة وتعقيداً.

**  **  **

لكن لتطوير اللغة وجهاً آخر، لعله أهم وجوهها، ونعني به مشكلة التعريب. بيد أن بيرك يطرح هذه المشكلة ضمن إطار آخر غير إطار اللغة الذي انطلق منه، باعتبارها ترتبط في الحقيقة بواقعة بارزة في التاريخ العربي المعاصر: واقعة الوحدة والتعدد.
على المستوى التاريخي، تبدو هذه الواقعة بجلاء في حقيقتين بارزتين: فهناك من جهة عالم عربي واحد إذا نظر إليه من خلال تراثه ولغته ومثله وتضامن أجزائه، وهناك من جهة مقابلة عالم عربي متعدد إذا نظر إليه من خلال الاختلافات الاجتماعية.
على المستوى الثقافي/التاريخي، هناك أيضاً الثقافة الشاملة الواحدة والثقافات المحلية أو الفرعية (sous-culture).
وعلى مستوى الثقافة الواحدة، هناك اللغة الواحدة من ناحية، والتعددية اللغوية (hétérophonie) من ناحية أخرى: ترتبط مشكلة التعريب بالأولى، ويرتبط تحقيق التقدم والحداثة بالأخرى.
وعلى مختلف المستويات يقدم بيرك بياناً من الوقائع وتحليلاً يردي إلى صياغة أسئلة حاسمة: علاقة المغرب بالمشرق: على أي مستوى من تصنيف الجماعات يريد المغرب أن يضع نفسه بالعلاقة مع بقية العالم العربي: المجتمعات الشاملة أم الجزئية الشاملة أم الشاملة كلياً؟؛ والوحدة ىالعربية: إن بوسع هذه الوحدة أن تتحقق، بل لابد من تحقيقها، ولكن لابد من عدم المطابقة بين الحلم والواقع، ولابد من التساؤل والإجابة فعلياً وواقعياً عن هذا التساؤل: ما الوحدوي على مستوى الواقع في العالم العربي وما المتعدد؟، والتعريب: مشكلة ذات وجهين، وجه يتعلق بجهد التحرر من آثار المرحلة الاستعمارية ويتجلى بوجه خاص في المغرب العربي، وآخر يتعلق بالحداثة ويتناول العالم العربي ككل. غير أن المشكلة في وجهيها لابد من أن تطرح في نظر بيرك بمصطلحات بناء إبداعية عربية باللغة العربية[26]، وهي مشكلة لا تطرح إلا بالعلاقة الحميمة والواقعية مع حركة العالم، وهذا يعني أن يصاحب تعريب الكلمة شرطياً تحديث المجتمعات العربية. أما فيما يتعلق بالوجه الأول قيلاحظ بيرك أن التعريب يدب ألا يعني الاقتصار في مجال التعليم على اللغة الأم. فالتعددية اللغوية يمكن أن تحقق نتائج بالغة الأهمية، بحيث لن تلبث أن تفرض نفسها على المجتمعات الغربية نفسها: فاللغة الأم تحافظ في وعي الطفل على القواعد العميقة وتضمن استمرار الهوية وتحقق جدليته الطبيعة والثقافة التي لا تنتهي، في حين تؤدي اللغةالثانية وظائف محددة لها مسبقاً. وستتيح الفوارق بين اللغات السامية والهندوـ أوربية إمكان الحصول على تراكيب خصبة كتلك التي حفل بها في العصور الكلاسيكية نثر البيروني وابن المقفع.
ذلك لن يعني بطبيعة الحال إنكاراً لاختلاف الثقافات، "فمن حق الثقافة العربية أن تطالب بحقها في الاختلاف".
على أن تعليم اللغات ليس إلا جزءاً من التعليم بوجه عام. ويخصص بيرك لهذا المجال فصلاً كاملاً يستعرض في قسم منه سيرة واحد من كبار المثقفين العرب، ونعني به طه حسين، الذي يجد بيرك في حياته وفي أعماله وفي مسيرته نموذجاً يرتبط عضوياً بالمسيرة الثقافية العربية منذ الربع الأول من القرن العشرين. ومن أعمال طه حسين، وبشكل خاص كتابه البالغ الأهمية "مستقبل الثقافة في مصر" ـ 1944 ـ يكشف بيرك عن مختلف التطورات التي يقدمها العرب عن التربية والتعليم، منتقلاً  إلى كتاب جميل صليبا "مستقبل التربية في الشرق العربي" ـ 1962 ـ، ومختتماً بمناقشة كتاب عبد اللع عبد الدايم "التخطيط التربوي" ـ 1966 ـ .

**  **  **

لئن كانت اللغة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر قد حاولت بجهد تعويضي في البداية ما لبث فيما بعد أن استحال جهداً إبداعياً، أن تؤسس عملية النهضة الحضارية، فإن الثوريين العرب بالمقابل كانوا "قد اكتشفوا أن التقدم إما أن يكون شاملاً أو لا يكون، زحطموا، بالإنجازات المباشرة، كل الصيغ الاستعمارية القديمة التي تحدثت عن استحالة التصنيع بسبب القدرية أو العجز". "لقد غدا المصنع من صميم مشهد الحياة العربية"، ومع ذلك، فإن من الممكن التساؤل: إلى أي حدٍّ يمكن اعتبار المصانع الجاهزة التي تتزايد في المنطقة العربية محققة لتطور فعلي؟  من المؤكد ـ يقول بيرك ـ أنها تقاس بالخدمات التي تؤديها، وبالدلالات الجديدة التي تستثيرها في مجمل الحركية الاجتماعية: بالقيم المصافة إلى الإنتاج الوطني، وبما تعكسه لدى المواطن العربي من انتهاج التصنيع، وبالشروط التي توفرها لتطوير طبقة عاملة وقطاع نقابي... كل ذلك يرسم للمستقبل نموذذجاً إنسانياً جديداً. المصنع.. بل وكذلك الثقافة الاقتصادية والثقافة السياسية، ذلك أنها تعكس اليوم كلها صورة عن تبادل وتطور مختلف أنماط الحركية الاجتماعية الذي هو معيار التقدم الحقيقي.
لكن السؤال ما يزال مطروحاً. فالإبداعية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عندما يعاد صنع الآلة المستوردة وبناء المعمل قطعة قطعة بأيد وطنية، وإلا عندما يصنع المجتمع من الآلات ما يكفي كيلا يتوقف في جهده من أجل التجديد على الأجنبي.
هذه الإبداعية، هل يعجز العرب عن تحقيقها؟
يكتب بيرك بإيمان، ولكن بمرارة أيضاً: ليست المعلومات هي ما ينقص العرب، لا ولا الاستعدادات أو الشخصيات. إن الصحف العربية تشير مثلاً إلى الدكتور مشرفة في مصر، وإلى آخرين، ولكن ماعدد الشخصيات التي يشار إليها والتي تمارس فعالياتها الخلاقة ومبادهاتها الصناعية أو الأكاديمية في البلاد الأجنبية ومن أجل هذه البلاد الأجنبية؟..
"لكن ذلك في نهاية الأمر نتيجة خطـأكم! [27]
ــ أشك في ذلك.
ــ إن تكوينكم إياهم قد جعل منهم منفيين بالقوة. لقد فصلتهم شهاداتهم عن بلادهم.
ــ أو أنها جعلت منهم سفراء أو وزراء بدلاً من أن تجعل منهم بحاثين أو أطباء محليين..
ــ كان ذلك عملاً شنيعاً.
ــ ولكنه مشروع ناجح. ففي القرى المغربية اليوم يستبدل الطبيب الفرنسي بأطباء بلغار أو صينيين في حين يفتح الطبيب المغربي عيادة خاصة فخمة.
ــ إنك تبالغ.
ــ أبالغ! لنتابع مغ ذلك البحث عن المسؤولين عن ضرر تصريف حملة الشهادات.
ــ إنهم منفيون بالقوة. لقد حططتم من عزائمهم. وكان طبيعياً أن تستعيدوهم إلى سوقكم العالمي الشهير،  وأن تستردوا منهم أكثر مما صرفتم عليهم من منح وأساتذة وأدوات و...، ومع ذلك فإن المواطنين الصالحين يبقون في أعمالهم.
ــ أتراك ستقول لي، بناء على ذلك أن بلادك قد خصصت لهم مكاناً ومنحتهم الفرصة لكي يحققوا ذواتهم ويعملوا ويتكلموا؟
ــ لن أذهب بعيداً، لكنه خطأهم بعد كل شيء.
ــ إنني أشك في ذلك أيضاً.
ــ إنهم مثقفون معزولون عن الجماهير.
ــ في حين أنكم أنتم، الشعب.. أليس كذلك؟
ــ أنت وأنا، يمكن أن نتفق على شيء واحد على الأقل...
ــ نعم: على ضرورة القيام بترحيل الثقافة وتكوين المثقفين إلى الوطن...
ــ وماذا أيضاً؟
ــ على ضرورة أن نتخلى عن هذه الطريقة في التربية التي لا تقوم إلا على الإغراءات والرشوات.
ــ وماذا أيضاً؟
ــ هذه تعنيكم الآن، أنتم على الأقل.
ــ ما هي إذن؟
ــ حرية التعبير بالنسبة إلى مثقفيكم، دون أن نتحدث عن الحريات الأخرى!
ــ ها..ها...الحريات البورجوازية!
ــ إن على الحرية الاشتراكية أن تزيد منها لا أن ترجع القهقرى وراء تلك الحريات.. بدون ذلك فإن الخروج سيستمر..
ــ لقد أسسنا "سمة الخروج".
ــ من تعني بضمير "نا" في أسسنا؟

**  **  **

لقد تركز القسم الأول من كتاب بيرك، الذي حاولنا إبراز محاوره الأساسية، على تحديد ملامح الثقافة العربية المعاصرة في علاقتها مع نفسها وفي علاقتها مع ثقافة عالمية تنتمي إلى العصر الحديث. أما في القسم الثاني، فإنه ينتقل إلى مشروع آخر يبدو للوهلة الأولى وكأنه لا يمتّ إلى الأول بصلة، لكنه يرتبط به في الحقيقة برباط عضوي: علاقة هذه الثقافة بماضيها الخاص.
ولكي يبرز إلى العيان ملامح هذه العلاقة، فإنه يدعو قارئه إلى القيام معه برحلة في الزمان وفي المكان! سيمضي في الزمان إلى العصر الجاهلي ثم إلى عصر القرآن، وفي المكان سيحط  رحاله في أرض الجزيرة العربية: أرض اليوم وأرض الأمس وسيقتفي، في النصف الثاني من القرن العشرين، آثار امرئ القيس.
هل هي عودة إلى الاستشراق؟
نعم ولا!
نعم، من حيث إن الاقتراب من الشعر الجاهلي ومن القرآن يتطلب اختصاصاً ومنهجاً خصوصياً ما يزالان، بالنسبة إلى المثقفين الغربيين، وقفاً على الاستشراق.
ولا، من حيث إن الاقتراب الذي يقوم به بيرك ينطلق من الاستشراق لكي يتجاوزه ويفيض عنه. ذلك أن موضوع هذا الاقتراب ليس الشعر العربي الكلاسيكي والقرآن في ذاتهما، وإنما بوصفهما مرجعين أساسيين للثقافة العربية المعاصرة، أي، العلاقة بينهما وبين هذه الثقافة.
ولا أيضاً، من حيث إن اختيار الجزيرة العربية مكاناً لهذه الرحلة يحمل أكثر من دلالة: فهذه المنطقة من العالم العربي، التي كانت مهد الحضارة العربية الكلاسيكية، تقع الآن في منطقة بين الماضي والحاضر، بين الخام والمصنوع. وبسبب هذا الموقع فهي تبدو أكثر المناطق العربية صلاحية لدراسة ميدانية للعملية الحضارية الراهنة، أو، بتعبير أدق، لأساس هذه العملية. فهنا، يمكن استكشاف الكيفية التي تتم بها معادلة تأنيس الطبيعة وتطبيع الإنسان، المعيار الحقيقي، منذ الآن، لكل أصالة.
ولتحقيق هذه الرحلة تجتمع مواد عديدة: الوثيقة والشهادة الحية والإبداع الشعري. تتداخل أو توضع جميعاً في علاقات متداخلة لكي تعكس الصورة: فإذا كان يمكن الافتراض أن "الشعر العربي كان في بداية القرن السادس الميلادي ثورة الثقافة والمجتمعات العربية، فإن ثورة القرآن كانت أشد حسماً بقطعها صلاتها مع كل التقاليد القديمة، مقدمة خطاباً إلهياً للإنسانية جمعاء، ومبدعة في آن واحد الكلمة والإيقاع والتصنيف"[28]. هاتان الثورتان، الشعر والقرآن، إذا كانا أساس الثقافة العربية الكلاسيكية، فإنهما يتداخلان في الثقافة العربية المعاصرة ويتجلى هذا التداخل في ما يطلق عليه بيرك"الذكرى".
على أن الرجوع إلى القرآن وشعر الصحراء لا يعني أن "الذكرى" تقتصر في الثقافة العربية على هذه البدايات. فقد أضيف إليها خلال أربعة عشر قرناً "استنبات هائل للأفكار والسلوك والأعمال، كانت تعد لهما أحياناً وتناقضهما أحياناً أخرى". بيد أن هذه العلاقة ليست هي الوحيدة التي تكون الميراث العربي، كما أنها لا تكفي لوحدها بطبيعة الحال لنُعرِّف كائناً تاريخياً كرسته الأزمنة الحديثة لأن يستخلص من أعماقه وأعماق الآخرين تجدده الخاص. ذلك هو ما يجعل المعادلة الصعبة ممكنة: الانفكاك عن الماضي دون التخلي عن الإيمان به أو الإخلاص له، معادلة يجد بيرك تعبيرها الجمالي في قصيدة لشاعر عربي معاصر تحمل اسم "ميلاد"[29].
 

