lundi 30 septembre 2013



ثلاث نوافذ تطلُّ على حمص

 نبلاء فرنسيون يشهدون المأساة السورية

 


بدرالدين عرودكي




ثلاثة كتب، أولهما لصحفي أمريكي / فرنسي، جوناثان ليتيل، دفاتر حمص؛ وثانيهما لصحفية فرنسية، إديث بوفييه، غرفة مع إطلالة على الحرب، صدرا على غير ميعاد في شهر أيار/مايو 2012، وثالثهما لصحفية فرنسية، كارولين بوارون: اغتيال عاجل، كتبته بالتعاون مع الصحفييْن سيد أحمد حموش وباتريك فاليليان، عن زوجها المصور والصحفي الفرنسي جيل جاكييه الذي قتل في حمص يوم 11 كانون الثاني 2012، وصدر في أيار 2013، أي بعد سنة من الكتابيْن الأولييْن. ثلاثة كتب اتخذت على غير اتفاق مسبق موضوعاً واحداً: الحرب التي يشنها النظام السوري على شعبه، ومكاناً واحداً: مدينة حمص، أيقونة مدن الثورة السورية.

وفي الوقت الذي وصل مؤلفا الكتابين الأوليين مع زملائهما من الصحفيين الآخرين إلى حمص سرّاً بمساعدة الثوار الذين أشرفوا على نقلهم وإقامتهم ومعاونتهم على القيام بما أتوا من أجله وسهروا على راحتهم وبذلوا المستحيل بما في ذلك التضحية بأنفسهم كي يغادروا سورية سالمين، كان حضور جيل جاكيه بصحبة زوجته وصحفيين آخرين قد تمَّ بمعرفة حكومة النظام السوري وموافقتها المسبقة.

**  **  **

تهدي إديث بوفييه كتابها  إلى عددٍ مِمَّن تحب. ومن بينهم: "إلى السوريين الذين حملوني على ظهورهم، أو بين أذرعهم، أو الذين  بأياديهم الموضوعة على جبيني، أعادوا لي القوة كي أؤمن به وأن أناضل".

الإيمان بعملها كصحفية بالطبع:

"لم يضع أحد البندقية على صدغي كي يرغمني على الذهاب إلى سورية. ولم يمنحني أحدٌ حقائب ملأى بالأوراق النقدية. إنه خيارٌ واع، نضج خلال زمن طويل. لا شيء من الجنون فيه، لا شيء من الغرابة".

لم تكن وحدها في هذا الوعي الناضج بما تفعل. وبما أنها لم تكن وحدها في سورية، تنتقل من ضمير المفرد إلى ضمير الجمع: "نعرف أين نضع أقدامنا. لكننا نفعل كما لو أنه لم يكن ثمة شيء، كما لو أننا لا نسمع القنابل التي كانت تدوّي. نمزح، نلعب، كي نتجنب القدر. كان لابد من الذهاب إلى هناك. لأن الصراع قليل التغطية في الصحافة. لأنه يجب الحديث عما يجري فيها. لأن تلك هي مهنتنا.

"طبيعي أننا نخاف، وأننا على وعي بالمخاطر، لكن الرغبة في الفهم، في رؤية الحرب عن كثب، في أشدِّ مظاهرها رعباً، كانت أقوى."

لم تكن وحدها إذن. حضرت مع المصور وليام دانييل الفرنسي، والصحافيين البريطاني بول كورنوا والإسباني خافييه إسبينوزا. كانوا على موعد مع الصحفي الفرنسي ريمي أوشليك في بيروت قبل أن ينطلق هذا الأخير قبلهم بيوم إلى حمص، وإلى بابا عمرو تحديداً، ثم يلحقوا به في اليوم التالي إلى المكان نفسه. كانوا جميعاً على موعد مع شبابٍ من الجيش الحر يتكفلون بنقلهم ذهاباً وإياباً ومرافقتهم خلال إقامتهم. أمرٌ لابد منه. فالنظام يحول بكل الوسائل دون حضور رجال الصحافة والإعلام إلى سورية إلا بشروطه وتحت رقابته. وليس الأمر كذلك مع الجيش الحر.

ثلاثة أيام مضت على وصولهم كانوا خلالها يزورون المدينة والحيّ على إيقاع القصف المتواصل، وتحت الحصار الذي فرضه جيش النظام على حيِّ بابا عمرو. كان عليهم كي يصلوا إل قلب الحيّ أن يعبروا نفقاً يمتد على ثلاث كيلومترات عرضه متر واحد وارتفاعه 60 ر1 متر. لكن الأمر لم يجر كما كان الجميع يتوقعون. ثلاثة أيام قبل أن يحدث ما كانوا يحسبون حسابه ويتلافون التفكير فيه. اليوم 22 شباط/فبراير. الساعة الثامنة صباحاً. انفجارٌ عاصف يمسّ المركز الإعلامي حيث كانوا جميعاً فينقلب المكان والفضاء غباراً كثيفاً كان يكشف مع تلاشيه عن هول الكارثة: جسدان لامرأة ورجل: ماري كولفان الصحفية الأمريكية، وريمي اوشليك، الصحفي الفرنسي. تراهما إديث وهي محمولة على ذراعي صديقها وليام دانييل لإسعافها بعد اكتشافهما أن الدم كان يفور من ساقها المنتفخة بغزارة. ثوانٍ من التردد قبل خروجها حالت دون سقوطها إلى جانبهما، مثلهما.

في المستشفى الميداني الذي نقلت إليه عرفت الأمر: كسرٌ في ساقها بفعل الانفجار تستحيل معالجته محلياً. لا بد من نقلها إلى بيروت وبأسرع وقت ممكن. هكذا تكتب القصة من جديد. لا قصة الشعب الذي يستميت في الدفاع عن حريته فحسب، بل قصة هؤلاء الشباب الذي يستميتون من أجل تأمين عودة الصحفيين إلى لبنان قبل الانقضاض المنتظر على حي بابا عمرو حيث كانوا.

وهي تطل يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، خلال عشرة أيام، من نافذة الغرفة التي تنتظر فيها بحيِّ بابا عمرو المُحاصر على الحرب الدائرة ليل نهار، كانت تراقب وتنتظر وتخاف وتأمل مستعيدة أياماً أخرى في بلاد أخرى قريبة، تعيش مآس شبيهة، راوية في الوقت نفسه محاولات الشباب الساهر عليها كي يخرجوها ورفاقها آمنين وبأسرع وقت ممكن، بينما يقومون بتأمين نقل التموين والأدوية والجرحى من الحي وإليه، تزيد قناعتها رسوخاً  بجدارة ما تعمله، لا بل بضرورته المطلقة. تلك هي مهنتها وهكذا تكون.

سيُضَحّي عددٌ من الشباب السوري في الجيش الحرّ بحياته كي ينقذها ورفاقها،  وستصل إلى برّ الأمان وستعود إلى باريس لتحتفل وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية بها  وحدها دون الاهتمام بالمكان الذي أصيبت فيه، لكنها في كل مرة كانت ترفض الحديث عن نفسها لتقول بصراحة: إنما جئت هنا لأتحدث عن سورية وعن نضال شعبها من أجل الحرية..لتجعل من الثوار الشباب ونضالهم فحوى كلِّ حديث أو حوار.

كأنما جاءت إديث بوفييه، من حيث لا تدري، لكي تبرئ، من دون أن تقصد أيضاً، الثوار من دم جيل جاكييه. فقبل مجيئها ورفاقها بنيّف وشهر، أي في مطلع شهر كانون الثاني/يناير2012، وصل جيل جاكيه،  الصحفي الفرنسي، بصحبة زوجته كارولين بوارون، الصحفية أيضاً، وعدد من الصحفيين الآخرين، بصورة رسمية إلى دمشق. أي بموافقة السلطات الرسمية في النظام السوري. أي الأمن السياسي. كان جيل جاكيه يتطلع إلى لقاء بشار الأسد، ورامي مخلوف، بل وكذلك مناف طلاس، مثلما كان يروم زيارة المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة، درعا. ظنَّ، وقد زينت له مَنْ سهّلت له مهمته، أن بوسعه تحقيق ذلك. لكنه يُفاجأ وقد وصل دمشق، أن عليه الذهاب إلى حمص، وأنه لا خيار له في القبول أو الرفض. يُقال له: "إما حمص أو الرحيل!". يُرسَلُ إلى قدره. يُرسل لكي يُحال بينه وبين أن يكتب شيئاً عما كان قد رآه أو سيراه، هو الصحفي المتمرس في مناطق الأزمات والحروب والمآسي. سيلقى حتفه جراء قصف شبه منتظر، شبه مُخطط له في الزمان وفي المكان. سيُتهم الثوار بقتله، على الرغم من أنه قتل في منطقة محمية من جيش النظام. لكن زوجته كانت هنا، شاهدة على مقتله وعلى كيفية مقتله. لكن زملاءه كانوا هنا أيضاً شهوداً على مقتله وعلى كيفية مقتله. ومن حيث لا يحتسب من قتلوه تحوّل الكتاب إلى مهمة تحقيق يقوم بها صحفيون حرفيون يستوون مع المحققين القضائيين إن لم يكونوا أشد بلاء في هذا المجال منهم. ككتاب إديث بوفييه، استحال الموضوع إلى تسليط الأضواء كلها على النظام، وعلى ممارساته، وعلى تكتيكاته، وعلى جرائمه خصوصاً.

