lundi 30 mai 2016


الحنان يتدفق من عينيْكِ*

بدرالدين عرودكي

وهو في طريقه إلى مدرسة سعد الله الجابري، مدرسته في حيِّ عرنوس الدمشقي، ، يسترعي انتباهه إعلان وضع في واجهة متجر لثياب الأطفال الصوفية، مكتوب بخط أسود عريض: "بحاجة إلى شغالة صوف". يعلم أنكِ سيدة من أتقن حياكة الثياب الصوفية لأولادك ولمن يشاء من معارفك. يثير فضولكِ حين يقول لك ما قرأه في واجهة متجر "يحيى الأفندي"، في مواجهة المستشفى الإيطالي. فتطلبين منه مرافقتك إليه.

 يستقبلكِ يحيى الأفندي بتحفظ شديد تكشفه عيناه ويداريه ببعض ابتسامة لا تكاد تخفيه. ما كان ينتظر أن تستجيب لإعلانه امرأة لا يخفي حجابها شبابها. لكنه يريد أن يستيقن من قدراتك. يناولك قطعة يريد منك أن تنجزي مثلها وتعودين إليه في اليوم التالي كي يرى. لكنكِ تبدين استعدادك لإنجازها في التوِّ والساعة.  

يناولك الصوف وسنارتيْن. تباشرين العمل واقفة في زاوية المتجر الصغير دون أن ترفعي الحجاب عن وجهك. كانت أصابع يديْكِ تصنع العُقَدَ بسرعة أصابع عازف ماهر على البيانو. لم تمض دقائق قليلة حتى وضعتِ بين يديه ما أنجزتِه: صورة طبق الأصل عن القطعة الجاهزة بزخرفتها البارزة الدقيقة. لم يعلق بشيء. كان الذهول يعقد لسانه. وكنتُ أرى ذلك.

يعهد إليكِ بالعمل بعد اتفاقكما على الأجر والمهلة. وتخرجين من متجره ممسكة بيدي بخطوات تكاد تشبه قفزات راقصة. كان الفرح يغمرك. فرح رأيته يضيء وجهكِ حين وصلنا البيت. لم تقولي شيئاً. لكني شعرت بشفتيكِ تطبعان القبل على وجهي نائماً. لم يكن من طبعكِ أن تُبدي عواطفكِ أمام من تحبين.

حين أردتِ الذهاب إلى "يحيى الأفندي" كي تقدمي له عملك طلبتِ إليّ مرافقتكِ. ناولك أجركِ مضاعفاً. لم يكن يتوقع هذه الموهبة في حياكة الصوف لديكِ.  فأراد أن يعبر لهذه الفتاة التي لا يرى وجهها عن امتنانه. كانت تلك طريقته في أن يقول: شكراً.

تخرجين من المتجر في اتجاه عرنوس. على مسافة مائة متر يتواجد متجر الحلويات الغربية الجميل "فيينا"، بواجهاته الحافلة بقوالب أو قطع الحلوى المزينة بالشوكولاتة أو بقطع الفواكه الشهية. تدخلين المتجر وتطلبي إلي أن أختار ما أشاء "مما يشتهيه قلبك" تقولين لي.

تتذكرين، حين قدتِ طفلكِ إلى مدرسته على مقربة من هذا المتجر للمرة الأولى، والتياع قلبكِ حزناً وحِرقة أن يمر طفلك كل يوم من هنا وترى عيناه ما كانت يومئذ تراه عيناكِ وتبكيان أسفاً. ها أنت الآن تثأرين من فقركِ إذ يمنحك تعب يديْك ما يشفي غليلك أماً. كان الحنان يتدفق من عينيك وهي تراه يتناول تلك الحلويات بنهم طفولي..

كان لديك واحدٌ ممن "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً". وكنتِ تريدين أن يغمره هو الآخر ذلك الفرح الذي استحوذ عليكِ يوم حملتِ للمرة الأولى أجر يومين من العمل. ولقد فعلتِ.  

**  **  **

فجأة ترين ابنك يعود على حين غرة عند منتصف النهار. تسألين فلا يجيب. لا تزال الكلمات حبيسة غضب شديد تشي به قسمات الوجه المشدودة وصرامة النظرة. يعترف لكِ أنه استقال من عمله بعد مشادة بينه وبين المدير الفني للمصنع شتمه على أثرها أمام عمال المصنع بكلمة غريبة أدركَ أنها شديدة البذاءة: "شيوعي، بازاونغ". كان المدير حلبياً. كان يصرخ في وجه أحدهم بالكلمة الأخيرة كلما غضب.

لكن الكلمة الأولى أرعبتكِ. كانت بدايات عام 1961، وكنتِ تعرفين أن كل من حمل هذه الصفة يسكن السجون منذ سنتيْن. لم تبحثي عن دلالة الكلمة الثانية التي دفعت ابنكِ إلى الاستقالة.

تقولين له: وماذا لو اعتذر هذا المدير عن إهانته لك أمام العمال؟ 

تمنى ذلك في أعماقه لكنه يعرف شراسة الرجل وكبرياءه. تسألينه: كم قبضت من راتبك قبل أن تغادر؟ ستة وعشرون ليرة!

خذ منها ليرة واحدة وأعطني الباقي. إذهب بها إلى السينما سيراً على الأقدام. فإن عدتَ إلى البيت بعد اعتذار هذا الشخص احتفظتُ بالليرات الباقية، وإلا أعدتُها لك!

ضحك ابنكِ من أعماقه. قبل الصفقة بحبور. يضع كل ما معه بين يديكِ ويحتفظ بليرة واحدة. يغادر البيت كما شئتِ. كان عليه أن يهبط جادة الشمسية الخامسة على سفح قاسيون في حي المهاجرين، وأن يجتاز شارع ناظم باشا وصولاً إلى منطقة شورى، لينعطف منها نحو شارع أبي رمانة ثم باتجاه حي العفيف متابعاً السير نحو الجسر الأبيض فشارع الصالحية وصولاً إلى سينما الأمير..وهو يجتاز مفترق أبي رمانة سمع صرير دواليب سيارة فولكسفاكن تتوقف حذاءه فجأة. يناديه من فيها. كان مديره العام في المصنع  يلح عليه أن يصعد السيارة. يمتثل.

لم يكن بوسعه الرفض ولا الاعتذار.

في الطريق إلى المصنع يسمع مديره العام يسرد حكاية استقالته كما سمعها من المدير الفني. يؤكد له أن هذا الأخير ندم على ما قاله وما فعله. لم يكن في وضع نفسي طبيعي. كان يبحث عن طريقة يحملك بها على أن تعود إلى مكتبك. اتصلت بعمكَ كي يعطيني عنوان بيتك. لم أجده. قلتُ أفعل ذلك هذا المساء. وها أنت تسير في الطريق على غير انتظار. سترى. سيعتذر أمامك وبحضور عمال المصنع جميعاً.

يعودُ ابنك إليكِ مساء. ويرى في وجهك قلق السؤال. يقول لك: ولكن ما الذي فعلتِه؟ وجوابك: لاشيء. لاشيء. أبداً.

ديدنك على الدوام. ودهشة تسكنُ عينيك.

**  **  **

يوم رحيلك

ثلاثة أيام وأنتِ على هذه الحال. كما لو لم أن عينيك المغمضتين تريان ما لم يكن أحدٌ من حولك يراه. بناتك وأبناؤك من حولك يودون لو يستمعوا ثانية إلى كلماتك الحانية. تُسمَع فجأة طرقات على الباب. تهرع ابنتك لمعرفة الطارق. شباب يحملون أكياساً من اللحوم يريدون تسليمها للحاجّة. فجأة تستيقظين. تنهضين كي تجلسي على السرير دون مساعدة أحد. تنادي ابنتكِ أن تطلب من هؤلاء الشباب أن يحملوا ما أتوا به إليها إلى جيرانك، في العمارة المقابلة. وتقولين اسم العائلة المَعْنية بهذه الأكياس.

تستجيب ابنتكِ. ويستعيد الشباب الأكياس التي وضعوها خلف الباب.