**  **  **

ويجد كذلك تعبيرها في مجمل الإنتاج الثقافي في العالم العربي. ففي القسم الثالث من الكتاب سيركز على تعبير العرب عن أنفسهم وعن الدلالات التي يبحثون عنها. ويسجل بيرك في هذا الصدد أن جهد العرب لتأصيل المكتسبات والتحولات وجهدهم للمحافظة على هويتهم يتحقق بقدر من الغموض يحفل بالوعود وعتوره النذر. والخطر الأكبر الذي يهدد مسيرتهم هو هذه القطيعة القائمة بين تقدمهم في ميدتن التكنولوجيا وبين حركة الأبعاد الأخرى للإنسان والجماعة.
على أن هذا الخطر بالذات هو الذي يمنح الثقافة العربية المعاصرة أهميتها القصوى من حيث إنها تترجم أولاً، بتوقفها أو بتراجعها، واقعة استقلال مختلف أبعاد الحركية الاجتماعية في ممارستها، كلاً لوحده، دوره منفصلاً عن غيره، ومن حيث إنها تستبق، ثانياً، كلاً من الممارسة والسياسة: الممارسة، لأنها تتنبأ بالنمط الثقافي للإبداع، والسياس، من حيث هي جهد لإقامة التواصل بين مختلف القطاعات لبناء حركة شاملة، وهو جهد لا يمكن للسياسة أن تحققه بدون مثل وصور ثورية، أي بدون حدوس محض ثقافية.
ولكن، كيف يمكن تفسير ظاهرة الاختلال في ثقافة ما؟
لقد أشرنا في بداية هذا العرض إلى أن بيرك ينظر إلى الاختلال بوصفه ظاهرة لا مفرَّ منها، وهي، على سلبيتها، يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً في دفع مختلف أبعاد الحركة الاجتماعية نحو التقدم وفق إيقاع البعد الأكثر تسارعاً. ولعل أوضح مثال على ذلك، ما يورده بيرك حول المعركة التي قامت بين مصطفى صادق الرافعي وطه حسين حول قضية الشعر الجاهلي. فقد استنفر الرافعي قوى التراث الإسلامي والمجتمع المصري في عصره ضد طه حسين الذي كان، بجرأته، يبدو داعية التقدم والتجديد. كان اللاافعي يمثل قيماً ثابتة في الثقافة العربية، بينما كان طه حسين يمثل اختلالً في هذه الثقافة. لكن هذا الاختلال لم يكن إلا انتظاماً موقوفاً، لن يلبث أن يعود إلى حركته، مع اقتراب الأبعاد الأخرى منه.
ومن هنا فإن التساؤل سيتركز على العلاقة بين القيمة الجمالية والتاريخ، لاغياً بذلك كل التساؤلات الأخرىعن أولية هذه أو ذاك. فالتحليل يكشف ـ كما يقول بيرك ـ عن وجود صلات حميمة، بما أن الثقافة ليست في نهاية التحليل سوى حركة الكلية الاجتماعية في بحثها عن تعبيرها وعن دلالاتها. على أن هذا البحث "يؤثر أساساً على المجموع الاجتماعي مثلما يتأثر به". وبذلك يغدو العمل الإبداعي "عملاً ياتقي مع اتجاه الأكثرية بحيث يفسره تفسيراً عميقاً، وبحيث يظل هذا التفسير صالحاً لأمد طويل. انطلاقاً من ذلك، فإن دراسة الأعمال الإبداعية لن تكون خصبة إلا إذا تمت في إطار الكشف عن التفاوت بين الاستعدادات الأساسية وبين الخصائص الأدبية أو الفنية، أي في إطار العلاقة بين التعبيرية (Expressivité) و التاريخانية (Historicité)[30]. وضمن هذا المنظور يصوغ بيرك مختلف إشكاليات الإبداع الفني والأدبي في العالم العربي، متعرضاً بوجه خاص إلى الموسيقى  والرسم والنقد والرواية والقصة القصيرة والمقالة[31].
يبدأ بيرك بوضع أساس فرضي لفحص نتائج تحديث الثقافة العربية؛ وهو يقوم على أساس أن تحديث هذه الثقافة يخضع، كيفما كان جانب الاستمرارية فيها، إلى ازدهار في الأنواع وإلى شروط في الشكل تتوقف، في الحقبة الراهنة، على الثقافات السائدة في العالم. ويتحقق ذلك وفق صيغ يسيطر فيها حسب الحالة التقارب أو التصارع، بما يؤدي إلى نتائج جمالية واجتماعية في آن واحد.
وانطلاقاً من ذلك يرسم بيرك معالم التطور الذي طرأ على مختلف الأنواع الأدبية والفنية في الثقافة العربية المعاصرة على النحو التالي:
"ــ من المؤكد أن امتياز المسرح أنه ابتدع لا وظيفته بالطبع، وإنما نمطاً من التعبير النادر في الشرق حتى أمد قريب. كذلك الرسم والنحت. وإلى حرية هذه الحركة يمكن أن نضيف ولا شك نجاحات هذه الأنواع المبكرة والمؤكدة.
" ــ ولكن كيف يمكن النظر إلى الآثار المعاكسة في حالة السينما والتخييل الروائي؟ في الحالة الأولى، نواجه فناً يعتمد الاقتصاد الصناعي ويمتد قدماً عبر الاتصال الجماهيري. والحق أنه حتى الآن لم يكن للتوصل إلى الجماهير وإلى التمويل الواسع للسينما المصرية التي تسود السوق مقابل إبداعي على الرغم من ظهور أفلام ذات قيمة. وكان على السينما العربية أن تضحي بنفسها في سبيل الذوق المتوسط للجماهير العريضة. إن الحداثة تصطنع في السينما كتثاقف أو كتسوية بين القديم والمستورد أكثر مما تصنع نفسها إبداعاً.
" ــ وعلى الرغم من بعض النجاحات المثيرة في الرواية والقصة فإن هذا النوع يعاني نفس هذا النمط من التناقض. فلم يكن على حظ من الجدّة لكي يتحرر من تراث، وكان كثير الجدة لكي يحقق تغيير استمرارية ما.
" ــ لكن الوضع نفسه ينعكس فيما يتعلق بالمقالة. ومن الممكن القول بصددها أن خصائصها على قدر شكِّ المجتمع الذ تعبر عنه بما أنه يكوِّن مادتها ويشرط في الوقت نفسه أسلوبها فضلاً عن أنها تشارك بتراث كان طه حسين يجد في الجاحظ مُبْدِعَهُ الأول.
"ــ أما بالنسبة إلى الموسيقى، فإن الأعماق الشعبية حقاً لقواعدها هي التي لا تتيح للحداثة أن تتوسل إليه إلا ببعض الإسهامات الآلية وبنجاح التقليد الذي يقوم به بعض مديري المسارح. ولذلك فإن هذه المصالحة ترضي جمهوراً عريضاً يرفض التجارب التي يقوم بها مؤلفون نادرون وفق الطريقة الحديثة، في حين أنها تنتمي في أنواع أخرى كابحث والرواية، وإلى حدٍّ ما في الشعر، إلى أشكال جديدة في الإبداعية"[32].
تؤدي هذه النتائج إلى فكرة مؤداها أن ما يجعل الإبداع ممكناً في الأنواع التي تستخدم الوسائل اللغوية إنما هو حيوية اللغة العربية الاجتماعية وقوتها الجمالية، بحيث كان يمكن إعادة تأصيل هذا الفن أو ذاك. ومن هنا، فإن الشعر ـ كما يرى بيرك ـ الذي هو أساساً عمل في اللغة، يتمتع بأولوية لغويةتطبع من نواح كثيرة الثقافة إن لم تسم المجتمعات العربية المعاصرة.
إن الدراسة المطولة التي يقوم بها بيرك لعدد من أعمال الشعراء العرب المعاصرين تتم عبر نفس المنظور، ونعني به منظور العلاقة بين التاريخ والقيمة الجمالية التي يمثلها الشعر الآن. وكان السؤال الذي عملت هذه الدراسة على الإجابة عنه: بأي حدٍّ يتجاوز الإبداع الجواب على الآخر والاستيحاء من الآخر أو الثورة ضده، سواء أكان هذا الآخر هو الأجنبي أم الأجداد؟
يكتب بيرك: "لقد كان الشعر العربي المعاصر، شأنه شأن التكنولوجيا والنضال الاجتماعي، أحد الوسائل بالنسبة للعرب لكي يجدوا العالم في أعماقهم ولكي يؤكدوا أنفسهم إزاءه... ذلك أن التحليل الموضوعي لعدد من أعمال الشعراء المعاصرين يكشف فيها ما لا يكشفه التحقيق العلمي في هذه المجتمعات إلا نادراً"[33].
إن العلاقة الحية بين الشاعر العربي المعاصر والواقع الذي يشارك فيه ويؤثر أو يتأثر تقف وراء هذه الإبداعية التي يمكن القول إنها في المقدمة من إبداعيات الأنواع الأدبية الأخرى في الثقافة العربية المعاصرة. فالشعر المعاصر، بتحقيقه أخطر ثورة في الأدب العربي المعاصر، أي بتحطيمه أوزان الخليل التي سار عليها الشعر العربية منذ أعماق العصر الجاهلي، مع استمراره في الإخلاص للبنية الأساسية في هذا الشعر، أي المنظومة اللغوية، أي بتعبير آخر في علاقة هذا الشعر مع قاعدته ومع التجربة المعاشة الواقعية والحركة الاجتماعية الراهنة إنما أمكن له أن يقدم التعبير الأعمق عن الثقافة العربية المعاصرة في جهدها لترجمة حركة الواقع وطرح مقدمات مستقبله.
 

