jeudi 24 octobre 2019




أوهام "الانتصار" وحقيقة الهزيمة 
بدرالدين عرودكي 
بين شهر وآخر، يتلقى أنصار الثورات المضادة في العالم العربي الذين ظنوا أن ثورات الشعوب العربية التي انطلقت من تونس عام 2011 قد خبت، صفعة توقظهم بقسوة من أحلامهم. إذ كلما بدا أن شعلة ما تنطلق في هذا البلد أو ذاك، زيَّنت لهم أحلامهم أنها ليست إلا وهمًا، كسابقه من الأوهام الصورية، سرعان ما سيتلاشى.
ففي الوقت الذي تحتفل فيه بقايا النظام الأسدي بأوهام "الانتصار" في سورية، كان شعب تونس يرسِّخ نظامه الديمقراطي الذي اختاره بوعي وتصميم لم تنجح إزاءهما محاولات الثورة المضادة العديدة الوقوفَ في مواجهته. وفي الوقت الذي كان فيه شعب السودان يقيم مرحلته الانتقالية على طريق التحرر من الاستبداد والحكم الفردي كان شعب الجزائر لا يزال مستمرًا في مظاهراته منذ خمسة وثلاثين أسبوعًا سعيًا وراء تحقيق الهدف المذكور نفسه. وحين كانت إيران، من خلال عملائها وقناصتها في العراق، تحاول إخماد ثورة العراقيين، كان شعب لبنان ينتفض في كل مكان ضد عهد أرسى نظامًا سياسيًّا عنوانه الفساد والنهب والعمالة، وقوامه التبعية والقوة الصلفة لديكتاتورية عسكرية تتوارى وراء قناع مقاومة إسرائيل ومواجهتها.
تسع سنوات ومحاولات تشويه الحركات الشعبية العفوية في بلدان العالم العربي مستمرة، تارة بوصمها مؤامرة أجنبية ضد نظم وطنية حقيقية، أو صنيع سفارات أجنبية تستهدف نشر الفوضى والخراب في هذا البلد أو ذاك، أو عن طريق توصيفها حروبًا أهلية أو نزاعات طائفية بين أكثرية شيعية وأقليه سنية في العراق أو أكثرية سنية وأقلية علوية في سورية. لكن لبنان، اليوم، يقولها بصراحة ووضوح وبالفم الملآن حين خرج، بطوائفه كلها ومناطقه كلها، كاسرًا جدران الطائفية والمناطقية من جهة، وجدران الخوف من القوة العسكرية المتدثرة بلبوس الممانعة والمقاومة، من جهة أخرى، يطالب برحيل العهد، نظامًا ورجالًا ورموزًا، جميعًا وبلا استثناء: "كلهن، يعني كلهن"!
وعلى غرار خصوصية لبنان في العالم العربي، لا يشمل معنى انتفاضة الشعب اللبناني اليوم، نظرًا لهذه الخصوصية بالذات، معاني الانتفاضات الشعبية العربية التي انطلقت قبل تسع سنوات جميعها فحسب، بل ويفيض عنها. ذلك أن لبنان كان، منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي بحكم خصوصية قوامها نظام ديمقراطي ذو طابع طائفي رسمي، مرتع عدد من الدول العربية المؤثرة التي كانت، وهي تتنازع فيما بينها، تستثمر وتستغل طوائفه حين وظفتها في خصوماتها وحروبها غير المعلنة فيما بينها. هكذا كانت حرب عام 1958 الأهلية فيه، مثلما كانت الحرب الأهلية الثانية التي اندلعت عام 1975 ودامت خمسة عشر عامًا، والتي قادت إلى هيمنة النظام الأسدي على مراكز القرار فيه خلال ثلاثين عامًا (1976ـ 2005).
على أن حربًا أهلية ثالثة، من نوع جديد، سوف تستقر في لبنان منذ أن انتقل حزب الله من دائرة الظل إلى فضاء الضوء الساطع: حرب قوامها جدران الخوف التي شيدها  على عمليات القتل واغتيال العقول الحرة جنبًا إلى جنب تثبيت سيطرته الصفيقة على أي قرار حكومي يتعارض مع سياساته منذ أن احتل رجاله شوارع بيروت يوم 7 أيار/مايو 2008 مرغمًا الحكومة على التراجع عن قراريها يومئذ: الأول، اعتبار شبكة الاتصالات الهاتفية التي أقامها "غير شرعية وغير قانونية وتشكل اعتداء على سيادة الدولة والمال العام" والثاني، إقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي على خلفية قيامه بمراقبة المطار بواسطة آلات تصوير خاصة، وصولًا إلى الهيمنة الكاملة على مراكز القرار في الدولة اللبنانية، وإقامته دولته ضمن هذه الأخيرة ووضعها في خدمة السياسة الإيرانية على الصعد كلها، دون أي اهتمام بما كان الوضع الداخلي يؤول إليه، ولاسيما تجييشه الشباب اللبناني للقتال في سورية دعمًا للاحتلال الإيراني لها وفي سبيل تثبيته.
لكن جدران الخوف التي بناها طوال السنوات الماضية أسقطتها مئات ألوف اللبنانيين حين خرجوا يرددون مطلبًا واحدًا: سقوط الجميع: "كلهن يعني كلهن"، وأسقطوا معها جدران الطائفية والمناطقية، بهدف استعادة لبنان الذي سرق منهم أرضًا ووطنًا ومستقبلًا.
خلال ما ينوف عن الستين عامًا، من حروب النظم العربية في لبنان وبواسطة طوائفه، إلى حروب وهيمنة إيران فيه بواسطة وكيلها الرسمي، إلى هذه الانتفاضة الشعبية الأصيلة، غير المسبوقة اليوم، التي تريد طرد عملاء وذيول جميع الأنظمة العربية والأجنبية من أراضيه، من أجل استعادة لبنان بلدًا ووطنًا.
سوى أنها انتفاضة تقوم في قلب وفي مواجهة النسق الذي عملت إيران على تثبيته منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي. وهذا ما يسهم أيضًا في تعميق خصوصيتها، لا لأن الدول التي تنازعت خلال العقود الماضية في لبنان معنية بصورة أو بأخرى بما يجري فيه وبمآلاته، بل لأن نجاحها سيؤدي في نهاية الأمر لا إلى استعادة لبنان ووضعه على درب الدولة المدنية الحديثة على الصعيد الداخلي فحسب، بل كذلك، إلى شلَّ ذراع المشروع الإيراني الأهم في المنطقة العربية بصورة نهائية على الصعيدين الإقليمي والدولي. ومن هنا محاولات حزب الله وحليفيه في احتواء الانتفاضة تارة عن طريق الاعتراف بمطالبها وتجاهل دلالاتها، وتارة أخرى من خلال إدراك دلالاتها والتهديد، من ثمَّ، بإنزال ميليشياته ورجاله كي تملأ الشوارع، هي الأخرى. وما مواكب الدراجات النارية لرجال حركة أمل وحزب الله قبل أيام في ساحة رياض الصلح ببيروت وصدِّ الجيش لها ثمَّ تبرؤ الطرفين السريع منها إلا مثلًا على بعض الحلول التي يفكر بها الحاكم الحقيقي للدولة العميقة اللبنانية اليوم، فضلًا على المحاولات الإعلامية في تشويهٍ سقيم ومكرور للمظاهرات وللمتظاهرين بلا حدود.
ومع ذلك فالأهم في ثورة الشعب اللبناني اليوم أن الخطوط الحمر قد سقطت مثلما سقطت جدران الخوف والمناطقية والطائفية كلها، بل كذلك، كما قال حازم صاغية، "ثورة على الإنشاء اللبناني السقيم: ثورة الكلام الذي يقول ما يعني ويعني ما يقول". ذلك على وجه الدقة ما يضع السلطة اللبنانية وممثليها اليوم في مأزق لن يكون سهلًا عليهم الخروج منه.
ليس مهمًّا اليوم التنبؤ، سلبًا أو إيجابًا، بمآل ثورة شعب لبنان اليوم انطلاقًا من مآلات مثيلاتها من الثورات في البلدان العربية الأخرى، بقدر ما هو مهم تسجيل ما استطاعت تحقيقه دفعة واحدة: أي انطلاقتها وشعاراتها وانتماءات من قاموا بها واقعيًا. ذلك ما يؤكد مجدّداً معنى ثورات العالم العربي. فما يسمى "انتصارًا" هنا أو هناك، ولاسيما في سورية، للثورة المضادة، يؤكد في حقيقة الأمر، هزيمة هؤلاء "المنتصرين" في ضوء التاريخ. إذ أنَّ الثورات التي انطلقت ــ كما أثبتت ولا تزال تثبت السنوات التسع منذ بداية الثورات العربية ــ لن تتوقف إلا بانتصار أصحابها. فقد دشنت الثورة التونسية الواقع المأمول في العالم العربي، فضلًا على أن التاريخ لم يعرف بعدُ هزيمة الشعوب.
ومن يدري.. لعل ثورة لبنان أن تكون المعادل الموضوعي في ميدان الثورات العربية للمثل العربي القديم: آخر الدواء الكيْ..