هكذا يقودنا الكتاب إلى الإجابة عن تساؤلات كانت تبدو للوهلة الأولى بلا جواب أو تكاد.  كيف حدث أن قبل النظام استقبال صحفيين غربيين ينتمون إلى دول غير صديقة فجأة؟ كيف زيّنَ لهم قبل وصولهم أن بوسعهم أن يتحركوا كيف يشاؤون كما يشاؤون ليكتشفوا إبان وصولهم أن ثمة برنامج مُعَدٌّ لهم طوال فترة إقامتهم؟

نكتشف شيئاً فشيئاً عناصر الإجابة كما لو كانت عناصر لغز تتكشف أمام أعيننا. كان المراقبون الذين أرسلتهم جامعة الدول العربية بقيادة الفريق الدابي هناك. وكان النظام يريد أن يبرهن على ضلال ما يقال عنه حول رفضه تواجد الصحافة الحرة في سورية. ها هو يبرهن لمن يريد أن يرى أن صحفيين أوربيين، بل ومن دول معادية كفرنسا، يتواجدون في سورية ويعملون بمعرفة وموافقة حكومة النظام. بعض بنود البرنامج المعدِّ سلفاً لجيل جاكيه ورفاقه تكشف الأمر. إذ فجأة يجد نفسه ورفاقه بلا سبب أو مبرر في فندق شيراتون حيث يتواجد المراقبون العرب، بل كما لو أن الأمر محض صدفة، في اللحظة التي يخرج فيها الفريق الدابي من غرفته مغادراً الفندق بطريقة لا يستطيع معها تلافي رؤية الصحافيين الغربيين أو تجاهل وجودهم. في تلك اللحظة، أدى جيل جاكيه ورفاقه من دون أن يدروا ما كان منتظراً من وجودهم في دمشق وعليهم الآن أن يتوجهوا إلى حمص مثلما قُرِّرَ لهم، شاؤوا أم أبوا، ولم يكن جيل جاكيه يشاء ذلك.

سيصير الكتاب تحقيقاً بوليسياً حول مقتل جيل جاكيه يوم 11 كانون الثاني 2012 لدى وصوله إلى حمص سيستمر سنة كاملة قبل أن يُنشر. وسيستخدم كل الوسائل المتاحة أمام الصحفيين الغربيين وخبرتهم في مثل هذا المجال. وسيكشف التحقيق عن عناصر لا تمت للتحقيق بصلة بقدر ماتمتُّ إلى لبّ الموضوع: زعْم النظام قتاله جماعات إرهابية مسلحة تعيث في البلاد فساداً. يكتشف أن هذه الجماعات المسلحة التي يحاربها النظام لا تهاجم إلا المظاهرات المناهضة للنظام في حين تعفُّ عن مهاجمة المسيرات الموالية! يكتشف أنه يقابل على الدوام في السجون التي يزورها سجناء جاهزين من كل فئات الجماعات الإرهابية، وأن تلفزيون الدنيا يتواجد على الدوام قبيل الحدث (جرائم الجماعات المسلحة) بدقائق معدودات، مثله في ذلك مثل رجال الإطفاء! وأن كل الوسائل تبرر الغاية، بما في ذلك مثلاً الحيلولة بين مراقبي الجامعة العربية وبين القيام بوظيفتهم من خلال دسِّ العقاقير في طعامهم الصباحي كي يصابوا بإسهال يحول دونهم والخروج من غرفهم ما داموا لم يستسلموا في العشية لإغراءات الفتيات اللواتي يمتهنَّ الصحافة نهاراً ومحاولة السهر على راحة المراقبين ليلاً!

كان جيل جاكيه يعرف أنه سيكون حبيس شبكات الأمن التي بناها النظام السوري وهي أشدّ قوة وأكثر صلابة من تلك التي بناها القذافي أو بن علي، وأنه لن يفلت منها. ولا بدّ أنه قد استسلم بقدر من السذاجة إلى شعوره بأن مهنته وجنسيته تحميه من اعتداء مباشر على شخصه. لكنه كان بلا أي شك على وعي كامل بمخاطر مهنة اختارها ولم يكن يفكر حتى في اتخاذ الحيطة من خطر كان يتجسّد أمام عينيه حين قيل له: "إما حمص أو الرحيل!". فكر بالأحرى بما يمكن أن يثري المهمة التي جاء من أجلها والتي كانت تصطدم بكل العثرات التي لم يكن ينتظرها..ولاسيما تلك التي لم يكن قادراً على التغلب عليها، تلك التي أودت بحياته بكل صفاقة..

"ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة".

يستوون في ذلك جميعاً، نساءً ورجالاً، حين تتماهى أنفسهم في مهنتهم، في ما يعتبرونه رسالتهم. صارت خصاصتهم أن يؤدوا الأمانة كما رأوها، كما شهدوها، كما عاينوها، كما تألموها، كما بكوها، كما يليق بهم أن يحملوها وأن يؤثرونها على أنفسهم.

تلك، كذلك، حال الروائي والصحفي الأمريكي الفرنسي جوناثان ليتيل. يصل هو الآخر بلا إذن من السلطات الأمنية السورية (ولكن بمعونة الثوار الذين استقبلوا من قبل صديقه مانون لوازو الذي حقق فيلماً وثائقياً عن حمص خلال شهري تشرين الأول وتشرين الثاني 2011) إلى حمص يقيم فيها بين 16 كانون الثاني/يناير و 2 شباط/فبراير 2012 ويعيش يوماً بعد يوم حياة شعب ثائر في مدينة ثائرة، بكل ما تنطوي عليه من بطولات وما تواجهه من فظائع ترتكبها قوات النظام وشبيحته.

لن يكتب جوناثان رواية ولم يأت إلى حمص كي يفعل.  كانت حصيلة ما نشره خمسة تحقيقات مثيرة بصدقها وبواقعيتها في صحيفة اللوموند التي رعت مهمته. لكنه سينشر كتابه الأساس، دفاتر حمص، بعد ثلاثة أشهر من عودته. كتابٌ كتبه لحظة بعد لحظة، ويوماً بعد يوم. يُسجِّل اللحظات اللاهثة على إيقاع القصف وفي زحمة الحوادث وتحت وطأة أشباح الموت. لن يكون جوناثان روائياً في طريقة كتابته لكنه سيكون ماهراً في تصوير الوجوه والشخصيات بخطوط سريعة لا ترسم ملامحها الخارجية فحسب بل تسبر في الوقت نفسه خصوصيتها الخفية. سيضع أقنعة على أسماء من التقاهم، كي يحميهم. لكنه سيسَمّي في ما وراء ذلك الأشياء بأسمائها بلا محاباة أو مراعاة أو خوف.

لأنه شاهد. شاهدٌ رأى بأمِّ عينيه كيف يتم تلوين بعض البيوت حماية لها من قصف الطائرات أو الحوامات أو مدافع الهاون، بيوت يسكنها الموالون أو العملاء أو الشبيحة.. شاهدٌ لا يصادق على ما يسمعه إلا بعد أن يعاينه بنفسه: كيف يقتل شابٌّ أثناء وجوده ضمن مظاهرة سلمية على أيدي قناصة الجيش النظامي وكيف نقل التلفزيون الرسمي مقتله على أيدي "العصابات المسلحة"! شاهدٌ على قطع الرؤوس واغتصاب الفتيات وقتل الناس من طوائف مختلفة في محاولة من أجل تسعير الحرب الطائفية. شاهدٌ على قتل الأطباء والممرضين وعلى تدمير كل مستوصف أو مستشفى يمكن أن يستقبل جريحاً أو قتيلاً. شاهدٌ على نظام يستدرج الأطفال كي يعلم منهم كيف يعيش آباؤهم وعن ماذا يتحدثون ومن يستقبلون وأي قنوات تلفزيونية يشاهدون! شاهدٌ على إخلاء البيوت بالتهديد وبالقتل عندما لا ينفع التهديد..شاهدٌ أيضاً وأيضاً على صحفي بلجيكي جاء برعاية النظام وتحت رقابته وهو يعيد إنتاج رواية النظام عن "الجماعات المسلحة" و"الإرهابيين" الذين "يروعون الآمنين"!