**  **  **

هل يعني ذلك أن العملية الحضارية في العالم العربي قد استطاعت شق طريق لتجاوز التناقضات الأساسية التي فجرتها الثورة الصناعية في الغرب؟
لقد أوضحت التحليلات السابقة مدى ضخامة المشكلات التي تواجهها هذه العملية منذ قرن ونصف على عديد من المستويات: مستوى التنمية التقنية ومستوى الهوية، مستوى العلاقة بين مختلف أبعاد الحركية الاجتماعية وتسارع ونمو كل بعد وفق إيقاع البعد التكنولوجي. ومع ذلك فإن تجربة العالم الثالث، الذي يعيش ثورة التحرر من الاستعمار بكل أبعادها، ومن ضمنه العالم العربي بطبيعة الحال، قد طرحت أساساً لحل كل المشكلات التي تطرحها هذه الثورة، ونعني به إعادة هذه المشكلات إلى جذورها.
ولكن أية جذور؟
يجيب بيرك: "الجذور البيئية أولاً. فكل مشكلة يجب أن تعاد إلى مستوى التقاء المجتمع مع الطبيعة من جهة وإلى العالمية التي تفرضها مسيرة كل السعوب نحو وحدة الكوكب الأرضي من جهة أخرى. ثانياً، وهذه الملاحظة تستخلص من الأولى، إن هذا المشروع يجب أن  يستعيد الإنسان والجماعة بدءاً من القاعدة، أي بشكل جذري، وهذا ما يطلق عليه اسم الثورة. ثالثاً، إن هذا المجتمع المرغم على وضع هويته التي اكتسبها من أعماق العصور بمصطلحات العصور الحديثة، لابد أن يخضع هذه الهوية إلى حركة منتظمة. ذلك أن تثبيت هذه الهوية يعني قتلها؛ فلا بد بالتالي من تفجير كل المشكلات  وتوسيع مداها حتى تصل إلى حدودها الإنسانية الأساسية، بما أن الجهد الأساسي هو رفض المجتمع بوصفه شكلاً لإعادة صنعه بوصفه ممارسة لامحدودة للإنسان الجماعي. إن مشروعاً من هذا القبيل لن يكون من فضائله الصبر  والدراسة فحسب، وإنما المغامرة والرهان. رابعاً، المناداة بحق الاختلاف، حق التخلص من صيغ وربما من قوانين العالم الصناعي[34].
هل يعني ذلك التخلي عن صراع الطبقات؟
مرة أخرى يحيل بيرك الإجابة إلى حوار:

" ــ صراع الطبقات إذن؟
ــ إننا نضعه في حجمه الحقيقي، وهو حجم ليس اجتماعياً فحسب وإنما أنثروبولوجي.
ــ إنك تنزع منه ...
ــ التبسيط؟ الاحتكار؟ لا، إنه ليس الوحيد الذي يناضل في العالم. وهو أمر ليس فيه ما يحزن. وإذا كان الهدف أكثر ضخامة من مجرد استعادة فضل القيمة المسروق، وإذا كان يُعرَّفُ على وجه الخصوص بوصفه استعادة لما بقي تحت الحساب فهل يغدو أقلَّ إقناعاً؟
ــ إحذر الغموض والتضليل.
ــ إحذر التقييد والوهم.
ــ يبدو أنك تريد القول إن البروليتاري الحقيقي...
ــ إن البروليتاري الأكبر في العصر الصناعي هو الطبيعة، وما هو موجود من طبيعة فينا. ولذلك فإن الرأسمالية تشوه المجتمع، وإلى أجل الإنسان وحتى الطبيعة.
ــ كأنك تدافع عن الخائفين من التلوث.
ــ على العكس تماماً. إنني أظل مخلصاً للتفاؤلية التكنولوجية التي كانت بالأمس تفاؤليتكم، والتي تقفون منها اليوم موقفاً يتسم بالرصانة. إلا إذا...
ــ إلا إذا ماذا؟
ــ إلا إذا كان المجتمع تعددياً، ويزدهر في أبعاده المختلفة، ومن بينها البعد التكنولوجي، فإن هذا الأخير يمارس جاذبيته على الأبعاد الأخرى، وعلى كل الأبعاد الأخرى أن تتقدم...
ــ أتقول "تتقدم"؟
ــ أقول تتقدم وفق إيقاعها،ولكن وفق المنطق الخاص بكلٍّ منها.
ــ أعد، أرجوك.
ــ إن الإيمان بزمنية الإزدهار الإنساني في مختلف أنماطه، والإيمان بالتسارعات التي يفرضها عليه المشروع الصناعي، قد بات اليوم أحد مصادرات الاشتراكية ةالديمقراطية وربما أكثرها صحة. لكن...
ــ لكن؟
ــ ما يحطم هذا الاعتقاد ويتلفه أن تفرض على أبعاد مماثلة ومتداخلة ولكنها مستقلة ايقاع وحدود بعدٍ واحدٍ منها. إذا كنت تسمي ذلك ماركسية فإنني أسميه وضعية من أكثر الوضعيات بدائية.
ــ لنعد، أرجوك، إلى التلوث.
إن النادمين على النمو قد جعلوا منه فزاعة تستخدم للقضاء على كل المطالب في صرخة كبرى تدعو للهرب من العصر الصناعي.
ــ تقول إن الإتلاف يتجاوز إلى حدٍّ كبير مجرد العلاقة بين الطبقات، من حيث هو يشوه البيئة أو يحولها إلى بروليتاريا. ألا يعني ذلك صرف النظر عن المشكلات الأخرى؟
ــ لذلك، إذا نظرنا إلى التلوث الذي تلوح به المجتمعات الواصلة كفزاعة تعزل كل الآفات الأخرى في الظل، فإن العالم الثالث يرفض اعتباره مشكلة مأساوية. غير أنه لا العالم الثالث ولا الاشتراكية يبدو عليهما أنهما يريدان الإجابة على الواقع الذي تغطيه وتشوهه هذه الخدعة.
ــ ما الذي يمكن أن يكونه الجواب؟
ــ توسيع إطار الثورة الاجتماعية لتشمل كل ما هو بيئي.
ــ ماذا تعني بذلك؟
ــ إعادة العمل على ازدهار علاقة الطبيعة/الثقافة، التي حطمتها وقمعتها السيطرة ضمن عديد من الأشكال الأخرى غير شكل استغلال الطبقة العاملة. إعادة تطبيع الثقافة، إعادة تثقيف الطبيعة: هوذا المعنى الحقيقي للتحرر من الاستعمار والمعنى الحقيقي لكل ثورة.
ــ ولكن لماذا العرب؟
ــ لاشك أن ميادين أخرى على كوكبنا الأرضي وتواريخ أخرى للإنسان تسمح لنا بهذه الصيغ وهذه الآمال. أما هم، فإنهم يحققونها عبر خصوصيات هي بالنسبة إلي (وبالنسبة إليهم) مفعمة بالمذاق.
ــ بالمذاق؟ لكني أظنكَ عالم اجتماع!" [35]

 
**  **  **

لماذا العرب؟ هذا هو السؤال الذي بدأ به بيرك كتابه، لكي يستعيده ثانية في القسم الأخير منه.
ألأنَّ إسهام تاريخهم المعاصر ــ كما يقول ــ "في نظرية وممارسة الحضارات يعود إلى ما يشترك به هذا التاريخ مع غيره، أم إلى ما هو أكثر، إلى ما يتميز به عن غيره؟"
يوضح بيرك: "إن المجتمع العربي يكرس من بين مجتمعات عديدة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية هذه الملامح التي أتينا على استخلاصها قبل قليل، سواء في نواحيها الإيجابية، أو في نواحيها السلبية. والأمر هو من الوضوح بحيث أن هذه الفرضيات قد استخلصت مباشرة من تجربتهم الراهنة، بل إني لأجدها لدى عديد من بحاثيهم، وخصوصاً لدى شعرائهم، مصاغة ومُقدَّمة على طريقتهم." [36]
ذلك أن الوجدان العربي، وهو مفهوم يلخص كل هذه الفرضيات، "بربط مباشريات التجربة المعاشة بحضور الأصولي، ويذيب بعدد من المواقف المسافات والتناقضات التي سبقت الإشارة إليها. صحيح أن الأصولي، بالنسبة إلى الوجدان العربي، هو المتعالي عادة وأن التاريخ المعاصر يفهم بطريقة أخرى عملية الرجوع إلى القواعد، غير أنه يبقى أن هذا الحضور للقواعد (سواء عرفناها بصيغة دينية أم طبيعية) وهذا الانبعاث إلى التجربة المعاشة الشخصية والجماعية يسمان سلوك العرب باستمرار." [37]
هذه السمات تميز كذلك طبيعة عملية النهضة الحضارية التي بدأها العرب منذ قرن ونصف وتلون كذلك أصالتهم ـ من حيث إن الأصالة هي العلاقة المستمرة والمتحركة مع القواعد ومن حيث إنها لا تنكر الحداثة أو الهوية ـ أي مغامرات هذه الأصالة، بالمعنى النبيل لكلمة مغامرة.
لقد نظر إلى شخصية العرب باستمرار انطلاقاً من علاقة هذه الشخصية بالمتعالي، وهي علاقة يحددها ويرسم معانيها الإسلام: فالإسلام دين الفطرة؛ وهو بهذا المعنى "يحفظ طبيعة الإنسان والطبيعة بشكل عام، ولا يرغم الإنسان إلا على طاعة القانون الإلهي". بيد أن الإسلام إذا كان يعكس كثيراً من ملامح العرب، فإنه لا يعكسها كلها: "لقد صنعنا منهم ولزمن طويل أبطالاً ميتافيزيقيين وممثلين للمطلق، في حين أنهم لم يكونوا كذلك حتى زمن الخلفاء الراشدين". بمعنى أن ثمة ملامح أخرى للعرب تعود إلى ما قبل الإسلام وتشارك في تكوين الشخصية العربية على الرغم من طبع الإسلام لهذه الشخصية.
ومن هنا فإن الكشف عن هوية العرب الجماعية عبر تجربتهم المعاشة يوضح لنا عدة انتظامات بالغة الأهمية. يكتب بيرك:
"1) هناك بطبيعة الحال المرجع إلى الإله، كما يقيمه القرآن وكما تفترضه العديد من مسالكهم؛ غير أن من يريد استدعاء ثوابت أخرى غير الثوابت المتعالية فإن بوسعه أن يجدها؛
2) كذلك في استمراريات تاريخية نتيجة العلاقات بين الجماعة والبيئة، أو
3)عاكسة للاستمراريات في المواقف أو لرؤية للعالم خلت من تغير جدير بالذكر عبر قرون؛
4) إننا نلاحظ إذن وجود تنظيمات ثابتة تبني وحدة متزامنة لمجموع ما ولاستمراره في الزمان: فالوحدة تبقى في تنوع أو أنها لا تتنوع إلا بعد أجل طويل جداً"[38].
تنعكس هذه الاستمرارية التاريخية في سلوك العرب إذن علاقة قوية مع ما يطلق عليه بيرك اسم الجذور أو الأنماط أو الثوابت، تتميز بغناها المحسوس والحسي.
أما على مستوى التجربة المعاشة، فإن هذه العلاقة مع الجذور يمكن لها أن تتخذ اتجاهات متباينة بل ومتعارضة، حسبما تكون طبيعة هذه الجذور أو الثوابت: الأصول الدينية أو الطبيعية
وإذا كان ذلك يؤدي إلى نتيجة تبدو غامضة، فإن الأساس في هذه الاستمرارية أو في هذه الخصوصية العربية هو الحضور أمام الذات. هذا الحضور هو الذي يجعل الفعل مصيراً ويجعل المستقبل مغامرة.