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 24 تشرين أول/أكتوبر 2019.


jeudi 10 octobre 2019



إيران أمام فقدان العراق؟ 
بدرالدين عرودكي 
في أوج أزمتها السياسية والاقتصادية التي فرضتها ورسمت معالمها الولايات المتحدة الأميركية، كان على إيران أن تواجه، أو بالأحرى أن تفاجأ في الأول من شهر تشرين الأول/أكتوبر بأول حراك شعبي عفوي في العراق لم يكن ينتمي إلى أيٍّ من القوى السياسية المعروفة،  يندد بها وبرجالها الذين ينفذون سياساتها ويكفلون لها استمرار وجودها منذ أن قدمته الولايات المتحدة إليها على طبق من ذهب بعد أن قامت فيه بتفكيك الدولة والجيش بل وحاولت في الوقت نفسه القضاء على تاريخه وتراثه على أيدي عملاء لم يكن أحد يشك في أنهم كانوا يعملون لحسابها.
حراك ثوري لم يكن يطالب بالخبز بل باستعادة البلد، وإن كان القائمون به ممن يعانون نتائج فساد معظم رجال الحكم الذين تعاقبوا على الإمساك بالسلطة في العراق. لم يكن يطالب بمجرد إسقاط الحكومة، بل بإسقاط النظام القائم حكومة وبرلمانًا، وبالخلاص من الاحتلالين: الأمريكي، وبوجه خاص الإيراني. رفض شباب الحراك ومن التحق بهم من النساء والرجال من كل الأعمار وفي مختلف المدن العراقية  أية محاولة لاستيعابهم، أو لتبنيهم، أو لاسترضائهم بوعود خلبية. وعلى ما بدا من عفوية حراكهم، كانوا على وعي كامل بما يطالبون به وبما يسعون إلى تحقيقه: الخلاص من دولة الفساد والفاسدين ومن أسيادهما في طهران خصوصًا وفي واشنطن أيضًا.
لذلك كانت الاستجابة الرسمية منتظرة ومتوقعة: عنف بلا حدود يذكرنا بالعنف وبالخطاب الذي واجه بهما النظام الأسدي الحراك الثوري السوري عام 2011 ، كاشفًا لنا، في الوقت نفسه، عن منظميه الحقيقيين جميعًا: استخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين السلميين؛ ودسّ عملاء مأجورين من قناصة وقتلة لارتكاب جرائم من أجل اتهام المتظاهرين بها لوصم حراكهم بالمفردات المعتادة: حراك ترعاه أمريكا أو إسرائيل، أو مؤامرة ينفذها الصداميون، أو داعشيون، دون نسيان صيغ اتهامات مستعارة من قرون خلت. كما أن الاستجابة شملت في الوقت نفسه قمع أصوات الصحف والوسائل الإعلامية السمعية البصرية من خلال اقتحام مقرات وكالات الأنباء العربية والعالمية والاعتداء على مراسليها، وتحطيم معداتها واعتقال مراسليها من العراقيين، أو ملاحقتهم، لمنعهم من نقل أي خبر عن الحراك أو عن طرق معالجته التي لجأت إليها قوى الأمن باسم الحكومة.
بدا ردُّ فعل الحكومة هشّا وقاصرًا عن إدراك معنى الحراك الحقيقي ودلالاته كما تجلى في خطاب رئيس الوزراء العراقي الذي بُثَّ بعد منتصف الليل! موبقدر ما كان ردُّ فعل المرجعيّة الشيعية وسطيًّا، ومن ثَمَّ عاجزًا، هو الآخر، عن فهم ما كان يجري بالفعل والذي  تجلى في تصريح الناطق باسمها، أحمد الصافي، الذي دعا الحكومة إلى تحسين الخدمات العامة وإيجاد فرص العمل والابتعاد عن المحسوبيات في الإدارة العامة وإنهاء البتِّ في ملفات الفساد، بقدر ما كان مركز القرار الإيراني، بفضل عملائه ومندوبيه المحليين في الدولة العراقية، سريعًا في إدراك مرامي الحراك الحقيقية، وهو ما حمله على الاستجابة  بقمع غير مسبوق نتج عنه في أيام معدودات مقتل ما ينيف عن مائة متظاهر وجرح أكثر  من ستة آلاف حسب إحصاءات وزارة الداخلية العراقية نفسها.
لم يكن متوقعًا أن يتهاون ملالي طهران في الرد على هذا الحراك الذي يندد بهم وبهيمنتهم، أو أن يسمحوا بامتداده وباستفحاله. ذلك أن تحرر العراق من هيمنتهم يعني بكل بساطة تدهور ومن ثم سقوط مشروع إيران كله: في العراق بدءًا، وفي سورية وفي لبنان لاحقًا ثم انتهاءً باليمن. لهذا كان العنف غير المحدود في مواجهة هذا الحراك على قدر الخطر الذي انطوى عليه. وليس من المتوقع في حالة كهذه أيَّ سلوك سياسي عقلاني من قبل مَنْ كانوا يروْنَ هذا الخطر ماثلًا أمام أعينهم، وللمرة الأولى، كما هو واضح، منذ احتلالهم العراق ومراكز القرار السياسي فيه. ذلك أن المتظاهرين كانوا يبدون أكثر إصرارًا على متابعة الحراك حتى إسقاط النظام. فقد نقلت صحيفة اللوموند الفرنسية عن أحدهم قوله: "سوف نستمر حتى سقوط النظام. لقد مضى خمسة عشر عامًا ونحن نسمع الوعود ذاتها. لهذا سوف نتابع، فإما أن نموت، أو نغير النظام".
لا يبدو حتى الآن أن هناك أية قوة سياسية في الميدان قادرة على الاستثمار في هذا الحراك الثوري. ولا يبدو كذلك أن أصحاب هذا الحراك سوف يستسلمون لمعسول المواقف التي يمكن لهذه القوة أو تلك أن تعبر عنها. فقد سبق لمقتدى الصدر أن استغل حركة الاحتجاج التي انطلقت عام 2016 من أجل تقديم نفسه بوصفه رائد الإصلاحات والبطل الوطني غير الطائفي في مواجهة الفصائل الشيعية المتعاونة مع إيران، وهو ما سمح له آنئذ أن يحقق فوزًا قويًّا في الانتخابات النيابية الأخيرة فارضًا نفسه فيها كقوة رئيسة.
قد يقود العنف إلى عنف مقابل، لكنه لن يحسم الأمر مهما بلغ الإفراط في استخدامه كوسيلة وحيدة لقمع الحراك والقضاء عليه. فإما أن تندلع حرب أهلية جديدة لا تبقي ولا تذر، أو  تكون حرب كرٍّ وفرٍّ كما يبدو، من مدينة إلى مدينة، بين شباب يريدون عبر حراكهم استعادة عراقهم متحرِّرًا لا من المحتل الأميركي والإيراني فحسب بل من كل ما أتيا به أيضًا من فساد وعمالة وخراب، وبين دولة الملالي التي تحاول عبر وبواسطة عملائها المبثوثين في العراق ومراكز القرار فيه  تحقيق أحلامها الإمبراطورية!
لكنها، رغم كل المظاهر الخادعة، وكما برهنت ثوابت التاريخ والجغرافيا، ليست أكثر من أضغاث أحلام..

