vendredi 13 février 2015


حين يغتني الجهل  بسوء النية!*

بدرالدين  عرودكي 

نشر السيد سليم البيك في عدد 12 شباط/فبراير 2015 من صحيفة القدس العربي مقالاً حمل عنوان "ميلان كونديرا وإسرائيل" يبدو لي أنه اعتمد فيه على مقال سابق لزميل له يُدعى حسن حميد كان قد كتبه ونشره في صحيفة "العروبة"السورية عام 2007 ثم أعاد نشره ثانية في صحيفة "الوطن" العمانية عام 2010. ذلك أنه يكرر في مقاله ما جاء في المقال الأصلي مع تغيير العنوان واختلاف الذائقة (فحسن حميد لا يعتبر كونديرا كاتباً كبيراً في حين أن سليم البيك يعتبره روائياً كبيراً)  رغم أن الهدف واحد: اتهامي بصفتي مترجم كتاب "فن الرواية" لميلان كونديرا بحذف مقطع من أحد فصول الكتاب بقرار ذاتي. يكتب سليم البيك حرفياً أن المترجم:
"تفضل على القارئ العربي وقرّر في ترجمته حذف ما بدأت به كلمة كونديرا، (...)17 سطراً في النص الفرنسي، محذوفة تماماً من الترجمة المذكورة، بمبادرة ذاتيّة من المترجم (لا الدار) حرصاً منه على سلامة آراء وقناعات القارئ كما يبدو."
لن أدخل في نقاش يبدو لي عقيما منذ البداية  حول علاقة كونديرا بإسرائيل. ما يهمني هو أن أبيّن للسيد سليم البيك أنه تسرع كثيراً في الاعتماد على مقال حسن حميد وأنه كان عليه أن يبذل بعض الجهد الشخصي كي يكتب مقالاً لا يُعرِّض كاتبه إلى الاتهام بالجهل أو بالكسل أو بسوء النية أو بكل ذلك معاً.
يعتبر السيد سليم البيك أنني حذفت بقرار ذاتي (كيف عرف أنه قرار ذاتي لو لم يكن قرأ مقال حسن حميد الذي يكرر الاتهام نفسه) مقطعاً من بداية الفصل السابع من كتاب "فن الرواية". لكنه يبدو، مثل حسن حميد، أنه لم يكلف نفسه عناء قراءة الكتاب المترجم أصلاً. إذ لو كان قد قرأه لاكتشف مثلاً أنني ترجمت المقطع الأخير من مقدمة كونديرا لكتابه الذي يقول فيه:
"في ربيع عام 1985 تلقيت جائزة القدس. وقد قرأ الأب مارسيل دوبوا من طائفة الدومينكان، والأستاذ في جامعة القدس، الثناء عليّ بالإنجليزية مع لكنة فرنسية قوية؛ وقرأت بالفرنسية مع لكنة تشيكية قوية خطاب الشكر عالماً أنه سيؤلف الجزء الأخير من هذا الكتاب والنقطة الأخيرة لتأملاتي حول الرواية وأوربا. لم يكن يسعني قراءته في جوٍّ أكثر أوربية، وأكثر حرارة، وأكثر حميمية. "
وهو المقطع الذي يشير إلى المقال ذي المقطع "المحذوف"!
لم ينتبه الرقيب السوري إلى هذا المقطع في بداية كتاب "فن الرواية" لأنه لم يجد فيه  اسم "إسرائيل". لكن بوسع أي قارئ لترجمة الكتاب (ولو قرأه سليم البيك بالفعل لكان بوسعه هو الآخر) أن ينتبه إلى أن شيئاً ما قد حذف في المقال المشار إليه في نهاية المقدمة المذكورة. وأنه لو كان الحذف قراراً ذاتياً كما زعم اعتماداً على زعم حسن حميد لكنتُ قمت بحذف هذا المقطع أيضاً من مقدمة الكتاب. من الذي حذف إذن؟ من الواضح أن سليم البيك شأنه في ذلك شأن حسن حميد يعتبر لأسباب أجهلها تماماً أن الرقيب السوري بريء من ذلك تماماً (فقد قرأ في مقال هذا الأخير ما يفيد أن الرقابة لم تكن مسؤولة عن الحذف!) ومن ثم فمن الأسلم لهما اتهامي بما قام به هذا الرقيب.
لكنَّ الأدهى من ذلك أن سليم البيك يصر على إبراز جهله أو سوء نيته أو كلاهما معاً حين يتحدث عن طبعة أخرى للكتاب مؤكداً اتهامه بحذفي للمقطع الذي قام (بعد اطلاعه على النص الفرنسي طبعاً!) بترجمته في مقاله. سوى أن السيد سليم البيك يتسرّع كثيراً مثل زميله الذي ينقل عنه دون أن يبذل أي جهد، حتى في تغطية جهله: فالمقطع الذي حذفه الرقيب السوري في الطبعة السورية عام 1999 موجود بكامله في كلٍّ من الطبعة الثانية لترجمتي التي صدرت في الدار البيضاء عام 2001 عن دار أفريقيا الشرق، والطبعة الثالثة التي صدرت في السنة ذاتها عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة هذه المرة، ثم في تلك التي صدرت مع الطبعة الرابعة ضمن كتاب اشتمل على كتب كونديرا الثلاثة في فن الرواية (فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار) وحمل عنوان "ثلاثية حول الرواية" عن المركز القومي للترجمة عام 2007 . لا بل إن جهل سليم البيك بما يكتب عنه يصل به إلى أن يتحدث عن هذه الطبعة الأخيرة للكتب الثلاثة دون أن يكلف نفسه عناء التحقيق ولا التمحيص أو حتى الاطلاع على محتواها. فهو يكتب أن كتاب "فن الرواية الصادر عن «دار الأهالي» في دمشق بترجمة من بدر الدين عرودكي، ثمّ، مُزيداً عليه نصوصاً أخرى من كتابين منفصلين ونقديين آخرين لكونديرا، صدر للمترجم نفسه «ثلاثية حول الرواية» عن «المشروع القومي للترجمة». من الملاحظ أن أن السيد سليم البيك لم يطلع على محتوى الكتاب المشار إليه لأنه لا يتضمن كتاب فن الرواية وقد زدتُ عليه "نصوصاً أخرى من كتابيْن منفصليْن ونقديين آخرين لكونديرا" كما يزعم، بل يتضمن ثلاثة كتب منفصلة ذات عناوين مختلفة ترجمتها بكاملها ونشرتها ضمن كتاب واحد باقتراح من كونديرا نفسه كما أشرت في مقدمتي للترجمة.
يترجم السيد سليم البيك المقطع "المحذوف" على النحو التالي:
«إن كانت الجائزة الأهم التي تمنحها إسرائيل مكرّسة للأدب العالمي، فلا يُعدّ ذلك صدفة، إنّما يعود لتراث طويل. إنّها الشخصيات اليهودية الرفيعة التي، بإبعادها عن أرضها الأصليّة وتعاليها على المشاعر القوميّة، أبدت دائماً حساسيّة استثنائية تجاه أوروبا ما فوق القوميّات، أوروبا المعرَّفة ليس كأراضٍ بل كثقافة. إن كان اليهود، حتى بعدما أُحبطوا بشكل تراجيدي من قبل أوروبا، قد بقوا مخلصين رغم ذلك لهذه العالميّة (الكوزموبوليتية) الأوروبية، فإنّ إسرائيل، مكانهم الصغير الذي وجدوه أخيراً، تبرز أمام عينيّ كالقلب الحقيقي لأوروبا، قلب غريب موضوع في ما بعد الأجساد. أستقبل اليوم بمشاعر جياشة هذه الجائزة التي تحمل اسم جيروسالم ودمغةَ هذه الروح الكبيرة العالميّة اليهودية".
وها هي ترجمتي التي تضمنتها طبعات فن الرواية كلها باستثناء الطبعة السورية:
"إذا كانت أهمّ جائزة تمنحها إسرائيل مخصصة للأدب العالمي فليس ذلك فيما يبدو لي وليد الصدفة بل نتيجة سنّة راسخة. إذ الواقع أن الشخصيّات اليهودية الكبرى التي نشأت بعيدة عن موطنها الأصلي في بيئة تتعالى على الأهواء القومية عبّرت دوماً عن حساسية استثنائية من أجل أوربا تتعالى على القوميات. أوربا يتمُّ تصوّرها لا كأرض بل كثقافة. وإذا كان اليهود قد ظلوا حتى بعد خيبتهم المأساوية من أوربا مخلصين لهذه الكوسموبوليتية الأوربية، فإنَّ إسرائيل، وطنهم الصغير الذي عثروا عليه أخيراً، تنبثق في نظري بوصفها قلب أوربا الحقيقي، قلبٌ غريبٌ وُضِعَ في ما وراء الجسد."
لا أرى حاجة إلى أن أناقش سليم البيك في الطريقة التي اعتمدها لكتابة المقال كي يسوِّقه للقارئ: التعلق بالشماعة الإسرائيلية.. ولن أناقشه في حبه أو كرهه لكونديرا، ولا في رضاه أو عدم رضاه عن احتفال الصحافة بكونديرا وكتاباته.. ولا كذلك في حبه أو عدم حبه لرواية كونديرا الأخيرة.. لكني، بمعزل عن ذلك كله، أرى ضرورة تذكيره بضرورة القراءة قبل الكتابة، وبضرورة التمحيص والتدقيق قبل الحكم، وبأهمية العناء في البحث والتوثيق قبل إصدار الأحكام على عواهنها. ولا بأس من أن يقرأ جيداً ما يُكتب قبل أن يسارع إلى التفسير أو التأويل. سيكفيه لو فعل عناء حمل وزر أخطاء الآخرين، وسيحميه من الاتهام بالجهل أو بسوء النية أو بكليهما معاً.. لو أنه فعل..
ذلك أنه لو فعل لما كتب ما كتبه، ولما أصدر الأحكام التي لم يملك بعد حتى المعارف التي كانت ستردّه عن إطلاقها كما فعل.. لو فعل!

* نشر في صحيفة القدس العربي،  13 شباط/فبراير 2015


http://www.alquds.co.uk/?p=295359

يجد القارئ فيما يلي رابط مقال السيد سليم البيك  بتاريخ 2015/02/12  ورابط تعقيبه  المنشور بتاريخ  2015/02/18 (وقد نشرت هنا على التتالي نص السيد سليم البيك والتعقيب وكذلك نص السيد حسن حميد الذي يستند إليه أدناه  مع ردّي على هذا الأخير):

http://www.alquds.co.uk/?p=294832

http://www.alquds.co.uk/?p=297953

ورابط مقال السيد حسن حميد:
أما ردّي عل مقال حسن حميد فهو منشور في هذه المدونة. انظر:

http://badreddinearodaky.blogspot.fr/2013/05/25-2007-26-2010_20.html

حسين العودات:
نشرت (دار الأهالي) بدمشق عام 1999 كتاب (فن الرواية) من تأليف (ميلان كونديرا) وترجمة الدكتور بدر الدين عرودكي، وقد حذف الرقيب في وزارة الإعلام المقطع الأول من الفصل السابع، وذهبنا، الدكتور عرودكي وأنا، وقابلنا الرقيب، وحاولنا إقناعه بعدم جدوى حذف هذا المقطع ، خاصة في زمن تفجر الاتصال، لكنه لم يقتنع وأعاد الكتاب بعد يومين مع الحذف المشار إليه، وأود أن أؤكد أن دار الأهالي لم تحذف شيئاً من المخطوط، كما أن الدكتور عرودكي ترجمه وقدمه بلا حذف، وأن الحذف من عمل الرقيب. وفي الحالات كلها لايتجاوز الحذف مقطعاً واحداً، دون أن ينتبه الرقيب إلى الإشارة لما حذفه في المقدمة.

(كتب الأستاذ حسين العودات هذه الشهادة تعليقاً على رابط هذا المقال على صفحتي في الفيسبوك تأكيداً لما تضمنه الردّ أعلاه وتكذيباً لمزاعم حسن حميد وسليم البيك حول قيامي بحذف المقطع الأول من الفصل السابع "بقرار ذاتي"!)