[1]   "كلمة العرب للعالم الجديد" هي الترجمة العربية التي اقترحها جاك بيرك لعنوان كتابه Langages arabes du présent منشورات Gallimard، باريس 1974. ومن الواضح أنه يعني مختلف الأساليب التي يعبر بها العرب عن أنفسهم في الوقت الراهن عبر تطلعهم نحو المستقبل.
[2]  إننا نعني هنا على وجه التحديد الاستشراق الذي مورس كاختصاص محدد عبر الاهتمام بالتراث العربي جمعاً ودراسة وشرحاً (ذلك أن الاستشراق يقال على عدة معان)؛ وكان لابد من انتظار المؤتمر التاسع والعشرين الدولي للمستشرقين (باريس، تموز/يوليو 1973) لكي يتم الاعتراف بهذه الحقيقة لا بالنسبة إلى الاستشراق المختص بالمنطقة العربية، وإنما بالنسبة إلى الاستشراق بشكل عام.
[3]  Les arabes, d’hier à demain, Le Seuil, Paris 1969, p. 18. 
[4]  المرجع السابق، ص. 8 ـ 9.
[5]  كتب المقال الحالي ونشر في عام 1975.
 [6]  Le Maghreb entre deux guerres, Le Seuil, Paris 1962.
[7]  Dépossession du monde, Le Seuil, Paris, 1964.
[8]  L’Egypte, impérialisme et révolution, Gallimard, Paris, 1967.
[9]  L’Orient second, Gallimard, Paris 1970.
[10]  L’Orient second, Gallimard, Paris 1970.
[11]  حوار مع جاك بيرك، صحيفة اللوموند، 28 شباط/فبراير 1975.
[12] يقول بيرك: "لقد أسست علاقاتي مع العالم العربي على الصراحة والإخلاص لهويتي. إن هويتي فرنسية، وإني لأذكر دوماً لقائي بوزراء جزائريين منفيين في تونس أثناء حرب الجزائر. وإذ كنت أقول لهم ما أقوله لك الآن، من أن هويتي الفرنسية محترمة ولا بدّ من أن تحترم، أجابني واحدٌ منهم بهذه الإجابة المثيرة للإعجاب والتي لن أنساها أبداً: (إننا بحاجة إلى أصدقاء، ولسنا بحاجة إلى متواطئين). وإني لآمل أنني كنت، وأنني أستمر في أن أكون دوماً هذا الصديق. إنني في حالتي أعتبر أن على كل واحد أن يبقى مخلصاً لأصالته، وبهذا الشرط وحده نستطيع أن نبني أصالة عالمية). ـ من مقابلة مسجلة أجريتها مع جاك بيرك في 24 شباط/فبراير 1975.
[13]  تعدد منطق التقدم، ديوجين (الطبعة العربية)، العدد 24، 1974، ص. 13.
[14]  عدم تقييد التاريخانية (Dé-réduction de l’historicité)، محاضرة افتتاحية لجاك بيرك في الحلقة الدراسية في لوفان (AUPELF)، 1973.
[15]  من مقابلة مسجلة مع بيرك بتاريخ 24/3/1975.
[16]  حاول السيد أحمد علبي أن يقدم لنا فكرة عن نظرية بيرك هذه، ويبدو أنه كان  ـ بسبب من أفكاره القبلية ـ غير قادر على إدراك أن هذه النظرية تعتبر ـ في الأساس ـ نقداً وتجاوزاً  لكل ما يعتبره هو نقداً لها، فضلاً عن قيامه ـ أحياناً ـ  بنقد النظرية اعتماداً على أحد مقدماتها الأساسية! (العلاقة بين الأبعاد، والتفاوت فيما بينها...إلخ.)؛ ولذلك جاء عرضه خليطاً بائساً من سوء الفهم والتحيز المسبق ـ وهو أدنى ما يوصف به تلخيصه إذا شئنا ألا نخوض في النوايا!. انظر مجلة الآداب، العدد الأول، كانون الثاني/يناير 1974، ص. 50.
[17]  بيرك، عدم تقييد التاريخية، لوفان 1973.
[18]  المرجع السابق.
[19]  من المقابلة المسجلة مع بيرك بتاريخ 24 آذار/مارس 1975.
[20]  عدم تقييد التاريخية: آمل أن يكون هذا العرض التخطيطي المُبَسّط واضحاً للقارئ. على أنه إذا شاء التفصيل فبوسعه الرجوع إلى المصادر التي اعتمدنا عليها في وضع هذا العرض: هناك بطبيعة الحال كتاب بيرك موضوع هذا العرض، كلمة العرب إلى العالم الجديد (راجع الهامش رقم "1" هنا)، وهناك من ناحية أخرى دراسة بيرك التي تحمل عنوان تعدد منطق التقدم (Logiques plurales du progrès) التي نشرت في مجلة ديوجين، الطبعة الفرنسية، العدد 79، 1972، وفي الطبعة العربية، العدد24، 1974 بترجمة الدكتور عثمان أمين. وكذلك محاضرة جاك بيرك الافتتاحية للحلقة الدراسية (AUPELF) في مدينة لوفان تحت عنوان عدم تقييد التاريخية (De-réduction de l’historicité)، 1973؛ ثم الفصل الخامس من القسم الأول من كتاب بيرك L’Orient second بعنوان "ماهي القاعدة؟، منشورات جاليمار Gallimard، 1970؛ ثم مقالة بيرك التعدد (Pluriels) المنشورة في عدد شهر آب/أغسطس 1973، من مجلة Esprit.
ونود أن نشير هنا إلى أن قول بيرك "إن التقنية تشرط الأبعاد الأخرى في الحياة الاجتماعية" لا يعني أن هذه الأبعاد تصدر عن التقنية بوصفها قاعدة ــ وإلا لما اختلف قوله في ذلك عما تقوله الماركسية الوضعية ــ وإنما يعني أنها ترغم الأبعاد الأخرى على أن تزدهر وفق نفس الحيوية أو الحركية التي تظدهر بوصفها البعد الأكثر تسارعاً في عصرنا. كما أن كثيراً من الفعاليات التي تنظر إليها الماركسية الوضعية على أنها بنى فوقية لا أصل لها في الاقتصاد الذي تعتبره قاعدة أو بنية تحتية. ولابد من الإشارة إلى أننا هنا بصدد الحديث عن تكنولوجيا لا عن اقتصاد. إن ديالكيتيك المجتمعات ليس ديالكتيكاً ثنائياً وإنما هو ديالكتيك تعددي.
[21] Jacques Berque, Langages arabes du présent, p. 39.
[22]  مقال كتبه جاكوبسون خلال عامي 1933/1934 ونشر بالفرنسية في كتاب (Questions de poétique) من منشورات (Seuil)، باريس 1973. راجع أيضاً ص. 39 من كتاب بيرك المذكور.
[23]  Langages arabes du présent, p. 42.
[24]  المرجع السابق، ص. 52.
[25]  المرجع السابق، ص 54.
[26] وهذا هو السبب في اقتصار بيرك في كتابه على تحليل الأعمال التي تمت كتابتها باللغة العربية أساساً مستبعداً بذلك كثيراً من أعمال العرب المكتوبة باللغات الأخرى والتي لا ينكر أهميتها، لكنه لا يرى فيها إبداعية عربية خالصة مادامت كتابتها قد تمت بلغات أخرى. ويرد بيرك على المعترضين: "عندما يعتبر العرب ابن المقفع عربياً رغم أصله الفارسي فذلك لأن إبداعيته قد تمت باللغة ىالعربية. ذلك أن هذه الإبداعية تجعل من النسب عنصراً لا وزن له بالمقارنة معها... إن المؤلفين العرب الذين يكتبون بالفرنسية أو الإنكليزية يكونون شيئاً آخر غير الروافد العربية للآداب الفرنسية والإنكليزية. ما يهم هو اللغة؛ والتعريب ليس مجرد تطوير الدلالة وإنما هو تطوير الأشياء ذاتهاأيضاً، وعليه أن يترجم حركة كلية يدخل ويصرف فيها الوقائع والدلالات" ـ من المقابلة المسجلة بتاريخ 24 آذار/مارس 1975.
[27]  يناقش بيرك المشكلة التي يثيرها السؤال الأخيرفي هذه الصيغة الحوارية التي نترجمها للقارئ حرفياً. راجع ص. 104 و 105.
[28]  Langages arabes du présent, p.172.
[29]  سميح القاسم، في ديوانه "دمي على كفي".
[30]  "التاريخانية" ـ في نظر بيرك ـ لا تقتصر على مشاركة مجتمع ما في التاريخ فحسب وإنما تتجاوز ذلك إلى وعيه وإلى التعبير عن هذا الوعي. أما "التعبيرية" فهي، بالنسبة إلى الثقافة، خلق أشكال من التعبير تتلاءم مع نفسها وتتجاوز ذاتها إلى إسقاطات لاحقة. إن تعبيرية رامبو ومالارميه مثلاً كانت متقدمة على الثقافة واللغة الفرنسيتين في عصرهما.
ـ من المقابلة المسجلة بتاريخ 24 آذار 1975 ـ .
[31]  تتضمن الفصول التي خصصها بيرك لدراسة التعبير والدلالة فصلان رئيسيان يتألف أولهما من مقاطع مختارة بعناية فائقة من عشر قصص قصيرة، وثانيهما من مقاطع مقتطفة من خمس روايات عربية. وقد عمل بيرك على أن يترك الكلمة عبر عملية المونتاج هذه إلى الإبداع الخثالي، حسب تعبيره، لك تعكس لا الشخصية العربية والهوية العربية وملامح التجربة المعيشة الراهنة فحسب، وإنما كذلك المستوى الفني والتكويني لهذه الأعمال الأدبية. اختيرت مقاطع القصص القصيرة من قصص كلٍّ من عبد السلام العجيلي وفؤاد التكرلي وغادة السمان ويحي حقي وزكريا تامر وحيدر حيدر ويوسف إدريس ومحمد المنسي قنديل. أما مقاطع الروايات فقد اختيرت من أعمل كل من نجيب محفوظ وتوفيق يوسف عواد وجبرا إبراهيم جبرا والطيب صالح. أما في مجال النقد، فقد اختار بيرك دراسة النقاد الثلاثة: محمد مندور ولويس عوض وجبرا إبراهيم جبرا. أما في مجال علم الاجتماع فقد درس كلاً من علي الوردي والحسين فوزي.
[32] .Langages arabes du présent, p. 292-293
[33]  المرجع السابق، ص. 206.
[34]  المرجع السابق، ص. 353.
[35]  المرجع السابق، ص. 354 ـ 355.
[36]  المرجع السابق، ص. 355.
[37]  المرجع السابق، ص. 356.
[38]  المرجع السابق، ص. 362.


121   نشر هذا المقال في مجلة المعرفة، العدد 162، الصادر في شهر آب/أغسطس 1975، ص. 92 ـ ** 
 
 
 
 
 

samedi 6 juin 2015


في عينيْه

دومينيك بوديس: قراءات في الصور قصصاً قصيرة*

 

بدرالدين عرودكي 
 

"في عينيه، استهلكتُ ملايين الثواني من السعادة. في عينيه كنت ارى انعكاسات الحياة وقد تلطفت. كنتُ اسكنُ في عينيه". 
بهذه العبارة تفتتح إيزابيل صياح كتاباً أشرفت عليه لزوجها ورفيقها الراحل دومينيك بوديس أرادت له أن يضمّ مجموعة مختارة من آلاف الصور التي التقطها طوال سنوات إقامته في المشرق العربي خلال سبعينيات القرن الماضي بوصفه مراسلاً صحفياً للتلفزيون الفرنسي حين شاء القدر أن يشهد بهذه الصفة أولى سنوات الحرب الأهلية في لبنان، بل وأن تطاله بعض آثارها حين وقع جريحاً بينما كان يقوم بأداء مهمته، وكذلك أن يشهد معظم الأحداث التي توالت بعد ذلك في مختلف بلدان المشرق العربي، من العراق إلى مصر، ومن سوريا إلى جنوب الجزيرة العربية، وذلك قبل أن يصير عمدة مدينة تولوز خلال ثمانية عشر عاماً ثم نائباً في البرلمان الأوربي فرئيساً للجنة العليا المشرفة على وسائل الاتصال السمعي البصري كي ينتقل بعد ذلك إلى رئاسة معهد العالم العربي ثم لينهي مساره المهني بوصفه مدافعاً عن الحق.. 
مائة وخمسة وعشرون صورة اختيرت من بين آلاف الصور التي التقطها دومينيك بوديس، تكاد تشبه في تعبيرها البليغ سوناتات سكريابين القصيرة، أو تشبه أيضاً، في ذاتها، قصصاً قصيرة مكثفة، تقول اللحظة إذ تفجرها، مثلما تفعل القصة القصيرة تماماً، حين توظف النور والظل في وجهٍ أو في موقف أو في نظرة، تاركة لكلِّ من يراها دون أن يعرف ظروف التقاطها أن يستوحي عناصرها وأن يكتب هو نفسه قصتها.
ذلك ما فعله أربعة وخمسون من أصدقائه، نساء ورجالاً، أكانوا سياسيين أو شعراء أو روائيين أو رحالة أو رجال أعمال، حين قرأ كلُّ واحدٍ منهم صورة أو أكثر ثم كتبها كلمات. كان كلٌّ منهم في جملة أو جملتين أو في عشرات الجُمَل يُحاول أن يُنطِقَ الصورة كلماتٍ لا تحدّ من أو توجِّهُ مع ذلك مخيلة أيّ شخص آخر يحاول بدوره أن يقرأ الصورة ذاتها وأن يكتب على طريقته، وكما تمليه عليه نظرته إليها، قصتها. بفعل الصورة وما توحيه، صارت النصوص ذاتها، كالصور التي تقولها، متعددة الأبعاد.  إذ لم تكن تقول الصور كلماتٍ فحسب، بل كانت في الوقت نفسه تقول هذه العلاقة التي كانت لكلٍّ منهم مع دومينيك بوديس بقدر ما كانت أيضاً وفي الوقت نفسه تحاول النفاذ  في عمق الصورة تستقرئها ظاهراً وباطناً، ثم تستدعي كل ما تحمل عناصرها مجتمعة أو متفرقة على افتراضه، ولاسيما منها خصوصاً شخصية من التقطها في لحظة ما من حياته كانت في الحقيقة واحدة من لحظات التكوين.
كان الروائي أمين معلوف أول من سجل هذه الخاصة  في الصور: "تحت كل صورة قصة. ولأننا لا نعرفها، نتخيلها. ونظننا قادرين على حزرها". وها هو يكتب ـ كما رأى ـ قصة طفلة تهيأت بلباسها الجديد كي تحضر عرساً (الصورة 2): "في نظرة الطفلة التي لبست من أجل العرس الهشاشة، والانتظار، والخوف من الآخرين؛ وعلى جبهتها ترتسم قبل الأوان هموم امرأة وعما قريب أمٍّ وراشدة، بلا حرية الراشدين. أما في نظرة الرحالة المصوِّر، فثمة تعاطف عابر، قبلة بعيدة. سيبدأ العيد وسينتهي عما قريب..والنيل يجرف منذ الأبد الحياة والطمي والخصوبة والخطر".