** نشر على موقع جيرون، يوم الخميس 10 تشرين أول/أكتوبر 2019.



samedi 5 octobre 2019

في يومها العالمي.. الترجمة جسر لنقل المعرفة والعلوم | لم الشمل


يوم الترجمة العالمي
لقاء مع بدرالدين عرودكي حول مشكلات الترجمة وهمومها في العالم العربي
تلفزيون سوريا 30 أيلول/سبتمبر 2019


jeudi 26 septembre 2019



البازار الإيراني والحسابات الأميركية 
بدرالدين عرودكي
وكأنما كان الخميني يدرك، حين شرب السم إذ سمح بوقف نزيف بلاده في حربها مع العراق، أنه لن يموت بما شربه على كره منه. فها هو يدخل العراق بعد أن فتحت له الولايات المتحدة الأميركية أبوابه كلها على إثر ارتكاب إحدى كبرى الحماقات السياسية العربية في القرن العشرين: احتلال العراق لدولة الكويت، أو بالأحرى، أي بعبارة أشد دلالة: محاولة الهيمنة على أكبر نسبة احتياطي للنفط في العالم: العراق والكويت معًا! ! إذ حوصر العراق ثم قضي عليه جيشًا ودولة بعد عقد من ذلك، ووضع على إثر الغزو الأميركي عام 2003، تحت الهيمنة ألإيرانية باعتراف أمريكي غير معلن. وهو ما سمح لإيران أن تستعيد عافيتها بعد حربها مع العراق التي استنفذت قواها وكادت أن تضع حدًا لأحلامها الإمبراطورية التي تطلعت إلى تحقيقها من جديد.
أتاحت هذه الهيمنة العلنية مع بداية الألفية الثالثة لإيران على العراق فعليًا اعتمادًا على حفنة من السياسيين العراقيين، يدينون لها بوجودهم وباستمرارهم، ويعملون على تجييش العدد الأكبر من أنصارهم وأتباعهم لصالح تثبيت سياستها والدفاع عن مصالحها والعمل لحسابها، أن يستعيد وريث الشاه، الولي الفقيه، البدء بمحاولة تحقيق حلم الشاه الإمبراطوري شيئًا  فشيئًا من خلال تثبيت التمدد في لبنان عن طريق حزب الله، وتعزيز العلاقة مع النظام الأسدي، وزرع بذور الوجود الإيراني في البلدان العربية الأخرى، من دول الخليج الذي ترفض أن يحمل، ولو مشاركة، صفة العربي، وصولًا، قدر المستطاع، حتى المغرب الأقصى. ذلك كله ضمن استراتيجية كانت تستهدف على المدى المتوسط والبعيد وضع اليد تدريجيًا على مراكز القوة في العالم العربي كي تحتل موقع القوة الإقليمية الأولى في منطقة الشرق الأوسط، مستفيدة من متغيّرين كبيريْن على التوالي: أولهما انهيار المنظومة السياسية العربية منذ توقيع مصر اتفاقية كامب دافيد التي كان من أهم نتائجها الحدّ من دورها الإقليمي المركزي الذي لعبته بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، لا على صعيد العالم العربي فحسب، بل على صعيد القارات الثلاث، وبوجه خاص أفريقيا والعالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط في مجملها؛ وثانيهما انهيار المنظومة الشيوعية مع انهيار الاتحاد السوفياتي.
لكن متغيِّرًا ثالثًا جاء على غير انتظار كي يتيح لإيران كل التسهيلات الضرورية لتنفيذ مشروعها: ثورات الربيع العربي والثورات المضادة التي عملت ولا تزال تعمل على القضاء عليه وعلى آثاره. إذ بعد أن اتخذت على الفور موقف التأييد لما جرى في تونس وفي مصر وفي ليبيا وفي اليمن وفي البحرين بزعم دعم الشعوب العربية في ثوراتها، سرعان ما انقلبت على عقبيها حين انتفض الشعب السوري ضد نظام الأسد، حليفها الاستراتيجي، واقفة بكل قواها ضد الانتفاضة السورية، إعلاميًّا وماليَّا وتقنيًا وعسكريّا، حاشدة قوى وكيلها اللبناني الأقرب، حزب الله، كي يرسل ميليشياته لدعم جيش النظام الأسدي في المناطق التي كان يزداد يومًا بعد يوم اضطراره إلى التراجع أو التخلي عنها، قبل أن تدعم هذا الأخير بخبراء حرسها الثوري ومن كان يجندهم للغرض نفسه في الدول المجاورة لها. أما بضاعتها التي كانت ــ ولا زالت ــ تسوق لها بينما كانت تتمدد في نُسُج المجتمع السوري والعمراني والسكاني فضلًا على مراكز القرار فيه، فقد كانت قضية فلسطين التي تعلمنا، منذ ذلك الحين، أن تحرير القدس فيها يمر عن طريق مختلف المدن السورية شرقًا وشمالًا وجنوبًا، وانه لابد لتحقيق ذلك من تهجير الشعب السوري أو إرغامه على النزوح من مدنه وقراه.
ومن سورية إلى البحرين والسعودية، ثم اليمن بوجه خاص، حيث وجدت في الحوثيين، على غرار لبنان، نظير حزب الله، فباشرت استغلالهم وتجنيدهم وتوظيفهم وصوغ استراتيجيتهم بما يتلاءم وسياستها إزاء دول الخليج عمومًا والسعودية بوجه خاص. وهو ما بات يتيح الفرصة لبعض مسؤوليها أن يعلنوا بشيء من الفخر لا يخلو من الوقاحة الصفيقة أن القرار في أربعة عواصم عربية صار ينطلق من طهران.
كان ذلك كله يتزامن مع ما عرف بمفاوضات النووي الإيراني. إذ تمكنت إيران من استثمار تنازلاتها في الملف المذكور لقاء حرية في العمل إقليميًّا تغض الولايات المتحدة النظر عن مآلاتها ولا تقف روسيا ضدها، ولاسيما في سورية، حين اعترفت بها قوة إقليمية إلى جانب تركيا، لها كلمتها في تقرير مصير بلد كامل على سبيل المثال من دون أي اعتبار لإرادة شعبه.