وتعودين إلى ما كنت فيه، ممدّدة على السرير، مغمضة العينين. لكن الباب ما يلبث أن يُطرق من جديد. وتهرع ابنتك ثانية إليه تسأل من الطارق. فتسمع من يرجوها أن تعيد الأكياس التي استلمتها قبل قليل لأن حامليها لم يعرفوا العنوان الصحيح. تقول لهم: وصلت الأكياس إلى من تريدون؟

كان العنوان هو الذي أشرتِ به كي يحملوا أكياسهم إليه. تتساءل ابنتك: كيف عرفتِ وأنتِ فيما أنتِ فيه؟

ترى، أكنت تفكرين: أدّوا الأمانات إلى أهلها؟

ما أكثر ما أستعيد هذين السؤالين وسواهما، بهذه الكلمات أو تلك، كلما أثرتِ ذهولَ مَنْ حولك.

ربما أعثر على الجواب في ما تبادله ذات يوم ابن عربي وابن رشد.



** مقتطفات من كتاب "فسيفساء امرأة"، نشر في الملحق الثقافي ـ العربي الجديد، العدد 85، ص.: 6.




mercredi 25 mai 2016


بعض منجزات النظام الأسدي

بدرالدين عرودكي

سوف يحتاج المؤرخون إلى زمن طويل من البحث والتدقيق في دهاليز نصف القرن السوري المنصرم قبل أن يباشروا الكتابة التأريخية الجادّة عن فاصل استثنائي ــ في سبيله اليوم إلى التلاشي ــ  اخترق تاريخ أرض ولدت فيها الحضارات واللغات والأبجديات، وحمل اسم أسرة حكمت سوريا طوال أكثر من نصف قرن واستطاعت في السنين الأخيرة من وجودها أن تحيل مدنها وقراها هياكل حجرية وأن تبعثر أهلها في أرجاء المعمورة كلها، وأن تعلن على الملأ بلا تردد أنها تقاتل من أجل الوطن الذي استحال كلمة تحيل إلى الخراب والذل والموت. وربما يبدو مفيداً اليوم التذكير العاجل ببعض مفردات هذا الفاصل الذي عاشه السوريون طوال العقود الخمسة الماضية ولا يزالون يعيشونه، على اختلاف أجيالهم وميولهم، يختلفون في تأويله أو يتفقون، لكنهم في سرِّهم وفي جهرهم يصرخون باللعنة على من افتتح هذا الفاصل، أكان الحزب أو من لاذ به أو الفرد الذي أحاط نفسه بسياج مكين من أفراد على مثاله يمسكون البلاد والعباد بيد من حديد.

 وللقارئ أن يعثر على صفة هذا المنجز الذي ارتكب خلال الفاصل المذكور بعد أن تسرد أمثلة قليلة من مفرداته في ميادين السياسة والإنسان والقضايا في لحظتين: ما قبل الفاصل وما بعده.   

أولها ميدان السياسة. عاش السوريون قبل هذا الفاصل حقبة امتدت نصف قرن منذ أن واجهوا الاحتلال الفرنسي على الأصعدة كلها حتى الاستقلال، ثم السنوات التالية له والتي تناوب خلالها حكم ديمقراطي لم يتمكن من توطيد نفسه بفعل سلسلة الانقلابات العسكرية التي تناوبت معه على السلطة وطغت على ثلثي هذه الفترة التي دامت ربع قرن ختمت بانقلاب عام 1970 الذي قام به حافظ الأسد. اعتاد السوريون طوال هذه الفترة كلها، بما انطوت عليه من ثورات واضطرابات وآمال وخيبات، على تلاحم الأسماء بمسمياتها وبدلالات لا تخرج عن طيفها مهما اتسع. هكذا بعد أن كانت السياسة في سوريا شأناً عاماً لا يقتصر على فئة أو نخبة بل يمكن للناس جميعاً ممارستها فيما وراء سعيهم اليومي من أجل قوت يومهم، ويستطيع من شاء منهم أن يجعل منها عمله الوحيد إذ يتخذ منها جانب الخدمة العامة هدفاً أو جانب المشاركة في الهم الاجتماعي العام مسارا، وبحرية كاملة تسم سلوكه وسلوك كل من يقارب هذا الفضاء المفتوح، أضحت ممارستها، اعتباراً من سبعينيات القرن الماضي، وقفاً على حفنة أشخاص، في الوقت الذي أفرغت فيه من معناها على الصعيد المجتمعي العام الذي أرغم على الانصراف عنها أو على الخوف من ممارستها إلا سراً أو خارج الحدود. ولم تكن الديمقراطية كذلك مفهوماً غريباً على السوريين بقدر ما كانت لديهم ممارسة عامة أياً كانت العواهن التي اعتورتها، تبنتها الأحزاب كلها بما فيها تلك التي اعتمدت الدين الإسلامي طريقها في الممارسة السياسية. يمارسها السوريون في كل فضاء عام كما لو أنهم هم الذين ابتكروها فكراً وممارسة. وقد تجلت أبهى صور ممارستها في ما كان يسمى المجلس النيابي الذي كان يضم تمثيلاً حقيقياً لمكونات الشعب السوري الذي أرسل بنوابه إليه يراقبون سلوك الحكومة وقراراتها ويشرعون القوانين التي ينبغي على مؤسسات السلطة التنفيذية تطبيقها؛ لكن هذا المجلس النيابي استحال مع النظام الأسدي هو الآخر مجلساً "للشعب" يُرسل إليه "نواب" تمت تسميتهم من قبل دوائر الأمن التي تطلب إليهم ترشيح أنفسهم "ممثلين عن الشعب" لانتخابات يعرف جميع من يشارك فيها دوره الكوميدي. هكذا استحال "التمثيل الشعبي" صورياً لا وظيفة له إلا الإيحاء بسلطة تشريعية لا يملك فيها من يؤدي الدور فيه إلا سلطة الموافقة على التشريعات والقوانين التي يمليها رأس النظام. وإذا كانت الديمقراطية قد تجلت قبل الانقلاب العسكري الأخير ورغم الانقلابات  المتناوبة التي سبقته في تعدد الأحزاب وحرية الصحافة والجمعيات الثقافية والنقابات المهنية، وهي سمة أي حكم ديمقراطي بامتياز، إلا أن الأحزاب والنقابات استحالت اعتباراً من 1970 هياكل فارغة، سواء فيما سمي بأحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" التي كانت تقوم بتسويق قرارات "الحزب القائد" أو في "الاتحاد العام لنقابات العمال" الذي صارت مهمته ضبط العمال وتجنيدهم بأمر رأس النظام في مسيرات تأييد لا تنتهي. هذا في الوقت الذي انتشرت فيه منظمات تباينت مهماتها وصيغها وإن تمثلت خصوصاً في ضبط القطاعات الأخرى في المدارس وفي الثانويات وفي الجامعات. أما الجمعيات الثقافية فاختفت من الساحة كلياً لتحل محلها الجمعيات الدينية الخيرية التي يعين مسؤولوها، هم أيضاً، من قبل الدوائر الأمنية على اختلافها. كان ذلك هو الطريق الذي عرفته أسماء أخرى مثل "الوطن" و "فصل السلطات" و"الأمن".

وثانيها ميدان الإنسان، فرداً وجماعة وبيئة. فبعد أن كان الفرد السوري يحتل موقعه الطبيعي في المجتمع وفي السلطات على اختلافها ويتمتع بحرية حقيقية يكفلها له دستور فاعل وفعال، صار أقرب إلى جزء من قطيع تسوسه دوائر الأمن لا يتحرك إلا بإذنها ولا يمارس فعالية دون شراكتها. أما السوري جماعة فبقدر ما برهن عن تكافل وتضامن عابر للانتماءات القومية والدينية سواء خلال النضال ضد المحتل الفرنسي أو خلال العهود الديمقراطية القصيرة التي عرفتها مرحلة ما بعد الاستقلال، بقدر ما استحال، شأن الفرد، إلى كتل مهمشة معرضة لمختلف ضروب العنف والإقصاء والإرهاب. امتلأت السجون في مختلف بقاع سوريا ومنها بلا أي شك سجن تدمر، وتعددت المذابح التي ارتكبت بحق السوريين كجماعات سواء في سجن تدمر أو بوجه خاص في مدينة حماه، وشمل الإرهاب "الإخوان المسلمون" والشيوعيين في وقت واحد. ومثلما طال تفريغ المعاني الفرد والجماعة السورييْن، طال كذلك ذاكرتهم التاريخية في معالم مدنهم وأحيائها. تكفي الإشارة إلى ما حل بالجامع الأموي بدمشق الذي تم ترميمه ضد كل المعايير الدولية السائدة فضلاً عن الاعتداء على التماسك العمراني في محيط الجامع الأموي والسماح بالبناء خارج كل معيار جمالي أو ديني في منطقة المسجد ذاتها.