للسياسيِّ قصة مختلفة يكتبها ما إن يرى صورة الفتاة وراء النافذة (الصورة 7). يكتب فرنسوا بايرو: "ثمة خيال في الظل يكاد يمحي بسبب قسوة الضوء الخارجي وبهارته وعريه. والفتاة، وراء النافذة، مُرصَّعة هي الأخرى  في الجدار الترابي. لا نرى ذراعيها المزينة بالاساور جيدا. لكننا نحزر نظرة عطشى تبحث عن اكتشاف الآخر وعن فهمه. الآخر الذي يلتقط الصورة."

أما الصحفي، أي الزميل بمعنى ما، كريستيان ماكاريان، فيكتب هو الآخر عن معرفة بما وراء الصورة/الخبر/ القصة (الصورة 8): "صورة مفاجئة للألم، وجه الألم، شرق يحمل الكارثة. يلتقط دومينيك هنا لحظة من الأبدية التي تؤلف بالنسبة للإنسان عبئاً ثقيلاً. تبدو اليدان المتوسلتان وهما تطلبان العفو، تصدر عن الفم شكوى اكثر مما تصدر عنه صرخة، كلُّ عذاب العالم يرتسم في هذا المشهد الذي يندرج فيه كل شيء تحت عنوان الكرامة. على اليسار يقف

 رجل آخر، اكثر شبابا، ليأخذ دوره في الألم، لا يستطيع فعل شيء، سوف يتلقى وسوف ينقل. وعلى اليمين، ذراع مجهولة تمتد لدعم الجسد الذي يتالم. أجهل كل شيء عن الظروف التي عاش فيها دومينيك هذا المشهد الممزق. أترك لخيالي إذن أن يقوم بالبحث. إنه يضعني عفواً على درب فقدان ما، وفاة، دراما، ليست شخصية فقط. يعرف الشرق أكثر من أي منطقة أخرى في العالم كيف يربط تاريخ الشعوب إلى حزن كل شخص. وما كان الغربيون يعتبرونه خلال زمن طويل مسرحية ثقافية، تضخيماً عاطفياً تحررت منه العقول، هو في الواقع ملخص عام للشرط الإنساني: بين الدجلة والفرات، بين النيل والخليج الفارسي، من الشواطئ الفينيقية حتى الهندوس، جرت وتجري سيول من الدموع، أمس مثل اليوم. هناك إنما ولدت الحضارات، وهناك بقيت مجرد وعد في مواجهة عبء الأيام التي تتشابه من عصر إلى عصر. تتجلى قوة هذه الصورة، المأخوذة قبل عشرات السنين في أنها تكلمنا عن حدث راهن مؤلم، وفي أنها تقنعنا بكل ما يجب عمله من أجل تحرير الشرق من سلاسل القدر..."
صحفي آخر يرى في صورة الطفل من التقطها. يكتب باتريس دوهاميل حكاية الصورة (الصورة 6): " كلُّ دومينيك في هذه الصورة. التحفظ والدقة  لدى الصحفي في الميدان؛ الحنان والتعاطف نحو هذا الطفل الوحيد وراء الأسلاك الشائكة ؛ الأمل في رؤيته متحررا وخارجا من الجحيم. الالتزام للمدافع عن الحق في المستقبل؛ كل دومينيك هنا وأكثر من ذلك ايضا. نظرة الإنسانوي، وتأثر الصحفي وتعاطف المواطن العالمي."
أما مَنْ رافقه في حياته المهنية اليومية سنوات، فيحاول التقاط الصورة في الصور كلها وفي صورة خاصة يقرؤها. كان أنطوان غريزو ذراعّ دومينيك بوديس اليمنى لسنوات (الصورة 4): " في عينيه كان ثمة نظرة. نظرة الصحفي الذي اختار أن يكونه والذي كان يقدم المعلومات عن جزء من العالم كان في طريقه للانتقال إلى التغيرات. ولكنها أيضاً نظرة إنسانوي يرجو أن يقول حياة هذه البلدان اليومية. كان يبرهن بلغة الصحافة على أن الحياة رغم الحروب وورغم الآلام، تستمر وعلى أن الأمل يدوم. هذا الأمل هم هؤلاء الصبيان وهاتيك الفتيات الجالسين كي يتعلموا. إذا كانت صور دومينيك بوديس عن الحرب قد التقطت عن كثب، وغالباً بالتماسّ، فلا يمكننا ألا نعبأ بأنه في سهره على احترام مسافة ما من أجل الصور يقوم بإلقاء الضوء على الحياة اليومية لهؤلاء الناس. لا يجب وتلك هي يقظته الجوهرية، أن تكون المعلومة تطفلاً. كذلك، يتعزز صفاء هذه اللحظات من الهدوء بأفضل استخدام لهذا النور الذي يميز هذا الشاطئ من المتوسط. لم يكن دومينيك بوديس مجرد مراسل حربي، بل كان شاهدا ورفيقا للرجال والنساء الذين اختاروا العيش في الأمل."
ذلك أنه كما يخاطبه جان لوك لاغاردير حين يقرأ الصورة 3 في هذه المختارات: "دومينيك، لقد قمتَ على الدوام بممارسة المهنة ذاتها: التقريب بين البشر".. هنا تقوم مسافة بين المصور وموضوعه.

لكن الأمر ليس على هذا النحو دوماً. فها هي صورة حارس أحد الأمراء تكاد تنطق بأكثر من معنى.. وهل هناك أفضل من نظرة من امتهن حرفة السمعيات البصريات كي يفكك ما بين الألوان/السطور وهو يقرأ الصورة؟  يكتب كامي باسكال (الصورة 5): " الرجل شابٌّ وسيم مبتسم، ويفتِن. يضع الكوفية التقليدية لكن طريقته طبيعية ، سهلة، ومرتاحة. يضفي عليه الجاكيت الغربي الملبوس على الجلابية البيضاء مظهر بلابوي. لماذا صور دومينيك هذا اليوم هذا الرجل  الذي يبدو في عمره تقريباً؟ ثمة شي من الصداقة يتجلى في نظرة الرجل مثل تلك التي حملها المصور. هل رأى دومينيك فيه صديقاً؟ أخاً؟ أم مثيلاً له معكوساً بفعل عاكس الحضارات. لا نعرف. ثمة تفصيل، وهو ليس كذلك في الحقيقة، يدهشنا عند النظرة الثانية مع ذلك. خنجرٌ رائع معلق على زنار هذا الرجل. خنجر للاستعراض طبعا لكنه سلاح معكوف ومرعب. لابد أن دومينيك، حين اخذ هذه الصورة،  قد أخذها لان شيئا ما دفعه، ربما بلا وعي،  إلى التماهي مع هذا المحارب اللامبالي والمتألق، لكنه لم يكن يستطيع التنبؤ  ان عليه ذات يوم ان يحمل بدوره خنجرا كي يصيب به الحقد في مقتله."

هل كان دومينيك بوديس وهو يلتقط صورة الطفلة السورية التي حملها غلاف الكتاب يعلم ما الذي ستعنيه نظرتها اليوم بعد سنوات التدمير الممنهج والقتل العمْد لشعب أراد استعادة كرامته وحريته المسلوبتيْن؟ نظرة براقة وابتسامة مفعمة بمستقبل مأمول على ما يحيط بها من بؤس مادي تحملنا على أن نرى في عينيْ المصوِّر آمالاً لا تنضب: لا في البلاد التي أحبها وظل حتى اللحظة الأخيرة يبحث عن الراحة والسعادة فيها فحسب بل في إنسانها طفلاً وامرأة ورجلاً يستنطقهم بعينيه ويخاطبهم في العيون.
هكذا يبدو لنا أن دومينيك بوديس الصحفيَّ لم يكن وحده الذي كانه وراء الصور حين التقاطها، ولا كذلك السياسي الذي سيكونه بامتياز في موازنته بين الجميع يميناً ويساراً أو في طريقة فهمه للسياسة خدمة عامة للناس وشق كل الطرق فيما بينهم، ولا الروائي الذي سيكونه أيضاً والذي ستعكس رواياته همومه التولوزية والمشرقية، بل كل ذلك معاً : بذرة سرعان ما ستصير شجرة كبرى وارفة على كل من أحب من البشر شرقاً وغرباً..



** نشر في الملحق الثقافي بصحيفة العرب، العدد 9941، ص. 15.

http://www.alarab.co.uk/?id=54112

http://www.alarab.co.uk/pdf/2015/06/07-06/p15.pdf







 

mercredi 29 avril 2015


في نكبة فلسطين  ومآلاتها المنتظرة


بدرالدين  عرودكي
 

نكبة فلسطين؟

هما الآن مشهدان ثابتان في الذاكرة تفصل بينهما سبعة وستون عاماً، يجسدانها في نظري. أولاهما محفوظ حكاية في ذاكرة شخصية والثاني قائم ومستمر في سوريا خصوصاً منذ أربع سنوات على مرأى من العالم كله.

المشهد الأول، شخصي جداً بقدر عموميته، يقدم حكاية أسرة دمشقية كانت تعيش منذ سنوات طوال في حيفا. زوج وزوجته وأطفالهما الثلاثة. عاد ربُّها مساء يوم من أيام مايو 1948 من عمله ليجد جميع سكان العمارة التي يسكنها ومن بينهم زوجته وأولاده الثلاثة على أرصفة الشارع المحيط بها بعد قيام قوة صهيونية من الهاجاناه باحتلالها وإخراج سكانها عنوة من بيوتهم فيها. طردت الأسرة مساء اليوم نفسه مع سواها وحملت على ظهر مركب رسا بأفرادها في ميناء بيروت، واضطرت بعد نزولها لقضاء أكثر من ثلاثين يوماً سيراً على الأقدام كي تصل دمشق. كنتُ أرى للمرة الأولى خالي وزوجته وأطفاله حين وصولهم إلى بيتنا في حيّ الشيخ محي الدين. مشهد بقي في ذاكرتي طفلاً ولم تمحُه السنون، رغم كل المشاهد الأخرى التي شهدها أو عاشها أيُّ فرد عربي مثلي في أيِّ بلد عربي.. مشهد شخصي حقاً، لكنه كان مشهد آلاف الأسر في تلك السنة المأساوية في تاريخنا المعاصر التي كانت تهيم على وجهها. لا أظنها امحت من ذاكرة كلِّ من عاشها ممن استقر بهم الأمر في المخيمات داخل فلسطين أو خارجها.

هناك مشاهد أخرى من النكبة الفلسطينية ستتوالى ولا شكّ تباعاً على الأرض العربية، على معظم الأرض العربية. وستتخذ ألواناً وأسماءً شتى، ألوان وأسماء سكان مدن قناة السويس بعد هزيمة يونيو 1967، وأسماء وسكان الضفة الغربية وهم  يكررون ثانية هجرة بيوتهم وأراضيهم في السنة نفسها وفي الشهر نفسه، وسكان الجولان السوري وهم يزحفون نحو أطراف دمشق بعد إعلان سقوط القنيطرة قبل وصول العدوِّ إليها. ولسوف تتخذ أيضاً من بعدُ ألواناً أخرى في لبنان مرات عدّة وفي العراق خصوصاً شمالاً ووسطاً وجنوباً. كانت كلها تنويعات على المشهد الأول تبتعد أو تقترب منه لكنها ذات بطل واحد: الإنسان العربي المعاصر.

لكن المشهد الثاني لن يكون تكراراً للمشهد الأول بقدر ما سيكون ارتداداً له على نحو يتفجَّرُ فيه كلُّ ما تراكم على امتداد هذه السنوات التي تفصل بين المشهدين. ولأنه ليس مشهداً خاصاً كالأول، فلن يكون واحداً، بل سيضم مشاهد لا حصر لها تتوالى أمام أعيننا جميعاً منذ نيِّفٍ وأربع سنوات.. تستعيد مشهد النكبة الأولى في تلك السنة المشؤومة، لاسيّما وأنها تتمُّ باسمها ومن أجل تجاوزها ـ كما كان يُقالُ ويُكرر كلَّ يوم ولا يزال في أجهزة الإعلام العربية كلها، مثل مشاهد مسرحية تفصل بينها استراحات لا تكاد تنقضي حتى يُستأنف المشهد من جديد أكثر قوة وعنفواناً ومأساوية، فبعد نيِّف وأربعين عاماً من مشاهد تفريغ المجتمع السوري من كل شيء: من الحرية أولاً ومن الكرامة تالياً، ثمَّ من السياسة ومن العقل ومن التفكير ومن كل ما يسمح لمجتمع طبيعي أن ينمو ويتطور ويعيش عصره وزمنه، ها هي مشاهد القتل والطرد والتهجير القسري أو الهجرة خياراً وحيداً تستعيد جملة واحدة المأساة الفلسطينية/السورية/العربية في عناصرها كلها، عبر تغريبة السوريين، وتهديم بيوتهم ومدنهم وحيواتهم، في محاولة لتمزيق هويتهم الإنسانية أساساً، تماماً كما تجسّدت النكبة الأولى محاولة لإعدام شعب بأكمله عبر إنكار وجوده أساساً.