ولأنه يستمع فيصغي، أمكنه أن يفهم ما لم يفهمه كثيرون. في مدينة تكاد تجتمع فيها طوائف سورية كلها يتظاهر فيها الناس جميعاً، ويشكلون حلقات كحلقات الذكر بلا أي مضمون دينيّ، فيها المسلمون والمسيحيون، يغنون ويرقصون ويهتفون، نساءً ورجالاً، في انسجام وحيوية، "...محتدين، متوترين، مستوى من طاقة فرح ويأس لم يسبق لي أن رأيت مثله من قبل أبداً" كما يقول. يشهد جوناثان في مدينة/بلد على واقع اعتقال شاب فيها وتعذيبه لأنه رأى نفسه في حلم يقود فيه موكب الرئيس.

عندما كتب زكريا تامر عن حلم مماثل قبل أكثر من ثلاثين سنة حسبه الناس خيالاً!

سيقابل عبد الرزاق طلاس. وسيشهد الخصومات العابرة لكن الكاشفة بين الثوار أنفسهم مسجلاً تعليقاً شديد البلاغة على إحداها: "يجب أن تفهمهم يا سيدي. أربعون عاماً من الخوف". ليعلق بدوره: "قبل أن يقتلوا بشار الحقيقي لابد من أن يقتلوا البشار الموجود في رؤوسهم"! سيقابل ضباطاً علويين انشقوا عن الجيش، خمسة منهم يتواجدون في الجيش الحر بحمص، وسيسمع أحدهم يقول له: "لم أسمع أبداً: نريد أن نقتل العلويين. فقط  أشخاصاً محددين قاموا بارتكاب الجرائم".

يرى جوناثان ليتيل ويعاين يوماً بعد يوم كيف يحيطه الثوار بعنايتهم، هم الذين اتهمهم جورج مالبرونو بقتلهم جيل جاكيه اعتماداً على قول مصدره في حمص. يحاول أن يحصل من مالبرونو على اسم هذا المصدر كي يناقشه مباشرة حول المسؤول عن مقتل جاكيه، مادام موجوداً في حمص، بخلاف مالبرونو، لكن هذا الأخير يرفض الكشف عنه لأسباب لا يعلمها إلا هو.

يستيقظ يوم 26 كانون الثاني على القصف. طفل في الثانية عشرة من عمره يقتل. "إنهم يطلقون النار على الأطفال. من أجل لاشيء. لاشيء على الإطلاق. إلا من أجل معاقبة هذا الشعب الجموح، اللعين. الذي يرفض أن يحني رأسه بصمت لسيده ومعلمه. يعاقبونه على نار هادئة".  سيرى جثامين الأطفال وقد ثقبتها ضروب الرصاص، وقوافل الجرحى لا يجدون من يسعفهم إلا ممرض وحيد بعد مقتل الأطباء أو اعتقالهم أو هرب من بقي منهم خوفاً من شبيحة النظام وجنوده.

**  **  **

ثلاثة كتب كالمأساة الإغريقية في وحدة شخوصها وزمانها ومكانها. لكنها هنا المأساة السورية، كتابها هم أبطالها، هؤلاء "الشباب المبتسمون، الذين يفيضون حيوية وشجاعة، الذين لا يمثل لهم الموت أو الجراح الفظيعة أو الدمار أو الانحطاط أو التعذيب شيئاً بالمقارنة مع السعادة المذهلة التي يشعرون بها جراء رفض ما أثقل كواهل آبائهم طوال أربعين عاماً". ومكانها حمص أيقونة مدن الثورة، وزمانها هو زمان هذه الثورة الفريدة.

أما شهودها فهم بعض نبلاء هذه المهنة، مهنة الكتابة في الميدان، مهنة الصحافة.

 

 نشر هذا المقال في مجلة الدوحة، العدد 72، ص. 115ـ 117 
 
 
http://www.aldohamagazine.com/article.aspx?n=467E705F-EE70-45FD-8EA6-8A5747AC9D92&d=20131001#.UkpLe51OLIU


 
 

vendredi 23 août 2013


لماذا يوسف  عبدلكي؟ 

بدرالدين   عرودكي

 

كان أول ردِّ فعلٍ لي على خبر اعتقال يوسف عبدلكي: كيف يعتقل فولتير السوري؟ من هو النظام الذي يمكن أن يعتقل فولتير..ورحت أستشهد بمن لم يسمح لنفسه على أنه عسكري اعتقال سارتر ذات يوم حتى لامني صديق: لو قارنت النظام السوري بموسوليني وستالين لظلمتهما، فما هذه المقارنة مع ديغول؟ كان ذلك تذكيراً لي بضرورة العودة إلى الواقع من جديد: واقع هذا النظام، واقع فرادته في تاريخ سورية والعالم الذي تنتمي إليه، واقع أن يعتقل فناناً مثل يوسف عبدلكي، واقع أن يعتقل إنساناً مثل يوسف عبدلكي..

ردود أفعال الأصدقاء كانت شبيهة. كأنما على كلِّ ما نراه ونشهده كلَّ يوم نريد باستمرار ألا نصدق ما يحدث. كأنما نريد الاستمرار في الظن أن ثمة خطأ ما في مكان ما في زاوية ما. كأنما نسينا أو تناسينا أو نريد ألا نصدق على الدوام أن هذا النظام نفسه هو من قتل غياث مطر، الشاب الذي كان يوزع الزهور والماء في داريا على الجنود؛ وأنه من اقتلع حنجرة إبراهيم القاشوش، وأنه من كسر أصابع الفنان علي فرزات؛ وأنه، خصوصاً، ومنذ البداية، كسر كل جدران المحرمات واللامعقول عندما اقتلع في درعا أظافر أطفال في عمر الزهور، وأنه منذئذ قد أمعن وهو يقتل ويدمِّر في خرق كلِّ ما حاولت الإنسانية وضعه من قواعد للحرب أو للصراع أو للخصومة، سائراً على آثار غزاة سورية الأقدمين من الشرق ومن الغرب، من تيمورلنك إلى الصليبيين، لا يروم شيئاً سوى استمراره على ما كان عليه منذ أكثر من أربعين عاماً. 

ولن يكف عن تقديم الأمثلة. بل وأكثرها فصاحة. فقد ارتقى منذ البداية أيضاً بفعل الكلام أو الكتابة أو الرسم إلى مستوى الجريمة. نعرف جميعاً أن في أقبية أمن النظام ما لا يحصى عددهم من المواطنين المغمورين ممن كسروا جدار الخوف ونطق لسانهم بما كانوا يخفونه في قلوبهم. لا يعرف بوجودهم إلا الأهل والأصدقاء. ليسوا كتاباً أو صحافيين أو رسامين بالضرورة. ولم يحملوا سلاحاً بالضرورة. ذنبهم واحد في الحالات كلها: نطقوا ذات يوم أو ذات ساعة بكلمات لا وجود لها في قاموس النظام؛ أو أنهم آووا ذات يوم من نطق بمثل هذه الكلمات أو كانوا من أهله أو من أقربائه.

وفي ذلك على وجه الدقة إنما تكمن "جريمة" يوسف عبدلكي. جريمة تمثيله لكل هؤلاء المغمورين من السوريين الذين ملأوا ولا يزالون يملأون زنزانات السجون وأقبية المخابرات في أرجاء سورية كلها. ليس يوسف عبدلكي مجرد فنان استثنائي في مشهد التشكيل السوري أو العربي فحسب، بل كان أخطر من ذلك في نظر النظام: فهو الذي وقد عرف من قبل السجن والمنفى سنوات طويلة، اختار العودة الطوعية إلى وطنه مستمراً في ما بات يؤلف سبب وجوده بالذات: أن يجسد في مبدعاته الفنية وفي سلوكه اليومي وفي مواقفه العامة صورة المواطن والوطن الجريح الذي ينتمي إليه.