وثالثها وليس آخرها ميدان القضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها قضية فلسطين. لم يكن السوري فرداً أو شعباً قبل عام 1970 يتبنى القضية الفلسطينية بوصفها قضية إنسانية أو سياسية. كانت قضيته اليومية والشخصية.ولقد برهن في أكثر من مناسبة على مدى التضحيات التي كان يبذلها وعلى استعداد لبذلها من أجل استعادة فلسطين، وذلك حين لم تكن هناك سياسة "الصمود والتصدي" ولا سياسة "المقاومة" ثم "الممانعة" التي سجلت التخلي عن القضية الفلسطينية فعلاً ورفعها شعاراً من أجل تغطية كل مثالب وجرائم السياسة الأسدية التي قتلت باسم حمايتهم الفلسطينيين وحاصرتهم وجوَّعتهم في مخيماتهم السورية واللبنانية. هكذا سرقت القضية الفلسطينية من أصحابها الأصليين واستحالت شعاراً لا يواري بها النظام الأسدي ومن والاه سوأتهم فحسب بل يتاجر بها في كل محفل وفي كل مناسبة.

لم يقتصر المنجز الأسدي على صعيد الداخل السوري على تفريغ المجتمع من السياسة والسياسة من معانيها ومقوماتها فحسب، بل شمل القضية الفلسطينية التي جعلها النظام الأسدي بممارساته خلال السنوات الخمس الأخيرة قضية ثانوية بالنسبة إلى القضية السورية. بذلك يسجل انتصاره الأكبر على أهم قضية عربية تخص الشعبين السوري والفلسطيني، السوري الذي أراد استعباده على نحو تفوق فيه على شراسة مستعمريه الفرنسيين، والفلسطيني الذي استثمر قضيته على نحو تفوق فيه على محاولات مستعمريه الإسرائيليين إلغاءه من الوجود.

أما ما قام به النظام الأسدي من بيع سوريا إلى إيران وروسيا فتلك قضية أخرى فتحت منذ الآن أبواب جحيم لن يكون سهلاً على أحد إغلاقها مادام برهان التاريخ يؤكد أن الشعوب هي التي تنتصر في النهاية..



** نشر في صحيفة القدس العربي، 26 أيار 2016،  ص. 23



mercredi 18 mai 2016


منذ الآن، العدالة الا نتقالية

بدرالدين عرودكي

قد يبدو الحديث عن "العدالة الانتقالية" في سوريا أو مجرد التطرق إلى موضوعها ضمن ظروف واقع الحدث السوري اليوم ضرباً من السذاجة أو أنه، في أفضل الأحوال، يشي بعدم فهم الأولويات التي تطرحها وقائع اليوم وكل يوم في سوريا، مادام تحريرها من محتليها الداخليين والخارجيين أو استعادتها واحدة موحّدة بات موضع شكوك كثيرة، وربما مصدر يأس يخيم على كثير من السوريين، ولا سيما منهم من فقد الكثير خلال هذه السنوات الخمس الأخيرة: بعض أسرته أو كلها، بعض أقربائه أو كثيراً منهم، مأواه ومستقبله وأحلامه التي دفنها قبل أن يتشبث بالبقاء أياً كان المآل أو يهيم على وجه الأرض. وذلك كله بعد أن عانى خلال أربعين سنة حياة كانت تفتقر إلى الكرامة وإلى الحرية. فهل يمكن الآن تناول موضوع قانوني يستهدف توطيد السلام الأهلي وردّ الحقوق الضائعة أو المعتدى عليها لأصحابها ما دامت المذابح تتوالى كل يوم بلا هوادة، ينفذها النظام عبر ميليشياته المختلفة وحلفاؤه من الإيرانيين والحزباللهيين والعراقيين وأفواج المرتزقة الأفغانيين والباكستانيين. وبشتى الوسائل: القصف بالبراميل، وبالتعذيب حتى الموت في المعتقلات، وبالذبح أو بتقطيع أوصال الجثث على مرأى من العالم كله الذي فضل الصمت بعد أن اكتشف بفضل الولايات المتحدة الأمريكية "تعقيد الأمور في سوريا". أو ينفذها أيضاً بين الحين والآخر حلفاء النظام موضوعياً حتى لا نقول عضوياً: تنظيم الدولة ومن والاه أو ارتبط به كي ينبئ عن هويته الإجرامية ويثير الرعب في كل مكان من الأرض. أو ينفذها إضافة إلى هؤلاء من رفعوا رايات أخرى غير رايات الثورة السورية وأعلنوا شعارات وأهداف لا تمت إلى ما خرج من أجله الشعب بصلة، مشوهين بذلك مُثل الثورة وأهدافها ورايتها وكل من دفع حياته من أجل تحقيقها، مبررين أفعالهم بضرورة القصاص  من النظام وأتباعه ومن والاه ناشرين صور وأفلام المجازر فخراً وترهيباً؟

تجد هذه التساؤلات مبررها، فضلاً عن كل ذلك، في ما يبدو انسداد أفق نهاية العذاب السوري بفضل أعداء الشعب السوري وأصدقائه معاً. لكنها مع ما تنطوي عليه من ضروب الخيبة وبعض اليأس تشير في الوقت نفسه إلى ضرورة قصوى تتمثل في استعادة العمل الذي سبق أن بدأ في أوساط الثوار السوريين سواء على مستوى هيئات التنسيق المحلية أو على صعيد مؤسسات المعارضة في الخارج، ثم أخذ بالتراجع تدريجياً بقدر ما بدأ طريق التحرر يبدو طويلاً.  

ما الذي تغير في المشهد السوري حقاً كي يبرر تراجع الاهتمام بهذه المهمة الأساس التي لابد من الاستمرار في الإعداد لها والعمل على جعلها ضمن أولى مهام المرحلة الانتقالية التي سيتم خلالها وضع أسس سوريا الجديدة؟ كل عناصر المشهد الحالي كانت موجودة وفاعلة بهذه الصورة أو تلك: سواء الاحتلال الإيراني عبر ميليشيات ذراعيه اللبنانية والعراقية بالإضافة إلى "مستشاريه" من الحرس "الثوري" من ناحية، أو، من ناحية أخرى، الدعم الروسي عسكرياً وديبلوماسياً. كان هؤلاء وأؤلئك يتدبرون أمر دعم النظام الأسدي كلما بدا موشكاً على السقوط. وكانت أعداد المقاتلين إلى جانبه تزداد بقدر ازدياد الخطر، مثلما بلغ الدعم الروسي له درجة حمايته من الأمريكيين عبر إلزامه بالتخلي عن الأسلحة الكيمياوية حين استخدمها على نطاق لم يكن من الممكن السكوت عليه. لاشك أن درجات العنف التي بلغتها ممارسات النظام وحلفائه في المقتلة وما نتج عنها من تصدعات لدى مختلف المكونات السورية من ناحية وتراجع الهيئات الدولية التي كانت تدعم منظمات المجتمع المدني التي كانت قد بدأت العمل في هذا المجال عن الاهتمام بهذا الجانب قد لعب دوراً حاسماً في هذا التراجع. سوى أن قرار استعادة العمل ينطوي على طابع سياسي بامتياز، ولعل هيئات المعارضة على اختلاف مؤسساتها تتخذ قرار وضع هذه الاستعادة ضمن أولى أولوياتها أياً كانت المدة الزمنية التي تستشرفها من أجل الوصول إلى نهاية النفق. 