وإذا كان المشهد الأول قد اكتسب عموميته في الوعي وفي الواقع معاً بدءاً من صفته الشخصية، فإن المشهد الثاني يتخذ طريقاً معاكساً حين يكتسب الصفة الشخصية من عموميته. ذلك أنه إذ لا يقتصر على مشهد واحد ولا على عشرات منها بل ولا على مئاتها مما لا يزال ماثلاً في الذاكرة البصرية والشعورية لمئات الألوف، بل للملايين في مشارق الأرض وفي مغاربها: من خلال مشاهد البشر وقد حملوا ما يستطيعون على ظهورههم، نساءً ورجالاً، أو على مراكبهم من حيوانات أو آلات مهترئة، مما يمكن أن يقيهم البرد أو الجوع لأيام معدودات، أو على قوارب بحرية تتسع لعشرات لكنها تحمل المئات وهي تغور في المياه على مسافة مئات الأمتار من شاطئ كان يمثل الخلاص ولو لهنيهات. وربما كانت مشاهد السوريين على إثر الفلسطينيين بعد سبعة وستين عاماً وهم يهيمون على وجوههم في سهوب سوريا أو جبالها ثم في البحر الذي شهد قديما انطلاق أمواج الحضارة منها، وبعد وخلال ذلك مشاهد الفلسطينيين في مخيم اليرموك وكأنهم في يوم الحشر يخرجون جموعاً بحثاً عن لقمة لأطفالهم ولأنفسهم، هي المشاهد الأكثر فصاحة وبياناً في التعبير عن النكبة الأولى وقد صارت نكبات، وعن عدد يُحصى بمئات الألوف صار يُحصى اليوم بالملايين، وعن عدوٍّ كان واحداً معروف الوجه والقسمات والهوية ثم استحال أعداءً لا حصر لهم، أشخاصاً ونظماً ومؤسسات عائلية أو قبلية تحاول لبوس دولة وهي أقرب إلى العصابة.

كيف أمكن لهذه النكبة الفلسطينية أن تصير على التوالي نكبات مصرية ولبنانية وعراقية كي تستقرّ أخيراً سورية بامتياز؟ وكيف استحال الحلمُ بعودة سريعة واقعَ هجرات متوالية؟ وكيف اتخذت النكبة التي بدأت فلسطينية جنسيات عربية أخرى؟ وكيف استطاع العدو الأول، سارق الأرض مزيف التاريخ، أن يتكاثر تكاثر جرثومة خبيثة في ضروبٍ من أفراد مرضى بالكرسيّ وبالسلطة، أو في أنظمة تمثّلت أصول السلوك المافيوي قبل أن تعرف معنى السياسة والمجتمع والمدينة، أو في عصابات وجدت في السرقة قانونها وفي التزييف أخلاقها وفي القتل سلاحها؟

كأنها إحدى بدايات التاريخ المعاصر للعرب، لكنها بداية تبدو الآن أمام أعيننا أكثر حقيقية وأشدّ مأساوية بعد أن استقرت شيئاً فشيئاً وعلى نحو مراوغ ديمومة في تاريخهم القريب المستمرِّ منذ نيف ونصف القرن.

سوى أنها كانت بداية عيشت كما لو أنها حدث عابر سرعان ما سيستحيل من المنسيّات. وراحت الصيغ الجاهزة توحي بل تغري بذلك وهي تغطي عناوين الصحف وأعمدتها وتجري على ألسنة الناس حقائق دامغة لا تستدعي فحصاً أو نقداً أو دراسة. كانت قد أطلقت إحدى هذه الصيغ على من اعتبروا وراء هذه النكبة وسببها تتجلى في عبارة "شذاذ الآفاق". لكنَّ شذاذ الآفاق هؤلاء تمكنوا، على وجودهم وسط محيطات بشريٍّة واسعة ممن لا يمكن اعتبارهم كذلك، أن يصيروا هم الضابط الأساس للزمان وللمكان وللحدث وللتاريخ في آن معاً.  كما لو كان ذلك كله يحدث خارج الزمان أو خارج حدود العقل. على هذا النحو، ومع توالي المشاهد المتماثلة، تلاشت تحت ثقل صروف الأيام كثرة من الأوهام،  وتمَّ الانتقال من أشدها حضوراً "سنرجع حتماً" إلى حلم "سنرجع يوماً".

جاء الانقلاب العسكري في سوريا عام 1949 حلقة أولى في سلسلة انقلابات أخرى في سوريا كانت وهي تتوالى تقدم نفسها بوصفها "ردّاً" على "ضياع فلسطين" أو "عقاباً" لمن فرط بها من السياسيين أو "مشروع استعادة" لـ"الوطن السليب". لكنها كانت جميعها تقوم بتدشين ـ كما يسعنا اليوم أن نرى ـ سلسلة من نكباتٍ أخرى لا تكاد تختلف عن النكبة الأولى إلا في هوية المُسَبِّبِ أو في طبيعة السبب. وعلى أن السوريين بأطيافهم المختلفة عاشوا النكبة الفلسطينية وجدانياً ومادياً بقدر من الكثافة والحدّة قد لا يجاريهم أو يماثلهم فيهما سواهم في البلدان العربية الأخرى، إلا أن النظام السياسي السوري في بداياته سرعان ما استحوذ عليها حجة لكل تصرفاته وتبريراً في سلوكه لكل ما سيؤلف أخطاءه. لكنه إثر آخر حلقة في الانقلابات العسكرية جرت تحت عنوان مراوغ، أي حين استحال نظاماً عائلياً وفئوياً، سيجعل من النكبة الفلسطينية حجر الأساس الذي سيستحيل الشعار السياسي الأول. من "النضال لاسترجاع فلسطين" إلى "الصمود والتصدي" إلى "المقاومة" إلى "الممانعة" ثم إلى "المقاومة والممانعة" معاً.  باسم ذلك كله وبحجته وبعد أن فرغ المجتمع السوري من كل شيء: السياسة والكرامة والحرية، سيتمّ باسم ذلك كله أيضاً قتل السوريين أنفسهم. وبمساعدة حثيثة وأريحية من بلد غير عربي: إيران.

إذ بعد أن انتبهتْ هذه الأخيرة إلى الفراغ السياسي الفاضح على معظم الرقعة العربية ولاسيما تلك التي تجاورها، وجدت أن بوسعها استخدام أداتين يمكن أن تطال بهما أعماق البلدان العربية على اختلافها: بحجة "قرابة دينية" تخفي بها النوازع والمطامع القومية الدفينة أولاً، ثم بحجة "تحرير القدس" و"محو إسرائيل من الخريطة" وأخيراً "المقاومة والممانعة" شعارها وشعار عملائها في ما صارت تعتبره مجالها الحيوي: العراق وسورية ولبنان. أنشأت من أجل ذلك أحزاباً أو كتائب (مما كان سيعتبر في بلدان  سليمة سياسياً واجتماعياً "الطابور الخامس" ويُساق إلى المحاكم بتهمة الخيانة العظمى) صارت هي الآمرة الناهية في مواقف ومصائر عدة بلدان عربية. لا بل إنها استطاعت بحنكة وخبث لا تجاريها فيه أية قوة إقليمية أخرى أن تستعبد في سوريا نظاماً صار رهن إرادتها وسياستها وتحت رحمتها.

هو ذا إذن مشهد النكبة الثاني الارتدادي في أوج تجلياته وأشدها بلاغة، يمثلُ السوريون فيه هذه المرة مثلما مثل فيه الفلسطينيون من قبلُ في مشهد النكبة الأولى. وها هو مخيم اليرموك الذي يسكنه الفلسطينيون اللاجئون منذ النكبة الأولى وقد جاورهم في سكناهم السوريون، يحاصرُه منذ سنتين نظامُ "المقاومة والممانعة"، مثلما حاصر صهاينة الهاجاناه العمارة في حيفا مثلما حاصروا ثم هدموا القرى العربية وصهينوا سواها من المدن؛ ها هو مخيم اليرموك اليوم يجسِّدُ رمزَ هذين  المشهدين، رمز هاتين النكبتين: السوري فلسطينياً والفلسطيني سورياً، ودمهما المسفوح مباحاً على أيدي تجار القضايا المقدسة  وباسم هذه القضايا، زوراً وبهتاناً، لا في سبيلها.

 

* نشر هذا المقال في مجلة الهلال، أيار/مايو 2015، ص. 24 ـــ 29.

 

 