هكذا بدت المنطقة العربية، في غياب المنظومة السياسية العربية، موضع نزاع بين قوتين كبيرتين إقليميًا، تحاول كل منهما الهيمنة عليها: إسرائيل وإيران. لكنه نزاع لا يستبعد تبادل الخدمات أو الاستفادة من وضع الطرف الآخر لتحقيق مصالحه. فكما أن إيران، باسم النضال ضد إسرائيل واستعادة القدس المحتلة، بنت سياستها العربية وجندت ميليشياتها في العراق ولبنان واليمن للدفاع عن مصالحها وسياساتها، كذلك لم تكن إسرائيل ترى في تمدد إيران وقيامها بالدور المحوري في تفكيك الدول العربية الثلاث شمالًا وفي تهديد دول الخليج انطلاقًا من اليمن جنوبأ ما يهدد أمنها طالما لم تقترب ميليشياتها من حدودها، بعد أن ضمنت وضع مشروعاتها النووية تحت الرقابة الدولية..
ولعل ذهاب إيران بعيدًا في تطوير قوتها وتثبيت هيمنتها الإقليمية بما لا يتناسب وتقاسم الأدوار الإقليمية في المنطقة، هو ما حفز ترامب على إعلان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وعلى التدرج في فرض العقوبات الاقتصادية على إيران ما لم تقبل العودة إلى طاولة المفاوضات من جديد من اجل تعديل الاتفاق ولاسيما حول نقطتين جوهريتيْن: الصواريخ البالستية ودور إيران الإقليمي عبر أذرعها في سورية ولبنان واليمن خصوصًا.
ترفض إيران في البداية العودة إلى طاولة المفاوضات وتحاول الضغط على الطرف الأوربي في الاتفاق النووي كي لا يطبق العقوبات المفروضة  تحت طائلة العودة إلى تخصيب اليورانيوم. فتزداد العقوبات الاقتصادية الأميركية شدة وصولًا إلى منعها بيع نفطها. ولما كانت أوربا بفعل ارتباطاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة ا|لأمريكية لا تملك سوى الطرق الدبلوماسية للضغط على الطرفين للعودة إلى التفاوض مجددًا، ورغم تأثير العقوبات الذي بدأت آثاره في الظهور على الاقتصاد الإيراني، فقد عمدت إيران إلى المساومة مجدَّدًا بالرد على مستويات عدّة وبطرق مختلفة: قبول العودة لمفاوضات جديدة شريطة رفع العقوبات، والتهديد بحروب شاملة في المنطقة إن تعرضت لاعتداء عسكري أميركي، وإغلاق مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه عمدت إلى القيام ببعض المناوشات في الخليج مستهدفة ناقلات النفط الأوربية، وقامت عامدة متعمدة بتسيير ناقلة نفط من موانئها باتجاه سورية، فضلًا عن قيامها بتغيير نوعي في تسليح الحوثيين باليمن عن طريق تزويدهم بالطائرات المُسيّرة (الدرون) والسماح لهم باستهداف عمق الأراضي السعودية ومنشآتها الحيوية وصولًا إلى قصف البنية النفطية التحتية السعودية مؤخرًا، الذي تحاول إيران التنصل من مسؤولية القيام به، في الوقت الذي لا يخفى على أحد دورها في تسليح الحوثيين وتدريبهم بل وفي توجيه استراتيجيتهم العسكرية بما يخدم في الوقت نفسه سياساتها إزاء السعودية وسواها من دول الخليج.
لا يمكن اعتبار ذلك كله أكثر من مناوشات تستهدف استمرار وضع الاضطراب في المنطقة، من دون الوصول إلى حرب حقيقية. تعلم إيران أن ترامب لن يدخل في حرب معها، وأنه لن يتراجع عن العقوبات التي فرضها عليها، لكنها تراهن في الوقت نفسه على إمكان عدم نجاحه لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية القادمة. ومن ثم فهي تمضي، بانتظار ذلك، في مفاوضات بازار من نوع آخر، قوامها تلك الضغوط التي تمارسها على السعودية، حليف الولايات المتحدة في المنطقة، عبر تعديل هجمات الحوثيين وتشديدها من ناحية، وتهديد مصادر النفط الأساس في العالم فيها، وذلك في ردٍّ مباشر على حرمانها من تصدير نفطها، من ناحية أخرى.
تثبيت هذا الوضع المضطرب بانتظار تغيير ما. هوذا الهدف الآني.
إذ تطمح إيران إلى المحافظة على موقعها ودورها الإقليمييْن اللذيْن قضت ما يقارب عقدين من الزمن من أجل فرض الاعتراف بهما دوليًّا. ولئن كانت الولايات المتحدة لا تستهدف إلغاء هذا الدور أو الإطاحة بموقع إيران الإقليمي، إلا أن حساباتها لا يمكن أن تساير رغبات إيران إلا ضمن حدود تأخذ في الحسبان دور إسرائيل وموقعها الإقليمي اليوم، ولاسيما بعد انهيار المنظومة السياسية العربية على معظم الصعد. وبعبارة اخرى، وضع حدّ للشبق التوسعي الإيراني بحيث يفرغ من قدرات ووسائل الهيمنة التي يمتلكها اليوم كي يستحيل قوة إقليمية معترفًا بها لكنها تحت الرقابة والسيطرة الدولية الدائمتيْن.
تغامر إيران ولا شك بالرهان على سقوط ترامب من أجل الحفاظ على مكتسباتها خلال العقديْن الأخيريْن. لكن مغادرة بولتون البيت الأبيض لن تقدم ضمانًا كافيًا لها لإمكان تحقيق هدفها هذا. ذلك أن قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي كان يستهدف الوصول على وجه الدقة إلى إعادة توزيع الأدوار في منطقة الشرق الأوسط وكذلك إعادة تحديد مواقع القوى الفاعلة دوليًا وإقليميًا على اختلافها. ومثل هذا القرار لا يمكن أن يكون قرارًا ينفرد الرئيس باتخاذه من دون موافقة الم
لا تتطابق في الوقت الحاضر فرضيات البازار الإيراني أو أوهامه مع الحسابات الأميركية. وربما سينقضي وقت طويل قبل أن تصحو إيران من أوهامها وتستأنف مرغمة إعادة النظر ..
على أن ذلك كله لن يكون، على كل حال، إلا على حساب شعوب المنطقة وفي مقدمتها الشعب السوري. 