لا يكفي أن تتأمل في مبدعات يوسف عبدلكي لكي تستغرق في عالمه. لابد من التأمل أيضاً في وجهه، هذا الوجه الذي يمتزج فيه الألم بالأمل. ولا بدّ أيضاً من التأمل في حياته، تلك التي لم ينسلخ فيها الخاص عن العام في كل ما يمسُّ شؤون البلد الذي ينتمي إليه والذي يحمله حيثما كان إلى أن عاد إليه ليمتزج فيه وليصير بعضه. ولابد من الإصغاء إلى صوته: صوت يفيض خشوعاً أمام عذاب وآلام أبناء وطنه، آلامه..ذلكم هو يوسف.

ندر بين فنانينا من صار العام خاصّته لا واحداً من خصوصياته.

ويوسف عبدلكي أحد هؤلاء النادرين.

ذلك أنه لم يكفّ عن الشعور بنفسه معتقلاً حتى حين كان يعيش طليقاً في منفاه بباريس على ما كان يمكن أن يتمتع به من حرية، مادام شعبه في سورية يعيش ضمن سجنه الكبير. تلك هي جريمته، الجريمة التي لا يمكن لنظام كالنظام السوري أن يحتملها أو أن يسكت عنها أو أن يغفرها. لكنه في هذه الخصوصية بالذات إنما يمثِّلُ يوسف عبدلكي وهو معتقلٌ من جديد المعتقلين السوريين المغمورين جميعاً ويذكِّرُ بهم. ومن ثمَّ يصير الحديث عن هذا الاعتقال بالضرورة حديثاً عن الآلاف المؤلفة منهم،  أؤلئك الذين كنا نراهم دوماً في عينيه، وفي ضربات ريشته، وفي صوته الخافت خشوعاً أمام عذاباتهم، عذاباته.
          ذلك أنه ينتمي إلى النخبة الحقيقية، تلك التي رفضت الصمت، ورفضت الخنوع،  ورفضت المذلة، رافعة رأسها، دافعة الثمن. غالياً. ولا تزال.
 
 
* كتبت هذه المقالة  يوم 8 آب/أغسطس 2013.
 

samedi 17 août 2013

 
 




في الاحتفال  بعبد السلام العجيلي 

                           بدرالدين عرودكي
 
 
بدعوة من الكوليج دو فرانس بباريس، قسم التاريخ الاجتماعي للاسلام المعاصر الذي كان الأستاذ جاك بيرك يشرف عليه حتى عام 1981 ، ألقى الدكتور عبد السلام العجيلي في شهر أيار 1978 محاضرة موضوعها عرب اليوم والعودة إلى الينابيع.
وكان بيرك قد جعل من هذه المناسبة فرصة لتنظيم ندوة جامعة حول العجيلي فطلب إلى الأستاذة أوديت بتي،  تقديم عرض نقدي لرواية قلوب على الأسلاك التي كانت أنئذ قد قامت بترجمتها إلى الفرنسية وقدم لها جاك بيرك، كما طلب إليَّ تقديم عبد السلام العجيلي قاصاً وشاعراً. فكانت هذه الكلمة المنشورة أدناه والتي ألقيت بهذه المناسبة.
وكنتُ قد نشرتُ في مجلة المعرفة، العدد 199، أيلول 1978 وقائع هذه الندوة التي ضمت تقديم جاك بيرك وتقديمي وعرض أوديت بتي وكذلك محاضرة عبد السلام العجيلي عرب اليوم والعودة إلى الينابيع أو سلفية العرب المعاصرين.
 