mardi 14 avril 2015


صادق العظم

حكاية البدايات

بدرالدين عرودكي



لم يسبق له أن نشر شيئاً ولم يكن يعرف اسمه أو يعرف شخصه أحدٌ بخلاف حفنة من أصدقاء قدامى حين أعلن المنتدى الاجتماعي بدمشق عن محاضرة يلقيها صادق جلال العظم ذات يوم من شتاء عام 1963 تحمل عنوان: مأساة إبليس.
ولم تكن هذه المحاضرة أول نشاط يقوم به المنتدى الاجتماعي الذي كان آنئذ يضمُّ عدداً من الشباب الجامعي الدمشقي جمعهم في نهاية الخمسينيات حبهم لفيروز حتى أطلقوا على أنفسهم "الفيروزيون"! ثم ما لبثوا أن أسسوا هذه الجمعية كي يحاولوا تحت ظلال الانقلابات العسكرية المتوالية شيئاً مدنياً على الصعيدين الاجتماعي والثقافي في مرحلة بدأت العسكرة تهيمن على مناحي الحياة كلها: لقاءات، وأمسيات شعرية وأدبية، ومحاضرات ربما كان أهمها في تلك الفترة بالذات تلك التي ألقاها الدكتور بديع الكسم، أستاذ الفلسفة الحديثة في جامعة دمشق آنئذ، أيام كان شعار الوحدة والحرية والاشتراكية يُفرض في كل مكان، تحت عنوان يقول المعنى بلا مواربة: الحرية أساساً.
لم يكن قد مضى على عودة صادق جلال العظم من الولايات المتحدة الأمريكية إلى سوريا حيث أتم دراساته العليا وحصل على الدكتوراه في الفلبسفة أكثر من أشهر عدة. وكأنما أراد منذ لقائه الأول مع أول جمهور يلتقيه أن يعلن دفعة واحدة موقعه ومنهجه وطبيعة الموضوعات التي سيتناولها فيما بعد طوال مساره جامعياً وكاتباً وناقداً.
مأساة إبليس!
كان عنواناً يوحي بأكثر مما يقوله معناه. ولقد شعرنا منذ البداية أننا سنلتقي شاباً أخذ على عاتقه أن يعلن عن مشروعه بلا أية مواربة وفي الموضع الأخطر والأكثر إشكالاً، بل يكاد يقف في الموضع المحرّم أساساً منذ أن اغتيل عبد الرحمن الكواكبي بالقاهرة بعد حصاره والتضييق عليه في مسقط رأسه، ومنذ أن حوكم طه حسين على كتابه "في الشعر الجاهلي" ونزعت عن علي عبد الرازق صفة العالم إثر نشر كتابه "الإسلام وأصول الحكم"..
بهدوء ومنهجية كان المحاضر الشاب يطرح معظم الأسئلة التي تستدعيها قصة إبليس كما وردت في القرآن، معتمداً في محاولة فهمها وتحليلها على كبار المفسرين للنص القرآني، معتمداً أو مناقشاً أهمَّ من تطرّق للقصة من القدماء كالحسين بن منصور الحلاج أومن المحدثين كعباس محمود العقاد، محاولاً بحذر علميٍّ شديد استخلاص دلالات القصة دون أن يهمل آراء هؤلاء وأؤلئك في قراءة حاولت بدأب تجاوز ظاهرها البسيط لتنفذ إلى أعماقها الحافلة بالمتناقضات وبالاستفهامات وبكل ما حاولت مناهج التربية والتعليم الحذر من شرحه أو من تفسيره وهي تلقن كل ما هبَّ ودبَّ من خرافات استحالت في لاوعي الأجيال المتعاقبة قناعات عامة، ساذجة، راسخة في فهم الدين والتراث والتاريخ والأساطير.
وهي طريقة لم تكن سائدة لدى عدد كبير من الباحثين والكتاب في عالمنا العربي آنئذ: أن يحشد الكاتب لبحثه كل ما يمكن أن يصل إليه من وثائق مكتوبة، وأن يقرأها بعناية وتبصّر، وأن يقرر اتفاقه أو اختلافه مع مضامينها بناء على أسباب لا يتأخر عن تفصيلها ودعمها بكل ما يعتبره حجة لها أو عليها.
عندما أنهى صادق جلال العظم محاضرته بقصة توفيق الحكيم الجميلة الشهيد، التي صرخ إبليس في نهايتها  الصرخة الدامية: "إني شهيد.. إني شهيد!..." أدركت الكثرة منا أنه إن كان إبليس يستحق أن يعتبر شهيداً فمما لاشك فيه أننا أحق منه بهذه الصفة نظراً لوقوعنا في فخ الإصغاء قروناً بسذاجة إلى كل ما يقال لنا من ترهات تُربط بالدين تعسفاً أو تفسّر نصوصه أو تؤوِّل معانيها على نحو يبتعد بها عن مقاصدها، مثلما شعرتْ أن ما جاء فيها، في التحليل الأخير، لن يتلاشى بسهولة من وعينا، وأن الأسئلة العديدة التي طرحتها دراسته التي أوجزها في المحاضرة ستكون ديدنه فيما سيكتب من بعد. أسئلة تطالُ تراث الغيبيات والخرافات وتأويلاتها الأيديولوجية التي حلت بالفعل محلَّ الدين وباتت رأسَ مالٍ يستغله أرباب السياسة والأيدلوجيات على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم.
على أن ما يجدر ذكره خصوصاً حول هذه المحاضرة الأولى واللقاء الأول مع الجمهور أن صادق العظم لم يكن في عرضه وفي تأويله قصة إبليس بين أمر الله ومشيئته ولا في استخلاص نتائج هذا التأويل والتفنيد بعد مناقشة كل ما استعاده من أقوال سابقيه عدوانياً، ولا مستفزاً. بل كان همه خلخلة القناعات القائمة على الخرافات أو الأساطير وهزّ الاستكانة إلى الأقوال المنقولة جيلاً عن جيل بلا تمحيص أو تحليل أو نقد عقلاني. لم يكن بوسع أحد أن يتهمه على سبيل المثال بالكفر أو بالإلحاد أو بتشجيع هذا أو ذاك منهما على الرغم من سهولة ذلك ويسره بالنسبة إلى من يعتبرون أن كل شك أو كل استفهام للنصوص القديمة خروجاً على السنة والجماعة يوجب التكفير.
تلك هي إذن التقنية التي اختطها لنفسه في البحث منذ البداية: جمع كل ما يمكن جمعه من الوثائق والمراجع ذات العلاقة، القراءة العميقة المدققة والفاحصة في السطور وفيما بينها لا للنصِّ موضوع البحث فحسب بل وكذلك للمراجع التي سبق وأن أفاضت أو أسهمت في قراءة ما هو بصدد قراءته وتحليله، وأخيراً  التحليل الذي يعتمد العقل وحده أداة. ذلك ما جعله يستطيع في ما بعد أن يواجه بثبات وهدوء منتقديه على اختلافهم، مقارعاً الحجة بالحجة، مقدِّماً العقل على ضروب النقل كلها أياً كانت حججها، فاتحاً الطريق أمام التدبّر والتفكر رغم ما يجنيه على صاحبه من شقاء بدلاً من الاستكانة إلى جهالة اليقين رغم ما تأتي به من نعيم كما قال المتنبي قبل مئات السنين!
على أنّ همّ صادق العظم الأكبر سيتجلى شيئاً فشيئاً اعتباراً من هذه الدراسة /المحاضرة في أبحاثه التالية. إذ لن يتوقف عن السير في هذا الطريق الذي افتتحه بفضل إبليس ومعونته! فلم يلبث أن كتب بحثه حول الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني بعد فترة قصيرة من دراسته حول قصة إبليس وشخصيته، ثم، البحث الذي نشره عشية هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967 حول التزييف في الفكر المسيحي الغربي المعاصر، والدراسة النقدية التي نشرها في عام 1968 أي بعد الهزيمة، حول معجزة ظهور العذراء وتصفية آثار العدوان، وأخيراً وهي الدراسات التي ضمَّها كتابه الشهير نقد الفكر الديني بالإضافة إلى ردٍّ على نقد تلا نشره لمحاضرته عن إبليس التي ألقاها من جديد في النادي الثقافي العربي ببيروت أواخر عام 1965. سنرى في ما تضمنه النقد بعضاً من بؤس الثقافة في عالمنا العربي لا تزال آثاره ماثلة حتى أيامنا هذه حين يجيز ناقد لنفسه على سبيل المثال أن يكتب صفحات طويلة في نقد محاضرة لم يسمعها ولم يقرأها معتمداً على مقتطفات موجزة مما أوردته الصحف منها!  
هذا الهمُّ تمثل أساساً في محاولة نقد وتفنيد الوهم المثالي الكبير الذي طغى ولا يزال طاغياً في ثقافتنا العربية والقائل على النحو الذي صاغه صادق العظم في مقدمة كتابه المذكور"بأن الأيديولوجية الغيبية والفكر الديني الواعي الذي تفرزه مع ما يلتف حولها من قيم وعادات وتقاليد هي حصيلة للروح العربية الأصلية الخالصة الثابتة عبر العصور، وليست أبداً تعبيراً عن أوضاع اقتصادية مُتحوِّلة، أو قوى اجتماعية صاعدة تارة وزائلة تارة أخرى، أو بنىً طبقية خاضعة للتحول التاريخي المستمر ولا تتمتع إلا بثبات نسبي". ولن يفارقه هذا الهمُّ في كل ما كتبه من بعدُ أياً كانت الموضوعات التي تطرق لها ما دامت تتناول الثقافة أو التراث العربيين. لكنه همٌّ لن يكون بمنأى عن مواجهة محاولات السلطات على اختلافها أن تقمع كل تعبير عنه. هكذا سيُقاد صادق جلال العظم إثر نشر كتابه نقد الفكر الديني إلى محكمة المطبوعات اللبنانية ببيروت مثلما اقتيد من قبله طه حسين وعلي عبد الرازق ومن بعده نصر حامد أبو زيد..وسيستجوب مطولاً مثل سلفيْه الشهيريْن حول أبحاثه المذكورة آنفاً قبل أن تقرر المحكمة إبطال التعقبات الجارية بحق الكاتب صادق العظم والناشر بشير الداعوق "لعدم توافر عناصر الجرائم المنسوبة إليهما"، ومثلهما أيضاً سيُخلى سبيله لكنه لن ينجو مثلهما أيضاً من عنت السلطات كافة سواء سلطة الاختصار والجهل أو سلطة سدنة النصوص المنقولة وقداستها المزعومة.
لكنه تابع طريقه، ولا يزال.
تستطيع أن تتفق معه أو أن تختلف، ويسعك أن تعترض على مقارباته أو أن تفند مستنداتها أو منهجها أو نتائجها، لكنك لن تكون بعيداً عنه، بل وستجد نفسك إلى جانبه وفي صحبته إن كنتَ كما قال وفعل أبو العلاء المعري قديماً من الذين اتخذوا العقل إماماً.
 ** نشرت هذه المقالة في مجلة نزوى العمانية، العدد 82، نيسان/أبريل 2015 ضمن ملف عن صادق جلال العظم أشرف عليه الزميل حسام الدين محمد.

كما نشر المقال في  جريدة .القاهرة" الثقافية يوم  219 تشرين ثاني/نوفمبر 2016 وعلى موقعها الإلكتروني:

http://alkahera.co/2016/12/01/%D8%A8%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D8%B1%D9%88%D8%AF%D9%83%D9%8A-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%8F%D8%A8-%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B8%D9%85-%D9%88-%D8%AD%D9%83/



jeudi 9 avril 2015


ياسين الحاج صالح
 
صورة كاتب مناضل
 
بدرالدين عرودكي
 
Photo: Caroline M. Poésie                                                    
لا يمكن لمحاولة تقديم صورة جانبية لكاتب في أوج نشاطه إلا أن تكون مغامرة تنطوي على خطر كبير: خطر تثبيته أساساً في وضع لا يمكن إلا أن يكون مكرساً لخيانة السمة الأساسية التي طبعت منذ البداية مساره الذي كان مدعواً إلى أن يتطور تحت ضغط أوضاع غير مسبوقة، أي أوضاع سورية السجينة خلال أكثر من أربعين عاماً والتي باتت اليوم ممزقة،  بعدَ أن تُرِكت ثورتها التي انطلقت قبل نيف وأربع سنوات إلى مصيرها المأساوي. وإذا كنتُ مع ذلك أغامر، فلأني أريد أن أحاول، دون أية مزاعم من ناحيتي في الكمال، أن أراه معكم وهو في قلب هذه الحركة، في قلب هذا التحول  الذي هو في آن واحد تحوّله وتحوّل سورية منذ أن اتخذ قراره: أن يصير كاتباً، أي، وذلك تأويلي الخاص، أن يتخلى عن أن يكون طبيب الأشخاص الذي كان خياره الأول كي يحاول أن يصير طبيب مجتمع سورية التي كانت تستعد آنئذ لمواجهة قدرها. 
لا يمكن لإنسانٌ، ينحدر من أسرة كانت سمة الإخوة فيها النضال والاهتمام بالشأن العام، أن يصير بصورة طبيعية كاتباً في سن الأربعين تقريباً وإثر ستة عشر عاماً من السجن بسبب التزامه السياسي على وجه الدقة، دون أن يترك ذلك آثاره على نوعية الخيارات التي ستفرض نفسها عليه، مثلما ستفرض نفسها بقوة الأشياء على كتاباته. والأسباب بطبيعة الحال واضحة. إذ بعد اعتقاله، وفي عتمة السجون السورية وامحاء الأسماء فيها، كان ياسين الحاج صالح يحاول أن ينتهز أفضل الفرص كي يُكوِّن شخصيته الفكرية والثقافية، وكذلك أن يحدد خياراته الجوهرية، وأن يقرر ما سيفعله و ما سيكرس نفسه له ما إن يخرج من السجن: أي أن يكرس نفسه لسورية عبر الثقافة التي لا يمكن بالطبع أن تخلو من البعد السياسي، على أن تفهم كلمة السياسة هنا بمعناها الأصلي واليوناني.
لقد شاءت صدفة التاريخ أن يتوازى انطلاقه في هذا الدرب مع انطلاق تمديد هيمنة أسرة الأسد التي تأكدت  من خلال القيام بتعميد وترسيم جمهورية سورية ملكية وراثية بلا أي حياء. شكَّلَ ذلك بالنسبة إلى ياسين أولَ مواجهة يعيشها في قلب ما عرف بربيع دمشق وفي الوقت نفسه بداية التزامه المباشر بوصفه كاتباً مناضلاً. كان ذلك في نهاية سنة 2000.
ستتتالى منذئذٍ مقالاته وفق إيقاع الأحداث ووفق إلحاح استعادة كلِّ ما كان مُحَرَّماً على المجتمع السوري أن يعيشه، أو أن يفكره، أو أن يتناوله: حريته ومصيره. وستكون الثيمات التي سيعالجها، أو سيتناولها، أو سيدرسها بعمق من التعدد بحيث يستجيب بمعالجته لها إلى مطلب المجتمع السوري في مجموعه. فهذا الأخير، بعد أن حُرِمَ زمناً طويلاً من السياسة فكراً وممارسة وأداء، وجد نفسه فجأة متعطشاً لها، راغباً في أن يُعبِّرَ عن نفسه بصوت عالٍ وقوي عبر مناقشته كل شيء من أجل أن يحاول استعادة هذا الحق في القول الحرِّ ضمن جوٍّ مفعم بالحرية المدنية والديمقراطية.
كان ياسين الحاج صالح عندئذ في قلب حركة التعبير والحرية هذه. يكفي أن نستعيد جزءاً من مقالاته المنشورة بين عامي 2000 و2011 كي نلاحظ اتساع حجم مداخلاته التي طالت ثيماتها بصورة شبه حصرية المجتمع السوري. كان في الحقيقة واعياً بالضرورة القصوى لمعالجة "الشأن السوري خصوصاً ـ كما يقول هو نفسه ـ دون إذابته في تناول عام يتكلم على البلدان العربية أو على العالم الثالث". تلك ستكون سمة كافة مقالاته أو مقابلاته أو دراساته المنجزة والمنشورة منذ دخوله عرين الكتابة النضالية وستتأكد هذه السمة أكثر فأكثر اعتباراً من بداية الثورة السورية في شهر آذار عام 2011.
تمثل الكتب الأربعة المنشورة حتى هذا اليوم، والتي تجمع الثيمات الرئيسة المدروسة والمشكلات المطروحة والمعالجة في جزء هام من هذه المقالات  الشاهدَ الأكبرَ على ذلك. فالكتاب الأول، سورية من الظل، نظرات داخل الصندوق الأسود، المنشور عام 2010، يجمع مختارات من المقالات التي نشرت بين عاميْ 2000 و2005. عالج فيه الوضع السوري الداخلي حصراً: النظام السياسي وممارساته وهياكله وأيديولوجيته.
والكتاب الثاني، أساطير الآخِرين، نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده، المنشور عام 2011، يضم مجموعة من المقالات والدراسات نصفها لم يكن منشوراً من قبل. وهو كتابٌ شجاع وشديد التوازن يعالج الثيمة الأشدّ إلحاحاً على جدول أعمال الثورة: المسألة الإسلامية، أي مجموع المشكلات الفكرية والسياسية والأخلاقية التي يطرحها وضع "الإسلام" في العالم المعاصر.
والكتاب الثالث، السير على قدم واحدة، سورية المُقالَة، الذي تمَّ إعداده في نهاية عام 2011 ونشر عام 2012 ، فهو يضمُّ اثنتين وخمسين مقالة يحمل كل منها تاريخ نشره ليحيل إلى الواقع الذي يتناوله بالتحليل.  تتوزع المقالات على خمس ثيمات تخص المسألة السياسية السورية: الدولة والسلطة: النظام السياسي ونمط ممارسة السلطة في سورية؛ التحولات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة من السنوات العشر الأولى من هذا القرن؛ مشكلة الجولان المحتل والمفاوضات السورية الإسرائيلية حوله؛ موقع سورية في البيئة الإقليمية وتحولات دورها؛ وأخيراً مسألة الهوية الوطنية السورية.
أما الكتاب الرابع، بالخلاص ياشباب، المنشور عام 2012 والمترجم مؤخراً إلى الفرنسية تحت عنوان قصّة سورية المنسية، فيضمُّ هو الآخر عدداً من المقالات والمقابلات ثيمتها الأساس سجنه وتأملاته في الأعوام الستة عشر التي قضاها في السجون السورية بحلب ثم بدمشق وأخيراً في سجن تدمر الرهيب.
كان ياسين الحاج صالح منذ بداية الثورة يقف في الصف الأول مع مجموعة من المثقفين والكتاب السوريين الذي أضفى عليهم نضالهم طوال عشرات السنين ضد النظام القائم شرعية طبيعية. أسس مع جمع من الشباب مجموعة الجمهورية من حول مجلة إلكترونية سوف تنشر بصورة منتظمة مقالات ودراسات تتناول الشأن السوري والثورة السورية. لكن همّه الأول كان مُنصَبّاً على تعميق تفكيره في عدد من الثيمات التي فرضتها الثورة أو أعادت فرضها: ومنها خصوصاً المسألة الخاصة بوجود الفكر على صعيد الثورة والتفاعل بين الثورة والفكر من جهة ومشكلة الإسلام السياسي من جهة أخرى. ذلك سيكون على الدوام موضع درس أو معالجة أو نقد انطلاقاً من مفهوم الحرية في تجلياته الأساس: الحرية السياسية، الحرية الفكرية، الحرية الدينية، الحرية الاجتماعية.
هذه الرؤية للحرية، فضلاً عن استعادة ما أخذ من أيدي السوريين بالقوة خلال خمسين عاماً هما ما يجعل من مثقف مثل ياسين الحاج صالح غير قادر، تحت نير الأسرة الأسدية، على أن يعيش في بلده، سورية، في حرية كاملة،. فبعد ستة عشر عاماً من السجن، سوف يُرْغَمُ على التواري عن الأنظار، ثم سيعيش مأساة عائلية تمثلت في خطف زوجته ورفاقها في غوطة دمشق وفي خطف أخيه في بلدته الرقة، وسجنهم دون إمكان الحصول على أية معلومات عنهم، ثم سوف يرغم أخيرا على المنفى الذي لم يؤلف في يوم من الأيام  واحداً من مشروعاته.
هذا القدر هو اليوم قدر السوريين جميعاً. وياسين الحاج صالح، بوصفه مثقفاً سورياً بامتياز، هو بالطبع أحد كبار ممثليهم.
 