من المعلوم  أن العمل الأساس القائم على التوثيق والإحصاء الذي كان يقوم به منذ البداية عدد من منظمات المجتمع المدني أو المراكز التي أسست لهذا الغرض كـ"المركز السوري للعدالة والمساءلة" الذي تأسس عام 2012 بدعم أمريكي مغربي بإدارة الناشط الحقوقي محمد العبد الله، على سبيل المثال لا الحصر، لا يزال جارياً رغم الضربات التي تلقاها العديد من العاملين في هذا الحقل اعتقالاً أو خطفاً أو قتلاً سواء من قبل النظام الأسدي أو من بعض أطياف المعارضة. لكن تنسيق هذا الجهد اليوم يتطلب في الواقع قراراً سياسياً تتفق على عناصره وتتبناه في برامجها مكونات المعارضة على اختلافها كواحد من أهم أهدافها واجبة التحقيق مع بداية المرحلة الانتقالية القادمة طال الزمن أم قصر.

ولا يعني ذلك البدء من الصفر بأي حال من الأحوال. ففي شهر كانون الثاني عام 2014، اجتمع عشرون ممثلاً عن ما لا يقل عن أربعة عشر منظمة من منظمات المجتمع المدني السورية العاملة  في مجال العدالة الانتقالية والسلم الأهلي ومعهم عدد من الهيئات السياسية المعارضة من أجل تأسيس "مجموعة تنسيق العدالة الانتقالية في سوريا"، بوصفها هيئة مستقلة تستهدف القيام بتنسيق العمل بين المنظمات العاملة في مجال العدالة الانتقالية في سوريا، وتوثيق الانتهاكات، والقيام بالدعاية والدعم والتوعية، فضلاً عن تكوين مكتبة رقمية مرجعية لحفظ كل ما يتم وضعه من تقارير وكتب ودراسات تمسّ قضايا العدالة الانتقالية في سوريا. لقد استطاعت هذه المجموعة بما أنجزته خلال فترة قصيرة أن تثبت جدارتها للقيام بهذا العمل غير المسبوق بل والمجهول في سوريا. ويمكن لمن شاء العودة إلى موقعها الإلكتروني كي يتعرف على أوجه هذه الإنجازات الثرية سواء في مجال البيانات والإحصائيات الخاصة بالانتهاكات التي يرتكبها النظام وسواه من الميليشيات العاملة إلى جانبه أو في مجال توثيق المجازر أو قصف المدنيين بالقنابل العنقودية والصواريخ الفراغية أو أيضاً في مجال نشر الكتب والكتيبات الموجهة لمختلف العاملين في الإعلام أو الناشطين في مجال حقوق الإنسان والتي تتحدث عن مفهوم العدالة الانتقالية وتطبيقاته مثل كتاب كاتي الحايك "إجراءات تحقيق النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا ما بعد النزاع" أو كتاب علياء الأحمد "هل ستحقق العدالة الانتقالية في سوريا العدالة للسوريات؟" أو كتاب "العدالة الانتقالية في سوريا بين المفهوم وتحديات التطبيق".

سبق هذا النشاط ورافقه منذ تأسيسه نشاط إعلامي في الصحافة السورية الجديدة المطبوعة  للتعريف بمفهوم العدالة الانتقالية ربما كان محدوداً، لكن التقارير والشهادات التي نشرتها هذه الصحافة السورية الجديدة بمختلف أشكالها تؤلف إسهاماً شديد الأهمية في مجال العدالة الانتقالية في سوريا يبنى عليه ويمكن استثماره في مختلف الميادين القضائية والقانونية فضلاً عن التاريخية.

هل يمكن أن تُهمل كل هذه الجهود؟

لقد مهدت منظمات المجتمع المدني السورية الجديدة هذا العمل الأساس وسوف يكون من الأخطاء المميتة التي يمكن أن تتحمل مسؤولياتها مختلف القوى التي تتصدر اليوم مواقع المعارضة الحقيقية للنظام الأسدي إهمال هذا العمل المنجز في مجال هذه المهمة الأساس وعدم متابعته على الصعيديْن النظري والعملي في برامجها لليوم التالي، أي اعتباراً من بدء المرحلة الانتقالية، مهما كانت هذه الأخيرة تبدو اليوم مؤجلة أو بعيدة المنال. 

ذلك أن التاريخ لن يرحم من يخطئ في قراءته.


** نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي، 19 أيار 2016، ص. 23.


lundi 16 mai 2016



شِراكُ الترجمة

بدرالدين عرودكي

"ما أشدّ سلاسة النص، ينسابُ كأنه مكتوب أصلاً بالعربية"!

كثيراً ما تتردد هذه الجملة بصيغة أو بأخرى في كتابات بعض النقاد أو على ألسنة العديد من القراء أثناء تقييمهم رواية مترجمة. جملة تحمل على التساؤل مع وعلى غرار ميلان كونديرا: أليس من الرداءة أن نقرأ روائياً فرنسياً كبروست، أو أمريكياً كهمنغواي، أو يابانياً كتانيزاكي مثلاً بوصفه كاتباً عربياً؟ هل يمكن تصور أسلوب أحدهم لدى كاتب عربي؟ ألا يعني هذا أننا في هذه الحالة لا نقرأ نصوصاً تُرجِمَت وصيغت ترجمتها وفق ما تقتضيه قواعد اللغة العربية بل كُتِبَت ــ بحثاً عن السلاسة والانسياب ــ كما لو كان النص الأصلي نصاً ركيك الصياغة ولابد من إعادة صياغته كلياً بأسلوب عربي مبين؟ هنا، يمكن مع كونديرا، مرة أخرى، طرح السؤال: من هي السلطة العليا التي يجب على المترجم أن يطيعها، الأسلوب الشخصي للمؤلف الذي يترجم نصّه أم سلطة الأسلوب العام للغة التي يترجم إليها والذي تعلمه المترجم في المدرسة الثانوية؟  

لا تخص هذه المشكلة الترجمات العربية فحسب بل الترجمات إلى سواها من اللغات أيضاً ما دامت تُطرَحُ بهذه الصورة أو تلك في الثقافات الأخرى. يقول الناشر الإيطالي روبرتو كالاسو: "إننا نتعرف الترجمة الجيدة لا من خلال سلاستها بل من خلال كل هذه الصيغ الغريبة والجديدة التي كان للمترجم الشجاعة في أن يحافظ عليها ويدافع عنها."

قضى ميلان كونديرا عدة سنوات من حياته يراجع ترجمات رواياته إلى اللغات الأوربية التي يعرفها ويعيد صياغتها بعد أن اكتشف بطريق الصدفة مدى التشويه الذي طرأ على رواياته الأولى بعد ترجمتها من اللغة التشيكية التي كتبت بها أصلاً إلى اللغة الفرنسية. فهذا مترجم يزخرف أسلوبه، وذاك يعيد تركيب فصول رواياته وناشر إنكليزي  يقصُّ المقاطع التأملية ويستبعد المقاطع الموسيقية. اقترح بيير نورا الذي كان رئيس تحرير مجلة لوديبا على كونديرا إثر ذلك أن يكتب لمجلته قاموس كلماته الجوهرية في رواياته ففعل، ونشرها من بعدُ فصلاً في كتابه فن الرواية.

أول وربما أهم شِراك الترجمة جهلُ الكلمات الجوهرية أو الكلمات المفاتيح التي تنطوي عليها أعمال كل روائي، أو عدم الاهتمام بها. تلك التي تؤلف المداخل الرئيسة إلى عالم الرواية ولا يمكن بدون فهمها وإدراكها أن تستقيم قراءة أو ترجمة عمل إبداعي كالرواية. إذ أن مترجماً عربياً يجهل على سبيل المثال مدى ودلالة ارتباط روائي مثل كونديرا بأصول الرواية الأوربية عن طريق معلميْها الأكبريْن: سرفانتس ورابليه سوف يستخدم كلمة  "الفكاهة" بدلاً من "السخرية" الأقرب إلى نظيرتها الفرنسية، وشتان ما بين الكلمتين ودلالة كل منهما في عالم روائي تعتبر فيه هذه الكلمة من كلماته الجوهرية، وسيلجأ إلى كلمة "التفاهة" ــ وهي تنطوي على حكم قيمة ــ بدلاً من الكلمة الأكثر التصاقاً بنظيرتها الفرنسية "اللامعنى" ــ الخالية، خصوصاً في سياقها، من أي حكم قيمة ــ. ومثل المترجم العربي زميله الفرنسي الذي سبق له أن استخدم تعبير "كانت المرأة بثياب حواء" بدلاً من التعبير المباشر الأصلي "كانت المرأة عارية"، أو لجأ إلى الصورة الزخرفية "كانت السماء لازوردية الزرقة" بدلاً من "كانت السماء زرقاء"! تشويهان موصوفان وعدوانيان: على معنى النص ودلالاته من خلال كلمة واحدةّ لدى المترجم العربي، وعلى الأسلوب المباشر بلا زخرفة لدى المترجم الفرنسي.