وجدير بالذكر أن حسن حميد كان قد اتهم في مقاله (المشار إليه والمنشور هنا) المترجمَ بحذف الفصل السابع من كتاب "فن الرواية" بأكمله. لكن سليم البيك لم يكن أول من اعتمد على هذا المقال في اتهام المترجم نفسه بالحذف، بل سبقه إلى ذلك صحفية عمانية (السيدة نوف السعيدي) نشرت بتاريخ 19 حزيران/يونيو 2014 مقالاً تحت عنوان "حِيَل المترجم" وجهت للمترجم التهمة نفسها معتمدة صراحة هذه المرة على مقال حسن حميد. لكنها خلافاً  لسليم البيك قامت في الأسبوع التالي وبعد أن تلقت ملاحظاتي التي طلبت نشرها بالاعتذار وبتصحيح ما جاء في مقالها من خلال نشرها للملاحظات كلها ضمن مقالتها التي حملت عنوان "عودة إلى حيَل المترجم" المنشور في الصحيفة نفسها بتاريخ 25 حزيران/يونيو 2014. ويجد القارئ نصّ كلٍّ من هذيْن المقاليْن بعد مقال حسن حميد وردي عليه مع رابط كلٍّ من المقالين أدناه:


 


 
 
 

ميلان كونديرا وإسرائيل

سليم البيك


هنالك أكثر من باعث لموضوع هذه الأسطر الآن، أوّلها صدور الترجمة العربية لروايته الأخيرة «حفلة التفاهة» (دار المركز الثقافي العربي) أواخر العام الماضي، أي في العام ذاته الذي صدرت فيه الرواية بالفرنسية (دار غاليمار)، اللغة التي كُتبت بها، في احتفاء استثنائي بالكاتب التشيكي يندر أن يحظى بمثله كاتب أجنبيّ آخر. ثانيهما هو أنّ الجائزة الإسرائيلية التي مُنحت لكونديرا عام 1985، جائزة جيروسالم، وألقى بمناسبتها كلمة هي موضوع هذه الأسطر، إنّها تُمنح هذه الأيام لكاتب آخر هو إسماعيل كاداريه، وقد كتبتُ في ذلك قبل أسبوعين. ثالثهما هو الاحتفاء الصحافي الدائم بكونديرا، وتحديداً مؤخّراً في أخبار ومقالات تتناول الترجمة الصادرة قبل أشهر قليلة، احتفاء يُضاف إلى احتفاء دور النشر بكل جديد له فيتسابقون لنشره ويتنازعون في ما بينهم بأسبقيّة حقوق الترجمة والنشر. أما آخر البواعث فهو ما وجدته مؤخّراً في كتاب «فن الرواية» بالفرنسية، في آخر محتوياته، وهي الكلمة التي ألقاها أثناء استلامه للجائزة.
يتكوّن الكتاب من نصوص نقدية وحوارين وهذه الكلمة، أمّا سبب احتواء الكتاب على كلمة هذه الجائزة دون غيرها من الجوائز، وقد حاز كونديرا العديد منها وتفوق في أهميّتها، فلا إجابة لدي. الغاية هنا هي توضيح رأي ميلان كونديرا بدولة إسرائيل، وهو ما يجهله العديد من العرب لسبب يُلام عليه المترجمون إلى العربية، مترجمون يعتمد على ما يترجمونه لا القرّاء فحسب، بل الفاعلون في المجال الثقافي، كتّابا وصحافيّين، يثقون بالمترجمين ثقة المرضى بالأطبّاء، تلك الثقة التسليميّة.
في عام 1985، قبل انتفاضة الحجارة بعامين، في وقت كان لمنظمة التحرير الفلسطينية حضور قويّ في أوروبا كممثل للقضية الفلسطينية، قبِل الكاتب التشيكي الجائزة وألقى كلمة في القدس، قلت «قبِل» وليس «مُنح» لأنّها المفردة التي تتعامل بها «حتى» الصحافة الإسرائيلية في ما يخص الجائزة، وكأنّ احتمال رفضها حاضر دائماً.
تبدأ الكلمة كالتالي: «إن كانت الجائزة الأهم التي تمنحها إسرائيل مكرّسة للأدب العالمي، فلا يُعدّ ذلك صدفة، إنّما يعود لتراث طويل. إنّها الشخصيات اليهودية الرفيعة التي، بإبعادها عن أرضها الأصليّة وتعاليها على المشاعر القوميّة، أبدت دائماً حساسيّة استثنائية تجاه أوروبا ما فوق القوميّات، أوروبا المعرَّفة ليس كأراضٍ بل كثقافة. إن كان اليهود، حتى بعدما أُحبطوا بشكل تراجيدي من قبل أوروبا، قد بقوا مخلصين رغم ذلك لهذه العالميّة (الكوزموبوليتية) الأوروبية، فإنّ إسرائيل، مكانهم الصغير الذي وجدوه أخيراً، تبرز أمام عينيّ كالقلب الحقيقي لأوروبا، قلب غريب موضوع في ما بعد الأجساد. أستقبل اليوم بمشاعر جياشة هذه الجائزة التي تحمل اسم جيروسالم ودمغةَ هذه الروح الكبيرة العالميّة اليهوديّة».
يلي ذلك سرد جيّد عن الرواية وأوروبا، عن أهميّة الرواية في طبع معالم الأزمنة مقابل الفلسفة، عن تحديّات الرواية التي يقول بأنّها صدى ضحكات الرب، مقابل الروايات المبتذلة التي تسعى لإضحاك الجميع وطوال الوقت. سرد نقدي يستكمل به باقي محتويات الكتاب، لكن من دون أن يخلو من فكرة الربط بين إسرائيل وأوروبا من جهة، وبين الرواية التي يقول إنها خلق أوروبي بامتياز (كما إسرائيل تماماً)، وأوروبا من جهة ثانية. فكلاهما في قلب الروح الأوروبية، ودائماً ثقافياً.
هذه الكلمات القليلة التي كتبها كونديرا في إسرائيل، «المكان الذي وجدوه أخيراً»، و «الأرض الأصليّة التي أُبعدوا عنها»، تفي في تبيان رؤية الكاتب لدولة الاحتلال، وهي رؤية لا تنم عن «الجهل»، فلا مجال لذلك، بل عن تواطؤ مع أدبيّات الاحتلال الصهيونية التي جاء على أساسها إلى فلسطين. وهي، فوق ذلك، «حفلة تفاهة» من «كائن لا تُحتمل خفّته» (بالإذن من كونديرا نفسه) حين يصف إسرائيل بأنها «تتعإلى على المشاعر القوميّة»، وهي التي ما تزال تقاتل بعد سبعة وستين عاماً على قيامها من أجل دولة يهوديّة محدّدة الديانة والقوميّة.
ما يزال صاحب «الهوية» الاسمَ المفضّل لدى كل من الصحافة ودور النشر العربية، في وقت لا تمرّ فيه جائزة نوبل إلا ونقرأ ونسمع كثيراً عن الجهل بصاحب الجائزة (ما يدعو لاستنكار منحه إياها: من هو أصلاً؟)، وعن عدم توفّر ترجمات عربيّة لكتبه أو، إن توفّرت، قد لا تزيد عن الثلاثة مقابل ما يزيد عن ثلاثين عملا له (باتريك موديانو مثلاً – نوبل 2014)، وتمتلئ الصحافة العربية بمقالات تشي بغرابة الإحساس بأن الاسم (وتالياً أعماله) جديد ولا بدّ، على الأقل، أن يُطبع بشكله الصحيح في المقالة، وغيرها من التخبّطات التي تُلام عليها أوّلاً المؤسسات والدور الراعية للترجمات، أمّا المترجمون أنفسهم، فحكاية أخرى.
ترجم الكتاب إلى العربية، «فن الرواية» الصادر عن «دار الأهالي» في دمشق بترجمة من بدر الدين عرودكي، ثمّ، مُزيداً عليه نصوصاً أخرى من كتابين منفصلين ونقديين آخرين لكونديرا، صدر للمترجم نفسه «ثلاثية حول الرواية» عن «المشروع القومي للترجمة» في القاهرة. لكن المترجم تفضّل على القارئ العربي وقرّر في ترجمته حذف ما بدأت به كلمة كونديرا، وكانت المقدّمة التي ترجمتُها أعلاه، 17 سطراً في النص الفرنسي، محذوفة تماماً من الترجمة المذكورة، بمبادرة ذاتيّة من المترجم (لا الدار) حرصاً منه على سلامة آراء وقناعات القارئ كما يبدو.
عرفت أن ترجمة أخرى للكتاب صدرت عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، من دون أن أتمكّن من التأكّد تماماً إن اتُّخذ قرار الحجب «الأخلاقي» كذلك أم أنّ النص نُقل بأمانة، لكن عموماً، الاحتفاء العربي الدائم والمبالغ فيه بكونديرا، مقابل جهل شبه تام بآخرين كثر، لا يشي بإدراك قارئ العربية لرأي كونديرا بإسرائيل كما طُرح في المقدّمة.
ليست المسألة هنا في ما يكتبه كونديرا. فشخصياً، يعجبني ما يكتبه وأقرأ له بين فترة وأخرى، وللكاتب قرّاء عرب كثر، أو قل «نادي معجبين»، قد يغلب بهم مجايليه من الكتّاب العالميّين، معجبون لا يتركون مناسبة سنويّة لجائزة نوبل للأدب تمرّ من دون إكرام الكاتب بتمنيّاتهم له بنيلها، مستكملين مواسم الاحتفاء الصحافي به. ظاهرة تكوُّم ثقافية لا يكون الرد عليها بأن اذهبوا واقرأوا بغير العربية. مشكلتنا ليست مع روائي كبير ككونديرا، كبير بأدبه أقصد، بل مع مترجمين صغار، صغار بترجماتهم طبعاً، يطبعون بترجماتٍ مريضة وقاصرة صوراً وقناعات وأذواق واهتمامات لمتلقّين ولفاعلين في المجال الثقافي، مريضة وقاصرة كالترجمات.

كاتب فلسطيني ـ باريس

نشر في صحيفة القدس العربي، 12 شباط/فبراير 2015

 

 
بعد نشر مقالتي "حين يغتني الجهل بسوء النية" كتب السيد سليم البيك تعقيباً على مقاله السابق لا مصححاً ما جاء فيه بل ردّاً على ماكتبته. ولو أنه أراد أن يفند وأن يثبت خطأ ما أوردته من معلومات لاختلف الأمر. لكنه يصر على أن الجهل الذي وصفته به مجرد افتراض متجاهلاً، هذه المرة،  أن استخدام صفة الجهل في مقالتي كان مرفقاً دوماً بسندٍ/برهان من مقالته. تجاهل كل هذا، مثلما تجاهل أيضاً ترجمته التقريبية للمقطع الذي أورده في مقاله الأول  والذي وضعت ترجمتي له الموجودة في طبعات الكتاب المختلفة.
لهذا لم أرَ في هذا التعقيب الذي أثبته فيما يلي ما يستحق ردّاً، تاركاً للقارئ أن يحكم بنفسه.
 