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 26 أيلول/سبتمبر 2019.



jeudi 12 septembre 2019



متى سيطلقون ألسنتهم من عقالها؟ 
بدرالدين عرودكي 
يعلن البعض أن الثورة السورية لا تزال قائمة، في حين يعلن البعض الآخر انتهاءها، ويلجأ بعض ثالث إلى سوابق تاريخية كي يَطمَئِنَّ ويُطَمْئِن بأنها لن تختلف عن سواها من الثورات في بلاد أخرى عبر التاريخ عرفت مراحل متتالية من التألق والخمود ثم الانطلاق مجدَّدًا، وبأن ثورة يطلقها شعبٌ بأكمله ليست انقلابًا عسكريًا سُمِّيَ ثورة كما اعتاد بعض السوريين على هذه التسمية منذ عام 1963، ينجح أو يفشل..بل هي عملية معقدة، متعددة الأبعاد على كل صعيد من صُعُدِ التاريخ والاجتماع والسياسة، ومن ثمَّ فإن الثورة السورية، التي انطلقت في آذار 2011، لم تمت، ولن تموت ما دامت قد حققت هدفها الحاسم الأول: تحطيم جدران الخوف والصمت، ورفض الاستبداد بكل تمثيلاته العائلية والفردية والسياسية التي طغت في سورية خلال نيِّفٍ ونصف قرن. لكن أحدًا من هؤلاء وأولئك لا ينكر على كل حال أن مرحلة أساسًا في هذه الثورة قد اختتمت، وأن ختامها قد بات واضحًا للعيان منذ نهاية عام 2012 ، أي بعد ما يقارب سنتين من انطلاقها.
 مرحلة أساس، لأن كل ما جرى فيها كان مقدمة ونذيرًا بما سيجري من بعدها. وهي، لهذا على وجه التدقيق، تحتاج اليوم إلى استعادة سردية وتحليلية لوقائعها جملة وتفصيلًا، سواء على الصعيد المحلي داخل سورية، أو على الصعيد الإقليمي، أي البلدان العربية والقوى الإقليمية، وتحديدًا إيران وتركيا، أو على الصعيد الدولي، روسيا والصين من جهة، وأوربا والولايات المتحدة من جهة أخرى.
كُتِبَ الكثير من المقالات والدراسات والأبحاث في تحليل هذه الوقائع خلال السنوات الثماني الماضية. كما صدر عدد من الكتب الهامة بأقلام عدد من كبار الباحثين السوريين والعرب في الفكر السياسي/الاجتماعي، نذكر من أهمها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب سلامة كيلة، الثورة السورية، واقعها وصيرورتها وآفاقها (2013)، وكتاب عزمي بشارة، سورية، درب الآلام نحو الحرية (2013)، وكتاب زياد ماجد الثورة اليتيمة (1015)، وكتاب ياسين الحاج صالح الثورة المستحيلة (2017)، وكتاب حازم صاغية، قصّة مكان– قصّة إنسان: بدايات الثورة السوريّة 2011- 2015. لكن هذه الكتب، على أهميتها البالغة، لا تغني عن كتب وشهادة من انخرطوا في قيادات العمل السياسي عبر مؤسسات أنشئت بهدف تمثيل المعارضة والثورة خلال هذه المرحلة الرئيسة في تاريخ سورية، والتي كان الكتاب الوحيد، حتى اليوم، الذي  قدم سردية متكاملة لوقائعها بوصف مؤلفه مسؤولًا وشاهدًا وفاعلًا، هو كتاب برهان غليون، عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 1011ـ2102 ، الذي صدر قبل نيف وستة أشهر.
ثمة جملة في عنوان هذا الكتاب، "ثورة لم تكتمل، سورية 2011 ـ 2012" توضح ببساطة أن ما حدث في السنوات التالية على 2012 لم يكن امتدادًا أو استمرارًا لهذه الثورة بقدر ما كان حصيلة ومآلات ممارسات وخيارات وضروب من السلوك والفعل شديدة التباين على الصُّعُد الفردية والجماعية، الشخصية منها والمؤسساتية.  لقد أمكن لنا خلال السنوات الماضية، بل وبوجه خاص خلال السنتيْن المشار إليهما، أن نقرأ الكثير من ضروب النقد الموجه لمن تصدوا لقيادات مؤسسات المعارضة سلوكًا وممارسة وخيارات، ولاسيما منها المجلس الوطني السوري، وهيئة التنسيق الوطنية، ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ثم، من بعد، الهيئة العليا للمفاوضات، دون نسيان ما أطلق عليه منصات المعارضة على اختلافها من القاهرة إلى موسكو. لكن أحدًا ممن كان يتناولها بالنقد لم يكن في موقع المسؤولية ضمن واحدة من هذه المؤسسات بحيث يستطيع تقديم رؤيته أو سرديته للحدث السوري من الموقع الذي كان يشغله. والوحيد الذي فعل ذلك بصورة شمولية، كان برهان غليون في كتابه المشار إليه. فما الذي لا يزال يحول بين هؤلاء القادة الذين احتلوا طوال سنتيْ الثورة المذكورتين، وتابع العديد منهم في احتلال شاشات الفضائيات، ومقاعد التمثيل في مختلف الهيئات والمنصات التي عرفناها بوصفها "ممثلة للمعارضة أو للثورة"، وبين أن يتقدموا إلى الشعب السوري المنكوب بسرديتهم، وبتشخيصهم لما جرى، وتثبيت أو نقض أو إغناء السردية الوحيدة الموجودة  الآن بين يدي السوريين والتي يمثل الكثير من مضامينها والآراء المبثوثة فيها تحديًّا كبيرًا لهم في أن يفعلوا؟
كان الذين تصدوا للحديث باسم الثورة أو لتمثيلها يعلنون هدفًا واحدًا: إسقاط النظام الأسدي؛ ومع أنهم كانوا، هم أنفسهم، يعلنون يومئذ أنهم ضد التدخل الخارجي، وضد حمل السلاح، وضد الطائفية، فإنهم لم ينجحوا في أن يتجاوزوا خلافاتهم التي لم نكن ندري عن طبيعتها أو عن تفاصيلها الحقيقية شيئًا. والآن، بعد أن باتت سورية دولة محتلة من قبل أربع قوى، إقليمية ودولية، تقرر مصيرها وترسم مستقبلها وفقًا لمصالحها المتناقضة على كل حال، ألا يرى من باتت مشاهد فشلهم اليومية على الصعد كلها تفقأ العيون أنه قد آن الآوان لكي يطلقوا ألسنتهم فيسردوا لنا رؤيتهم وفهمهم وأسباب عجزهم عن تحقيق الحدِّ الأدنى مما كانت تستدعيه حركة لم يكن أحدٌ منهم  وراء انطلاقها ولا استمرارها أشهرًا تواجه عنف النظام الأسدي وجبروته وتصميمه على القضاء عليها بأي ثمن؟
أليس من الطبيعي أن نفهم منهم مثلًا السبب الاستراتيجي أو السياسي الذي دفع إحدى القوى المؤسسة إلى الحيلولة دون دعم أول هيئة أمكنها أن تحظى بتأييدٍ عبَّرَ عنه من كانوا  قوام المظاهرات التي كانت تعم المدن السورية، فاشترطت أن تكون مثلًا مدة ولاية رئيسها شهرًا ثم تنازلت لتجعل منها ثلاثة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، وما الذي دفعها إلى التنازل وإلغاء هذا الشرط ما إن فقد المجلس الوطني موقعه الذي كان يحتله في مقدمة المشهد السياسي بعد تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ؟
او ما الذي حمل بعض من تصدوا للقيادة وهم يتطلعون إلى احتلال المقعد الأول (نظرًا إلى ما يعتبرونه حقهم المكتسب بفعل سنوات السجن التي قضوها بسبب نضالهم ومعارضته للنظام الأسدي)، إلى تقديم مطامحهم الشخصية على ضرورات تحقيق وحدة الصف والهدف بين مختلف القوى كشرط أولي في اكتساب مصداقية أمام من يزعمون تمثيلهم من السوريين وأمام القوى الإقليمية والدولية التي كانوا يحاورونها من أجل دعمهم في حصار النظام الأسدي؟
أو، أيضًا، ما طبيعة الدور الذي لعبه الإخوان المسلمون في هذا المجلس الوطني، سواء من خلال ممثلي تنظيمهم مباشرة أو ممثلي الجماعات المنشقة عنه لكنها لا تزال تدور في فلكه وتتبنى مواقفه داخل المجلس؟ وما طبيعة العلاقة التي كانت تربطهم بتركيا التي أرادوا منذ أول اجتماع للأمانة العامة للمجلس الوطني أن يحضر ممثل عن وزير خارجيتها هذا الاجتماع، لاسيما وأن من نقل هذا الطلب إلى رئيس المجلس كان المراقب العام لتنظيمهم، كما روى برهان غليون ذلك في كتابه، مثلما روى رفضه لذلك تحت طائلة نقل مقر المجلس إلى القاهرة بدلًا من إسطنبول؟     
ثم، كيف أمكن لخيار السلاح وفوضى العسكرة أن يفرضا نفسيهما، وكيف أفلتت إدارة السلاح وتوجيهه من قبل هؤلاء القادة الذين كانوا يهيئون أنفسهم لاستلام السلطة بعد أشهر من انطلاق الثورة، فبات المقاتلون في واد والسياسيون في واد آخر، وصارت فصائل الطرف العسكري، وهيئات أو منصات الطرف المدني، تسير على هدي أجندات خارجية فرضتها الدول الممولة هنا وهناك؟
بل وكذلك، ما السر في عجز القوى العلمانية، مدنية، بل وحتى عسكرية على قلتها، عن أداء دور أساس ومحوري بدا أن شباب الثورة قد أناطوه بها منذ البداية؟
تلك جملة من أسئلة بين أخرى كثيرة لم يعمل على الإجابة عنها بجرأة حتى الآن إلا برهان غليون. لكنها مع ذلك لا تزال تنتظر من كل واحدٍ ممن تصدوا بجرأة منقطعة النظير لقيادة المؤسسات التي كان يفترض بها أن تمثل الثوار في الداخل أن يقدم إجاباته هو الآخر عنها.
فهل سيطلقون جميعًا ألسنتهم من عقالها احترامًا، على الأقل، لكل من قتلوا واعتقلوا وهُجِّروا؟