تبدو لي محاولة تحديد ملامح أعمال بتنوع أعمال عبد السلام العجيلي واتساعها في الزمن مهمة حرجة لاسيما وأن إشكالية هذه الأعمال هي إشكالية الثقافة العربية المعاصرة. أعني بالأعمال هنا الأعمال أو المبدعات المكتوبة بالطبع، ذلك أن أعمال العجيلي إنساناً كما انعكست في مختلف الفعاليات التي مارسها منذ أكثر من ثلاثين عاماً تثير أيضاً حماسة أؤلئك الذين يولون الجانب العيني والمادي من حياة الإنسان أهمية كبرى.
من الممكن مثلاً الحديث عن العجيلي نائباً عن بلدته الصغيرة على الفرات: الرقة، في عام 1947، والذي غادر مقعده النيابي دون ضجيج أو تصفيق أو خطابات حماسية ليلتحق بجيش المتطوعين لإنقاذ فلسطين عام 1948.
ومن الممكن الحديث عن العجيلي الطبيب الذي ما إن تخرّجَ من كلية الطب بجامعة دمشق حتى عاد إلى بلدته بعيداً عن إغراءات وأضواء العاصمة التي كان يمكن أن تجتذب شاباً ريفياً كما اجتذبت كثيراً من أمثاله، حتى منهم أؤلئك الذين يطالبون بتطوير الريف وإيقاف الهجرة من الريف إلى المدينة وخاصة إلى العاصمة. غير أن العجيلي عاد إلى بلدته واعياً مستجيباً بذلك لحاجة ملحة إلحاح المرض الذي كان يشكل مع الفقر والجهل ثلاثي البلدان المتحررة حديثاً من الاستعمار كسورية في النصف الثاني من الأربعينيات.
نعم، من الممكن الحديث أيضاً عن العجيلي وزيراً في مرحلة دقيقة كتلك التي عرفتها سورية إبان الإنفصال وضمن وزارة حاولت عبثاً إعادة وحدة سبق أن حكم عليها بالضياع مكتشفاً بذلك اتساع المسافة بين النوايا الطيبة والإمكانات الفردية.
من الممكن الحديث عن كل ذلك وغيره أيضاً، إذ أن هذه التجارب الفنية والخصبة والتي تبدو للوهلة الأولى فردية هي في الواقع تجارب تخص فريقا من الناس قابل للتحديد؛ وهي بهذا يمكن أن تكون على الأقل عنصراً مقوِّماً في تكوين مبدعات عبد السرم العجيلي إن لم تكن تكوينها نفسه.
أما تناولها في حالتها الخام، فإنه لن يضيف شيئاً إلى ميزات إنسان يحيا حياة أرادها حيوية وفعالة وذات معنى. إذ أن ما يميز العجيلي في النهاية عن بقية أترابه، ويعلم الله أنهم قلة، إنما هو هذه المبدعات الأدبية من حيث إنها إذ تنطلق من التجربة المعاشة، من الواقعي ومن التاريخي، إنما تعبر وتصوغ إشكالية جيل كامل، بل إشكالية ثقافة كاملة.
فهو شاعر، ويشهد على موهبته الشعرية ديوانه الليالي والنجوم فضلاً عن أشعار كثيرة لم ينشرها بين دفتي كتاب؛ وهو باحث نشر حتى الآن ثلاث مجموعات من الأبحاث: أحاديث العشيات؛ السيف والتابوت؛ أشياء شخصية. وهو كذلك حكواتي في حكاياته المنشورة في مجموعتين: دعوة إلى السفر و حكايا من الرحلات. وهو كذلك كاتب ساخر كما تشهد على ذلك المقامات التي كتبها شاباً ونشرها مؤخراً. على أن كتاباته ضمن شكلي القصة القصيرة والرواية هي التي تبرز أكثر من غيرها من أعماله الأدبية على الرغم من أنه شاعراً أو باحثاً أو محدثاً أو ساخراً لم يكف لحظة عن أن يكون "قاصّاً"، وهنا تكمن في ظني أصالته ككاتب، وأكاد أقول خصوصيته.
قلت إن هذه المبدعات تمتد في الزمن، على أن يفهم ذلك ضمن معنييْن: الأول هو المعنى المباشر، أعني الأربعين عاماً أو أكثر التي تفصلنا عن أول قصة كتبها العجيلي ونشرها في أكبر مجلة أدبية آنذاك، أعني مجلة الرسالة لأحمد حسن الزيات، عام 1936. ومنذ ذلك الحين تتالت كتابات العجيلي منشورة في أهم المجلات العربية : الأديب، الآداب، الهلال، المعرفة، وغيرها، ثم ضمن كتب تتالت: بنت الساحرة، ساعة الملازم، قناديل إشبيلية، الحب والنفس، الخائن، الخيل والنساء، فارس مدينة القنطرة، حكاية مجانين؛ ثم رواياته: باسمة بين الدموع، قلوب على الأسلاك، أزهار تشرين المدمّاة.
أما المعنى الآخرلامتداد هذه الأعمال في الزمن فهو محاولته إنجاز استمرارية قصصية عربية لم تكن موجودة أو على الأقل تدشين مثل هذه المحاولة في نوع أدبي هو، في الأساس، من إبداع الغرب الحديث، وأعني به القصة القصيرة والرواية. نحن نعلم أن تاريخ الإبداع القصصي العربي تاريخ حديث نسبياً. صحيح أن محاولات الكتابة القصصية ضمن شكلي القصة القصيرة والرواية قد بدأت منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلا أن الإنتاج الروائي العربي الحقيقي لم يرَ النور إلا في فترة ما بين الحربيْن ولم ينطلق انطلاقته المُبدعة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سواء أكان الأمر في سورية أم في غيرها من البلدان العربية. لهذا كانت الإبداعية في هذا النوع محاولة إنتاج أعمال تتضمن كافة عناصر القصة القصيرة أو الرواية الغربيتيْن. وهكذا كانت عوالم تشيخوف أو موباسان أو سارويان وغيرهم تجد نسخاً عربية عنها إلى درجة أن النقد المحلي نفسه سار على هذا الطريق فتحدث عن الواقعية والكلاسيكية والرومانتيكية وحتى عن الواقعية الاشتراكية!
ومع أن العجيلي كان معاصراً للمرحلة نفسها، أعني بداية الحمسينات التي تعتبر سنوات الإنتاج القصصي الخصبة في سورية، فإنه كان يبحث عن عناصر إبداعيته بعيداً عن القصِّ الغربي؛ إذ لم يكن المقصود في الواقع ترجمة أو تعريب وإنما تأصيل نوع أدبيٍّ غربي في الأدب العربي بحيث لا نستطيع أن نتكشف في منتجاته آثار أيٍّ من أساتذته الكبار. وهذه هي فيما أرى ميزة مجموعة من الكتاب السوريين، والعجيلي من بينهم، ميزة تجلت في وضع كلٍّ منهم، حسب رؤيته للعالم وللأشياء، خطوط قصٍّ، صحيح أنه خصوصي ومتميِّزٌ عن أمثاله في البلدان العربية الأخرى، إلا أنه يتطلع إلى فرض نفسه في الثقافة العربية بوصفه القصَّ الممكن الوحيد. على أن معيار الإمكان هذا يجب أن يطبق لا على الشكل فحسب وإنما على تماسك ودلالة المبدع أيضاً.
ضمن هذا المنظور يقدم العالم القصصي للعجيلي الذي تعكسه المجموعات القصصية والروايات التي أشرت إلى عناوينها عناصر واحد من هذه الإمكانات التي كان يحاولها القصُّ السوري. ويمكن ضرب مثل على هذه الفرضية إحدى قصص العجيلي التي كتبها في الأربعينات، وأعني بها قصة انتقام محلول الكينا المنشورة في مجموعته القصصية بنت الساحرة.
أبطال هذه القصة طالبان في كلية الطب صديقان لا يراهما الناس إلا معاً حتى سموهما "الزوج"، وامرأة تحبهماً معاً. وإبان الامتحان الأخير، ينجح أحدهما ويضطر الآخر لإعادة السنة بسبب جواب مغلوط عن سؤال يتعلق بمحلول الكينا. كان السؤال هو التالي: "أمامك محلولان من محاليل الكينا أحدهما تعرض منذ ثمانية وأربعين ساعة إلى غبار ملوث بالجراثيم والآخر تعرض إلى ذلك الغبار منذ خمس دقائق، واضطررت إلى حقن مريضك المصاب بالملاريا بواحدٍ منهما على حاله قبل أن يتاح لك تعقيمه بالحرارة، فأيهما تفضِّل؟". كان الجواب المغلوط هو اختيار المحلول المعرض للغبار منذ خمس دقائق. إذ أن محلول الكينا قاتل للجراثيم بنفسه إذا بقيت فيه مدة معينة. إثر نتيجة هذا الامتحان إذن تفرق الصديقان وغدا الذي نجح طبيباً في قرية واستأثر بالمرأة لنفسه، في حين أن صديقه يعاني من ألم رهيب بسبب انفصاله عن صديقه وعن المرأة التي يحب أدى به في نهاية المطاف إلى الجنون. على أن الطبيب سوف يقترف في الحياة العملية نفس الخطيئة التي ارتكبها صديقه أثناء الامتحان وذلك باستخدامه محلولاً للكينا تعرض للغبار منذ وقت قريب وبحقنه لسبعة من مرضاه ماتوا جميعاً بسبب ذلك. ولسوف يؤثر موتهم فيه إلى درجة يحاول معها الانتحار، ثم يغدو مجنوناً ويدخل مستشفى الأمراض العقلية ملتحقاً برفيقه ليعودا الزوج الذي لا ينفصل. مصادفة محضة إذن هي التي جمعت بين الصديقيْن اللذين فرق بينهما رسوب أحدهما في الامتحان. غير أنها تبدو لنا كذلك. فالواقع أن المرأة التي كانت تحبهما معاً ثم استقرّت مع الطبيب تقص لنا قصة أخرى تلقي الضوء على ما سمعناه قبل قليل.  فالرسوب الذي كان نتيجة الجواب المغلوط قد تسبب به الآخر الذي همس في أذن صديقه بهذا الجواب؛ إذ لكي يختص بالمرأة لنفسه ضحّى بصديقه. لكن محلول الكينا كان هناك لكي ينتقم دافعاً الصديق لارتكاب نفس الخطأ الذي أودى به إلى الجنون مثلما أودى بصديقه من قبله.
يمكن رسم مخطط هذه القصة على النحو التالي:
1.    القاص الرئيسي هو طبيب يحكي قصة؛
2.    لقاء القاص الرئيسي بالمرأة التي كانت تحب "الزوج"؛
3.    هذا اللقاء يستثير سرد القصة الرئيسية التي كان القاص شاهداً عليها؛
4.    تغدو المرأة القاصّ الثانوي لكي توضح السبب الذي هجرت من أجله الطبيب ما إن جعلها تكتشف مسؤوليته في رسوب صديقه..
يقدِّم هذا المخطط فيما آمل ملامح العالم التخييلي لهذه القصة، لابل ولكل إنتاج العجيلي القصصي، ومن هذه الملامح:
* صدامٌ حاضرٌ دوماً وحادّ بين العقلانية واللاعقلانية؛
* اللاعقلانية بلا هوية، أي أنها  يمكن أن تكون القدر أو المجهول أو الغيب أو المخفي أو غير المفهوم؛
* يؤلف هذا الصدام شكل القصة نفسه من حيث إن العقلانية تتجسّدُ دوماً في القاص الذي يسرد الحكاية الرئيسية بطريقة يواجهنا عبرها بحدود وسائله للشرح، وهي حدود يتجاوزها القاص الثاني الذي يقودنا إلى التساؤل الكبير الخاص بالمجهول الذي يحرك هذا العالم.
ربما بدت هذه الوحدة المتماسكة التي يمثلها مبدع العجيلي للبعض مجانية أو في أحسن الأحوال لعبة مخيلة مولعة بالشاذ إذا لم نقم بإدماجها ضمن وحدة أوسع. هذه الوحدة في الواقع ما إن يتم إيضاحها حتى تحدد لنا طبيعة هذا المخفي أو غير المفهوم أو هذا المجهول. ولكي أعطيكم بعض الأمثلة، يكفي أن أستشهد لكم ببعض روائع مبدعاته، قصة فارس مدينة القنطرة، التي يبحث فيها الحاضر، أي حقبة ما بعد حرب حزيران 1967، عن ألغازه في التاريخ؛ أو مذاق النعل التي هي اتهام للحداثة عندما تولي تطوير أدوات التعذيب اهتماماً أكبر من ذلك الذي توليه لتطوير الإنسان نفسه؛ أما حكاية مجانين فإنها تخلق بواسطة تقنيتيْن قصصيتيْن: التسلسل والترصيع، جواً من الجنون الحقيقي لا يمكن تفسيره إى في ضوء ما تقدمه القصة من عناصر.
هذا الإدماج يوضح ما إن يتم القيام به طبيعة الإمكانات التي قدمها قصُّ العجيلي. فليس المقصود إذن مجرد إمكانات تقنية تجعل من المبدع قصة، وإنما توظيف هذه الإمكانات في دلالة المبدع بطريقة تصبح فيها التقنية نفسها دلالة تؤدي إلى استخلاص بنية متماسكة وذات معنى.
وجدارة العجيلي في ظني هي أنه استطاع أن يبلغ هذه الغاية. لقد قلتُ إنها ميزته وخصوصيته وإبداعيته.