تعقيب بخصوص مقالتي «ميلان كونديرا وإسرائيل
سليم البيك
18 شباط/فبراير 2015
 
كيف لأحد أن يجد الثقة في كتابة مقالة تُلخَّص في أنّ آخَر لم يقرأ كتاباً بعينه قبل الإشارة إليه في مقالة أو أنّه كتب مقالة في اتكاء على غيرها حصراً! يمكن للسيد بدر الدين عرودكي في ردّه المتوتّر على مقالتي، التخفّف من الثقة في ما قرأته وما لم أقرأه، كي يجمع قدراً أكبر من المصداقية في ما كتبه. لستُ هنا لأردّ على أحد، لكن لأعقّب باقتضاب على بعض الافتراضات الخاطئة للسيد عرودكي، بدون الإشارة بطبيعة الحال للإساءات اللفظية في مقالته، فهي تحوي ردودَها في ذاتها. أتى ردّه على مقالة لي بعنوان «ميلان كونديرا وإسرائيل» المنشورة على هذه الصفحات في الثاني عشر من هذا الشهر.
لم تكن مقالتي عن ترجمة السيد عرودكي لكتاب كونديرا، بل عن الرأي العربي السائد في كونديرا، منتقلاً من ذلك إلى مسؤوليات الترجمات والمترجمين في ذلك، وهو ما سميته بتزييف الإدراك في ترجمات ناقصة. لكن رداً كهذا من المترجم اضطرني لهذا التعقيب، متجنّباً فيه الغايات التفريغية والتصارخ الثقافوي. وهنيئاً للمترجم إشارتي له في المقالة السابقة وفي هذه، وأنا مدرك تماماً بأني ها هنا، أساهم معه في حرف مقالتي تلك عن موضوعها وتثبيت اللقطة على المترجم.
يبدأ السيد عرودكي مقالته بانتقاد ما كتبه حسن حميد ومحمَّلاً بانتقاداته تلك يُقارب مقالتي مستسهلاً، بالربط القسري بينهما، إعادة تدويرها ملقياً إياها على ما كتبتُه، فيما يظنّه توفيقاً، بانياً انتقاداته على مسلّمة أني قرأت مقالة حميد واتكأت عليها، قابضاً بشدّة على هذا الربط.
في مقالته التي نعتتني (أنا وليس ما كتبت) بـ «الجهل» ستّ مرّات مبتدئاً بالعنوان (نعم، تكلّفتُ بعدّها)، يقول بأنّي «لم يكلف نفسه عناء قراءة الكتاب المترجم أصلاً»، ثمّ مكرّراً بأني لم أقرأها مضيفاً على «جهلي» «سوءَ نيّتي». الخبر السيئ السريع هو أنّني قرأتها، أمّا الأسوأ فهو أنّها متاحة على الإنترنت، وفي «غوغل» روابط عدّة لتحميل الكتاب وقراءته، ثمّ يؤكّد السيد عرودكي بأنّ الرقيب السوري هو من حذف المقدّمة التي انتقدتُ حذفها في مقالتي، مبرئاً نفسه.
لكنه يشير كذلك إلى أنّ المقدّمة حضرت في ترجمة أخرى ظهرت بعد طبعة «دار الأهالي» السورية بسنتين (2001). سؤالي هو إن كان بالإمكان نشر الترجمة مع المقدّمة خارج سورية لمَ يتم نشرها ناقصة في سورية؟ لكنني سأتجاوز ذلك وأقبل افتراض المترجم بأن الرقيب السوري من حذفها، لا هو كمترجم.
قلتُ سأقبل افتراضه في أن الحذف أتى من الرقيب، لا بمبادرة من المترجم يعرف بحكم الخبرة ما يمكن تقديمه وما يجب حذفه في حياة يحكمها نظام الأسد. هنا أنتقل إلى مسؤولية المترجم الذي تجاوب مع حذف الرقابة السورية للمقدمة، والذي لم يسحب ترجمته ليبحث عن ناشر آخر، المترجم هنا لم يصرّ على أمانة ما يقدّمه للقارئ العربي، وهو يدرك مسؤولية ذلك في تزييف إدراك القارئ واهتماماته، فيخرج الكتاب أخيراً حسب اقتراح الرقيب (اقتراح بمعنى الإلزام) بحذف مقدّمته، ويصل الكتاب للقارئ ناقصاً، وهذا نتاج ثقافي يتحمّل مسؤوليته المترجم أولاً كونه صاحب النتاج الصادر باسمه، المترجم الذي يتراوح تجاوبه مع الرقيب (أيّ رقيب) بين الخضوع والتواطؤ في أسوأ الحالات. هذا وما زلت متوافقاً مع المترجم في قوله بأنّ الرقيب كان خارجياً وليس ذاتياً.
أمّا الإشارة إلى أنّني، «لأسباب أجهلها تماماً» يقول، ودائماً متّكئاً في انتقاده لي على انتقاده لحسن حميد، أوحي بأن «الرقيب السوري بريء من ذلك تماماً.. ومن ثم فمن الأسلم لهما اتهامي (أي اتهام المترجم) بما قام به هذا الرقيب»، فلست بوارد التعقيب عليه، وهو تحوير للموضوع ليس في صالح السيد عرودكي، أولاً للتسييس التسطيحي لموضوع ثقافي جاد، وثانياً لموقفي الواضح من النظام والمعبَّر عنه في مقالات عديدة.
كان للسيد عرودكي ما أراد وصار المقال المكتوب عن رأي كونديرا بإسرائيل وجهل كثير من العرب بذلك وبالتالي مسؤولية الترجمات العربية القاصرة ومنها ما ترجمه، صار مقالاً عن ترجمته حصراً، وصار له أن عقّبت على بعض ما كتبه في ردّه، هنيئاً. وليسمح لي تجاوزي لإساءاته اللفظية.
كان النقاش أفيدَ لو أنه خلا من ألفاظ ليس هذا مكانها، ولو أنه خلا من افتراضات وتخمينات خاطئة تُبنى عليها مقالة كاملة (ما قرأت وما لم أقرأ)، ولو أنه خلا من ربط مجحف بين كاتبيْن يتم توسّل أحدهما للهجوم على آخر، ولا يخفي الآخر (الذي هو أنا) مقته للأوّل، ليس هذا رداً بل تعقيباً يردّ عن مقالتي «ميلان كونديرا وإسرائيل» ما أُلقي عليها من براميل غير موجّهة، تُرمى كيفما اتّفق.
 نشر في صحيفة القدس العربي بتاريخ 18 شباط/فبراير 2015
\
 
 
 

 

الرد على مقال حسن حميد المثبت تالياً
 

"مغامرة الشرّ" والأشرار

بدرالدين عرودكي


وقعت خلال الأيام الأخيرة بطريق الصدفة المحضة وبفضل النت على مقال كان الكاتب الفلسطيني حسن حميد قد نشره في 25 أيلول/سبتمبر 2007 في صحيفة العروبة التي تصدر عن مؤسسة الوحدة السورية، ثم أعاد نشره في صحيفة الوطن العمانية بعد ثلاث سنوات وشهرين من نشره للمرة الأولى، أي في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2010. ولست أدري إن كان قد سبق نشر المقال من قبل. فبين سنة نشر الكتاب الذي يتحدث عنه 1999 و نشر المقال موضوع الحديث هنا 2007 ثماني سنوات كاملةّ. لهذا التفصيل دلالة ستتم العودة إلها فيما بعد.
يحمل المقال عنوان ميلان كونديرا ومغامرة الشر. دفعني وجود اسم ميلان كونديرا في العنوان إلى قراءته، لكني فوجئت أن ترجمتي لكتاب فن الرواية هي موضوع المقال. على أن المفاجأة الأكبر تمثلت فيما انطوى عليه من مغالطات واعية لا ريب في قصديتها ولا كذلك في سذاجتها.  
يحدثنا حسن حميد بقدر ملحوظ من "الأستذة" عن الآراء التي أبداها في روايات كونديرا المترجمة إلى العربية بعد أن أثاره الاهتمام "غير العادي بأدبه وحياته من قبل دور النشر العربية، والمترجمين العرب.. وأخيراً لقراء العرب". وهي آراء يملك والحق يقال كأي قارئ الحرية في أن يبديها (لكننا كنا نود أن يقولها ببساطة بوصفها آراءً شخصية لا أحكاماً مطلقة وقاطعة لا تقبل الاستئناف). خلاصة هذه الآراء قناعة وصل إليها مفادها أن "كتابته ـ أي كونديرا ـ  متوسطة الشأن، وأن موهبته لا تقارن بمواهب فحول الأدب الكبار".. صحيح أنني لم أقرأ ما يشبه هذا الرأي لا من قريب ولا من بعيد في كلِّ ما كتب بصددها في البلدان أو الثقافات التي ترجمت إليها كتب كونديرا، ومن ثمَّ فلن أستفيض فيما فصله الكاتب لتبرير قناعته. كل ما يمكن الإشارة إليه في ما يخصها، إن كان لابد من ذلك، أنها تكشف مستوى معارفه شديد السطحية عن فن الرواية الغربي عموماً وعن تجلياته الحقيقية لاسيما حين يسمح لنفسه أن يتحدث عن "الإملال" "بسبب الاستغراق في التفصيلات التي لا تقود المرء إلى انقياد نضوج العمل" أو عن "الالتصاق بالأفكار التي تعيق تقدم السرد من جهة وتقضي على جمالية الأدب من جهة ثانية". ليخلص إلى القول إن "الأدب شيء والفلسفة شيء آخر"..
كل ذلك ليعبر عن دهشته من تسابق الناشرين والمترجمين إلى ترجمة ونشر أعمال كونديرا حتى وصل بهم الأمر، كما يقول، إلى "ترجمة مقالاته ومحاضراته ومواقفه وآرائه" وكان "أن صدر مؤخراً كتاب لكونديرا عنوانه فن الرواية" معتبراً أن العنوان "مغر"، وأنه "بمنزلة (المصيدة) للقارئ والكاتب معاً".
من الواضح أن حسن حميد لم يقع "في المصيدة"! لاسيما وأن مناقشة الموضوعات التي يتناولها كونديرا في كتابه حول فن الرواية ليست همّه،  كما أنَّ قول رأيه في الترجمة أو في أهمية الكتاب أو عدم أهميته ليس مما يستثير قريحته؛ همّه أمرٌ آخر تماماً. لذلك من الضروري تجاوز ما جاء به من هذر لا طائل من ورائه في مقدمة مقالته من أجل الدخول في صلب ما يريد أن يجرّم المترجم به، أي ما يريد أن يجرّمني به في الحقيقة.
يجهل حسن حميد، بادئ ذي بدء، كما يبدو تماماً أن خمسة من فصول كتاب فن الرواية سبق أن نشرت في الثمانينيات وفي التسعينيات في دوريات ثقافية بدمشق وبيروت (مجلة المعرفة ومجلة الفكر العربي المعاصر). كما يتضح سوء نيته وتجاهله لوضع الرقابة على الكتب في سورية من زعمه أن "فصلاً كاملاً حُذِفَ من الكتاب في الترجمة التي أصدرتها دار الأهالي بدمشق"، وأنه سأل الناشر فأكد له أنه لم يحذف شيئاً.
كيف اكتشف ذلك؟
 يعتمد حسن حميد على ترجمة أخرى للكتاب نشرتها منشورات شرقيات بالقاهرة وجد فيها ما بدا له وجود فصل ناقص في الترجمة المنشورة بدمشق. من الواضح أنه لم يقرأ الترجمة الأخيرة برمتها ولا سيما مقدمة الكتاب التي ترجمتها بكاملها والمنشورة فيه والتي يتحدث فيها كونديرا عن فصول الكتاب السبعة بما فيها الفصل الأخير الذي يحمل عنوان خطاب القدس: الرواية وأوربا. يقول كونديرا في هذا المقطع الأخير ما يلي:
" في ربيع عام 1985 تلقيت جائزة القدس. وقد قرأ الأب مارسيل دوبوا من طائفة الدومينكان، والأستاذ في جامعة القدس، الثناء عليّ بالإنجليزية مع لكنة فرنسية قوية؛ وقرأت بالفرنسية مع لكنة تشيكية قوية خطاب الشكر[1] عالماً أنه سيؤلف الجزء الأخير من هذا الكتاب والنقطة الأخيرة لتأملاتي حول الرواية وأوربا. لم يكن يسعني قراءته في جوٍّ أكثر أوربية، وأكثر حرارة، وأكثر حميمية."
لم يقرأ حسن حميد هذه المقدمة التي يقول فيها كونديرا بصراحة ووضوح تلقيه جائزة القدس وأنه جعل من خطاب الشكر حول الرواية وأوربا خاتمة فصول كتابه. وبما أنه لم ينتبه إلى معنى قول الناشر له إنه نشر الكتاب الذي قدمه المترجم، وذلك صحيح تمام الصحة، فقد كان عليه أن يستنتج على الأقل (وكان بوسعه أن يستفهم عن الأمر لو أنه قرأ مقدمة الكتاب المشار إليها) أن الرقابة في وزارة الإعلام السورية هي التي حذفت، وليس الناشر بالطبع، حذفت لا الفصل كله بل المقطع الأول من العنوان، أي خطاب القدس، والمقطع الأول من الفصل، الذي يجرّمه حسن حميد. للتوضيح إذن: الفصل موجود، وهو الفصل السابع من الكتاب، لكنه مشوّه بفعل مقص الرقيب الذي طال العنوان والمقطع الأول، ومن حسن الحظ أنه لم ينتبه للإشارة إلى هذا الفصل في المقدمة بعنوانه الكامل والذي بقي على حاله. (ولقد قمت برفقة الناشر الصديق حسين العودات بزيارة الرقيب في وزارة الإعلام لأحاول إقناعه السماح بنشر نصِّ الترجمة كما هو، وأذكر أنني حدثته عن عقم الرقابة في عصر الأنترنت ولم تكن بعد معروفة في سورية آنئذ، والفاكس، .. إلخ.) لكن ذلك، كما هو واضح، لم يؤدِّ إلى شيء..
الأسوأ من كل هذا على ما فيه من قصور وتسرع وسذاجة، هو الكذب. ذلك أن السيد حسن حميد يستعين بترجمة أخرى للكتاب صدرت في مصر (وهي ترجمة عن اللغة الإنجليزية لا عن الفرنسية التي كتب بها الكتاب) ليزعم أن الفصل موجود في الكتاب ويتخذ مما يزعم وجوده في النص ليقول لنا بالحرف الواحد ما يلي:
"تقول المقالة التي جاءت في إصدار دار شرقيات (ترجمة أحمد عمر شاهين) إن اليهود تعرضوا للعدوان في بلدهم الأصلي (إسرائيل) ولذلك نفوا مرغمين إلى خارج وطنهم، وأنهم تعالوا على جروحهم وهم في منافيهم في أوربا، فأبدوا حضارة الشخصية اليهودية التي فاضت على الشخصية الأوروبية فولّدت فيها شرارة الحضارة التي نمت وترعرعت في أوربا بفضل العبقرية اليهودية، وقد عمل اليهود من أجل أوروبا بعيداً عن المشاعر القومية التي جمعتهم، أي أنهم لم يعملوا من أجل أنفسهم هم وإنما عملوا من أجل أوروبا؛ من أجل تحضيرها، ومع ذلك خذلتهم أوربا مرات ومرات على نحو مأساوي وعدواني وعنصري، فما كان أمامهم إلا أن جمعوا أنفسهم وعادوا إلى وطنهم الصغير (إسرائيل) الذي استعيد بالقوةِ، والروحِ الحضارية وعلى دفعات بشرية وزمنية في آن معاً. ومنذ الخروج اليهودي من أوربا وهذه القارة الكبيرة تعيش جسداً بلا قلب لأن قلبها هو (إسرائيل) والشعب اليهودي الذي يسكنها، ويقول كونديرا، الذي يبدو كما لو أنه زار الكيان الصهيوني، بالحرف الواحد: إنه فوجئ بأن (إسرائيل) تشكل قلب أوروبا الحقيقي، قلب خاص مزروع خارج الجسد!"
أما النص الذي يزعم حسن حميد تلخيصه "بلغته هو لا بلغة الكاتب" والذي حذفه الرقيب السوري فهو التالي:
"إذا كانت أهم جائزة تمنحها إسرائيل مخصصة للأدب العالمي فليس ذلك فيما يبدو لي وليد الصدفة بل نتيجة سنة راسخة. إذ الواقع أن الشخصيات اليهودية الكبرى التي نشأت بعيدة عن موطنها الأصلي في بيئة تتعالى على الأهواء القومية عبرت دائماً عن حساسية استثنائية من أجل أوربا تتعالى على القوميات. أوربا يتم تصورها لا كأرض بل كثقافة. وإذا كان اليهود قد ظلوا حتى بعد خيبتهم المأساوية من أوربا مخلصين لهذه الكوسموبوليتية الأوربية، فإن إسرائيل، وطنهم الصغير الذي عثروا عليه أخيراً ينبثق في نظري بوصفه قلب أوربا الحقيقي، قلب غريب وُضِعَ فيما وراء الجسد"
ولقد تمَّ نشرُ هذا المقطع الذي حذفته الرقابة السورية في طبعات ترجمتي المتتالية، بالدار البيضاء (دار أفريقيا الشرق) ثم بالقاهرة أولاً (المجلس الأعلى للثقافة) ثم  في الطبعة الجامعة لكتب كونديرا الثلاثة (المركز القومي للترجمة).
من الواضح أن السيد حسن حميد لا يقرأ. ويبدو إذا قرأ أنه لا يفهم. لكنه عندما لا يقرأ ولا يفهم يلجأ إلى الكتابة التي ترضي من لا يريد ردّ المشكلة إليه، أعني الرقيب. يطلب إلينا في خاتمة مقاله وهو يشكو لنا حيرته في أمره بسبب "التباين والاختلاف والرضا عن كل مايسوقه الغرب"، أن "من الواجب علينا نحن العرب في حقل الترجمة أن ننقل ما يتوافق وأهدافنا وغاياتنا النبيلة" وأنه إن "كان المكتوب لا يتوافق معها أن نبين أسباب هذا النقل وتوجهاته"...
من حسن حظ الثقافة العربية الكلاسيكية أنها لم تحظ بمترجمين يطبقون ما يدعو إليه حسن حميد. ولا كذلك الثقافة العربية الراهنة.
لا أدري إن كان حسن حميد قد نشر هذا المقال قبل عام 2007 كما أشرت في البداية. ذلك أنه خلال زيارته باريس عام 2005  سألني عن الموضوع نفسه وأوضحت له الأمر كما شرحته في السطور السابقة. لكنه مع ذلك بادر إلى نشر المقال ثانية وثالثة. من الواضح أن همه لا ينصرف إلى تجريم الرقابة السورية. وكيف يفعل وهو جزء من منظومتها؟