يدرك كل من مارس الترجمة أن ترجمته التي أنجزها لن تخرج في نهاية التحليل عن كونها قراءة ومقاربة للنص الذي بين يديه تقترب منه أو تبتعد عنه بمقدار ثروته الثقافية العامة ومعرفته العميقة بالنص الذي ترجمه وبعالم مؤلفه. ذلك ما كان يعنيه وصف جاك بيرك لترجماته عدداً من النصوص الكبرى في التراث العربي: محاولة ترجمة. لاشيء نهائي في نصِّ الترجمة، كما كان يرى، وهو قابل للمراجعة والتعديل دوماً بهدف الاقتراب من النص الأصلي.  نعلم أن لكلِّ كلمة في كلِّ لغة أصولها وتاريخها ومسارها ومعانيها المختلفة في السياقات المختلفة. وبالتالي فلا مجال لطبق الأصل المطلق في الترجمة على صعيد المفردات، بل لما هو أقرب ما يمكن من الأصل مع التحفظ الشديد. ذلك شِركٌ آخر من أخطر شِراك الترجمة الذي لابدّ أن يؤدي، حتى في أفضل الترجمات المنجزة، إلى اختلاف القراءات للأعمال الأدبية في لغتها الأصلية عنها في اللغات التي ترجمت إليها. وربما كانت الطريقة المثلى لتجنب هذا الشرك تحقيق ما أمكن من مطابقة الدلالات بين النصين بما يتيح قراءات متماثلة في اللغتين: لغة النص الأصلية واللغة التي ترجم إليها.

من الواضح أن تطابق الدلالات أو تباعدها هو ثمرة قدرات المترجم على تلافي مختلف الشراك المشار إليها. وإلا كيف يمكن مثلاً تفسير ضحك أصدقاء كافكا حين قرأ عليهم الفصل الأول من روايته "القضية" وعدم ضحك القارئ الفرنسي أو القارئ العربي حين يقرأ الفصل نفسه باللغة الفرنسية أو العربية التي نقلت عنها؟   

سنعثر على جواب عن هذا السؤال في فصل خصصه كونديرا في كتابه "الوصايا المغدورة" لقراءة جملة واحدة من رواية كافكا "القصر"، عرض فيه تأملاته التي قادته إليها انعكاسات هذه الجملة في مرآة ترجماتها الفرنسية الثلاث بدءاً من أول ترجمة أنجزها ألكسندر فيالات بقدر من الحرية لروايات كافكا بين عامي 1933 و 1938 ونشرتها دار غاليمار آنئذ في سلسلة لابلياد، ثم التصحيحات التي ارادت القيام بها من أجل طبعة عام 1976 وعهدت بالمهمة إلى كلود دافيد لتطبع في هوامش مستقلة بعد رفض ورثة فيالات إدخالها ضمن متن ترجمته، وأخيراً الترجمة الثالثة التي أنجزها برنار لورتولاري عام 1984 بسبب رفضه الترجمتين المذكورتيْن. سوف نلاحظ في هذه التأملات إلى أي حدٍّ تلعب خيارات المترجم دوراً حاسماً في دلالات النص على صعيد ترجمة الكلمات الجوهرية الخاصة بالجملة المعنية أولاً،  وعلى صعيد اختيار الكلمات المطابقة أو الموازية لمثيلاتها في النص الأصلي ثانياً، وأخيراً على صعيد ما يسمح به المترجم لنفسه من حرية في التصرف أثناء نقل النص، سواء في إعادة صياغة جملة المؤلف مستعيضاً عن فعلي "الملك" و"الكينونة" مثلاً بأفعال أخرى تنتقل بالمعنى وبالدلالة إلى مسافات بعيدة عن مقاصد الروائي الأولى في استخدامهما أو في تلافي التكرار الذي ترفضه اللغة الفرنسية مثلاً لكنه يلعب أدواراً شديدة الأهمية في لغة الروائي.

من الطبيعي والحالة هذه ألا يضحك على غرار أصدقاء كافكا قراؤه الفرنسيون وعلى أثرهم أوائلُ قرائه العرب ماداموا قد وقعوا جميعاً في شِراك  الترجمة الفرنسية الأولى لروايات كافكا ومنها "القصر" التي كتب عنها جورج حنين مقالة عام 1939، ثم طه حسين الذي  قدّمَ للقراء العرب عام 1946 مجمل روايات كافكا في دراسة مطولة حملت عنوان "الأدب السوداوي" ونشرها آنئذ في مجلة "الكاتب المصري" قبل أن ينشرها كأحد فصول كتابه "ألوان" تحت عنوان "فرنز كافكا".



** نشر في الملحق الثقافي، العربي الجديد، العدد 83، 17 أيار 2016، ص 6.

mercredi 11 mai 2016


خيانة الأمانة

بدرالدين عرودكي

في اللحظة التي كان العالم يسمع خلالها صخب قصف القنابل فوق مدينة حلب العراقة والثقافة والفكر والتاريخ ويشاهد ما تخلفه المقتلة الأسدية ـ الروسية وراء غارات طيرانهما المتوالية لا تفرق بين الأطفال والنساء، أو بين عسكريين ومدنيين، أو بين جنود وممرضين، ارتأى أربعة من الكتاب الفلسطينيين أن يقوموا بزيارة النظام الأسدي دعماً له في "مكافحة الإرهاب". لم تكن زيارتهم بصفتهم الخاصة فحسب بل بصفتهم أيضاً ممثلي اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين الرسميين.  

لا تتجلى الفجيعة في موقف كتاب أدلوا منذ اللحظة الأولى للثورة السورية بآرائهم المناهضة لها مردِّدين الهراءات الإعلامية التي كان إعلام النظام الأسدي يرطن بها حول المقاومة والممانعة وما إلى ذلك، ولا في موقف مؤسسة رسمية تجمع الكتاب وتنطق باسمهم وتشبه في مواقفها من الكتابة ومن الحرية معظم مثيلاتها في الأقطار العربية الأخرى، بل في الوقوف إلى جانب نظام اتخذ من قضية فلسطين تجارة رابحة إعلامياً وسياسياً وكان أكثر من نكل بالفلسطينيين وسامهم سوء العذاب فوق عذاباتهم، سواء في معاركهم ضد إسرائيل بعد هزيمة حزيران 1967 أو في قواعدهم العسكرية أو في مخيماتهم حيث وجدت. ولا تزال المذبحة التي قامت بها قوات النظام الأسدي في مخيم تل الزعتر يوم 12 آب عام 1976 حية في الذاكرة العربية وكذلك التنكيل بسكان مخيم اليرموك طوال سنوات الثورة السورية الست الأخيرة.

فجيعة هي في الوقت نفسه مفارقة. إذ لا يقتصر الأمر على أنَّ أشخاصاً حِرفتهم ـ أو هوايتهم ـ الكتابة قاموا من أجل التعبير عن موقفهم السياسي بهجر أقلامهم واللجوء إلى ضرب من القعقعة وضرب الطبول من خلال انتقالهم إلى مقر النظام الأسدي بدمشق. كما لا يقتصر على كونهم ينتمون إلى فلسطين هوية وثقافة ونضالاً. بل يتجاوزه إلى أمر أشد غرابة يتمثل في الامتثال الطوعي إلى نظام لم يكن فعلياً على وجه الدقة في يوم من الأيام إلا واحداً من جلادي شعبهم في كل المجالات.