mardi 30 juillet 2013



وجهاً لوجه*



بدر الدين   عرودكي  ـ  مها  حسن

البشر هم الذين يتحاورون.. لا الحضارات


اللقاء مع بدر الدين عرودكي، يعني عدة لقاءات في جلسة واحدة، فهو الرجل المتعدد الخبرات والتجارب الثقافية، حين تجلس أمامه، تحتار من أين تبدأ، كأنك أمام سلة فاكهة مثمرة وناضجة ولا تعرف بأي نوع من الفاكهة تبدأ. فعرودكي هو ذلك الرجل الذي أقام نصف حياته في الغرب، في باريس، عاصمة النور والثقافة العالمية، وفي الوقت ذاته، يقول لك": أنا عربي". هو ذلك العربي الباريسي، هو الشرقي المقيم في الغرب، أصدقاؤه من المثقفين الفرنسيين وكذلك من المثقفين العرب. بل يكاد يشبه أحياناً ذلك الميزان الذي نرى رمزه في المحاكم. وبعيداً عن صيغة المحاكمة، الأبعد عن الثقافة، إلا أن هذا الرجل، هو الميزان نفسه، الحامل لكفتين، المقيم بين الضفتين. ناقل الثقافة العربية للغرب، والعكس كذلك، ناقل ثقافة الغرب، للعرب.



                                   



بدر الدين عرودكي المولود في دمشق، والقادم إلى باريس لإنجاز مشروع الدكتوراه، حين كانت باريس في قمة تألقها، في الثمانينيات من هذا القرن، إلى أن جذبته المدينة وجذبه هاجس الثقافة العربية، ليشتغل على التعريف بها، للغربي.

بين الترجمة، وعمله في معهد العالم العربي، وكتاباته النقدية والإبداعية، نحن فعلاً أمام سلة فاكهة ثقافية.

عرودكي ناقداً وصحافياً
كتب عرودكي النقد السينمائي والمسرحي والروائي، حيث عمل في الصحف السورية منذ عام 1962. وعمل كمحرر فني، ثم كمحرر أدبي، وبدوام يومي في مجلة "الطليعة" منذ عام 1969، وكان له مقال أسبوعي في النقد الأدبي والمسرحي والسينمائي، يقول :" كتبت عن معظم التجارب المسرحية التي قدمها المسرح القومي في دمشق، وأغلب الأعمال الأدبية التي كانت تصدر في سوريا ومصر، وكنت أول من قدّم يوسف القعيد في سوريا، حين كتبتُ عن روايته"الحداد" ونشرت قصصه وكذلك قصص جمال الغيطاني ومجيد طوبيا وسواهم من الجيل الجديد في مصر آنئذ. كنت ألاحق الأعمال الأدبية وأجري مقابلات مع أدباء سوريين وعراقيين ومصريين وليبييين، وكان من المقابلات المهمة تلك التي أجريتها على سبيل المثال مع يوسف إدريس ، حنا مينه، علي الجندي، عبد الوهاب البياتي، محمد الفيتوري.. إضافة إلى المقالات النقدية التي كتبتها عن الأعمال الأدبية للجيل الجديد آنئذ، إذ كنت مثلاً أوّل من كتب عن أوّل رواية لعبد النبي حجازي أو عن أوّل مجموعة قصصية لعبد الله عبد ".
لدى عرودكي بين مئتين إلى ثلاثمائة مقال في النقد المسرحي والسينمائي. 

عرودكي مترجماً:
جاء عرودكي إلى باريس لتحضير أطروحة الدكتوراه، وذلك في نهاية سنة 1972، كان في الوقت ذاته، مراسلاً لمجلة الآداب البيروتية، يقول ضاحكاً شارحاً مفارقة الكتابة في ذلك الوقت، وصعوبة العيش الباريسي:" من أجل كتابة مقال، كان عليّ حضور معرض فني، وحضور فيلم سينمائي، وشراء كتاب، وتسديد قيمة القهوة، أربع فناجين قهوة على الأقل في مقهى باريسي لإعداد المقال، ثم أجرة إرسال المقال بريدياً، حيث لم يكن الانترنت متوفراً آنذاك، أي كنت أدفع نفقات "أدوات العمل" ضعف المبلغ الذي أحصل عليه لقاء المقال".
يضيف عرودكي مستذكراً بدايات علاقته بالترجمة:
(من الصدف ذات الدلالة أن من أوائل ما نشرته من الترجمات كانت ترجمتي لقصيدة الشاعر الفرنسي رامبو "الحدّاد". وقد اقتُرِحَ عليّ على إثر نشرها أن أعمل في مجلة "الطليعة" السورية التي نشرت بعدئذ فيها فضلاً عن المقالات النقدية ترجمة بعض الأعمال الأدبية الفرنسية مثل "الغرفة السرية" لآلان روب غرييه عميد الرواية الجديدة في فرنسا في منتصف القرن الماضي..).
من خلال مجلة الآداب، عرض سهيل إدريس على عرودكي إعداد وترجمة كتاب "الفكر العربي في معركة النهضة"، لأنور عبد الملك.  ثم تلقى من مؤنس طه حسين بناء على ترشيح "جاك بيرك" اقتراحاً لترجمة مذكرات سوزان طه حسين. يقول عرودكي :" اقترح بيرك أن يترجم الكتاب سوري وأن يراجع الترجمة مصري شيوعي لإضفاء بُعْدٍ عربي من خلال السوري ولإضفاء بُعْدٍ مستقبلي من خلال المصري على طه حسين ( بدر الدين عرودكي مع محمود أمين العالم). يضحك عرودكي وهو يذكر تعبير بيرك الأخير. ذلك أن أنيس منصور الذي كان يشرف على إدارة دار المعارف لم يكن يحبذ وجود محمود أمين العالم على غلاف كتاب يصدر عن الدار التي يشرف عليها لما بينهما من خلاف فكري وسياسي، فوضع اسم المترجم والمراجع في أسفل الصفحة الثانية من الكتاب وبحرف صغير لا يكاد يُقرأ! لكن القارئ المصري راح يبحث عن اسم من ترجم كتاب سوزان طه حسين، وهو ما سمح للجمهور المصري أن يتعرف عليّ.. وحين نشر أنيس منصور مقتطفات من الكتاب في أوّل عدد من مجلة أكتوبر التي رأس تحريرها أغفل اسمينا معاً حتى كتبت إحدى المجلات العربية: "الوحدة المصرية السورية تعود بإغفال اسمي المترجم والمراجع لكتاب سوزان طه حسين.
أسأله مجدداً عن كيفية اختياره لما يترجم، وفيما لو كان هو الذي يقترح مايرغب بترجمته، أم أنه يتلقى الطلبات من دور النشر، فيشرح لي : ( الكتاب الأخير مثلا، "الوعي والرواية"، حدثني عنه الطاهر لبيب، قال لي، هذا كتاب يهم كل من يكتب الرواية او النقد الأدبي وخاصة النقد الروائي، فقررت ترجمة الكتاب، بعد أن قرأته طبعاً. الكتاب الوحيد الذي ترجمته وفق طلب من دار النشر، كان كتاب "العدو الأمريكي: أصول النزعة الفرنسية المعادية لأمريكا"، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، ولكنني أحببت هذا الكتاب، وأجريت عند صدور الترجمة مع مؤلفه ندوة عنه في المقهى الأدبي التابع لمعهد العالم العربي. أما كتاب "روح الإرهاب" لجان بودريار مثلاً، فقد ترجمته، ونشرت منه الفصل الذي يحمل عنوان الكتاب، في أخبار الأدب في القاهرة وفي مجلة الفكر العربي المعاصر ببيروت وفي جريدة القدس العربي بلندن، وذلك قبل أن يصدر بالقاهرة في كتاب كامل يضم مجموع المقالات التي كتبها بودريار عن 11 أيلول/سبتمبر).