[1]  وقد قام جان دانييل بنشره في اليوم ذاته في النوفيل أوبزرفاتور.




ميلان كونديرا ومغامرة في الشر!

حسن حميد

ـ 1 ـ
كنتُ قبل حين من الزمان، قد كتبتُ عن الكاتب ميلان كونديرا بعد أن لاحظت اهتماماً غير عادي بأدبه، وحياته من قبل دور النشر العربية، والمترجمين العرب، وأخيراً.. القراء العرب، قلت آنذاك لابدّ أن وراء هذا الرجل إبداعاً بحجم إبداع سارتر أوكامو باعتبار أن كونديرا يتمتع بكل الحقوق الفرنسية لأنه يحمل الجنسية الفرنسية!! قرأت الرجل في (البطء، والمزحة، وغراميات الضحك والنسيان، وخفة الكائن التي لا تحتمل أو غير المحتملة، والحياة في مكان آخر)، وقلت رأيي، آنذاك، بكل عمل من هذه الأعمال على حدة، وقد توصلت إلى قناعة أن كتابته متوسطة الشأن، وأن موهبته لا تقارن بمواهب فحول الأدب الكبار، بل إن كتابته عموماً تميل إلى أمرين أساسيين هما: الإملال، بسبب الاستغراق في التفصيلات التي لا تقود المرء إلى انقياد نضوج العمل، والأمر الثاني: الالتصاق بالأفكار التي تعيق تقدم السرد من جهة، وتقضي على جمالية الأدب من جهة ثانية خصوصاً في عمله (الحياة في مكان آخر) الذي هو أشبه بمقالات فكرية ـ فلسفية ليس إلا! وأنا هنا لا أقلل من شأن الفلسفة، وإنما أقول الأدب شيء، والفلسفة شيء آخر. لقد رأيتُ، ورأى القراء، أن الصحافة الأدبية العربية أفردت لكونديرا صفحات عديدة، ودورية، إلى درجة أن جميع أعمال كونديرا الأدبية المطبوعة ترجمت، بل إن السؤال الملحاح لأصحاب دور النشر العربية ما يزال يرن كجرس فقد توازنه والذي فحواه أين باقي أعمال كونديرا؟ إلى أن وصلت الأمور بهم إلى التسابق على ترجمة مقالاته ومحاضراته ومواقفه وآرائه التي صرّح بها للصحافة، فكان أن صدر مؤخراً كتاب لكونديرا عنوانه (فن الرواية)، وهو عنوان مغرٍ، لاسيما وأن الرواية في أيامنا الراهنة مرغوبة، ويبحث عنها القراء والروائيون العرب معاً، وعنوان كهذا (فن الرواية) هو بمنزلة (المصيدة) للقارئ والكاتب معاً؛ الكتاب صدر في إصدارين الأول: عن دار الأهالي بدمشق تحت العنوان نفسه (فن الرواية) هو من ترجمة الدكتور بدر الدين عرودكي، والثاني: عن دار شرقيات بالقاهرة من ترجمة الكاتب أحمد عمر شاهين، والكتاب في الإصدارين يشتمل على مقالات وحوارات لكونديرا، لكن المفارقة أن فصلاً كاملاً حذف من الكتاب في الترجمة التي أصدرتها دار الأهالي بدمشق، وقد سألت الصديق الكاتب حسين العودات إن كان تمَّ حذف أي فصل من الفصول التي قدّمها الدكتور عرودكي فقال لم نحذف شيئاً، ونحذف لماذا؟! لقد طبعنا الكتاب ونشرناه كما قدّمه مترجمه الدكتور عرودكي، والفصل المحذوف عنوانه (خطاب القدس) وهو مقالة كتبها ميلان كونديرا بمناسبة فوزه بجائزة القدس التي يمنحها الكيان الصهيوني لكتّاب وأدباء يرى فيهم المناصرة لقضاياه وأهدافه، والمقالة لا تقول في أية سنة حاز كونديرا على الجائزة، وما إذا كان زار الكيان الصهيوني، أو أنه أرسل كلمته للقائمين على أمور الجائزة، وعندي أن كل هذا ليس مهماً، المهم حقيقةً هو ما جاء في هذا الخطاب من أفكار وآراء تجاه اليهود والكيان الصهيوني والدور الحضاري الفاعل لليهود في العالم.

ـ 2 ـ
تقول المقالة التي جاءت في إصدار دار شرقيات (ترجمة أحمد عمر شاهين) إن اليهود تعرضوا للعدوان في بلدهم الأصلي (إسرائيل) ولذلك نفوا مرغمين إلى خارج وطنهم، وأنهم تعالوا على جروحهم وهم في منافيهم في أوربا، فأبدوا حضارة الشخصية اليهودية التي فاضت على الشخصية الأوروبية فولّدت فيها شرارة الحضارة التي نمت وترعرعت في أوربا بفضل العبقرية اليهودية، وقد عمل اليهود من أجل أوروبا بعيداً عن المشاعر القومية التي جمعتهم، أي أنهم لم يعملوا من أجل أنفسهم هم وإنما عملوا من أجل أوروبا؛ من أجل تحضيرها، ومع ذلك خذلتهم أوربا مرات ومرات على نحو مأساوي وعدواني وعنصري، فما كان أمامهم إلا أن جمعوا أنفسهم وعادوا إلى وطنهم الصغير (إسرائيل) الذي استعيد بالقوةِ، والروحِ الحضارية وعلى دفعات بشرية وزمنية في آن معاً. ومنذ الخروج اليهودي من أوربا وهذه القارة الكبيرة تعيش جسداً بلا قلب لأن قلبها هو (إسرائيل) والشعب اليهودي الذي يسكنها، ويقول كونديرا، الذي يبدو كما لو أنه زار الكيان الصهيوني، بالحرف الواحد: إنه فوجئ بأن (إسرائيل) تشكل قلب أوروبا الحقيقي، قلب خاص مزروع خارج الجسد!
هذا جزء من المقالة أو الخطاب الذي جاء تحت عنوان (خطاب القدس) الذي لم يترجم أو يشتمل عليه الإصدار الذي جاء تحت عنوان (فن الرواية) من ترجمة الدكتور بدر الدين عرودكي الذي صدر بدمشق عن دار الأهالي، بينما إصدار القاهرة اشتمل عليه، وإنني هنا أتساءل لماذا لم نقف على كلية الكتاب؟! وهل قام الدكتور عرودكي بالتخفف من هذا الفصل لما فيه من أذى لمشاعرنا، أم أن الكتاب الأصلي لم يحتو على هذا الفصل؟! وإذا كان الأمر كذلك فمن أين ترى جاء أحمد عمر شاهين بهذا الفصل وجعله في صلب الكتاب المترجم في القاهرة؟! ترى، بعد هذا، سنظل أسرى لأهواء ورغائب المترجمين العرب؟! وهل سنظل إلى ما شاء الله من أزمان نأخذ الحقائق كجرعات الدواء قطرة قطرة؟! لماذا لا نتصارح، ولماذا لا نوّصف المصاعب والعوائق، والتوجهات التي حكمت مثل هذه الترجمة إن وجدت؟! ولماذا لا يقولون إنهم أسقطوا كذا وكذا من الحساب لأن غاياته كذا وكذا، وإنهم أضافوا ما أضافوا لأسباب هي أولاً، وثانياً.. الخ؟! ترى ألا يمارس بعض المترجمين العرب، بمثل هذا الفعل، نوعاً جديداً مركباً من التجهيل الذي ما عاد مقبولاً في أزماننا هذه؟!
ترى، لو سمعنا ميلان كونديرا، نحن العرب، نقول عن كتابه هذا توصيفاً: إنه جيد، فماذا سيقول عنا؟! ألا يعيد قولة (دايان): إننا شعب لا يقرأ!!
ـ 3 ـ
إنني حقاً، في حيرتي من أمري، وانا أرى حال الترجمة العربية على هذا النحو من التباين والاختلاف، والرضا عن كل ما يسوقه الغرب. والمثال الذي بين أيدينا هو كونديرا، الذي من حقه أن يقول عن بني جنسه اليهود ما يشاء مدحاً وإطناباً في المديح، ومن حقه أن يذم الاشتراكية والشيوعية لأنه انشق عنها، ومن حقه أن يلوم (تشيكا) الوطن الذي رباه وعاش فيه لأسباب هو أدرى بها، ولكن الواجب علينا نحن العرب، في حقل الترجمة أن ننقل ما يتوافق وأهدافنا، وغاياتنا النبيلة، وإن كان المكتوب لا يتوافق معها أي نبين أسباب هذا النقل وتوجهاته، لا أن نترك الأمور على (حل شعرها)، ومدعاة لكل خبط عشواء أو تأويل خاطئ.
ولا أريد أن أقول إن بعض المترجمين العرب ذاقوا (رمانة إيروس) فأصيبوا بحب أوربا، وللحب شؤونه وعوالمه، ما أريد قوله حقيقةً هو أن الحب، في أكثر الأحيان، مغامرة في الشر!