من الممكن، بعيداً عن المزايدات الأيديولوجية وبقدر كاف من الخبرة في التحليل التاريخي والسياسي، فهم مواقف من هذا القبيل تتخذها قوى أو أحزاب سياسية مصابة بداء العمى السياسي أو تشكو من الافتقار إلى القدرة على التحليل والفهم أو لمجرد انتهازية رخيصة تتساوى لديها المصالح والدماء التي تسفك في سبيلها. إذ لم تتوان كثرة من أمثالها لا في العالم العربي فحسب بل في بلدان كثيرة في عالمنا اليوم عن اتخاذ مثل هذه المواقف. لا بل إن مؤسسات إعلامية كبرى اشتهرت بمهنيتها وعراقتها في أوربا لم تتوان هي الأخرى أمام إغراءات المال عن أن تسير في طريق الخداع والمراوغة والكذب. أما أن يتبنى كتابٌ فلسطينيون يحملون جروح النكبة ويفترض أن همّهم الأول حريتهم وشعبهم وقضيته الأساس موقفاً على النقيض من كل ما يجسّد شرف الكاتب وأمانته وسبب وجوده، فهو ما يصعب تصوره أو فهمه أو تبريره بأي معيار من المعايير الأخلاقية أو النفعية.

أين الخلل إذن؟ أهو في المؤسسة التي كانت رابطة لمع اسمها حين كان على رأسها ذات يوم محمود درويش ثم صارت اتحاداً تكلس واستحال على غرار سواه من اتحادات الكتاب العربية التي تخشى الكلمة الصريحة والموقف النبيل والشريف، أم في الكتاب الذين تكلسوا هم أيضاً على آثارها؟ وإذا كانت الحجة التي اعتمدوها تبريراً لذهابهم وجود الإرهاب في سورية وعدم إيمانهم أو قناعتهم بوجود ثورة شعب يناضل من أجل حريته ودفع ولا يزال يدفع ثمناً لم يسبق لشعب من قبل أن دفع مثله بما في ذلك الشعب الفلسطيني الذي كانت مأساته مضرب الأمثال، فهل يعني ذلك أن يقفوا إلى جانب النظام القاتل، أم أنهم لا يزالوا بحاجة إلى البرهنة على أن هذا النظام هو من يتحمل المسؤولية عن الكارثة السورية؟ هل سمعوا بمذبحة مخيم تل الزعتر عام 1976؟ وهل سمعوا بحصار تجويع مخيم اليرموك في العام الماضي؟ وكيف يمكن أن يفسروا لأنفسهم نزوح نصف الشعب السوري من مدنه وقراه ومنازله؟ بل لمن يعزون مقتل نصف مليون سوري؟ من الذي يملك الطائرات والبراميل؟ ومن ذهب يستعين بالقوى الخارجية كلها من الجماعات المرتزقة إلى الميليشيات الطائفية، ومن إيران إلى روسيا؟

ليست المسألة كما هو واضح مجرد مسألة نظام استبدادي يقمع المثقفين والكتاب ويحول بينهم وبين التعبير بحرية عن آرائهم ومواقفهم. إذ لم يكن هناك من يحمل الكتاب الفلسطينيين الثلاثة القادمين من بلد محتل على المجيء إلى دمشق المحتلة هي الأخرى. ولم تكن هناك سلطة ترغمهم على الذهاب سوى سلطة ضمير شهدنا ما أملاه عليهم. كان ذلك خيارهم الفردي وقد تماهى مع خيار المؤسسة التي ينتمون إليها. مثلهم في ذلك مثل رابعهم الذي رافقهم من دمشق بعد أن كان شاهد عيان لما حلّ بأهله في مخيم اليرموك على أيدي ميليشيا النظام الأسدي وحلفائه. هذا يعني أن المسألة هنا لا تتجلى في علاقة المثقف مع نظام مستبد بقدر ما تتعلق بموقف أخلاقي مبدئي قوامه انتهازية موصوفة على أكثر من صعيد تتعامى عن المشكلة الأساس لصالح تفاصيل يختلف توصيفها في وجود أو غياب الأولى. وهو موقف لا يمت بصلة إلى تقويم هؤلاء الكتاب على صعيد الإبداع أياً كان مستوى إبداعهم. 

لا يختلف هذا السلوك الذي سلكه بعض الكتاب الفلسطينيين واتحادهم، من ناحية أخرى، ـ ومن حيث المبدأ ـ عن ذلك الذي اتخذه اتحاد الكتاب العرب بدمشق ومعه عدد من الكتاب والمثقفين السوريين داخل سوريا وخارجها بعد خروج مواطنيهم إلى الشوارع يطالبون بالحرية وبالكرامة وبإسقاط النظام الذي حرمهم منهما طوال نيف وأربعين عاماً، حين تبنوا جملة وتفصيلاً ما اعتمده النظام الأسدي في حملاته الإعلامية الأولى من أنه ضحية مؤامرة كونية ينفذها سلفيون، وسارع أحدهم، وهو أحد أرباب الحداثة والمدافع الأول عن الثورة الخمينية والنهضة الوهابية في آن واحد، باتهام الثوار بالسلفية والرجعية لخروجهم من المساجد متجاهلاً انتماءاتهم الدينية والاجتماعية المعلنة وشعاراتهم ونداءاتهم التي جاهروا بها شفاهاً وكتابة. لم يتساءل هؤلاء أيضاً عن أساس المشكلة بل انتقلوا بهذه الأخيرة مباشرة وبلا مقدمات إلى ما كانوا يودون الاقتناع وإقناع الآخرين به بناء على ما يسمونه نتائج الثورة على الأرض، أي رهاب السلفية والسلفيين!

تلك هي خيانة الأمانة. خيانة تتجلى في هذا الانتقال المُتذاكي بالمشكلة من أساسها، أي من نقد النظام الاستبدادي ونتائج ممارساته الكارثية على البلاد والعباد، إلى تفاصيل تتعلق بثورة شعب كامل من دون وضعها في سياقها شكلاً وموضوعاً. خيانة طبعت مواقف بعض المثقفين والكتاب، من سوريين وفلسطينيين أو سواهم في مشرق البلدان العربية الأخرى ومغربها. لم يُمْلِ الاستبدادُ هذا الموقف بقدر ما حاول تربية أكثر من جيل على اتخاذ مثيله في مناسبات شتى، منذ أن استملك السلطة وساس البلاد بالعنف والقهر. ولئن نجح في سعيه لدى البعض مُخصباً لديهم بذور الانتهازية أو  الانتماء الطائفي أو المنفعة الآنية فإنه فشل في الحيلولة دون انتفاض هذا الجيل الذي نرى اليوم بأعيننا ولادة كتّابه ومفكريه وفنانيه وهم يتألقون حرية وتحرراً، ويسيرون على درب مُعبَّدٍ بآلام أكثر من أربعين عاماً هي إرثهم الثقيل الذي يعملون على الخلاص من آثاره وسمومه القاتلة.




** نشر في القدس العربي، 12 أيار 2016، ص. 23.


mercredi 4 mai 2016


حسين العودات

صورة مثقفٍ سوريٍّ: فاعلا وشاهداً

بدرالدين عرودكي

لم يرَ حسين العودات وهو يغادر عالمنا قبل حوالي أربعين يوماً ما كان يدرك مقدار صعوبته ويتوق في الوقت نفسه إلى رؤيته وشهوده وحضوره: سقوط النظام الأسدي، هو الذي وقف منذ  لحظة "الحركة التصحيحية" الأولى مناهضاً ومقاوماً ومفنداً لهذه العملية الانقلابية، العسكرية بثياب مدنية، أو العكس، والتي كانت خاتمة الانقلابات العسكرية وبداية عهد استبداد عمل مؤسِّسُه على أن يكون أبدياً يُوَرّث إلى ما لانهاية ويستعبد شعباً لم يعرف الخنوع يوماً لكل من مرّ عليه من حكام على امتداد العصور.

منذ تلك اللحظة أيضاً كان حسين العودات قد حدّدَ موقعه وأعلن موقفه بلا تردّدٍ ولا مواربة: قطيعة مع ماض حميم طبعته رومانسية شابّ قدِمَ إلى المدينة من أعماق حوران بعد أن جاب أرجاءها جمّالاً قبل أن يصير مدرّساً ثم مسؤولاً في دوائر التربية والتعليم والتقطت ذاكرته البصرية والإدراكية منها مشاهد فقر وبؤس ستسهم في صياغة وعيه الفكري والسياسي وتحمله على الانتماء لحزبٍ كان في بداية عهده أوائل الخمسينيات من القرن الماضي موئل الشباب الغاضب على التخلف وعلى هزيمة تاريخية تجسدت في نكبة فلسطين، مؤمناً كأقرانه بالقدرة على التغيير في وطن تتنازع عليه المصالح والأطماع، فردية وجماعية، داخلية وخارجية.  