محطة كونديرا
يكاد يرتبط اسم كونديرا مترجماً باسم الدكتور بدر الدين عرودكي، إذ قادته ذائقته في ترجمة كونديرا، إلى اللقاء بهذا الروائي المهمّ في تاريخ الرواية المعاصرة، وإلى ترجمة أغلب أعماله.
بدأ عرودكي بترجمة فصول من كتاب "فن الرواية" ونشر تلك الفصول، على مراحل، في دمشق وبيروت:( أترجم ما يعجبني، ولا أترجم بدافع المال) يقول لي:
الفصل الأصعب كان الفصل الذي يحمل عنوان "77 كلمة"، وحكايته هي :( حين جاء كونديرا إلى فرنسا، ومن خلال أسئلة الصحافة له، اكتشف بأن هناك عيوباً في الترجمة الفرنسية لرواياته، وأنه لا علاقة للترجمة بأسلوبه. لهذا قرر وقف بيع الترجمات، لإعادة النظر في ترجمة رواياته التي كانت قد نقلت إلى الفرنسية. إثر ذلك، اقترح عليه رئيس تحرير مجلة "لو ديبا"، بيار نورا، أن يكتب بعد هذه التجربة مقالاً يذكر فيه الكلمات/المفاتيح في رواياته، فكان مقال الـ 77 كلمة، بمثابة قاموس للكلمات الجوهرية التي يستعملها، وشروحاته لها. كان من الصعب ترجمة هذا الفصل إلى العربية. فاللغة العربية اشتقاقية، بينما الفرنسية تركيبية من لغات عدّة "لاتينية، يونانية، جرمانية..".  وفي اللغة الفرنسية، يعتمد كونديرا على معاني جذور الكلمة، لكن وضع كلمة عربية تعادل الكلمة الفرنسية في جذورها أمرٌ مستحيل. وكان ذلك يمثل عقبة أمام ترجمة هذا الفصل، لكني أخيراً عزمت على مواجهة التحدي من خلال ذكر الكلمة الفرنسية مع الكلمة العربية التي اخترتها مقابلاً لها وشرح ما كان يجب شرحه من الكلمات الفرنسية في جذورها التي كان كونديرا يشير إليها، مما سمح لي أخيراً بنشر مجموع الفصول ضمن كتاب واحد. في لقائي الأول مع كونديرا قبيل نشر كتاب "فن الرواية" في الدار البيضاء، شرحت له الطريقة التي اتبعتها في ترجمة الكتاب وكيف حللت مشكلة الفصل الخاص بالكلمات السبعة والسبعين، فوافق أن أستخدم الهوامش (وقد وضعت 21 هامشاً في هذا الفصل وحده!) كما شرحت له، استثناء، نظراً لخصوصية الموضوع، على رفضه عموماً لجوء المترجم إلى الهوامش في ترجمة الأعمال الأدبية. 
                                   
عرودكي كأحد المسهمين في معهد العالم العربي
خلال إعداد رسالة الدكتوراه، عمل في المكتب الثقافي لدولة الكويت في باريس حيث سرعان ما كلف بمهام المندوب الدائم لدولة الكويت لدى اليونسكو والمستشار الثقافي بالنيابة.  ثم انتقل اعتباراً من أول كانون الأول/ديسمبر 1983، إلى العمل في معهد العالم العربي.
وقد أسند إليه رؤساء المعهد ، مختلف المهام والمسؤوليات. فقد عهد إليه رئيس المعهد في عام 1986 بيار غيدوني بمهام إدارة العلاقات الثقافية والإشراف على برنامج نشاطات افتتاح المعهد في مقره الذي كان قيد البناء والذي تم افتتاحه تحت رئاسة السيد بول كارتون للمعهد في عام 1988. وفي عام 1989، عهد إليه رئيس المعهد إدغار بيزاني بمهام إعداد وتنظيم أول معرض كبير في معهد العالم العربي عن "مصر عبر العصور" الذي استقبل أكثر من أربعمائة ألف زائر، ثم بمهام الإشراف على النشاطات الثقافية الكبرى وعلى كافة الأقسام الفنية والإدارية في المعهد. وخلال هذه الفترة نظم كبرى المعارض التي اشتهر المعهد بها مثل "سورية، ذاكرة وحضارة"، و "دولاكروا، الرحلة إلى المغرب"، و"ماتيس" و"السودان، ممالك على النيل" الذي جال في ست مدن أوربية خلال ثلاث سنوات ونشر الكتاب الخاص به في ست لغات.
أما الرئيس كميل كابانا، فقد عهد إليه في عام 1996 بمسؤولية تأسيس مكتبة معهد العالم العربي التي صارت موئل المهتمين بالثقافة العربية في فرنسا وفي أوربا. كما عهد إليه بتطوير القسم التجاري في المعهد من أجل زيادة موارده الخاصة التي بلغت نسبة 35 بالمائة من ميزانيته العامة.
وفي أيار/مايو 2007 عهد إليه الرئيس دومينيك بوديس إلى جانب مسؤولياته عن المكتبة والقسم التجاري بمهام مدير المتحف والمعارض لإعادة تنظيمها ومتابعة نشاطات المعارض الكبرى التي أنجز منها خلال السنوات الخمس الماضية عديد من المعارض منها معرض الفينيقيين، ثم معرض "بونابرت ومصر" الذي قدم تحت إشراف مديرية المتحف والمعارض الكامل في مدينة أراس بشمال فرنسا. وبهذه الصفة قام بمهام مدير المشروع الأوربي ـ أورو/ميد "قنطرة" الذي أشرف عليه معهد العالم العربي بالتعاون مع تسع دول عربية وأوربية.
وفي حزيران/يونيو 2008، عهد إليه الرئيس دومينيك بوديس بمهمة المدير العام المساعد لمعهد العالم العربي التي يمارسها منذ ذلك التاريخ إلى جانب مهامه في إدارة المتحف والمعارض والمكتبة والقسم التجاري.
بالإضافة إلى مهامه في معهد العالم العربي، عينته المديرية العامة لليونسكو عضواً في اللجنة الاستشارية للمبدعات الفنية التي انتخبته في دورتها الأولى نائباً لرئيس اللجنة وفي دورتها الثانية رئيساً لها. وكان المدير العام للهيئة المصرية العامة للكتاب، الدكتور ناصر الأنصاري، قد عينه في عام 2006 مستشاراً له، مثلما كلفه المدير العام للمركز القومي للترجمة الدكتور جابر عصفور في القاهرة في عام 2007 بمهام مستشار المركز. 

                       
                                             مع المخرج السينمائي توفيق صالح
                                   
                                                         مع الكاتب المسرحي ألبير فرج

                                  
                                                                مع يوسف إدريس 
لقاء الروائيين الفرنسيين والعرب
كان اللقاء بين عشرين روائياً وفرنسياً وعشرين روائياً عربياً في سنة 1988، والذي كان عرودكي صاحب الفكرة والمبادرة، حين اقترحها وعمل عليها مع فريق عمل اختاره بنفسه، هو أول لقاء من نوعه على مستوى الروائيين الفرنسيين والعرب. حيث اجتمع جميع هؤلاء ولمدة ثلاثة أيام، في شهر آذار من تلك السنة، حول موضوع "الإبداع الروائي اليوم"، وتبنت "المجلة الأدبية الفرنسية"، إصدار عدد خاص بمناسبة ذلك اللقاء، كان عرودكي رئيس التحرير الزائر لإنجاز ذلك العدد. من بين المشاركين، كان آلان روب غرييه، فيليب سوليزر، ديديه دو كوان،  هاني الراهب، عبد السلام العجيلي، حنامينة، جمال الغيطاني، بهاء طاهر، غالي شكري، الطاهر وطار، الياس خوري، سهيل إدريس، إميل حبيبي، فؤاد التكرلي، جبرا إبراهيم جبرا، محمد برادة...
تمت ترجمة أعمال اللقاء من قبل إبراهيم العريس، وطُبع في كتاب لدى دار الحوار في سوريا. اشتمل الكتاب على مداخلات المشاركين في الندوة والنقاشات التي حفلت بها الجلسات، وكذلك كلمتيْ الافتتاح كلمة  المدير العام لمعهد العالم العربي، وكلمة بدر الدين عرودكي.
( لم يكن الإبداع الروائي العربي معروفاً للقارئ الفرنسي، ولا للروائي الفرنسي، كانت الترجمات آنذاك قليلة، لم تتجاوز عدداً ضئيلاً من الروايات، كزقاق المدق، لنجيب محفوظ، أنا أحيا لليلى بعلبكي، الزيني بركات لجمال الغيطاني والحرام ليوسف إدريس ... لم يكن جبرا ابراهيم جبرا مُترجماً ولا حنا مينه أو هاني الراهب، لكن ذلك اللقاء كان مهماً لتعريف الروائي الفرنسي بالروائي العربي، والعكس، ولكن ما لاحظتُه خلال تلك الندوات، هو اختلاف الخطاب عن مهنة الروائي لدى كلٍّ من الطرفين. لا يمكن مثلا مقارنة طريقة حديث آلان روب غرييه، بطريقة حنا مينه، يمكن لقارئ الكتاب الذي غطّى تلك الندوات أن يلاحظ ذلك أيضاً، مثلما لاحظ كذلك كلُّ من حضر الندوة، نحن نتبيّن في الواقع إلى أي حد يعيش الكاتب الغربي في حرية شبه مطلقة، وبالتالي فلا حدود للطرق التي يعبر فيها عن نفسه، دون خوف، ودون خشية، في حين أن الكاتب العربي يبدو مكبّلاً بمجموعة من الحبال تربطه تارة إلى الدين وتارة إلى السياسة وتارة إلى النظم التي أتى منها، وبالتالي لا يستطيع أن يمارس الكتابة أو أن يستمتع بها أو أن يعبر عن نفسه وأن يعيش الحرية مثلما يحياها الكاتب الغربي).