hasan hamid50@ yahoo.com


حيل المترجم***

نوف السعيدي


"العلم كله نور، ومثله مثل الشمس، لا وطن لها ولا جنسية". هذا ما قاله الناقد السعودي عبدالله الغذامي في أحد لقاءاته حين سُئل سؤالًا مستفزا بشأن الدور العربي في الحركة النقدية، وأضاف: "التاريخ كله يثبت أن من يقول بهذه العقد (يعني النظر إلى الفكر من منظور قومي أو عرقي) لا يتقدم أبدا"؛ فالتقدم الحضاري يحدد بمدى انفتاح حضارة ما على الحضارات الأخرى، وأخذها بما قدمه السابقون، وإكمال عملية البناء للوصول إلى "ما لم يستطعه الأوائلُ". لقد ظلَّت الحضارة العربية الإسلامية مُشعَّة بما أشعلت به من حطب حضارات الشرق والغرب، لكنها ما إن قررت الانغلاق. ماتت!
لقد شكلت الترجمة رعبا للخلفاء والسلاطين، فمن بعد مرحلة ازدهارها في عهد المأمون -كما هو معلوم- أقيمتْ لها في عهود من خلفوه المحارق (بالمعنى المادي والمجازي)، فهي إما أحرقت حقيقة، أو أنه تم تكفير المعلم لها والمتعلم بها، وبالأخص علوم الفلسفة والمنطق. وليس أدل على ذلك مما جاء على لسان ابن تيمية: "ما أظن الله يغفل عن المأمون، ولابد له أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها"، وبالفعل فقد توقفت بعد ذلك مشاريع الترجمة حتى إنه -والكلام لطرابيشي- لم يترجم كتاب واحد جديد إلى العربية، نقلا عن أي لغة حضارية متداولة في ذلك العصر على امتداد الحقبة الممتدة ما بين القرن الخامس والقرن الثاني عشر للهجرة.
ويأتي هذا الخوف من الانفتاح على علوم الآخر من بابين:
1- الخوف من المعرفة نفسها، وما يشكله العقل المدرك -العارف- الواعي من تهديد لسلطة المتسلط. فكان لابد للسلطة السياسية أن تعزز العزلة والإنغلاق ليسهل عليها السيطرة على الشعب. وهو أمر لا يزال يمارس بشكل أو بآخر في أرجاء الوطن العربي.
2- الخوف من أن يدخل على قيم الدولة العربية، ما ليس منها، وما لا يتوافق دينيا واجتماعيا مع سيرة أهلها. في الواقع ليس السبب الثاني إلا وجها آخر للسبب الأول؛ إذا كنا نعد السلطة الدينية وسيلة في يد الساسة، لكن -وحتى لا ندخل في متاهات تخرجنا عن موضوعنا الأساسي- سنتناول البعدين بشكل مستقل.
ويبدو أن المترجم العربي قد ورث هذه المخاوف -الاجتماعي منها على الأقل- فتعزَّزت لديه رقابة ذاتية تعطيه الصلاحيات بأن يقرر ما يترجمه، وما لا يترجمه، دون أن ينوه لموضع (القص)، أو يبين أسبابه، متجاوزا بذلك دوره في أن يكون وسيطا محايدا لنقل المعرفة، ويتخذ دور الموجه، مُعطيا لنفسه الصلاحيات ليقرر -عن القارئ نفسه- الغث من السمين، وما علينا كقراء إلا أن نرضى مستسلمين بما يقدمه من أطباق لموائدنا الجائعة.
ويبدو أن مشكلة الثقة بين السلطة والشعب، تسربت (من خلال الحفر غير المباشر لسنوات في العقلية العربية) لتصبح في ضمير كل صاحب سلطة (مهما كانت حدودها ضيقة). فمن قطع القنوات المعرفية بجميع أشكالها (إغلاق المواقع، منع الكتب...إلخ) على الصعيد الرسمي، وعلى الصعيد غير الرسمي كذلك!
ونسوق هنا مثالين فاجعين لحيل المترجم، التي يُمارسها تكرما منه حفاظا على الهوية، ومنعا لأي تشويه يمسها! ويتمثل الأول بإخفاء بعض الحقائق المرة حفاظا على مشاعر القارئ العربي! ففي ترجمة لأحد الكتب وهو كتاب "فن الرواية" للروائي ميلان كونديرا خرجت دارا نشر بترجمتين مختلفتين، ففيما ظهر الكتاب كاملا في ترجمة أمل منصور عن دار الآداب، سقط بفعل الترجمة (وهي ترجمة الدكتور بدر الدين عرودكي الذي صدر بدمشق عن دار الأهالي)، ولا يبدو أنه سقط سهوا فصل كامل كان عبارة عن مقال كتبه كونديرا بمناسبة فوزه بجائزة القدس، وهي جائزة اسرائيلية تمنح للكتاب الذين يبدون مناصرة لقضايا اليهود.
والسؤال: لماذا أقدم المترجم على ذلك؟ سنفترض جدلا أننا نوافق (ولا أظن أن معظمنا يفعل، أو يهمه الأمر حتى) المترجم في الشعور بالاستياء من اكتشافنا أن كاتبنا المحبوب يقف في الطرف الآخر، والذي شاءت الصدفة الجغرافية (وربما أكثر من مجرد الصدفة الجغرافية بقليل) ألا نكون على وفاق معه. أقول حتى لو كان الأمر كذلك، وكنا نصر على ألا نفتح أي ثغرة (فنية أو رياضية) للسلام، أليس من المفترض أن نكون على اطلاع بتوجهاته؟
المثال الآخر بخصوص الترجمة؛ هو: ترجمة الرسوم المتحركة؛ فلأسباب أخلاقية -ولنضع تحت أخلاقية خطا أحمر- يتم تحريف محتوى المادة بما يتناسب وقيم المجتمع، فيصبح الحبيب (مثلا) أخا! وتبدو مهمة الإصلاح (التحريف) صعبة أمام كم الأحداث التي يجب إما حذفها -ونحن هنا لا نعني ذلك النوع من الحذف/القطع الذي لا يؤثر في سياق العمل، ولا يغير رسالته الأصلية إذ لا ضرر من ذلك- أو إعادة صياغتها بما يتلاءم ومبتغى المترجمين، وأمام الشخوص الذين يجب إعادة ترتيب علاقاتهم بما لا يشكل تهديدا لقيم الأطفال، أو بما لا يلفت انتباههم لأمور لم تكن بالبال -كما يرى المترجم- لكن للأسف فالمتابع لنتيجة هذه الجهود يجد أن المتبقي مجموعة من العلاقات الإنسانية المشوهة، والحقائق المغلوطة التي تنتقل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى المتابعين من الفئات العمرية الدنيا، ما لم يكونوا من الذكاء بما يمكنهم من اكتشاف حيلة المترجم.

------------------------

هوامش:
* جورج طرابيشي: "هرطقات عن الديمقراطية والعولمة والحداثة والممانعة العربية"، دار الساقي، الطبعة الأولى 2006، ص52.
* المصدر السابق: ص 57.
* كل ما يرد هنا بشأن خبر الترجمة مصدره مقال لحسن حميد، نُشر في ملحق "أشرعة"، التابع لجريدة "الوطن"، بتاريخ 9 سبتمبر 2010م.


 ***  نشر في صحيفة "الرؤية" العمانية بتاريخ 19 حزيران/يونيو 2014.
 

عودة إلى "حيل المترجم"*

نوف السعيدي


كتبت في الأسبوع الماضي مقالاً بعنوان "حيل المترجم" يمكن لمن يهمه الأمر العودة إلى المقال في موقع جريدة الرؤية الإلكتروني. كان من ضمن الأمثلة التي ضربها المقال حول تطاول المترجمين في بعض الحالات على النص الأصلي، وتنصيب أنفسهم كأوصياء عوضاً عن القيام بدورهم كوسطاء لنقل المعرفة - أقول إنّه كان من بين الأمثلة حذف المترجم بدر الدين عرودكي، حيث كان هذا نص المقال:
"في ترجمة لأحد الكتب وهو كتاب "فن الرواية"([1])* للروائي ميلان كونديرا خرجت دارا نشر بترجمتين ختلفتين، ففيما ظهر الكتاب كاملاً في ترجمة أمل منصور عن دار الآداب، سقط بفعل الترجمة (وهي ترجمة الدكتور بدر الدين عرودكي الذي صدر بدمشق عن دار الأهالي) ولا يبدو أنّه سقط سهوًا - فصل كامل كان عبارة عن مقال كتبه كونديرا بمناسبة فوزه بجائزة القدس، وهي جائزة إسرائيلية تمنح للكتاب الذين يبدون مناصرة لقضايا اليهود".
وكان حديثي مبنياً على مقال نشره الكاتب الفلسطيني حسن حميد في أشرعة، وقد تمّت الإشارة إلى المصدر في هامش المقال. عمومًا فقد تواصل المترجم معي بعد نشر المقال، وأوضح أنّه يحوي بعض المغالطات. لذلك أجدني ملزمة بالاعتذار لبدر الدين عرودكي، وسأستعرض في السطور القليلة القادمة ملاحظاته التي أنقلها نصًا من رسالته:
1. ترجمت كتاب "فن الرواية" خلال ثمانينيات القرن الماضي ونشرت عدداً من فصوله في مجلة "المعرفة" السورية وفي مجلة "الفكر العربي المعاصر" اللبنانية.
2. نشرت الترجمة كاملة لأوّل مرة لدى دار الأهالي مع الفصل الذي يزعم المقال أنّه قد حذف! إذ إنّ هذا الفصل الذي يذكره المقال مذكور في فهرس الكتاب الذي ترجمته وكذلك في مقدمته كما إنّه منشور في آخر الكتاب تحت عنوان "الرواية وأوربا" مثلما هو منشور في الطبعة الفرنسية. كل ما في الأمر أن الرقيب السوري هو الذي حذف المقطع الأول من المقال ووضع مكانه علامة: (...) لا المترجم!
3. إذ بعد هذه الطبعة التي نشرتها دار الأهالي، صدرت طبعة كاملة عن دار أفريقيا الشرق بالدار البيضاء في المغرب عام 2001، ثم صدرت طبعة ثالثة عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 2001 وأخيرًا صدر الكتاب في طبعة رابعة ضمن مجلد بـ 561 صفحة تحت عنوان "ثلاثية حول الرواية" احتوى ترجمتي لكتب كونديرا الثلاثة: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار، عن المشروع القومي للترجمة عام 2007. أما الفصل الذي نسب إليّ حذفه زوراً وبهتاناً في الطبعة الأولى السورية فهو منشور بكامله في هذه الطبعات جميعاً وكان بوسع حسن حميد عندما كتب مقاله عام 2010، والكاتبة في مقالها المنشور مؤخراً الاطلاع على كل هذه الطبعات التي نشر آخرها عام 2007، أي قبل سبع سنوات وذلك للتثبت من أن شيئاً لم يحذف من الكتاب وأن المقطع الذي حذفه الرقيب السوري موجود كما هو بترجمته الكاملة!.
وبرسالة المترجم السابقة يتّضح أنّ المشكلة الأساسية قد لا تكون مع المترجمين بقدر ما هي مع الرقيب الذي يأبى إلا أن يكون له القرار فيما نتناوله من معارف.
وهنا لا يمكننا إلا أن نستعيد السؤال الأزلي حول علاقة الفنون بالسياسة. وهل عليها أن تكون وسيلة إنسانية لتقريب الشعوب بغض النظر عن الخلفية السياسية؟ أم على الفن والأدب والرياضة أن تكون وسيلة تعبير سياسي؟ وتسجيل موقف علني حين لا يكون باليد حيلة للتعبير سوى هذه الطريقة؟.
كلها أسئلة لا يتسع لها هذا المقال، الذي كتب على عجل كتنويه لمقال الأسبوع الماضي.

[1]كل ما يرد هنا بشأن خبر الترجمة مصدره مقال لحسن حميد نشر في ملحق أشرعة التابع لجريدة الوطن بتاريخ 9 سبتمبر 2010م.


 * نشر في صحيفة "الرؤية" العمانية  بتاريخ 25 حزيران/يونيو 2014.