** نشر على موقع جيرون يوم 12 أيلول 2019.


jeudi 29 août 2019



"عطب الذات" وعطب القراءة 
بدرالدين عرودكي 
ستة أشهر مرّت على صدور كتاب برهان غليون "عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011 ـ 2012" دون أن يستدعي ردود أفعال علنية، سلبية أو إيجابية، من معظم مَنْ يعنيهم الأمر في المقام الأول، أي ممن تصدّوا لمهمات تمثيل الثورة والمعارضة خلال سنتي 2011 و2012، على ما تضمنه في صفحاته التي تجاوز عددها خمسمائة صفحة! أما المقالات التي كتبت حوله فقد كان أكثرها تنويهًا بصدوره أو إشارات وجيزة إلى مضمونه، وأقلها كان نقدًا لما جاء فيه. سوى أن هذا القليل من المقالات النقدية وقع كما يبدو في فخ ربما كان العنوان مسؤولًا عنه: عطب الذات، انطلاقًا من أن الذات الجمعية لا تستثني الذات الفردية، أي ذات المؤلف نفسه. فراح كتابها يصبون جام غضبهم على المؤلف لأنه تحدث عن أخطاء الآخرين ولم يتحدث عن أخطائه هو، الأمر الذي دفعهم إلى اعتبار ذلك "عطبًا رئيسًا" في الكتاب ينزع عنه لدى البعض مصداقيته، أو يسيئ لدى البعض الآخر إلى قيمته وأهميته.
ولو أخذنا بعين الاعتبار عددًا كبيرًا من التعليقات السريعة التي حفلت بها صفحات شبكات التواصل الاجتماعي، والتي كانت في صياغاتها الجادة أو المستهزئة أو المستخفة تعكس مشاعر حب أو كراهية أو لامبالاة  نحو المؤلف، ولاسيما من قبل الذين لا يعرفونه إلا بوصفه شخصية عامة، أو الذين لم يقرأوا الكتاب أساسًا، ربما كان مصدرها قناعات أصحابها الأيديولوجية أو مواقفهم الفكرية، لأمكننا التساؤل بحق عما إذا لم يكن هناك سوء تفاهم ــ أو، ربما، سوء قراءة ــ للعنوان أولًا، ولمرامي الكتاب ثانيًا، ولما احتواه الكتاب بالفعل في متنه ثالثًا.
لابد قبل كل شيء من التذكير بأن العنوان عادة (إن لم يكن من اختيار الناشر لأسباب تجارية محضة) هو دليل الكتاب. وبوصفه كذلك، لم يكن عنوان كتاب برهان غليون يتضمن ما يشير إلى أنه وقائع سيرة ذاتية أو مذكرات شخصية يستعيد بها المؤلف سنوات حياته أو بعضًا منها. ذلك أن الجملة التالية من العنوان: "وقائع ثورة لم تكتمل ــ سورية 2011 ـ 2012" توضح، بما لا يترك أي مجالٍ لللبس أو لسوء الفهم، أن المؤلف سعى إلى تقديم سردية تاريخية لهاتين السنتيْن التي شهد خلالهما وعاش الحدث الاستثنائي في تاريخ سورية المعاصر وشارك فيه مفكرًا وناقدًا، من ناحية، ثم منخرطًا كليًا في الفعل السياسي الذي سرعان ما دفع به إلى موقع المسؤولية السياسيّة بوجه خاص، من ناحية أخرى. وربما كان من المفيد تذكير الشباب الذين اتَّقدَ وعيهم مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، أن برهان غليون كان قد بدأ حياته كاتبًا ومفكرًا ملتزمًا ولاسيما في حقل الاجتماع السياسي قبل عقود أربعة من ذلك العام، وأن الإيماءة الموجزة في بداية الكتاب إلى مساره الفكري والنضالي على صعيد الكتابة أو، خصوصًا، إلى المشاركة النضالية المباشرة في سورية مع بداية الألفية الثالثة كانت تستهدف الإشارة إلى أنه لم يكن طارئًا لا على النضال، ولا على الالتزام بقضايا وطنه الملحة، رغم مغادرته سورية في نهاية ستينيات القرن الماضي. لكن السوريين، ومنهم بعض أصدقائه القريبين الذين عرفوه كاتبًا ومفكرًا طوال العقود الماضية، فوجئوا والحق يقال بانتقاله إلى حقل الممارسة السياسية المباشرة حين قبِلَ توافقَ مؤسسي المجلس الوطني السوري عام 2011 على شخصه كأول رئيس له. ها هو مثقف وأكاديمي يضيف إلى صفتيه هاتين صفة الرجل السياسي بكل ما تعنيه هذه الصفة من معان متباينة تنطوي عليها مختلف اللغات ومن ثمَّ مختلف المجتمعات شرقًا وغربًا. لم يكن هذا الأمر أيضًا موضوع الكتاب، وإن وجبت الإشارة وربما العودة إليه في مناسبة أخرى.
تقود قراءة كتاب عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل إلى أن المؤلف عمد، بصفته مفكرًا سياسيًّا وناقدًا، إلى أن يختصَّ السنتين الأوليتين من الثورة السورية ــ التي لم تكتمل ــ بسرد تحليلي ونقدي لوقائعها بما أنه كان، بخلاف معظم من كتبوا حتى الآن عن هذه الثورة، شاهدًا وفاعلًا، يملك من المعلومات وتفاصيل الأحداث التي عاشها أو المصاعب التي واجهها أو الخيبات التي عاناها ما لا يستطيع أن يقوم بمثله سوى أمثاله ممن تصدّوا لقيادة الهيئات التي طمحت إلى تمثيل الثورة والحديث باسم السوريين، ولاسيما الشباب منهم، الذين كسروا جدران الخوف والرهبة وخرجوا يواجهون بصدورهم أعتى نظام استبدادي عرفته المنطقة العربية خلال الأعوام المائة الأخيرة. 
لاشك أن من أولى واجبات من عاشوا هذه الفترة أفرادًا ضمن مؤسسات وهيئات الثورة مناقشة موضوعات هذا الكتاب جميعها ولاسيما منها سردية الأحداث التي كان من بعض نتائجها تدهور الثورة ودخول الفاعلين فيها شأن الذين تصدوا لقيادتها أو لتوجيهها في متاهات أدت إلى ما عمل النظام الأسدي منذ البداية على تحقيقه، أي على إجهاض هذه الحركة النبيلة، بدعم ومساعدة حلفائه الإيرانيين ووكلائهم على الصعيد الإقليمي، والروس على الصعيد الدبلوماسي، خلال الفترة التي اختصها الكتاب. ذلك أنهم يملكون، هم أيضًا، من المعلومات ومن التفاصيل الخاصة بهاتيْن السنتيْن ما يمكن أن يسهم ربما في تصحيح أو على وجه اليقين إثراء سردية هذا الكتاب.
لقد تناولت هذه الأخيرة بالتفصيل انطلاقة الانتفاضة السورية  ومخاض ثم ولادة المجلس الوطني السوري وتشرذم المعارضة في هيئات مستقلة وما جرى من تسويق لظاهرة العرعور الذي ما إن أدى الدور المرسوم له حتى اختفى من الساحة ومن الشاشة في آن واحد، مثلما عرض صراع "الأيديولوجيات المأزومة" بين الإسلاميين والعلمانيين. لكن من بعض أهم ما انطوت عليه هذه السردية الاستثنائية كان تفاصيل الحوار/الصراع مع العسكر ممثلًا في قيادة الجيش الحر، أو ما جرى على أرض الواقع من تحييد للعسكر وعسكرة للمدنيين. تلك أمور كان أوْلى بالذين تعرضوا للكتاب مسجلين مأخذهم الأساس على مؤلفه (غياب النقد الذاتي) أن يناقشوها، وخصوصًا منهم من كان في هيئات المعارضة موظفًا أو ناشطًا أو مسؤولًا، لا لدورها التخريبي في أثناء السنتين المذكورتين في العمل الثوري فحسب، بل بوصفها الآفة التي واجهت وتواجه وستواجه كل من يتصدّى للعمل من أجل دولة مدنية ديمقراطية لا هيمنة فيها إلا للشعب عبر المؤسسات التمثيلية التي تعمل تحت إرادته.   
كان من الممكن على الأقل مناقشة ما يمكن أن يُطلق عليه آنئذ وبلا تردد "الغباء السياسي" في فهم هذا الضرب من إدارة مثل هذه الهيئات، أو إن شئنا "استعجال الوصول إلى السلطة والولاية" في وعلى ثورة لم يكن لهم يد في إطلاقها على كل حال، وذلك حين اشترط ممثلو بعض مؤسسي المجلس الوطني السوري أن تكون مدة ولاية رئيس المجلس ثلاثة أشهر ثم تنازلوا (بعد استشارة قادتهم) فمددوها إلى ستة أشهر! لم يكن بوسع برهان غليون أن يحاجج في الأمر تحت طائلة الاتهام بمرض السلطة، ولم تكن ثمة وراءه قوة سياسية تحاجج في الأمر موضوعيًّا وتعفيه من السير في طريق كان منذ البداية محفوفًا بالعقبات والمزالق. كانت حجة القائلين بقصر مدة الرئاسة على ثلاثة أشهر تعكس هي الأخرى وبوضوح هذا الغباء السياسي أو هذا الجشع: فالتناوب على الرئاسة لابد أن يكون قصيرًا نظرًا لأن انهيار النظام لن يتأخر! والأنكى من كل ذلك، أنَّ أحدًا يومئذ لم يتعرض لمثل هذا السلوك بالنقد أو بالرفض، مادام "لا صوت يعلو فوق صوت الثورة".
هناك أيضًا ما كان من الأولى أن يناقش من وقفوا عند غياب النقد الذاتي في الكتاب ما جاء فيه من تفصيل يخص طبيعة العلاقات التي كانت وجوه ومؤسسات المعارضة السورية ترتبط بها مع القوى الإقليمية والدولية. يروي برهان غليون في كتابه حادثة رفضه طلب المراقب العام للإخوان المسلمين رياض الشقفة حضور ممثل لوزارة الخارجية التركية بصفة مراقب أول اجتماع للأمانة العامة للمجلس الوطني. ذلك ما حمله على أن يبين في كتابه أمريْن: "ضعف روح السيادة الوطنية عند النخب السورية" وأن "الانزلاق نحو التبعية لا ينجم دائمًا عن إرادة الهيمنة الخارجية ولكن عن القابلية للتبعية وغياب روح السيادة والاستقلال".
ألم يكن الأجدى التوقف عند هذه الثيمات وسواها مما حفلت به وقائع هذه الثورة التي لم تكتمل بدلًا من انتظار أن يقوم المؤلف بالاعتراف بأخطائه التي لابد من أن يكون قد ارتكبها مادام يحصي على الآخرين أخطاءهم؟
على أنه لابد من الإشارة إلى أن قراءة الذين توقفوا عند غياب النقد الذاتي في الكتاب كانت، مع ذلك، قراءة عجلى لم تنتبه إلى المرات العديدة التي كان المؤلف يشير فيها إلى الأخطاء الجماعية بضمير المتكلم، وإلى أنه كان الأوْلى بهم، بدلًا من مطالبته القيام بهذا "الاعتراف"، أن يسجلوا له إن استطاعوا أخطاءه مثلما سجل من ناحيته أخطاء الآخرين، بعد أن يثبتوا على الأقل أنهم قرأوا الكتاب قراءة لا عطب فيها!