لكنها قطيعة مع أطرٍ وضربٍ من الممارسات طبعت الحزب الذي انتمى إليه، حزب البعث،  والذي كان سواه من أمثاله يعلن منذ وصوله إلى السلطة بانقلاب عسكري عن مأساة نهايته بعد مأساة بداياته، لا مع الأفكار التي كانت تتعمق إذ تعاد صياغتها في غمرات الممارسة وفي التجربة كي تنعكس سلوكاً متماسكاً يلغي كل فاصل بين النظر والعمل.

قطيعة استعاد بها حريته مثقفاً وسياسياً وإعلامياً مستقلاً تمام الاستقلال عن نظام الاستبداد وأركانه وأطره بل وضمن بعض مؤسساته التي لم يكن عمله فيها عدداً من السنوات يحول بينه وبين ممارسة هذه الحرية المستعادة. لكن للحرية مع ذلك ثمن لا بد من دفعه في نظام قام على ما أعلنه مؤسِّسُه: "لا رقابة على حرية الفكر إلا رقابة الضمير" حين عهد إلى ستة عشر فرع أمني القيامَ بوظيفة هذا "الضمير"! هكذا لم يكف حسين العودات عن زيارات مكاتب "الضمير" الأسدية على اختلافها مطلوباً طوال سنوات حكم مؤسس الاستبداد في سوريا وحتى وفاته.  ذلك أن كل ما كان يرطن به هذا النظام من ديمقراطية صورية وحرية خلبية ومقاومة كاذبة لم يكن ليخدع وعياً حاداً بالمشكلات السياسية والاجتماعية التي يعاني منها بلده، ولا ضميراً حياً ما كان للمناصب أو للمغريات التي كان يحاول النظام بها استرداده لإسكاته أن تثنيه عن الصدق مع نفسه أولاً ومع سوريا التي استحوذت على ملكاته الفكرية والنفسية والاجتماعية لا يغادرها إلا ليعود إليها مهما لاقى من عنت "الدوائر الأمنية" أو صلف رجالها وصفاقتهم.

لكنه مع تأسيسه "دار الأهالي" سيواجه ضروباً أخرى من الإرهاب الأمني لن تثنيه هي الأخرى عن السير في الطريق الذي رسمه لنفسه. ههنا يتيح لزملائه من المفكرين والكتاب والمبدعين السوريين والعرب تقديم ثمرات مشاركاتهم في نقد الوضع العربي عبر نشرها في الوقت الذي ينشط هو الآخر في إطار مؤسسات عربية مثل الأليكسو (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم)، أو المعهد العربي للدراسات الاستراتيجية، أو اتحاد إذاعات الدول العربية أو في الكتابة الصحفية مثلما سيوالي نشر عدد من أبحاثه وكتبه في مجال الفكر السياسي والتاريخ والإعلام.

إلى جانب ذلك كله، ولم تكن المرحلة الثانية من الأبدية الأسدية قد بدأت بعد بتتويج بشار الأسد رئيساً وريثاً، كان يباشر الفعل من جديد على الأرض حين بدأ المشاركة مع عدد من النشطاء في تأسيس "لجان إحياء المجتمع المدني" في سوريا والمشاركة بفعالية في ما عرف بـ "ربيع دمشق"، ثم مع آخرين عام 2005 في كتابة "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي"، الذي تضمن في بنوده الأساسية خطوطا عريضة لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا وكيفية إنهاء النظام الأمني الشمولي الذي سيطر على الشعب السوري وقدراته أكثر من أربعين عاما. وقد واجه الموقعون عليه في السنوات التالية مختلف الاتهامات من قبل السلطة الأسدية وأبواقها وكابد بعضهم الاعتقال والتعذيب. وفي عام 2006، شارك مع مجموعة من السياسيين والمثقفين اللبنانيين والسوريين في كتابة "إعلان بيروت/دمشق ـ إعلان دمشق/بيروت" من اجل إقامة علاقات سورية لبنانية على أسس جديدة تمحو آثار ثلاثين عاماً من الوصاية  وتعتمد التكافؤ والتعاون والمصالح المشتركة بين البلدين.

لم يتوقف حسين العودات خلال سنوات المرحلة الأسدية الثانية العشر الأولى عن ممارسة عمله ناشراً ونشاطه كاتباً ومفكراً ومناضلاً، وكذلك زائراً مطلوباً  من قبل دوائر الأمن أو سجينها بين الحين والآخر، إلى أن قامت الثورة السورية التي سيجد فيها مآل بل وتجسيد حلم جيله ممن حلموا بمجتمع مدني وديمقراطي، وسيتابع طوال سنواتها الخمس وحتى النفس الأخير نشاطه الحثيث فكرياً وميدانياً وإعلامياً.

كان أحد المثقفين الذين دعوا منذ بداية الثورة إلى وحدة المعارضة والحوار بين ممثليها. ولئن كان أحد مؤسسي "هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي" بل ونائب رئيسها فإنه سرعان ما تخلى عن العمل في إطارها بعد أن فقدت مصداقيتها شعبياً إثر قيام بعض ممثليها بالدعوة إلى ضرب من التعاون مع النظام.

شهد أصدقاؤه كيف كان لا يتوانى عن المشاركة في الاعتصامات وفي المظاهرات. وكان من دمشق يواصل الاستجابة إلى نداءات القنوات التلفزيونية المختلفة للمشاركة في ندواتها أو التعليق في نشراتها الإخبارية مفسراً لمجريات أحداث الثورة ومعلقاً عليها بجرأة لا يكاد يجاريه فيها أحد من المعارضين الباقين في دمشق، مسجلاً عنف النظام الأسدي في تعامله مع المتظاهرين وفي كذب إعلامه ومراوغة ممثليه في كل مجال.

ولأنه كان يعرف طريقه الذي اختطه لنفسه منذ البداية، فقد كان أيضاً أنبل وأكثر كبرياء من أن يستجيب إلى أية مغريات يمكن أن تودي به إلى مهالك المذلة والتبعية الرخيصة، كان من الطبيعي أن يكون جريئاً إذ بقي بدمشق لا يغادرها معلناً على الملأ كل ما يفكر به دون مواربة أو نفاق. على أن هذه الجرأة لا توازي لديه إلا السخرية، السخرية بما هي بعد إنساني، تلك التي تنبئ عن إنسان بلا أوهام عن نفسه أو عن الآخرين؛ وربما كانت هذه السخرية بالذات هي التي أحاطت جرأته بسياج مكين يحميه شرَّ عنف السلطة الأمنية مثلما حماه كذلك من عنف مآخذ بعض خصومه من الذين كانوا لا يجارونه في التجربة وفي الثقافة وفي الحكمة.

فهم حسين العودات السياسة بوصفها فن الممكن، وكان ذلك أساس سلوكه في علاقته مع النظام ممثلاً في أجهزته الأمنية مثلما كان كذلك أساس علاقته مع هيئات المعارضة ومواقفه منها. لكن فهمه هذا لم يكن يعني على الإطلاق رفضاً للثورة بما هي طموح إلى التغيير الأعمق والأشمل، وإلا لما خرج متظاهراً مع المتظاهرين ومعتصماً مع المعتصمين. سوى أنه كان يدرك كل الإدراك طبيعة هذا النظام الشرسة التي تجلت خلال السنوات الخمس من الثورة بكل قدراتها الإجرامية، وكان يخشى بفعل ذلك مدى نتائج العنف الذي يمكن أن يمارسه النظام من أجل استمرار أبديته.

حسين العودات: فارس ترجل بكل عنفوان كبريائه، مثالاً ونموذجاً لمثقف سوري، فاعل وشاهد،  قلَّ مثيله هذه الأيام.



** نشر في صحيفة القدس العربي، 5 أيار/مايو 2016، ص. 23.


lundi 2 mai 2016




عن الجوائز الأدبية والبيئة الثقافية

 بدرالدين عرودكي

يُقَدِّمُ الصحفي على إحدى القنوات الفضائية العربية الفائز بجائزة "بوكر" العربية لعام 2016 على النحو التالي: "روائي مرموق، والدليل أنه حاز على جائزة البوكر هذا العام"!