 

 



 

mercredi 14 janvier 2015


شارلي  إيبدو" والعدد المُرتَقب: اختبار الجمهورية


عيسى مخلوف    بدرالدين عرودكي     سلام كواكبي

 
.

المصدر: "النهار"

13 كانون الثاني 2015 الساعة 20:23

قد يُموَّه ويل المجزرة التي أصابت "شارلي إيبدو" حين تتوجَّه الأنظار بكثافةٍ مُفرطَة نحو المُنتَظر في عدد الأربعاء كأنه عمق الحدث. تحضر حاجةٌ الى تفحُّص الحسّ التهكُّمي أو التثبُّت من كسْرِ جذوته، ومن طبيعة الأبصار أن تُصوَّب على العدد الأول بعد المذبحة. لن تنكفئ المجلّة المفجوعة عن ضخّ الرسائل وسيتضمّن صدر غلافها نبي الإسلام محمد متبنياً شعار "أنا شارلي". توحّد العالم شعوباً وحكومات حيال رفض كمّ الأفواه بالقتل، وقدَّمت باريس نموذجاً تاريخياً في عظمة الوحدة. تحيل كاريكاتورية النبي ضمن غلاف العدد، رغم دماءٍ أُريقَت، على سؤالٍ عن احتمال تزعزع المشهد الوحدوي الذي لفّ فرنسا. نسأل الكاتب والشاعر اللبناني عيسى مخلوف، والكاتب والمترجم السوري بدرالدين عرودكي ونائب مدير "مبادرة الإصلاح العربي" الباحث السوري سلام الكواكبي قراءةً في عزم المجلّة على عدم الإذعان للتهديد، هم المقيمون في باريس المُتمسِّكة بالحرية قيمةً لا تردعها مخاوف ولا تضبطها سماء.

لا تُسأَل فرنسا عن المساومة على حرّيتها
 


قَصَد عيسى مخلوف السوق عازماً على حجز نسخته من عدد الغد، إذ بلَغَه أنّ بعضهم يُسارِع الى ذلك تحسُّباً لنفاد المتوافَر. يفضّل عدم التهوُّر في إبداء رأي قائم على صورة، أو المُباشَرة في تفسير النيات قبل اطلاعٍ على الافتتاحية وما يتضمّنه العدد. تُصدِر "شارلي إيبدو" الأربعاء 3 ملايين نسخة بنحو 16 لغة حول العالم. ليس من قبيل الإحاطة الموضوعية بالحدث قراءته وفق الظاهر من صورة الغلاف. لمخلوف هذا الرأي، يُرفقه بشرحٍ عن دقة الموقف والحذر السائد. أمامنا عددٌ مُختَزلٌ بصورة، فنسأله قراءةً في الدلالات. يسترجع دعوة المسيح الى التسامح: "اغفر لهم يا أبتاه..."، ليقول أنّ المُراد من رسم الرسول تسامحٌ مشابه. "مرة أخرى، يتوقف الأمر على مطالعة الإفتتاحية والمضمون. تصعب الإحاطة التامة بالنيات: هل القصد استفزاز أم انتقام أم تسامح. في فرنسا حرية تعبير مطلقة لا تستثني مقامات أو مناصب. وثمة أيضاً مسألة الإسلام السياسي في وجهيه المعتدل وما نشهده اليوم من تكفيرٍ يتمدد. إنني لو سُئلت رأياً في هذا الشأن لأجبتُ بتفضيل عدم الإشارة الى ما يمتّ للإسلام والمسلمين وسط هذا التشنّج الطافح. لكنّ فرنسا لا تُسأَل أي تنازلات. قد تطرح أميركا جدلاً حول "المسّ بالمقدّسات". في فرنسا الجميع أحرار. هرَعَ الملايين الى الشارع الأحد رافضين المساومة على الحق في الرأي. ما قد يدعو الى التوجُّس إمكان قيام بعض المتطرّفين بسلوكٍ تخريبي ضد ما يعتبرونه "تدنيساً" أوردته المجلّة. يغذّون اليمين المتطرّف وفي مزعمهم أنّهم ينتصرون للحق. نعم، إننا في وضعٍ حَرِج. أشبه بمَن يسير وسط ألغام توشك في كلّ حين على الانفجار".

"الثأر المبطّن" ودحض إظهار النبي بالضرورة

يقطع بدرالدين عرودكي الطريق الى الجزم بأنّ المُتصدِّر غلاف عدد الأربعاء هو بالضرورة النبي. "لا أدري إن كانت صورة النبي كما تقول وسائل الإعلام. إنها صورة رجل معمَّم يحمل ما حمله المتظاهرون إثر مجزرة 7 كانون الثاني: "أنا شارلي"، تعبيراً عن تضامن واستنكار. أرى في الغلاف محاولة ذكية للتمييز ما بين القتلة والمسلمين". يرفض قولاً بأنّ "المجلة تعود". إنها "تتابع ظهورها الأسبوعي الدائم. الفارق أنها تطبع 3 ملايين نسخة، وذلك يتيح لها فرصة التنفس بسبب مصاعبها المالية المتراكمة".

ماذا عن احتمال "ثأر مبطّن" تصوّبه المجلّة الى محاولي إسكاتها عبر عدم التردد في رسم الرسول؟ يقدّم لهذه الفرضية دحضاً حاسماً: "لم نشهد في التظاهرات التي عمت فرنسا دعوة الى الثأر من المسلمين. ثمة وعي مذهل لدى مَن خرجوا في شوارع باريس والمدن الفرنسية الأخرى بضرورة التمييز ما بين القتلة والمسلمين. وهذا دليلٌ الى تفوّق قيم شعب واعٍ مثقّف حضاري وسياسي بامتياز". يستثني اليمين المتطرف الذي يردّ علل فرنسا إلى اللاجئين من العرب والمسلمين. "ثمة بعض السياسيين الفرنسيين من اليمين الذي راح يزايد في قضية اللاجئين على اليمين المتطرّف، كالتصريح الذي أدلى به نيكولا ساركوزي بضرورة السيطرة على مسألة اللاجئين وتدفقهم على فرنسا، متجاهلاً أن قتلة صحافيي "شارلي إيبدو" فرنسيون نشأوا في فرنسا. المشكلة تكمن هنا: كيف حدث أنّ من ارتكب هذه الجريمة يحمل الهوية الفرنسية؟ كيف حدث أنه ليس لاجئاً؟ لماذا يذهب فرنسيون إلى القتال في سوريا؟ كان أولى بالمسؤولين الفرنسيين أن يطرحوا أولاً هذا السؤال".

نعود الى صورة الغلاف وما يحوطها من تأويلات. يُبقي عرودكي على التشكيك بلاهوية الرسم: "لماذا تكون صورة النبي لا صورة ترمز إلى المسلم عموماً؟ هل لدى أحدٍ صورة للنبي؟ ثم أين ملامح الثأر المبطَّن؟ هل الصورة وما كتب عليها ردّ الصاع؟ من ناحيتي، وقد أكون سيئ الفهم، لم أر ذلك".

العجز حيال قراءة أعمق من الأولى

تبدو واردة السخرية من مقاربةٍ تُشبِّه السلوك الفرنسي إزاء المِحن بسلوك بلدان العالم الثالث العازمة على الانتقام بالمِثل. "في مجتمع القيم، لا مكان للاقتصاص بهذا الشكل"، ينقل سلام الكواكبي مزاجاً ولدّته العِشرة. يستعيد شارْب الساخر منذ تسعينات القرن الماضي من همجية البنية الصهيونية، والآتي حينها على موقف صريح من الصراع العربي- الإسرائيلي لمصلحة القضية. يؤكد حضوراً راسخاً للسخرية في الثقافة الفرنسية، "وهي إذ لُمِحَت في الثقافية العربية الإسلامية بكثرة في مرحلة خلت، فإنها أذعنت للأفول إزاء طغيان الاستبداد والتصحُّر الفكري. بات بعض العرب يقرأ الرسوم الساخرة بدرجتها الأولى من غير بحثٍ في الخلفية". نستطردُ، كما دائماً، ثم نستدرك العودة الى الصُلب. هل يُرخي غلاف "شارلي" إمكان اهتزاز مشهد الوحدة الذي نالته المجلّة وسط حال دهشة أبهرت العالم؟ يقدّم الكواكبي قراءة قوامها النيات الطيّبة: "النبي في الرسم يتضامن مع الضحايا كما المفروض من حامل الرسالة السموية. يذرف عليهم الدمع ويُظهِر تجاههم الصفح. ثمة عبارة تقول: "كلّ شيء مُسامَح". إنها رسالة محبة الى المسلمين، لا المتعصّبين. ثم يأتيكَ غير مطلّعٍ على ماهية الفن الكاريكاتوري قائلاً: النبي مشهور بوسامته وجماله، فكيف تُبشّعه "شارلي"؟ لم يفقه هؤلاء أنّ الكاريكاتور ليس موناليزا دافنشي، والفنان صاحب الريشة يصنع رسماً من فكاهة. تولّت المجلّة استهزاءً لم يرحم أحداً. يتمسّك الفرنسيون بالحرية والعدالة أقَرَأوا "شارلي" أم اتهموها بالمبالغة والإساءة. خرجوا بالملايين يقولون: مسلمين، مسيحيين، يهوداً، كفاراً، ملحدين... كلّنا شارلي، في مشهدٍ لم يلتئم منذ الحرب العالمية الثانية".

تأكيدٌ آخر بأنّ فرنسا لا تساوِم: "لا شأن لفرنسا كدولة في ما يحدث على صفحات "شارلي". لا تسمح ولا تمنع ولا تفرض أي رسم. هذا خيار الضحايا بالتعبير عما حصل". نسأله احتمال أن تشكّل "عودة" المجلّة برسمٍ للنبي "صدمة" في الداخل الفرنسي أو ارهاص امتعاض؟ يجزم نافياً: "لا شيء يصدم الشريحة الكبرى من النخبة الفرنسية الثقافية. أما بعض المتعصّبين، فسيُصدَمون. ذلك مُتوقَّع إذ الغالبية تقرأ الرسم الكاريكاتوري بدرجته الأولى. أرادت "شارلي" أن تقول كلمتها: نحن مستمرون. نحن أحياء لا نموت".

 
 

 

mardi 13 janvier 2015


حول مجزرة شارلي إبدو *

بدرالدين عرودكي

 