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 29 آب/أغسطس 2019



jeudi 1 août 2019



المسرح، والسياسة، والتأريخ
 أبو خليل القباني، الدمشقي
بدرالدين عرودكي
إذا كانت صدفة على غير ميعاد هي التي قادت الباحث والروائي تيسير خلف إلى أحمد أبي خليل القباني، وحملته على اكتشاف كنز من من المعلومات والمعطيات الخاصة بالمسرح السوري، تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر لم يكن هو أو غيره يعلم بوجودها من قبل، ومن ثم على وضع كتابه/الرواية التوثيقيين: من دمشق إلى شيكاغو، رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا عام 1893، فإن الإرادة والقصد هما من حملاه على أن يمضي بعيدًا في الكشف عما لم يكن معروفًا، منذ قرن ونصف، حول أحد كبار الرواد المؤسسين للمسرح العربي الذي عرفته دمشق وبيروت والإسكندرية والقاهرة وشيكاغو، وبقي مع ذلك شبه مجهول في بلده الأم، كي يحقق في جهود القباني المسرحية التي كانت أساس ومنطلق جهوده التالية ببيروت وبالقاهرة وبشيكاغو، أي بمدينته دمشق، ويخصص لها كتابه لبذي صدر مؤخرًا: وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1872 ـ 1883.
كان الدكتور سيد علي إسماعيل، أستاذ المسرح العربي بجامعة حلوان قد نشر في عام 2008 بمناسبتيْ مهرجان دمشق المسرحي الرابع عشر والاحتفال بدمشق عاصمة للثقافة العربية كتابًا حول "جهود القباني المسرحية في مصر"، ونبّهَ في مقدمته للكتاب: "إذا كان كتابي هذا قد تطرق إلى جهود القباني المسرحية في مصر، فإن جهوداً مسرحية للقباني في سورية ما زالت مجهولة، والمعروف عن هذه الجهود حتى الآن يحتاج إلى تدقيق توثيقي، وتحليل نقدي ... "  وضرب أمثلة عديدة على اختلافات الباحثين حول نشاط القباني المسرحي في سورية، مشيرًا إلى أنَّ "هذه الاختلافات الجوهرية في حياة القباني ونشاطه المسرحي في سورية، لا تليق بهذا الرائد المسرحي السوري الأول، وتفرض على الباحثين - في سورية الشقيقة أولاً - واجبا قوميا وأدبيا وفنيا،ً حتى يستقيم تاريخ هذا الرائد، لا سيما أن مفاتيح بحثية ظهرت في هذا الكتاب، يُمكن الاسترشاد بها، وعدّها بداية للبحث والتنقيب." وهذا ما حمل تيسير خلف، بعد وضع كتابه عن رحلة القباني إلى شيكاغو، على أن يستجيب لهذه الدعوة التي رأى فيها، كما هو واضح من هذا الكتاب الأخير، دعوة إلى استعادة القباني من بداياته الأساس في سورية كما يليق به وبمشروعه الرائد في مجاليْ المسرح والموسيقى، وما انطوى عليه من إبداع وابتكار ولا سيما في مجال الإخراج المسرحي، والعلاقة بين خشبة المسرح والجمهور، أي كسر الجدار الرابع، وكانت تفاصيل معظم ذلك مجهولة كليًا لا من قبل أكثرية المهتمين بالمسرح في العالم العربي، بل حتى من قبل الذين تناولوا تجربة القباني أو أرخوا لهذه التجربة بهذا القدر أو ذاك.
لقد تمكن تيسير خلف، بفضل جهد استثنائي بذله، من أجل الحصول على مصادر، بقيت مجهولة طوال قرن ونصف، سمحت له بالقطع في كل ما بقي حبيس الظن أو موضع خلاف وأخذ وردٍّ بين من كتبوا عن القباني من قبل. لقد كتب الدكتور سيد علي إسماعيل بحق في مقدمته الوافية، أن هذا الكتاب "سينحي جانباً كل ما كُتب من قبل عن نشاط القباني المسرحي في سورية قبل قدومه إلى مصر"، ضاربًا أمثلة على ذلك، منها أن مؤلفه استطاع "أن يحدد نشاط القباني المسرحي داخل سورية، ابتداءً من يونية 1875 وانتهاءً في سبتمبر 1883. وهذا التحديد الدقيق، كان مجهولاً"، كما أمكنه أن يؤكد وبشكل قاطع "حقيقة سفر القباني وفرقته إلى معرض شيكاغو عام 1893، وهي الرحلة التي اختلفنا جميعنا حولها بين مصدق ومكذب لحدوثها"، ونجح "من خلال استخدامه لأدواته البحثية المعتمدة على الوثائق وأقوال الصحف، التي لم يستخدمها أحد من قبل – في تفسير أسباب غلق مسرح القباني في سورية، فجاء تفسيره جديداً ومقنعاً"، هذا إضافة إلى اكتشافه "مرسح الاتحاد"، وهو مسرح معاصر لمسرح القباني، لم يكتشفه أحد من قبل، ولم يكتب عنه أي باحث من قبل في تأريخه للمسرح في سورية"، ونجاحه في "تفسير لغز العريضة التي كتبها بعض شيوخ دمشق ضد القباني ومسرحه، وكنّا نظن خطأ أنها كانت السبب في إغلاق مسرح القباني واضطهاده في سورية، مما أدى إلى انتقاله بمسرحه إلى القاهرة! ولكن المؤلف خالف كل من سبقوه في هذا التفسير، وجاء بحقائق غير متوقعه، نجح في تفسيرها وتوضيحها، وخرج بنتائج تاريخية جديدة".
ذلك كله يشير إلى حقيقة مؤسفة في الكتابات التأريخية في هذا المجال التي تبدو  في معظمها أقرب إلى "الشرح والتعليق على شوارد الروايات الشفهية"، وعزوف عدد كبير منها عن اعتماد المناهج الصارمة في التدقيق والتقرير والحكم. فكان علينا أن نتتظر مائة عام بعد على رحيل مؤسس المسرح السوري وأحد كبار روّاد ومؤسسي المسرح العربي كي نعلم بصورة أقرب إلى الدقة ما كنا نجهله كل الجهل أو ما كان من تصدوا للتأريخ له يسلكون في محاولات تقريره طرق الظن والتخمين، وذلك بفضل باحث مدقق بذل جهدًا مذهلًا يكشف عنه كتابه نفسه موضوع هذا المقال مثلما كشف عنه كتابه السابق الذي كتبتُ عنه هنا قبل عام[1].