هكذا، وبجملة عابرة، يتم توصيفٌ للجائزة لم يسع إليه من أنشأها: أن تصير في ذاتها مرجعية نقدية سابقة على ـ إن لم تكن لاغية لـ ـ كل معيار نقدي أدبيّ آخر. وقبل ذلك، كان ثمة توصيف آخر طال هذه الجائزة وقامت به الصحافة العربية حين قررت مثلاً أن يحلُّ اسم  "جائزة بوكر العربية"  محل الاسم الأصلي: "الجائزة العالمية للرواية العربية". كما لو أن الاسم مع رنين غربي يبقى أصدق أنباءً مما يمكن أن يأتي به اسم عربي. ليس من الممكن مع ذلك ردُّ مصداقية هذه الجائزة بعد عشر سنوات من إنشائها إلى الاسم، رغم التعاون القائم بين المؤسسة العربية الداعمة ومؤسسة بوكر البريطانية. إنها تؤكد بالأحرى الجهد المنهجي الصارم الذي بذله المشرفون عليها من أجل ترسيخ وجودها وتوصيف سمعتها ومحاولة تحقيق هدفها. لكن دلالة توصيف الصحافة العربية تنبئ عن وجود مشكلة ما.

هذه المشكلة على كل حال لا تتجلى، قطعاً، لا في فكرة "الجائزة العالمية للرواية العربية" التي صارت مؤسسة وممارسة، ولا في التعاون مع مؤسسة أجنبية من أجل الاستفادة من خبراتها في التنظيم وفي النشر بالإنجليزية. إذ لم يكن الهدف المُعلن من إنشائها أن تصير المرجع في تقييم ما ينشر من روايات بقدر ما تمثل أساساً في التشجيع على قراءة الرواية عموماً والتركيز خصوصاً على قراءة تلك التي تقوم لجنة التحكيم باختيارها لنيل الجائزة، وعلى العمل على ترجمة هذه الروايات إلى اللغة الإنكليزية التي يمكن اعتباراً منها أن تترجم إلى لغات أخرى، أوربية وغير أوربية، كي يُفتح المجال واسعاً أمام التعريف بالإبداع الروائي العربي في العالم. وإنما تتجلى في الطريقة التي اعتمدتها الصحافة العربية لا من أجل "تسويق" هذه الجائزة لدى جمهور القراء فحسب بل في فهم معناها ودلالاتها أيضاً. وهي طريقة لابد لها في الحالة الثانية خصوصاً من أن تسيء إلى الجائزة وأن تقيم عقبات لا حصر لها أمام تحقيق أهدافها.

إذ لم تكن أي جائزة في العالم يوما ما ولم تتطلع إلى أن تكون معياراً نقدياً يلغي المعايير الأخرى أو يخرسها أو يتفوق عليها، بل كانت تهدف على الدوام إلى إغناء البيئة الثقافية والأدبية بالنقاشات والسجالات النقدية قبل منح الجائزة وبعد منحها، وإلى زيادة عدد القراء، وإلى دعم الناشر بما يتيحه له مردود المبيعات من ممارسة مهنته، وتشجيع الكاتب بما يجنيه من موارد بيع روايته الفائزة ومردود بيع أعماله اللاحقة بسبب ما يكتسبه من شهرة. ولنا في أقدم وأشهر جائزة للرواية تمنح في العالم، أعني جائزة غونكور الفرنسية، أكبر مثل على ذلك.   

فقد أراد الأخوان غونكور إحياء الأجواء والمنتديات الأدبية التي  عرفتها فرنسا في القرنين الثامن والتاسع عشر. ولم يتسنَّ لإدمون دو غونكور، بعد الوفاة المبكرة لأخيه جول، أن يحقق هذه الإرادة إلا حين أسس الجمعية الأدبية التي صارت "أكاديمية" يعارض بها الأكاديمية الفرنسية التي  رفضت بوصفها "مجمع الخالدين" أن تمنح صفة "الخلود" لعدد من كبار كتاب القرن التاسع عشر من أمثال بلزاك، وفلوبير، و زولا، وموباسان، وبودلير. وقد أراد بها استمرار هذه الأجواء بعد وفاته هو الآخر عام 1896، فكانت وصيته أن تقوم أكاديمية غونكور هذه بمنح جائزة سنوية لمُبدع تخييلي نثري حملت اسمه وصارت حدثاً أدبياً سنوياً كبيراً يشغل على امتداد عدة أشهر الصحافة الأدبية والنقاد مثلما يشغل الناشرين والمكتبات والقراء.  

لكن نجاح هذه الجائزة واستمرار هذا النجاح على كل الأصعدة منذ مائة وأربعة عشر عاماً كان نتيجة تضافر جهود شارك فيها الصحافيون والناشرون والأدباء مثلما شارك فيها القراء أيضاً وعلى نحو حاسم. فقد صارت الأشهر الثلاثة الأخيرة في فرنسا من كل عام، ولا سيما بعد أن تكاثرت جوائز الرواية إلى جانب الجائزة الأم، موعداً ثقافياً بامتياز، تتصدر خلالها واجهات المكتبات الروايات الجديدة، وتمتلئ الصحافة الأدبية بالمراجعات النقدية لمعظم ما صدر من كتب في كل المجالات مع التركيز بالطبع على الروايات. وحين تصدر اللجنة قرارها تستأنف، في الملاحق الأدبية للصحف اليومية والمجلات الأسبوعية أو الشهرية وكذلك في البرامج الإذاعية والتلفزيونية، السجالات الأدبية، والتعريف بالروائي الفائز وبكتاباته من خلال المقابلات والمقالات أو الندوات الإذاعية والتلفزيونية، وهي سجالات لا تخلو في كثير من الأحيان من التعبير عن الاختلاف مع تقييم اللجنة الأخير. لكن الأهم يتمثل في دور القراء الذين يقبلون بمئات الألوف على شراء الرواية الفائزة، بل وفي كثير من الأحيان على شراء الروايات المتنافسة معها حباً في المقارنة. وهو ما يمثل الجائزة الحقيقية للناشر وللروائي معاً لأنه سيعود عليهما بمردود مالي شديد الأهمية يسمح للأول في تطوير وازدهار مهنته، ويتيح للثاني من خلال الحصول على حصته من مردود المبيعات التي تقدر بثلاثة ملايين يورو خلال الأسابيع الثمانية الأولى التي تلي منح الجائزة، ضمان استقلاله المالي واستمراره كاتباً يعيش من مهنة الكتابة. لكن الأهم بالنسبة إلى الروائي كسبه عدداً كبيراً من القراء سيؤلفون من بعدُ جمهوره شبه الدائم طالما استمرّ في الكتابة وفي الإنتاج. 

لقد أتاح تضافر هذه العناصر الثلاثة (قوانين النشر، والصحافة الأدبية، والقراء) لجائزة غونكور أداء الدور الذي أنيط بها. ومن المؤسف افتقار البيئة الثقافية العربية إلى تواجد العناصر كلها وإلى مثل هذا التضافر كي يتيح للجائزة العالمية للرواية العربية أداء دورها. ففي حين يخضع النشر في فرنسا لقوانين تنظم الحقوق المالية والمعنوية لطرفيه: الناشر والكاتب، لا يزال العالم العربي يفتقر إلى مثل هذه القوانين الناظمة وإلى تطبيقها إن وجدت بصرامة. وفي حين تتمتع الصحافة الأدبية في فرنسا باستقلالية وحرية كامليْن، لا تزال الصحافة الأدبية في عالمنا العربي خاضعة لأهواء النظم السياسية أو لأهواء ممولي هذه الصحيفة أو تلك. وفي حين أن القراء في فرنسا يعثرون بسهولة على الرواية الفائزة لشرائها من أقرب مكتبة،  يُحرم القراء العرب في أغلب الأحوال من الحصول على الرواية الفائزة في بلادهم بسبب قوانين الرقابة التي لا تزال في عالمنا العربي مسلطة على كل ما يتعلق بالفكر والأدب.

هذا ما يجعل من الجوائز في العالم العربي حدثاً إعلامياً عابراً أكثر منه حدثاً ثقافياً، وربما هو ما يجعل من بعض الإعلاميين مولعين بالاسم الأجنبي للجائزة ومن الجائزة ذاتها معياراً نقدياً بامتياز!


** نشرت في الملحق الثقافي لصحيفة العربي الجديد، العدد 81، 3 أيار 2016، ص. 6.