قبل كل شيء ودفعاً لكل سوء فهم أو تفاهم، يجب توصيف ما حدث صباح السابع من يناير 2015 بباريس وفي مقر مجلة شارلي إبدو الإسبوعية.
بإيجاز شديد: ما حدث عبارة عن مجزرة تم خلالها قتل مجموعة من الصحفيين الفرنسيين يمثلون حرية التعبير في أبلغ معانيها بل وكذلك في حدودها القصوى قام بها مجرمان بالمعنى الجنائي والاجتماعي والثقافي لهذه الكلمة وهما يزعمان الانتقام للنبي بسبب الصور الكاريكاتيرية التي سبق لهذه المجلة أن نشرتها.
ولابد فوق ذلك من التوضيح أيضاً أن هذه المجلة لمن لا يعرفها مجلة ساخرة، وقد طالت سخريتها وبصورة سليطة وغير مسبوقة، السياسيين جميعاً يميناً ووسطاً ويساراً، والمستبدين جميعاً، وكافة الرموز الدينية، على اختلاف مرجعياتها، في استخداماتها المعاصرة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتجارة السياسية العاهرة والبعيدة كلّ البعد عن الإيمان الروحاني. قد نختلف معها في بعض أو كلِّ ما تقوله أو تبثه من رسائل أو نتفق تمام الاتفاق. لكن الأهم فيما وراء ذلك هو ما تمثله لنا بعد هذا الحادث: حرية القلم.
من المؤسف أن هذيْن المجرميْن وشريكهما قُتِلوا قبل القبض عليهم ومن ثم فقد يحول موتهم دون معرفة من كان وراءهم على وجه التدقيق. لكن ما عرف عنهم ولاسيما انتماءهم إلى حلقة عرفتها الأجهزة الأمنية الفرنسية كما يبدو منذ عام 2005 باعتبارها تقوم بتجنيد الشباب لإرسالهم إلى العراق ثم مؤخراً إلى سوريا، يسمح بالتفكير بأن محرِّكاً خارجيا يقف وراءهم. من هو هذا المحرّك؟ يكفي أن نتساءل عن المستفيد من هذه الجريمة؟  ربما سنعثر على الإجابات في ردود فعل أبواق بعض الأنظمة التي تستجدي بأي ثمن إعادة تأهيلها بما في ذلك اللجوء إلى الإرهاب الذي تزعم محاربته. 
كالعادة، كانت الشماعة التي علق عليها المجرمان جريمتهما هي "الثأر للنبي". ومن سخرية الأقدار أن بين ضحاياهم مَنْ كان يحمل اسم أحمد وآخر يحمل اسم مصطفى!
سوى أنني أرى أنه يجب ألا يغيب عن بصرنا ولا عن بصيرتنا المعنى الأعمق لهذا الحدث. فقد سبق أن قتل فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، كما سبق وهشمت أصابع فنان الكاريكاتير السوري  علي فرزات. وهاهما شخصان يؤلفان جزءاً من جماعة ـ قد تكون كما زعما القاعدة في اليمن ـ  تنتمي إلى ضرب من الاستبداد، هو الاستبداد الديني في أشنع وأشدِّ تعبيراته جهلاً وتجهيلاً، يقومان بقتل مجموعة من كبار فناني الكاريكاتير في فرنسا. هل هي صدفة؟ نعلم تماماً أنه لا مكان للصدفة في عالمنا الذي بات اليوم أشبه بقرية. ومن ثم وعلى الرغم من زعمهما الانتقام للنبي بسبب الرسوم الكاريكاتيرية، وهو عذر أقبح من ذنب، فإني أميل إلى  القول إن الاستبداد لا يتجزأ. إذ بقدر ما كان ناجي العلي وعلي فرزات يندد بالاستبداد وبالمستبدين، بقدر ما كان فنانو الكاريكاتير في فرنسا، يندِّدون ـ بواسطة رسومهم ـ بالاستبداد والمستبدين في كل مكان من العالم. الجريمة أياً كان مكان اقترافها تستهدف القلم الحر بكل ما ينطوي عليه من رموز. أي حرية الرأي وحرية الصحافة التي دفع الشعب الفرنسي ثمناً غالياً طوال تاريخه كي ينالها.
سيحملنا ذلك كله على التساؤل عن الكيفية التي ستردُّ بها فرنسا خصوصاً وبلدان أوربا عموماً على مثل هذا الحدث لحماية شعوبها. مما لا شك فيه أن الردَّ الأول سيكون الرد الأمني الذي يقوم (وهذا هو الأهم!) على متابعة حلقات هؤلاء الشباب من مواطنيها الذين دُرِّبوا على القتال وعلى الاغتيال تحت ستار أو بحجة الدفاع عن الدين وعن رموزه وعلى ملاحقتهم أينما كانوا من أجل الحيلولة دونهم ودون ارتكاب مثل هذه الفظائع. وفي سبيل ذلك ستتعاون دول أوربا من أجل الوصول إلى هذا الهدف.  وهو ردّ طبيعي بلا شك مع الأمل بأن تدرس في العمق الأسباب الحقيقية التي تدفع بشباب في عمر الورد ولدوا ونشأوا في بلد كفرنسا إلى اختيار طريق التضحية بأنفسهم في سبيل أهداف لا يعلمون عنها في أغلب الأحيان شيئاً وإلى أن يكونوا على غير وعي منهم أدوات صماء لتنفيذ أهداف تتجاوز حيواتهم وعقيدتهم والشعارات التي يظنون أنهم يضحون بأنفسهم في سبيلها.
هناك ما يقارب من ستة ملايين مسلم فرنسي من أصول عربية  وأفريقية. والذين استنفروا منذ عام 2005 كما يبدو كي يُرسلوا إلى العراق أولاً ثم، منذ ثلاث سنوات، إلى سوريا من أجل "الجهاد"  هم من أبناء هذه الفئة من الشعب الفرنسي.
ما الذي يحملهم على الاستجابة إلى مثل هذا النفير؟
ذلك هو السؤال الأهم الذي يبدو لي أنه يجب أن يُطرح اليوم على السياسيين في فرنسا: كيف يمكن الحيلولة دون هؤلاء الشباب ودون الإصغاء إلى صوت لا يمت إلى العقل بصلة؟ كيف يمكن تأمين الشروط الاجتماعية والاقتصادية كي يدركوا أن بوسعهم أن يخدموا مثلهم العليا كلها في مجتمع يحترم هويتهم  وخياراتهم وآرائهم حين يضمن لهم فيما وراء ما ضمنه لهم من مجانية التعليم وحرية الرأي والكرامة بالقانون وحرية الانتخاب فحسب بل وكذلك اختيار المهنة التي يريدون وأن يعاملوا على قدم المساواة مع كافة المواطنين دون النظر إلى اسمائهم أو ودينهم أو أصولهم؟
ذلك في نظري هو التحدي الأكبر الذي ينتظر أن تواجهه السلطات الفرنسية. ولابدّ من مواجهته من أجل العثور على حلٍّ لابد منه على المدى المتوسط والبعيد كي لا تستحيل جموع الشباب إلى قنابل موقوتة تهدد لا المجتمع الفرنسي فحسب بل كل ما يمثله على صعيد الحرية والديمقراطية.

 


 

samedi 10 janvier 2015


بدر الدين عرودكي :الديكتاتوريات الأبدية دفعت بالحركة النقدية نحو الانحطاط الكامل

الكاتب السوري يؤكد أن تماهي المثقف مع السلطة وتأييده لها يفقده صفته تمامًا*


 

العرب- حنان عقيل

القاهرة- د. بدر الدين عرودكي، كاتب ومترجم سوري بارز، كتب في مجالات النقد الأدبي والسينمائي والمسرحي والموسيقي والفنون التشكيلية، أنجز العديد من التراجم الهامة والتي تقرب من الثلاثين كتابًا، والتي تم نشرها في عدد من البلدان العربية على رأسها مصر ولبنان وسوريا، كما نشر عددًا من الدراسات في مجال علم الاجتماع الثقافي، له عدد من الترجمات البارزة مثل (ثلاثية حول الرواية: فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار) لميلان كونديرا، وكتاب "معك" لسوزان طه حسين، و"الآخر مثلي" لجوزيه ساراماجو .. عن أوضاع الثقافة والترجمة وغيرها من الأسئلة الشاغلة كان لنا معه هذا الحوار.

هموم الترجمة

 في البداية تحدث بدر الدين عرودكي عن أحوال الترجمة في العالم العربي، وهل تتجه إلى الازدهار أم الانتكاس قائلًا "لا أظن أن حركة الترجمة تتجه نحو الازدهار في عالمنا العربي. ربما العكس هو الصحيح. هناك مشروعات هنا وهناك. المركز القومي للترجمة في مصر مثلاً، وهو مؤسسة عامة،  أو المنظمة العربية للترجمة في لبنان، وهي مؤسسة خاصة. لا يمكن للمرء إلا أن يثني على كلا الجهدين على قصور إمكاناتهما المادية.. أول ما يذكر لهذين المركزين أنهما اعتمدا مسألة حقوق الترجمة مبدأ لنشاطهما. كل الكتب التي ينشرها المركز بالقاهرة أو المنظمة ببيروت كتب مجازة من أصحاب الحقوق في لغاتها الأصلية. تلك مسألة شديدة الأهمية في نظري. لكن وجود زهرتين لا يمكن أن يؤلف حديقة.. وهنا أساس المشكلة".

وأكد عرودكي أن من أبرز أوجه القصور في حركة الترجمة "غياب التنسيق في مجال الترجمة والنشر؛  إذ رغم وجود اتحاد للناشرين العرب يضم عمليًا الغالبية العظمى من الناشرين في البلدان العربية، لا يزال كل ناشر يعمل منفردًا في حقل الترجمة. فالكثير من الكتب تمت ترجمتها عدة مرات ونشرها ناشرون مختلفون في بلدان عربية مختلفةَ دون أي تنسيق."

واستطرد "ثانيًا عدم احترام الناشرين العرب في غالبيتهم العظمى لحقوق المؤلف، إذ لو فعلوا لاكتشفوا مثلاً أن حقوق هذا الكتاب أو هذه الرواية قد بيعت لناشر ما ومن ثم فلا حاجة لشراء هذه الحقوق مرة أخرى، ولدَفَعَهُم ذلك إلى العمل على ترجمة كتاب آخر لا تزال حقوقه متاحة للغة العربية.  سوى أن غياب مهنة التوزيع تسهم في انتهاك حقوق المؤلف للتفرد بطبع الكتاب في هذا البلد أو ذاك. فما دام من شبه المستحيل (رغم معارض الكتب السنوية في العالم العربي) توزيع الكتاب المترجم والمنشور في بلد ما خارج هذا البلد بسبب الحدود المغلقة أمام الكِتاب في البلدان العربية، فإن الناشر مضطر إلى ترجمة الكتاب ونشره دون أن يعبأ بحقوق المؤلف من ناحية ولا بما يترتب على ذلك من نتائج وخيمة على الصعيد الثقافي."

وأضاف عرودكي: "أيضًا هناك تفاوت مستوى الترجمة والمترجمين. قد لا تكون هذه المشكلة وقفًا على الترجمة إلى العربية. لكن هذا لا يعني عدم ضرورة معالجة هذا الأمر الذي انتبهت إلى خطورته دور النشر الغربية. لكن كيف يمكن للعرب أن يتداركوا مثل هذا القصور وكلٌّ منهم هو في واد؟ و أخيرًا هناك مشكلة المصطلحات في الترجمة. وهي مشكلة حقيقية وشديدة الخطورة ولا سيما في ترجمة كتب العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن المؤسف أن أيًا من المؤسسات اللغوية العربية لا يقوم بما يجب القيام به في هذا المجال، أي محاولة العمل على توحيد المصطلحات واعتمادها رسميًا وإلزام المترجمين باتباعها. إذ حتى القواميس تتباين في اعتمادها هذا المصطلح أو ذاك وتسهم بالتالي في المزيد من البلبلة والتشويش."

محاولات

وردًا على سؤال "إلى أى مدى يمكن اعتبار المترجمين في الوقت الحالي خائنين للنص الأصلي؟ لفت عرودكي إلى "أن لكل لغة نسقها وتاريخها وإيقاعها. كما أنَّ لكل كلمة في كل لغة من لغات العالم أيضًا تاريخها الخاص ودلالاتها المتعاقبة وما تنطوي عليه من شحنات ومعان، بالفعل أو بالقوة، في القواميس وفي الحياة. وإذا كان من السهل أو من الممكن العثور لكل كلمة في لغة ما على ما يقابلها في المعنى المباشر في لغة أخرى، فإن من المستحيل أن تتطابق هاتان الكلمتان في تاريخهما وما تنطوي عليه كل منهما من معان ودلالات ومضامين."

واستطرد: "يكاد المترجم الذي يدرك كل ذلك أو أكثره في اللغة التي يترجم عنها مثلما يدركه في اللغة التي ينقل إليها، أن يسير وهو يقوم بالترجمة على طريق مُعبَّدٍ بالجمر..تلك هي المشكلة الكبرى ولا سيما في ترجمة المبدعات الأدبية. وربما لهذا السبب جرى تعبير الخيانة على الألسن وبالأقلام.. لهذا أجد التعبير الذي استخدمه عالم التاريخ الاجتماعي العربي جاك بيرك حين ترجم القرآن إلى الفرنسية مناسبًا تمامًا: فقد سمّى ترجمته هذه: محاولة. وأعتقد جازمًا أن كل ما نقوم بترجمته في مجال النصوص الأدبية لا يخرج عن هذا المعنى: محاولة.. أو محاولات."

هيمنة الديكتاتوريات

وانتقالًا للحديث عن الحركة النقدية في العالم العربي قال عرودكي "لا أدري إن كان بوسعنا الحديث عن "حركة نقدية" في العالم العربي. تفترض الحركة النقدية وجود نقاد ومناهج وحوارات ومتابعات نقدية على مختلف مستويات المنابر الثقافية. من المؤسف جدًا أن مثل هذه الحركة كانت شديدة الحيوية في القرن الماضي ولاسيما في نصفه الأول وفي بلدان عربية كانت منارة ثقافية في ذلك العصر وأعني مصر وسورية ولبنان. لكنها سارت بعد ذلك ومنذ هيمنة الديكتاتوريات الأبدية والوراثية وخصوصًا في سورية نحو الانحطاط الكامل. لقد طال هذا الانحطاط المدارس بقدر ما طال الجامعات بحيث صارت هذه الأخيرة أقرب إلى التجهيل منها إلى التعليم لاسيما وأن معظم الأساتذة فيها من الأجيال الجديدة قد نشأ وتربّى وتكوّن في حضن هذه الديكتاتوريات وتحت رقابتها. لا يمكن لأيِّ حركة نقدية أن تزدهر إلا في مجتمع تسود فيه الحرية التي لا يمكن في أجوائها أن ينحدر التعليم ولا الجامعة ولا الطفيليات الثقافية من كل نوع. كانت نتائج ما حدث في سورية خلال الخمسين عامًا الماضية على هذا الصعيد واضحة للعيان قبل عام 2011، وها نحن نرى انفجار الأصوات السورية منذ أربع سنوات الآن، وهي أصوات كانت مكمَّمة أو هامدة أو مرغمة على الصمت بفعل احتلال الطفيليات للساحة الثقافية. وما نقرؤه اليوم لهذا الجيل الجديد من السوريين الذي تبعثر أفراده في جهات العالم الأربع يبرهن على هذه الحيوية التي كانت كامنة في الأعماق. لا يمكن اليوم، مع ذلك، أن نتحدث عن حركة نقدية بالمعنى الذي عرفناه من قبل كما قلت، لكن ما ينشر اليوم يبشر بالكثير".