على أنَّ التدقيق والبحث المنهجي الجاد ليسا وحدهما ما سيكتشفه القارئ في هذا الكتاب. ذلك أننا إزاء رواية مثيرة، تقدم بدايات شاب دمشقي، متعدد المواهب، اكتشف المسرح فكرس له حياته ومواهبه العديدة ولاسيما الموسيقية منها. شابٌّ سوف يصير مع الأيام شخصية ثقافية نادرة في تاريخ الثقافة الفنية والمسرحية في سورية وفي العالم العربي. وهي رواية استطاع تيسير خلف، اعتمادًا على وثائق محققة، أن يصوغها عبر وضعها ضمن سياق التاريخ الاجتماعي/ السياسي لدمشق في نهايات القرن التاسع عشر، وأن يتابع، بأقصى قدر من التدقيق، كيفية ولادة وتحقيق مشروع مسرح بكل ما ينطوي عليه من مغامرات وعقبات ومصاعب، بدءًا من الأول من حزيران/يونيو 1875، وما واجهه من تشجيع ومن مقاومة في آن معًا، حتى إغلاقه في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 1883. لن يكتفي مؤلف الكتاب بذلك، بل سيتناول "المرحلة البيروتية" المقتطعة من المرحلة المصرية التي لم تكن معروفة من قبل، فضلًا على استعراض مختلف الكتابات التي تناولت سيرة القباني الدمشقية، والعمل على تدقيقها أو استكمالها بقدر ما أتاحته له المصادر التي وصل إليها واعتمدها في كتابه.
كان أحمد أبو خليل القباني قد بدأ نشاطه المسرحي في بيوت أثرياء الشام، وسارت شهرته مع بداية سبعينيات القرن التاسع عشر حتى بلغت ــ كما روى محمد كامل الخلعي في ترجمته لأستاذه ــ مسامع والي دمشق خلال عامي 1872/1873، صبحي باشا، الذي "حضر بنفسه  تمثيل رواية من الروايات في حفلة أقيمت على شرفه بصورة خاصة في بيت ثري من أثرياء الشام، وهم كثر في ذلك العهد، فدهش مما سمع ورأى، وهام بحب أحمد كل الهيام وأدناه من مجالسه، وجعله موضع عنايته.. رأى الباشا في هذا النابغ الدمشقي الشروط المتوفرة للقضاء على الجمود الفكري في الشام وتهذيب النفوس الجامحة بواسطة التمثيل والموسيقى، فأوعز إليه أن يؤلف جوقة وأن يقيم مسرحاً في المكان الذي يختاره". وكان المكان الذي اختاره هو خان أسعد باشا، أحد خانات البزورية. على أن الوالي الذي جاء بعد صبحي باشا، وهو محمد حالت باشا، كان هو من أعطاه الترخيص بإقامة دار للمسرح العربي. وكانت هذه البداية المؤقتة لانتقال القباني بنشاطه المسرحي إلى الفضاء العام هي التي أتاحت له تقديم رؤيته الفنية مكتملة في ذلك الوقت، أي تلك التي تجلت في مسرحيات كانت "تضم جميع عناصر الفرجة "القبانية"، كالديكور والمناظر المبهجة، والأغاني والموشحات والألحان، والكوميديا اللطيفة، والحكم والمواعظ المفيدة." ولئن اضطر القباني إلى وقف نشاطه في دار المسرح العربي بعد سنة ونصف لأسباب كثيرة كان بعضها يرتبط باعتراض ذي طابع ديني عبر عنه يومئذ الشيخ بكري العطار مباشرة للقباني، إلا أن والي دمشق مدحت باشا (كانون الأول/ديسمبر 1878) هو الذي أعاده إلى التمثيل ووعده بالدعم والمساعدة، فطلب منه القباني آنئذ "دار البلطجية" التي صارت مقر نشاط القباني المسرحي حتى عام 1881 وربما، كما يقول تيسير خلف، حتى عام 1883، جنبًا إلى جنب العروض التي كان يقدمها في الحدائق العامة.
يشير تيسير خلف بحق إلى الفائدة التي كان الوالي مدحت باشا يجنيها من دعمه لأبي خليل القباني ونشاطه المسرحي ضمن مشروعه لاستعادة السلطة ثانية في الآستانة، وهو ما سمح للقباني بأن يحقق قفزة ذات دلالة في مشروعه المسرحي النهضوي. إلا أنه يصعب على أي مؤرخ أن يتصور لحظة أن القباني كان يدرك الأسباب الخفية وراء دعم مدحت باشا له. فقد كان مستغرقًا كليًّا في مشروعه، لاسيما وأنه كان يواجه رفض مشايخ دمشق لهذا الذي "أحدث خروقًا في الدين بترقيصه الفتيان المرد على المسارح، وتهريجه وتمثيل مما لم تطق الشام على مثله صبرًا.." كما جاء في سردية حسني كنعان لقصة العريضة التي قدمها الشيخ سعيد الغبرة إلى السلطان، والتي أدت حسب بعض الروايات إلى إغلاق مسرح القباني ووقف نشاطاته.
فنَّدَ تيسير خلف هذه السردية ووصل إلى نتيجة أقرب إلى الدقة حسب كل المعطيات التي قدمها تقول خلاصتها غيابَ أيِّ قرار (أو إرادة سنية) صادر عن السلطان العثماني، وأن المنع الذي كان قرار أبي الهدى الصيادي، مستشار السلطان، أو الصدر الأعظم، هو الذي حمل الوالي يومئذ، أحمد حمدي باشا، على إغلاق مسرح القباني.
هكذا لعبت السياسة دورها في انطلاق مشروع القباني المؤسس للمسرح العربي، مثلما لعب حماة التقاليد الدينية دورهم في محاولة وقف هذا المشروع الذي سيجد مع ذلك طريقه إلى الاستمرار بالقاهرة وبالإسكندرية ثم ذروته بشيكاغو.
سنعلم ذلك كله بفضل هذا الكتاب المذهل في دقته وفي أمانته للبحث التاريخي والتوثيقي المكرّس لوجه من وجوه تاريخ سورية الثقافي خصوصًا والنهضة الأدبية العربية عمومًا، أعني ذلك الذي جسَّده أحمد أبو خليل القباني. والحق أن محمد كرد علي الذي يستشهد به تيسير خلف كان قد وضع النقاط على الحروف، في تقييمه لهذه الشخصية الثقافية الاستثنائية في التاريخ الثقافي السوري الحديث، حين كتب عنها في كتابه خطط الشام: "وجه الفخر في أبي خليل أنه لم ينقل فن التمثيل عن لغة أجنبية، ولم يذهب إلى الغرب لغرض اقتباسه، بل قيل له: إن في الغرب فناً هذه صورته فقلده، وقيل: إنه شهد رواية واحدة مثلت أمامه في إحدى المدارس الأجنبية، ولما كانت عنده أهم أدوات التمثيل وهو الشعر والموسيقى والغناء، ورأى أنه لا ينقصه إلا المظاهر والقوالب، أوجدها وأجاد في إيجادها، ولذلك كان أبو خليل مؤسس التمثيل العربي، ونابغة العرب في الموسيقى والتمثيل، ورواياته التي ألفها ما زالت منذ زهاء ستين سنة وإلى يوم الناس هذا (1925م)، موضع إعجاب الأمة...".
 من الواضح أنه لن يكون من الممكن، من الآن فصاعدًا، قبول أي حديث عن بدايات المسرح العربي من دون العودة إلى هذا الكتاب الفصل، الذي وضع النقاط على الحروف في كل ما يخص جهود، لا أحد رواد النهضة العربية الحديثة فحسب، بل أحد كبار رواد الحداثة الثقافية العربية: أحمد أبو خليل القباني، الدمشقي.

** نشر على موقع جيرون يوم الخميس 1 آب/أغسطس 2019.




[1]   انظر مقال "الذي كسر الجدار الرابع!"، المنشور على موقع جيرون يوم الخميس 10 أيار/مايو 2018.