 
 
** نصُّ مداخلة كتبت بالفرنسية وألقيت خلال المائدة المستديرة التي نظمها مجمع تولوز للتضامن مع سورية حول وبحضور ياسين الحاج صالح بمناسبة صدور الترجمة الفرنسية لكتابه "بالخلاص يا شباب" مساء يوم 9 نيسان/أبريل 2015. 
 
 

Yassine Al Haj Saleh

Profil d’un écrivain militant

 
Badr-Eddine Arodaky
 
                                                                           Photo: Caroline  M. Poésie


Tenter la présentation du profil d’un écrivain en plein mouvement ne pourrait être qu’une aventure à grand risque : celui essentiellement de le figer dans une posture qui ne peut qu’être destinée à trahir la marque fondamentale d’une carrière et d’un itinéraire appelés dès le début à évoluer sous la pression des situations inédites, celles  d’une Syrie prisonnière durant plus de quarante ans et aujourd’hui déchirée, dont la révolution  lancée il y a quatre ans, est aujourd’hui  reléguée à son destin tragique. Si, pourtant, je prends ce risque, c’est justement et sans aucune prétention de ma part pour essayer de le voir avec vous dans ce mouvement, dans cette évolution qui est à la fois la sienne et celle de la Syrie depuis sa prise de décision : être écrivain, c’est-à-dire, et c’est ma propre interprétation, renoncer à être le médecin des personnes qui fut sa première intention pour tenter de devenir celui de la société de la Syrie alors qu’elle se prêtait à affronter son destin.
Car, devenir écrivain à l’âge de presque quarante ans, en étant issu d’une famille dont la fratrie est marquée par le militantisme et l’intérêt pour la chose publique, et suite à seize ans de prison justement en raison de son engagement politique, ne pouvait être tout naturellement sans conséquences sur la nature des options qui vont s’imposer à lui et, par la force des choses, à ses écrits. Et pour cause. Car suite à son incarcération, et dans l’obscurité et l’anonymat des prisons syriennes, il essayait de tirer la meilleure partie en lecture, écriture et épreuves visuelles et sensuelles diverses. Ce qui lui a permis non seulement de se forger, mais aussi de définir ses choix essentiels, et d’arrêter ce qu’il allait faire et à quoi se vouer dès sa sortie : se consacrer à la Syrie via la culture qui ne peut être bien évidemment sans dimension politique dans le sens originel et grec du terme.
 Le hasard de l’histoire avait voulu que son démarrage dans cette nouvelle voie soit parallèle à celui de la prolongation de la main mise de la famille Assad, confirmée suite au baptême et à l’officialisation sans vergogne de la république dynastique. C’était donc, pour Yassine, le baptême du feu en plein essor du printemps de Damas et la mise en branle de son engagement immédiat comme écrivain militant. Ce fut dès la fin de l’année 2000.
Ses articles vont se succéder au rythme à la fois des événements et de l’urgence d’une reprise de tout ce qui était interdit à la société syrienne de vivre, de penser ou de traiter : sa liberté et son propre destin. Les thèmes traités, abordés ou examinés en profondeur seront d’autant plus multiples qu’ils répondent à l’exigence de la société syrienne dans son ensemble. Cette dernière, longtemps privée et vidée de la chose politique, elle s’est brusquement trouvée assoiffée, désireuse de s’exprimer haut et fort en discutant de tout pour tenter de récupérer ce droit essentiel à la parole libre dans un climat de liberté civile et démocratique.
Yassine Al Haj Saleh, à ce moment, était au cœur de ce mouvement de prise de parole et de liberté. Il suffit de reprendre une partie de ses articles publiés entre 2000 et 2011 pour constater l’ampleur de ses interventions dont les thèmes touchent presqu’exclusivement la société syrienne. Il était en effet conscient de l’absolue nécessité de traiter « l’affaire de la Syrie spécifiquement- comme le dit lui-même -  sans la faire fondre dans une approche générale traitant les pays arabes ou le tiers-monde »[1]. Cela sera la marque de tous ses articles, entretiens ou études réalisés et publiés depuis son entrée dans l’arène de l’écriture militante et encore davantage et plus spécifiquement depuis le début de la révolution syrienne en mars 2011.
Les quatre livres publiés à ce jour, qui réunissent les principaux thèmes étudiés ou les problèmes posés et traités par une partie importante de ces articles en sont le grand témoin. Le premier livre, La Syrie vue de l’ombre, Regards à l’intérieur de la caisse noire, publié en 2010, réunie un choix d’articles publié entre 2000 et 2005. Il y est question de la situation syrienne intérieure : le régime politique, ses pratiques, ses structures et son idéologie.
Le second, Les Mythes des plus récents, Critique de l’Islam contemporain et critique de sa critique[2], paru en 2011, réunie un ensemble d’articles et d’études dont la moitié était inédite. C’est un livre à la fois courageux et posé qui traite le thème  le plus urgent à l’ordre du jour de la révolution: la question islamique, c’est-à-dire l’ensemble des problèmes intellectuels, politiques et morals posés par la situation de « l’Islam » dans le monde contemporain.
Le troisième, La marche sur un seul pied, La Syrie limogée[3],  élaboré à la fin de 2011 et paru en 2012, réunie cinquante deux articles bien référencés historiquement pour en saisir la réalité à laquelle chacun d’eux s’y réfère. Les articles se partagent cinq thèmes de la question politique syrienne: L’Etat et le Pouvoir : régime politique  et mode de l’exercice du pouvoir dans le pays ; les évolutions économiques des dernières années de la première décade de ce siècle ; le problème du Golan occupé et les négociations israélo-syriennes; le positionnement de la Syrie dans son environnement régional et les évolutions de son rôle et, enfin, la question de l’identité nationale syrienne.
Quant au quatrième livre, A la délivrance, les jeunes, paru en 2012 et récemment traduit en français sous le titre  Récit d’une Syrie oubliée, il réunie lui aussi, un certain nombre d’articles et d’entretiens dont le thème est son incarcération et ses réflexions sur les seize ans passés dans les prisons syriennes d’Alep, de Damas et surtout l’horrible prison de Palmyre.  
Dès le début de la révolution, Yassine Al Haj Saleh est au premier rang  avec un ensemble d’intellectuels et d’écrivains à qui la lutte durant des décennies contre le régime en place aurait donné une légitimité naturelle. Il fonda le groupe al Joumhouriyya, La République, autour d’un journal électronique qui allait publier régulièrement des articles et des études relativement à la Syrie et à sa révolution. Mais sa préoccupation première serait d’approfondir ses réflexions sur plusieurs thèmes imposés ou réimposés par la révolution : la question concernant la présence de la pensée au niveau de la révolution et l’interaction entre révolution et pensée d’une part et le problème de l’Islam politique, d’autre part. Cela sera toujours examiné, traité, ou critiqué sous l’angle de la liberté : liberté politique, liberté de la pensée, liberté religieuse et liberté sociale.
C’est cette vision de la liberté  et de la reprise par la main de ce qui été extorqués durant cinquante ans aux syriens qui font qu’un intellectuel comme Yassin Al Haj Salh ne pouvait pas vivre dans son pays, la Syrie,  en toute liberté sous le joug de la famille Assad. Après ses seize ans de prison, il sera forcé à la clandestinité puis, ensuite, à vivre le tragique familiale en ayant sa femme et son frère capturés, emprisonnés et sans aucune information les concernant, et, enfin, il sera contraint à l’exil dont il n’a jamais envisagé la moindre possibilité auparavant.
Ce destin est celui de tous les syriens d’aujourd’hui. Yassine Al HAj Saleh, comme l’intellectuel syrien par excellence, est, évidemment, l’un des grands représentants.




[1][1] Yassine Al Haj Saleh,  La Syrie vue de l’ombre, Préface, Editions Jidar, 2010, p. 8.
 (سورية من الظل، نظرات في الصندوق الأسود، منشورات جدار، 2010)
[2] Yassine Al Haj Saleh, Les Mythes des plus récents, critique de l’Islam contemporain et critique de sa critique, Editions Al Saqi, Beyrouthe, 2011. (أساطير الآخرين، نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده، دار الساقي، بيروت 2011)
[3] Yassine Al Haj Saleh, La marche sur un seul pied, la Syrie limogée, Editions Al Adab, Beyrouth,2012.
(السير على قدم واحدة، سورية المُقالة، دار الآداب، بيروت 2012)




* Contribution présentée lors de la table ronde organisée par le Collectif Toulouse Syrie Solidarité à l’occasion de la sortie du livre de Yassine Al Haj Saleh Récit d’une Syrie oubliée en présence de l’auteur et avec la participation de Farouk Mardam Bey, le 9 avril 2015.