آفة الجوائز

وفيما يتعلق بالجوائز الأدبية وأهميتها أكد عرودكي "أن الجوائز كثيرة هذه الأيام، الرسمي منها أو شبه الرسمي (التي تنشؤها مؤسسات الدولة أو من يقوم عليها ويحمل أسماءها من ملوك أو أمراء أو حكام)." لافتًا إلى "أن جائزة الدولة تمنح اعترافًا من الأمة بمبدعيها بعد مسار طويل من العمل والإنتاج، وبعد اعتراف قال به أساسًا الجمهور الذي قرأهم وتابعهم وأكبر إبداعهم ومنحهم بالتالي الشرعية التي تسمح لممثلي الأمة أن يكرموهم باسمها حين يمنحونهم ما يسمى جائزة الدولة. أما الجوائز الأخرى فهي تمنح عادة لعمل أدبي أو أكثر. وفضيلتها أنها تقدم للفائز مبلغًا من المال قد يقدم له حلولاً لمشكلاته المادية لكنها لا تحقق له بذلك الغاية التي يصبو إليها كلُّ كاتب من حيث المبدأ: أن يكون مقروءًا وأن تطال كتاباته أكبر عدد من القراء. وهي آفة هذه الجوائز التي ما إن تمنح وتقوم حولها ضجة صحفية تدوم يومًا أو بعض يوم حتى تهمد ولا يذكر أحدٌ هذه الجائزة سوى أصدقاء الفائز ومن كان منافسًا له."

واستطرد: "الجوائز التي تمنح في الغرب، وفي فرنسا على سبيل المثال، تستدعي إذ تُمْنَحُ عددًا من القراء لشراء وقراءة العمل الأدبي الذي منح الجائزة لم يكن الفائز يحلم بالوصول إليه من قبل. عددٌ يبلغ أحيانا ثلاثمائة ألف قارئ وأحيانًا يتجاوزه. في حين أن قيمة الجائزة المادية تكاد لا تتجاوز عشرة يورو!  تبدو وظيفة هذه الجائزة إذن مجرد دليل للقارئ إلى المُبدَع الذي تراه الأفضل هذه السنة أو تلك في الرواية أو في الشعر أو في النقد. ويقوم الجمهور الواسع إذ يعمل برأي اللجنة في تكريم الكاتب بقراءته وبشراء كتابه الذي سينال حصة من ريعه..هذا فضلاً عن الجو الثقافي الحيوي الذي يتيحه موسم الجوائز على صعيد النشر والنقد والمتابعات النقدية في وسائل الإعلام على اختلافها."

انكماش التفاعل

وبسؤاله عن رؤيته لوضع الأدب العربي ومكانته من الأدب الغربي قال عرودكي "لا أرى أن بوسعنا الحديث عن "تقدم" أو "تأخر" في مجال الثقافة عمومًا. من الأدق أن نتحدث عن ازدهار أو انكماش، عن خصوبة أو عن قحط، مثلاً. يعرف الأدب في كل اللغات هذه الضروب من الأزمنة مثلما يعرفها أدبنا العربي. لا أرى من وجهة نظري أن الأدب في الغرب يعيش مرحلة ازدهار استثنائية. ولا الأدب في العالم العربي كذلك. هناك تحولات في كل من العالمين بفعل التطور الهائل والسريع الذي تشهده الوسائل الرقمية لا يزال كل منهما وخصوصًا العالم الغربي يحاول العثور على مرتكزات من أجل التأقلم معها. لكن عالمنا العربي لا يزال شديد البعد عن البحث عن هذه المرتكزات بما أنه لا يزال يستورد هذه الوسائل ولم يتمكن من إنتاجها بعد. يضاف إلى ذلك كله وضع القراءة في العالم العربي ومشكلات النشر على كل مستوياتها فضلاً عن انكماش تفاعل الثقافة العربية الآن مع الثقافات الأخرى في العالم من خلال ما يُترجَمُ إلى العربية والذي لم تكف التقارير الدولية منذ سنوات عن الإشارة إليه ودق نواقيس التنبيه حتى لا نقول الخطر..لكن هذه المشكلات كما يمكن أن نرى لا تنفصل بحال عن وضع العالم العربي عمومًا منذ أكثر من أربعين عاماً، أي منذ انهيار المشروع القومي والمشروع الاجتماعي في عالمنا العربي بعد أن احتلت المشهد نظم استبدادية وسلطوية.

ثمرة الاختمار

وفيما يتعلق بالمشهد الثقافي السوري نوّه عرودكي إلى أن "أهم ما كشفت عنه الثورة السورية مع انطلاقها تلك الأصوات الجديدة غير المعروفة من قبل، التي بدأت تنطلق في فضاء الشبكات الاجتماعية أولاً ثم على صفحات مختلف الصحف العربية المقيمة أو المهاجرة، الورقي منها والإلكتروني. حيث برزت أسماء كثيرة جديدة تقول ملامح الأجيال الشابة الواعدة، وبدأت أسماء كثيرة أخرى كانت السجون قد غيّبتها طوال سنوات وسنوات تقول شخصيات حامليها وفكرهم ومواهبهم: في البحث أو الفكر الاجتماعي ـ السياسي؛ وفي الأدب الروائي، وفي الشعر بطبيعة الحال."

وأضاف : "الأهم أيضًا، هو ثورة هذه الأسماء على المؤسسات الثقافية القائمة قبل الثورة والتي كانت ضربًا من مؤسسات صُمِّمَت للتطويع والتهجين والإخضاع، حسب الحالة. فقد بدت هذه الأخيرة بسرعة لم تكن متوقعة هياكل تنتمي إلى عصر سحيق مضى لم تكن فيه شيئًا مذكورا. وانطلقت محاولات ومبادرات لاستبدال هذه المؤسسات في تجمعات جديدة..لم يكن الأمر سهلاً ولن يكون بعد أكثر من نصف قرن من التهجين والتطويع.. لكن كل حركة من هذا القبيل كانت تقول رغبة عميقة في القطيعة مع ماض قريب وفي تجديد ٍ يطال كل شيء، بما في ذلك السلوك الفردي والجمعي..هذه الحركة الثقافية هي اليوم في قلب العمل، في كل مكان. حيّة، نشيطة، خلاقة، مفعمة بالآمال وبقدرها من الخيبات.. لكنها حركة قائمة لن يصدها عن الاستمرار قنوط هنا ويأس هناك، ولن ينال منها سلوك يعيد إنتاج أنماط من الشخصية الثقافية الانتهازية أو الخانعة أو السلطوية."

وعن تقييمه للإصدارات الروائية الصادرة خلال تلك الفترة، قال عرودكي "الكتابة الروائية ثمرة اختمار طويل قوامه التجربة الحياتية والثقافية. وليس من الممكن أن ننتظر ونحن نعيش حدَثًا بمثل ما انطوى وينطوي عليه الحدَثُ السوري من تطورات درامية ومأساوية وفواجع أن يتم استيعابه في تخييل روائي بمثل هذه السرعة. وما صدر من كتابات روائية خلال هذه الفترة كانت أقرب إلى محاولات فهم الحدث من خلال التخييل الروائي أكثر من قولها له. ولابد من أن نلاحظ أن مجمل الكتابة الروائية في سورية خلال السنوات الأربعين الأخيرة لم تقم باستثناء عدد قليل جدًا من الروايات بالحفر في أرض المشكلة السورية بحثًا عن الجذور، جذور ما نعانيه الآن على المستويات جميعها، والذي كشفت ثورة السوريين الغطاء عنه في شهر آذار 2011".

أما فيما يتعلق بالدور الذي يتعين على المثقف السوري القيام به في ظل الأزمات المتلاحقة قال عرودكي "لنتفق أولاً على ما نعنيه بالمثقف. هو ـ كما عرفه ببساطة الكاتب والناشر فاروق مردم بك ـ من يعمل في الحقل الثقافي. بهذا المعنى لابد كما أرى أن يكون دور هذا المثقف هو دور الناقد الدائم لكل ما تقوم به ضروب السلطات على اختلافها، السياسية منها والدينية والحزبية والوقوف على الدوام على القطب الآخر منها جميعًا. لهذا عندما يتماهى المثقف في السلطة، ويصير جزءاً لا يتجزأ منها يفقد في نظري صفته كمثقف، ومن ثم فكل ما يقوم به هو جزء مما تقوم به السلطة التي يؤلف جزءًا منها وهو ما يستوجب النقد أو الرفض أو الاستنكار أو المقاومة بكل وسائلها المشروعة."

واستطرد: "لابد من الاعتراف بأن عددًا كبيراً ممن يعملون في الحقل الثقافي من السوريين انقلبوا على هذا الدور وتماهوا في السلطة مبررين ومفلسفين ومحامين كما لو أنهم هم السلطة ذاتها. بذلك فقدوا مصداقيتهم حتى لا أقول مشروعيتهم منذ أول كلمة همسوا بها ضد ثورة الشعب الذي ينتمون إليه. لكن عددًا كبيرًا آخرَ من المثقفين برزوا في المقدمة على الساحة السورية، وبتنا نرى وجوهًا جديدة، وأصواتًا جديدة بل ونبرات مبتكرة، شابة كلها، تعيد للمثقف ألقه وشرف مهمته. الأسماء كثيرة، وهي موزعة في كل الفضاءات الثقافية، قاسمها المشترك الأعظم يتجسد في كلمة: لا، ثم يتباينون في ما وراء ذلك، وهو ما يضفي على مشهد المثقفين السوريين حركيته وسطوعه."

مطامح الشعب

وانتقالًا للحديث عن الحالة السياسية في سورية أوضح عرودكي أن "الوضع السياسي الحالي في سوريا بات شديد التعقيد نتيجة الخيارات التي اتخذها النظام منذ اليوم الأول في مواجهة ثورة الشعب السوري. وقد أدت هذه الخيارات التي اعتمدت العنف غير المحدود إلى أن تصير سورية بوجود النظام وبمساعدته وبالتسهيلات التي قدمها ولا يزال مسرحاً لذيول كل القوى التي تريد تحقيق أجنداتها عبرها من خلال سورية وعلى حساب الشعب السوري. لم تكن المعارضة السياسية التقليدية التي تقدمت لتعلن عن نفسها ناطقة باسم الثورة، من جهة أخرى، على مستوى مطامح الشعب الذي خرج يواجه الرصاص والعنف من أجل حريته وكرامته ولا جديرة بتمثيله، ولا على مستوى التضحيات التي بذلها حتى الآن؛ فقد كانت تعيد بصورة أو بأخرى إنتاج النظام في سلوكه وفي خياراته دون أن تملك أدواته ولا مهاراته التي اكتسبها على امتداد خمسين عامًا."

وأضاف قوله: "يبدو الوضع السياسي الحالي بعد أن صار رهن القوى الكبرى والإقليمية  شبه مغلق على الصعيد السياسي لكنه لا يزال مفتوحًا على الدمار والتخريب يقوم به النظام وكافة القوى التي تقف إلى جانبه أو التي تقاتل لحسابها ثم يقوم هو بتجيير نتائج ما تقوم به لحسابه."

واستطرد: "أما المبادرات التي تطرح على الساحة بين الحين والآخر فهي مع افتراض حسن النوايا ليست أكثر من محاولات يقوم بها أشخاص أو جماعات لا ثقل سياسي حقيقي لهم. ومن ثم فلن يكون نصيبها أكثر من نصيب محاولات سابقة قامت بها الأمم المتحدة والجامعة العربية بدعم من القوى الكبرى.. لقد قضي على الشعب السوري أن يعيش مأساة غير مسبوقة في تاريخ الشعوب.. ومن المؤسف أن نهاية النفق الذي أدخله النظام فيه لا تزال غير مرئية."

 * نشر هذا الحوار في صحيفة العرب، العدد9794 الصادر بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 2015، ص. 12.

http://www.alarab.co.uk/?id=42415