                       
                                              مع آلان روب غرييه وماجدة الجندي
                      
                                           مع آلان روب غرييه وجمال الغيطاني
                       
                                                       مع آلان روب غرييه

يعود محاوري ليشرح أكثر حول فكرة الحرية التي تدعو أحدنا إلى المقارنة،:( ليست حرية الكتابة، إنما الخطاب ذاته، ودلالته على الشخص. مثلاً، آلان روب غرييه تحدث عن فرنسا والمجتمع الفرنسي وكأنه يقوم بعمل حفريات"أركيولوجيا"، راح يحلل الطبقات الفكرية الدفينة للمجتمع الفرنسي، ويقوم بحفريات لابد منها لفهم هذا المجتمع حتى يتمكن من الكتابة عنه، أما الكاتب العربي، فكان يتحدث عن كتابته وفق مناهج ومدارس أدبية، وليس وفقاً لتجربته هو، ووعيه الخاص. على أني أريد أن أشيد خصوصاً بإميل حبيبي، الذي يكاد يكون الوحيد الذي يتمتع بسخرية لاذعة، وكان يضرب ضربات مباشرة "ضحك"..).
لا بد من طرح السؤال التقليدي، المطروح دوماً في حالات اللقاء بمثقفين مطلعين على الثقافتين معاً، العربية والأوربية، أي السؤال عن حوار الثقافات، يجيبني د. عرودكي :
(لا وجود في نظري لما سُمِّيَ حوار الثقافات أو حوار الحضارات. كيف يمكن للحضارات أو للثقافات أن تتحاور؟ الحوار بين البشر. بين بشر ينتمون إلى ثقافات مختلفة. هذا هو الحوار. وجود مؤسسة كمعهد العالم العربي في فرنسا يعني وجود مكان للحوار، ووجود إمكانية للحوار، لو أُحسِنَ استخدامه في هذا المجال).
كروائية أيضاً، وباستمتاع كبير حول الحديث عن الرواية، وألق الاهتمام بالروائيين، في الفترة التي لم أكن قد بدأت فيها الكتابة بعد، عتبت على الدكتور عرودكي، على انحصار اهتمامه بجيل ومرحلة معينة من الكتاب، سألته عن جيلنا، عن الأجيال التالية، عن أمير تاج السر، منصورة عز الدين، سمر يزبك وبقية الأسماء الروائية التي لا يتسع المجال لذكرها جميعاً، فيردّ:
(الحقيقة أنني لم أتوقف عن متابعة ما يُنشر في البلاد العربية.. لكنها متابعة القارئ لا متابعة الناقد المحترف الذي كنته ذات يوم قبل مغادرتي دمشق إلى باريس.. الروائيون العرب الجدد، ألاحق ما يكتبونه، لا بل أشتري كتبهم، وأمني النفس بقراءتها ذات يوم.. هذا لا يعني أنني كففت عن متابعة ما يكتبه الذين سبق لي أن قرأت أعمالهم منذ البداية أو الذين كتبت عنهم.. سواء أكانوا كتاباً سوريين أو من البلدان العربية الأخرى.. لم أكف مثلاً عن متابعة ما يكتبه زكريا تامر على سبيل المثال لاسيما وأنني أعتبره أكبر كاتب للقصة القصيرة في العالم العربي اليوم.. لقد ارتبطت منذ الستينيات ولا أزال بصداقة شخصية شديدة الجمال مع زكريا تامر، (وقد أتيح لي عام 1970 ــــ وكنتُ فعلاً محظوظاً ـــــ أن أقوم صحبته وصحبة محمد الماغوط برحلة إلى ألمانيا الشرقية). زكريا تامر في تاريخنا الأدبي العربي المعاصر حدثٌ في حدِّ ذاته. منذ مجموعته القصصية الأولى، صهيل الجواد الأبيض، التي رسمت آفاق عالمه وخياله اللامحدود وسخريته العميقة النفاذة اللاذعة وحتى كتاباته اليومية في موقعه الإلكتروني، المهماز، لم يكف عن الحفر عميقاً في ثنايا مجتمعنا وثقافتنا وأيديولوجياتنا، بجرأة غير مسبوقة، وبإخلاص لفنه لا يساويه في ذلك إلا قلة نادرة من الكتاب أو الشعراء (نجيب محفوظ أو محمد الماغوط). هو ذا كاتب لم يهادن سلطة أو نظاماً، تشهد على ذلك مجموعاته القصصية المتتالية. ومع ذلك لا يزال زكريا تامر في ما أرى غير مقروء كما يجب، وغير معروف كما يستحق، إلا من نخبة من القراء العرب.. سعدت سعادة كبيرة حين احتفل المصريون قبل سنوات بتكريمه، على تأخر هذا التكريم! لكن التكريم الحقيقي هو أن يُقرأ في كل مكان من العالم العربي).
ربما يكون انهماك بدر الدين عرودكي في قراءة الأدب الغربي، بقصد متعة القراءة أولاً، ثم الاتجاه إلى ترجمة ما يروق له، كما فعل في آخر كتاب، أرسله منذ فترة إلى دار النشر، وهو كتاب"الوعي والرواية"، سبباً في تخوّف عرودكي من انحياز ذائقته، ناهيك عن ما يشبه تخصصه كمترجم في أدب كونديرا العالي، ربما شكّل هذا حاجزاً أمام قراءة الرواية العربية المعاصرة، فوقف عرودكي لدى أسماء مرحلة قديمة. مع أنه أشاد كثيراً بتجربة سلوى النعيمي، وهو من المعجبين بمجموعتها القصصية "كتاب الأسرار"، ولكنه رغم هذا يقول :( كنت أخشى ألا يعجبني الكتاب العربي، بسبب افتقاد الكتابة العربية إلى الثقافة النقدية، وكنت أعتبر نفسي محظوظاً إن راقني عمل روائي عربي). وبإشادته بكتاب سلوى النعيمي، يقول عرودكي :( هناك صفتان أساسيتان للكتاب، أولاً أنه لا ينتمي إلى مايدعى بالأدب النسائي، وأنا شخصيا أرفض هذه التصنيفات، وثانيا، هناك قصتان أو ثلاث لا يمكن لرجل أن يكتبها)

                      
                                                  مع الشاعر عبد الوهاب البياتي
عرودكي كاتباً
من بين كل تلك الأوصاف والمهام التي تشتغل عليها، ماهي الصفة التي تمثلك أكثر؟ أسأله فيقول:" لا أشعر أنني في بيتي، إلا حين أكتب". وهذه هي مشاريعه القادمة، بعد حصوله على التقاعد من العمل، سيتفرغ لإنجاز كتبه، حيث يقول أن لديه مخطوط رواية، كتبها في سن العشرين، إلا أنه أضاعها، ولكنه سيعود للكتابة الروائية والإبداعية، كما يصفها بـ"حبه الأوّل".
تجربة بدر الدين عرودكي ضخمة وثرية، وربما لايغطّيها حوار مكتوب واحد، إلا أن هذه الصفحات، بمثابة تقديم موجز لتجربة ملئية بالمحطات الهامة، واللقاءات الثقافية، والخبرات المهمة للقارئ والناقد والكاتب العربي، ربما تتاح جلسات أخرى، لإلقاء المزيد من الضوء، على تفاصيل هذه التجربة، أو ربما ننتظر ما سيكتبه عرودكي بنفسه من خلال كتبه القادمة.

جرى الحوار في بداية أيلول / سبتمبر 2012 ونشر في مجلة العربي ـ الكويت العدد 656 ـ تموز/يوليو 2013، ص 68 ـ 75

رابط العدد:

 https://alarabi.cld.bz/mjl-l-rby-l-dd-656-ywlyw/68